الحوار المتمدن - موبايل



اليَسَاريُّونْ الأخْياَرْ و اليَسَارِيُّون الأَباَلِسَة

محسن عامر

2017 / 10 / 12
مواضيع وابحاث سياسية


محسن عامر*
"بعد وفاة ستالين ، أصبح المسؤولون الروس يموتون في أسرتهم"
إيريك هوبزباوم _عصر التطرفات
لم يبقى من الستالينية كمرحلة تاريخية ما يقال في إطار البحث (عدى الحاجة الدائمة لاستحضارها آيديودوغمائيا من قبل أنصارها العقائديين أو معارضيها المهزوميين التروتسكيين) . فمع أنه من الصعب الوقوف على مةقف تأريخي " محايد" وسط زحام المؤرخين المؤدلجيين ، إلا أن المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي السفياتي يعتبر لحظة تلغي الجدل حول طبيعة النظام الذي قاد "شعوب العالم المضطهدة" حتى فترة الخمسينات . بدون أحكام معيارية على فترة ستالين أو إلى إقامة محاكمة أخلاقية بعيون الحاضر (و لا طائل من الإثنين )، يجب الإعتراف أن الماركسية اللينية كأديولوجيا الدولة السفياتية أورثت شكلا شديد الإبتذال عن التنظم و ذهنية تصفوية عنيفة شديدة المركزية مؤسسة على فكرة "التطهير" بالمعنى المجازي و الحرفي للكلمة) بقيت رواسبها هي المحدد في الفعل الحزبي و الأداء السياسي لليسار العالم ثالثي حتى الآن . ما نريد قوله هنا كيف صنعت الدوغما اليسارية وعيا طُهوريا يتحدد في تقيماته السياسية على ثنائية خائن / وطني و مآلات الوعي التصفوي في حقل العمل اليساري الآن .
أن تتفق معي فأنت رفيق وطني و إِن اختلفنا فأنت الشيطان . هذا ليس حصرا صورة عن مرض دوغما امتلاك الحقيقة و الوثوقية التي حوَّلت اليسار إلى حالة نِحلية عُصبوية تتحلق حول زعماء أنصاف آلهة . و إنما حالة عدم اتِّزان ذهني مزمن صنع معايير سياسية و أخلاقية متسقة مع جسد أنهكه المرض .
تاريخيا؛ كان التصنيف الأخلاقي (و ليس السياسي) القائم على ثنائية و طني / عميل المرافقة لصورة شديدة التجريد للعالم و الصراعات التي تشق المجتمعات،هي السمة البارزة التي رافقت تصورات اليسار لا في تحديد خندق الأعداء و الأصدقاء ( التي لم تكن واضحة يوما) بل إلى الجسد اليساري ذاته و كانت "الذرائع" متفوفًرة داخل الخزانة اليسارية من قبيل "التطهير" (لاحظوا الإيحاءات المخيفة للكلمة) . هذا رافق كل ممارسات اليسار العالم ثالثي من المؤتمر الثالث للحزب الشيوعي السوري و صراع "الرفاق السبعة" حتى تصنيف حزب العمال الكردستاني بالخونة لكل المختلفين معه من الأكراد الذين آثروا المساومة و المشاركة في النسيج السياسي التركي إلى أصار مسعود البارازاني.
ثلاث لحظات كبرى عاشها اليسار طُبِعتْ بالتناسل المرير و التشقق الدائم ؛ لحظة الولادة مع perspective tunisien؛ فظهور المنظمات الحزبية منذ أواسط السبعينات إلى ما بعد سقوط بن علي . ما يعنينا هنا هو الفترة الأخيرة لأنها كان خلاف كل الفترات إنتقالا بنيويا في شكل التنظم و أشكال العمل السياسي التي فرضتها . كان الإنتقال من منظمات صغيرة منضبِطة يسهل تطويعها حسب إجبارات العمل السري نحو العمل العلني لحظة شديدة الوطأة على اليسار .