الحوار المتمدن - موبايل



مفاهيم حول الدين و علاقته بالأخلاق عند عزمي بشارة (الجزء الأول)

كمال طيرشي

2017 / 10 / 12
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني


يعتقد المفكر العربي عزمي بشارة أن أية مقاربة نود تقديمها حول علائقية الدين بالأخلاق لابد أن نواشجها بما هو سائد في المجتمع، و ذلك في شتى التمرحلات التاريخية التي تمر بها المجتمعات الإنسانية، بحكم أن الأعراف الاجتماعية و تقاليدها تتلاحم بصورة قوية مع الدين، و يتم التعبير عن ذلك من خلال المؤسسات السوسيولوجية ،و لكن لابد أن نفرق ههنا بين الأخلاق و الدين فليس هذا الأخير بحكم تعالقه مع المقدس و العقيدة الايمانية للأفراد يعني الأخلاق، فالدين هو ظاهرة سوسيولوجية مواضعاتية مشبعة بالقيم الإنسانية و يتأثر دوماً بما يعرض للمجتمعات من أحوال التمدن و التحضر و تطور للعادات و التقاليد و الأعراف التي يشب عليها المجتمع، و بالتالي يعمد للتأثير فيها.
هذا و يؤكد عزمي بشارة على أن الدين لم يتطابق مع الأخلاق إذا ما تتبعناه من الناحية التاريخية،و هذا ما نتجلى دليله من خلال تتبع الأديان الضاربة في القدم سواء أكانت ديانات وضعية أو ديانات سماوية توحيدية،كما أن نفحات المقدس الديني في الكثير من الأديان الغابرة كان يتمظهر في ما وراء أخلاق العامة أو بالأحرى كان يتجاوز سلم الأخلاقية و يهتكها في بعض الأحيايين و لا يحتكم إلى شرعتها،هذا و يبين بشارة أنه إذا كان الدين أخلاقا ليس إلا فإن هذا يدل دلالة صريحة كذلك أن في الإمكان الاستغناء عنه و البحث عن منابع قيمية في أيديولوجيات أخرى، فالتدين عموماً ليس عبارة عن قيم أخلاقية ،و لا حتى يركن إلى نمطية الارشاد و السلوك الإتيقي.
هذا من جانب ، كما تنطبق كذلك هذه المقاربة على الفلسفة في دراستها و تطرقها لموضوع علائقية الدين بالأخلاق، و لنا أن نستحضر ههنا الفيلسوف الاغريقي سقراط الذي أنزل الفلسفة من السماء إلى الأرض بعد أن كانت تدرس الأسباب القصوى لوجود الكون و الطبيعة إلى دراسة الإنسان باعتباره كائنا عاقلاً له روح و ذات يشعر بها شعوراً باطنياً، و بالتالي فقد عمد سقراط إلى وضع الانسان في مركز فلسفته، و كانت بالتالي هذه خطوة تنويرية أديت إلى تفكير في دين يسخف العبادة القائمة على الطقوسية و الشعائرية التزلفية و تقديم القرابين، و بالتالي التوكيد على المنحى الضمائري و كذا الوازع الإتيقي في الدين.
و بذلك يتجلى لنا بصورة حصيفة بأن عملية التفكير في مسألة العلاقة بين الأخلاق و الدين باعتبارهما قضيتين منفصلتين أمر مستحدث، أو بالأحرى مستحدث في كل عصر من العصور ، لكن الجديد في الفلسفة هو انفصالية التنظير عن الأخلاق عن طريق البرهنة العقلانية عن التنظير للدين في اللاهوت، و لعل من أعظم الفلاسفة المحدثين الذي عمدوا إلى الفصل في قضية العلاقة بين الأخلاق و الدين الفيلسوف الألماني عيمانويل كانط ، هذا الأخير الذي اعتبر بأن الدين هو الذي يحتاج إلى الخلاق و ليس العكس و بين ذلك في كتاباته الفلسفية التي تندرج ضمن سؤال الأخلاق (خصوصاً في كتابه نقد العقل العملي)، حيث انتهى كانط إلى الإقرار بأن تأكيد وجود الله و سائر معتقدات الإيمان الديني ، أمر لا يقتدره البتة العقل المحض ، معتبرا أن المفاهيم الإيمانية أفكار يركبها العقل المحض من لدنه ، نتيجة عدم وقوفه على قاعدة طبيعية و واقعية إمبريقية صلبة ، حيث يسعى لتحويل الحدود المنطقية التي من الواجب عليه الوقوف عندها إلى موضوعات جوهرية ، و عمد إلى تفنيد كل البراهين على وجود الله بدءا بالبرهان الأنطـولوجي و الكوسمـولوجي و الفيزيقي .