بغض النظر على "الرفاق" الذين غادروا اليسار نحو وجهات أخرى و استقر بهم المقام السياسي هناك ، دخلت شريحة الشباب الذي ولد في ظروف العمل السياسي الليبيرالية بعد الثورة بتعليم جيد و انفتاح على العالم عبر مواقع التواصل الإجتماعي التي تتيح إمكانات تواصل سريع و نقاش و هو ما كان يفتقده الكادر اليساري الذي ولد زمن مناشر الثمانينات مثلا. في الحقيقة هذه الدينامية كانت أسرع مما يجب و لم يكن اليسار بحال قادر على استعابها ، و ما لبثت حتى اندلعت عمليات تطهير حزبية و ظهر فجأة نيكلاي يكوف من جديد (رئيس الشرطة السرية السفياتية زمن التطهير الستاليني بين 1936 و 1938) و دفعت الكوادر الشابة إلى النزوح نحو تخوم اليسار أين سعت للتحرك داخل المجتمع المدني تارة أو داخل محاولات تنظم يسارية فؤوية (شبايية) لا تملك موضوعيا فرص النجاح داخل القوانين الجديدة لصناعة الفعل السياسي.
عبيد البريكي أحد "الأعمدة" الحركة اليسارية التونسية و أحد القيادات التاريخية لأكبر تيار يساري ماركسي (التيار الوطني الديمقراطي) يمضي في خيار تأسيس حزب يساري أختار له وصف كبير إيحاءا لمشروع رفيق دربه الشهيد و شريكه في مشروع توحيد العائلة الوطنية الد يمقراطية شكري بلعيد . هذا على نسبية قدرته على التحول لحالة فاعلة سياسيا في الساحة المكتظة كحافلات النقل العمومي التونسية طرح مشكلا كبيرا لليسار التقليدي و خلق حالة تململ كشفتها تعليقات قيادات الجبهة الشعبية . عبيد البريكي حدث لا يمكن تجاهله داخل المجال اليساري و يطرح بذلك إشكالا أنطولوجيا بالنسبة للتكتل اليساري صاحب الشرعية الحصرية لتمثيل اليسار . اليسار حزبيا بالمنطق الطبقي لا يعبر على حالة اصطفافات اجتماعية و لا يعبر سياسيا على مصالح اجتماعية لشرائح محددة (الهم إذا رمينا ذلك التوصيف الضبابي "البورجوازية الصغيرة) ، و بالتالي لا مجال ثابتا للكسب الحزبي و التمثيل الإجتماعي عدى العمل داخل سوق المنتمين "ثقافيا" لليسار و هم اجتماعيا منتشرون اعتباطيا من العاطلين عن العمل في الأسفل حتى الشرائح الوسطى المرفهة نسبيا في الأعلى . ظهور فكرة يسارية خارج السياق الرمزي التمثيلي لليسار سينهي احتكارا هو القاعدة الأساسية لتمثيل اليساريين و هذا ضرورة سيجعل عبيد البريكي و حزبه يدخلون خندق اليساريين من الباب الكبير .
الإنتفاضات العربي لم تخلق انقساما تاريخيا فقط (في مستوى النظم الجديدة و مجال صناعة التحالفات الإقليمية و الدولية) ، بل قسمت الماركسية و السياسات الإشتراكية عموما . و استحال بذلك العودة إلى الوراء ..فالمجال السياسي الحالي أصبح ينبني على نماذج سياسية لا على تحليلات إيديولوجية .إذ ذاك لن يكون اليسار التونسي التقليدي الممثل في الجبهة الشعبية كإفرازه السياسي الأقصى في منأى من هذه المتغيرات و لن تفيد إذ ذاك المعايير و التصنيفات القديمة التي تحدد الفعل السياسي في خلق التغيير ..يبدو أننا خرجنا من واقع "قديم مات و جديد لم يولد بعد" الغرامشية ..الجديد أمر حتمي

*كاتب من تونس







اخر الافلام

.. الوطن اليوم | اليوم يومك يا هلال!


.. قوات عراقية سيطرت على حقول النفط في ناحية الدبس


.. الرئيس الفلبيني يعلن انتهاء الحرب في مدينة مراوي




.. أمير قطر يجري محادثات مع رئيسة سنغافورة


.. مدريد تُمهل كتالونيا حتى الخميس لتوضيح مسألة الانفصال