و الدليل الغائي يرتهن بالبرهان الفيزيقي ، و هذا الدليل بدوره يرتكز على البرهان الأنطولوجي ، و إلى جانب هذه الإثباتات الثلاثة لا يوجد سبيل آخر مفتوح أمام مطارحات العقل التأملي النظري ،لذلك فإن الدليل الأنطولوجي المؤسس على التصورات المجردة للعقل هو البرهان الوحيد الممكن ، لأنه يفترض دائما أن أيّ برهان على قضية تتجاوز الإعتماد الإمبريقي لقوة الفاهمة (النُّهى) ، يكون ممكنا ، و أمام هذه الإمكانية تنبجس حروب الجدل و المفارقات ، و بالتالي فليس للعقل المجرد أي قانون إلا إذا كان استعماله في المجال العملي ، لذلك اضطر كانط إلى القول بوجود الله كحقيقة نومينية مسلّم بوجودها على مستوى العقل العملي ،و مفهومية العقل ههنا هي تلك الملكة التي تسنّ القوانين من دون وساطة في ملكة الرغبة ، و على هذا الشكل نُعِتَ بالعقل الخالص العملي و بعد نقد كانط للبراهين على وجود الله أصبح الله مسلمة من مسلمات العقل العملي حاله كحال خلود النفس و الإرادة الحرة ، و تكون هاته المسلّمة حلاًّ اضطراريا لمتناقضات العقل العملي بين السّعادة و الواجب ، و اضطر كانط إلى القول بها بوصفها مصادرات ضرورية لقيام الأخلاق ، و المصادرات الثلاث التي سلّم بها كانط ليست عقائد نظرية ، بل هي فروض ضرورية من الناحية العملية ، و يؤكد كانط على ذلك بقوله استجابة منّا لمطلب الأغراض العملية ، يجوز لنا أن ندعوه بالإيمان ، أي أنه إيمان عقلاني محض ، و ذلك نظرا لأن العقل المحض و في كل من استخدامه النظري و العملي هو المنبع الوحيد الذي ينبع منه ذاك الإيمان .
و نحذق مما سلف أن كانط حينما عمد لنقد العقل المحض اقتدر بحق أن يتأكد من قاعدة جوهرية مفادها أنه لا يدان للعقل الخالص من سبيل للبرهنة على وجود الله و خلود النفس و الحرية ، مما اضطره ذلك إلى الإلتجاء لزوما إلى العقل العملي أملا منه أن يجد ما قد عجز عن بلوغه في العقل النظري ، وفي ذلك استقر على تمايز مفارق بين نهج العقل النظري و العقل العملي ، الأول ينحو بإتجاه العلم الفيزيقي و الرياضي ، و الثاني ينحو بإتجاه الإيمان و حينما نستقرئ حيثيات مطارحات العقل العملي نجده سعيا كانطيا للإجابة عن سؤال ما الذي يمكنني أن اعمله ؟ لكن كانط في حقانية الأمر حاول الإجابة أيضا على السؤال الثالث القائل ما الذي يمكنني أن آمله (سؤال الأمل) ؟ ، و دليل ذلك أن الأخلاق خي المحك الذي سيكشف لنا عن الحقيقة الإلهية باعتبار الله الموجود الأسمى القادر على احقاق التّمام و الكمال الذي يتطلبه منّا القانون الأخلاقي ، و يؤكد كانط على ذلك في قوله بيد أنه قد كان واجبا بالنسبة إلينا أن نعمل على تحقيق الخير الأسمى ، و من ثمّ لم يكن افتراض امكان الخير الأسمى حقا فقط ، بل كان كلذك ضرورة ترتبط من جهة ماهي حاجة بالواجب ، و لمّا كان الخير الأسمى لا يحصل إلا ضمن شرط وجود الله ، فإنه يربط افتراض الوجود نفسه ربطا وثيقا بالواجب ، أي أنه من اللازم أخلاقيا أن يسلّم بوجود الله .
و احقاق الكمال و بلوغه يتطلّب منّا القانون الأخلاقي ، و هذا الكمال يتبلور في وجود الله ، و يعمد كانط إلى تبجيل القانون الأخلاقي لأنه تجسيد مهيب للحرية عينها ، و يؤكد على أنّ القانون الأخلاقي مقدّس ، صحيح أن الإنسان غير مقدّس بدرجة كافية ، لكن الإنسانية في شخصه يجب أن تكون مقدّسة عنده .
و نفهم مما سبق ذكره أن مشكلة توافقية الفضيلة مع السّعادة هي التي قادت كانط إلى ضرورة التسليم بوجود عالم آخر يسمو على عالم الفينومان ، يكون ضمانتنا لإحقاق الخير الأسمى على نحو أتمي و كامل ، و لا مخرج لنا لنرفع تناقضات العقل العملي المحض ، إلا إذا سلمنا فرضا بوجود خالق عظيم عاقل للكون ، يكون هو سبب الترابطية بين الفضيلة و السعادة ، و ليتأتى لنا تحقيق هذا الترابط لابد من شرطين لزوميين أحدهما يقر بأن يكون بمقدور البشري أن تستمر لامحدودية وجوده و هو ما يطلق عليه بخلود النفس ، و الأخرى لابد أن يكون هناك فاعل قادر ، كامل تتحد في ذاته القداسة و السّعادة بصورة تامة ، و هذا الموجود هو الله ، الذي بمقدوره وحده أن يقيم فوق النّظام الفيزيقي ذلك النظام الأخلاقي الذي تتطلبه مجهوداتنا و خلود النفس يبقى مسلّمة ضرورية لابد من التسليم بها ، و هذا إذا أردنا أن يكون للإرادة الإنسانية القدرة على احقاق القانون الخلقي احقاقا كاملا ، أما وجود الله فهو مسلّمة لازمة بحكم تسليمنا بالتلازم بين الفيزيقا و حرية الإرادة من الناحية الأخلاقية . ، و يؤكد كانط على ذلك بقوله السّعادة هي حال للكائن العاقل في العالم ، إذ يجري له كل شيء طوّال مدّة وجوده كلّها وفق ما يشتهي و يشاء ، و تقوم إذا على اتفاق الطبيعة مع الغاية الكاملة لهذا الكائن ، و كذلك مع الأسس الجوهرية التي تعين إرادته .
إن القانون الخلقي ينحو بنا من خلال مفهوم الخير الأقصى باعتباره موضوع العقل العملي المحض ، و غايته النهائية تنحو إلى الدين ، و في ذلك اعتراف بجميع الأوامر الإلهية كواجبات و ليس كفرائض تعسّفية لإرادة غريبة ، بل الواجبات الإلهية احقاق مهيب للإرادة الحرة في حدّ ذاتها ، و هذه القوانين الخلقية تستنبط من إرادة إلهية كاملة و أخلاقية مقدّسة و عظيمة و خيّرة خيرية مطلقة ، ويؤكد كانط أن الأخلاق لا تعلمنا على التدقيق كيف نجعل من انفسنا سعداء ، بل كيف ينبغي أن نصير أهلا للسعادة ، لكن فقط حين ينضاف إليها الدين ، يَهِلُّ الأمل أيضا في أن نحصّل ذات يوم السّعادة ، طالما كنّا قد حرصنا على ألاّ نصير غير أهل لها ، فالإنسان في غالب الأحوال يعرف كيف يصنع حياته ، لكنه لا يعرف لأجل ماذا يجب أن يفعل ، لذلك فهو يشعر على الدوار بحاجته إلى غاية ما ، تكون هي غاية الغايات
و يؤكد كانط على قيمة الدين كأمل في تحقيق السّعادة قائلا أنه حين تكون الأخلاق التي تلزم بالواجبات فقط ،و لا تقدّم مقياسا للرغبة المختلطة بالمنفعة قد عرضت على تمامها (...) و هي الرغبة التي لم تكن قبل ذلك لتتمكن من نفسٍ تتعقب المنفعة ، و حين تكون الخطوة إلى الدين التي تعزز هذه الرغبة قد تمّت عندئذ فقط يمكن أن تسمى تلك النظرية في الأخلاق أيضا نظرية في السّعادة ، لأن الأمل في تحقيق السّعادة لا يبتدئ رأسا إلا مع الدين.
حقيقة فقد كانت بغية كانط هي رصد مصلحة العقل و ما تطلبه من حاجة ملحة إلى الحرية و إلى التشريع الذاتوي لعملية التفكير ، لكن في المقابل من ذلك فإن مطارحات النقد الثاني نقد العقل العملي تقول بمهمة ملقاة على عاتق النهج الأخلاقي تسمح له بمجاوزة الخصوصي أو إيتيقا الفرد إلى ايتيقا الكوني (أخلاق كونية إنسانية ) ، و نفهم من ذلك أيضا النقلة النوعية من دين فردي ذاتي إلى دين أخلاقي كوني ، و هاته هي البغية الركيزة لكانط في تأسيسه الدين على الأخلاق .







اخر الافلام

.. مفتى لبنان: رعاية السيسى لمؤتمر دور الإفتاء فى العالم يدل عل


.. شيخ الأزهر: كنت أخشى تلقى توجيهات عندما كنت مفتيا لكنى فوجئت


.. مؤتمر دور الإفتاء فى العالم يبدأ بحضور رموز سياسية وإسلامية




.. كركوك.. تململ الأقليات العرقية والطائفية


.. داعش والقاعدة والإخوان.. مثلث الخداع باسم الدين