الحوار المتمدن - موبايل



مغزى زيارة الملك سلمان لموسكو

جاسم ألصفار

2017 / 10 / 12
مواضيع وابحاث سياسية


مغزى زيارة الملك سلمان لموسكو
د. جاسم الصفار
قيمت زيارة ملك المملكة السعودية من 4-7 تشرين الاول الى روسيا، على انها زيارة تاريخية منذ الاعلان عنها، فالملك سلمان بوضعه الصحي الحرج وعدم تعوده على السفر الى خارج بلاده، خاصة لفترة طويلة نسبيا مثل زيارته هذه الى روسيا، البلاد البعيدة عن بلده والمختلفة عنها بظروفها المناخية وتقاليدها الاجتماعية، لم يكن لها ان تكون دون ان يكون هنالك سبب وجيه ودافع قوي يحضى باهتمام عالي من الملك شخصيا.
من زيارته اراد ملك السعودية ان يقنع الرئيس الروسي فلاديمير بوتن بنسيان كل التعقيدات والاشكالات التي حصلت في العلاقات الثنائية بين بلديهما على كل الفترة التاريخية الطويلة التي غابت فيها لغة التعاون ورغبة التقارب، ونقل هذه العلاقة الى مستويات اخرى وافاق جديدة تتفتح على تعميق التعاون الاقتصادي خاصة في مجال استيراد وتصنيع السلاح، الأمر الذي توليه الرياض اهمية خاصة اضافة الى التفاهم السياسي الاستراتيجي.
كما ان السعودية راغبة في ان تضمن روسيا امنها وترعى مصالحها الشرق اوسطية امام التهديدات الايرانية، فهل هذا من اهتمام ومصلحة روسيا؟ من النظرة الاولى لا، فايران حليف روسيا المجرب في ظروف الصراع المعقدة في سوريا، بينما للمملكة العربية السعودية تاريخ طويل من العداء لروسيا، فهي واحد من الممولين الكبار لعصابات الارهاب الدولية، بما فيها تلك التي تقاتل روسيا في منطقة القوقاس واسيا الوسطى. فلم اذا مد يد العون لهكذا عدو؟
على ان التعاون يبقى مهما لروسيا حتى في مثل هذه الحالة، لأن في السياسة معايير اخرى يتحارب فيها الطرفان عندما تكون الحرب مفيدة ويتعاون فيها الطرفان عندما يكون فيها التعاون اكثر فائدة ولا مكان هنا للحساسيات القديمة، فالسلام لا يعقد، كما يقال، بين الاصدقاء. وقد حان الوقت لتعمل موسكو مع الرياض معا في تلك المجالات التي يكون فيها تعاونهما مفيدا. ويبدو من زيارة ملك السعودية الى موسكو ان المملكة العربية السعودية قد استوعبت هذا الدرس.
وقد استوعبت السعودية هذا الدرس بفضل السياسة الخاجية الفعالة لروسيا في منطقة الشرق الاوسط، وهي الساعي الاخير بعد اسرائيل وتركيا ومصر والاردن لطلب ود موسكو التي فرضت نفسها كلاعب اساسي يتحكم في سير الاحداث في المنطقة ويتعلق بسياستها ومواقفها امن ومصالح دول المنطقة.
كيف اصبحت روسيا اللاعب الرئيس والمتحكم الاساسي في مسار الاحداث في الشرق الاوسط، وكيف تمكنت من زحزحت الولايات المتحدة الامريكية من هيمنتها التقليدية على المنطقة، وأمريكا عن حق اقوى من روسيا اقتصاديا واكثر تأثيرا من الناحية السياسية بفضل انحياز الغرب لها، كما انها عسكريا مازالت القوة الاعظم في العالم؟
يقارب سفير روسيا السابق في سوريا الكسندر زوتوف هذه الحالة بحلبة الصراع بين ملاكمين لا يعتمد الفوز فيه على حجم الكتلة العضلية لأي منهما بل على التقنية العالية لادارة الصراع، وهنا يشير زوتوف الى ان التقنية العالية لادارة الاحداث في الشرق الاوسط من قبل موسكو هي التي مكنتها من التحكم والسيطرة على المتغيرات السياسية والعسكرية هناك.
موسكو كانت حازمة في ادارتها للاحداث، ولم يتردد الرئيس الروسي فلاديمير بوتن عن اتخاذ قرارات مصيرية وحاسمة في المجالات العسكرية وغيرها في سوريا مع علم الرئيس بوتن بأن ذلك سيكلف بلاده كثيرا، خاصة وأن الرئيس بشار الاسد كان في اشد ضعفه وكان الاعلام الدولي والمحلي قد حاصر نظامه بشتى الاتهامات ورسم له صورة الدكتاتور الدموي. ومع كل تعقيدات الموقف فقد مضت موسكو قدما ودون تردد في تنفيذ قراراتها السياسية والعسكرية بينما سجلت امريكا تراجعات عدة. فامريكا، رغم التحدي الكبير، لم تقدم على ضرب سوريا بعد اتهامها لها باستخدام الاسلحة الكيميائية كما انها اضطرت للاتفاق مع ايران بشأن نشاطاتها النووية رغم اعتراض السعودية واسرائيل على الاتفاق.
وفي الوقت الذي كانت فيه روسيا واضحة في تعاملها مع الاعداء والاصدقاء كانت امريكا متأرجحة في دعمها للمعارضة المسلحة السورية وغير واضحة في تعاملها مع فصائلها المختلفة وتصنيفها لها. واخيرا فان روسيا كانت واقعية في تعاملها مع اطراف الصراع ومدت يدها لجميع القوى المؤثرة في الاحداث من اجل التعاون في حل المشاكل العالقة، بينما تعاملت امريكا مع اطراف الصراع على اساس غير واقعي يعتمد على "شيطنة" بعض الاطراف وعدم التعاون معها رغم اهميتها في الحرب على الارهاب.
السعودية اليوم تحتاج الى روسيا ليس فقط للتعاون في مجال انتاج النفط والتحكم باسعاره ولا من اجل حل المشاكل الاقليمية التي ورطت نفسها بها والتي جاءت بنتيجتها حرب دموية طويلة الامد في اليمن وتدخل في البحرين وصراع مع الدوحة في الخليج وخلافات تنمو وتكبر مع تركيا، ولا من اجل تسليح قواتها بالسلاح الروسي فقط، بل وقبل كل شيء لوقف الاثار السلبية لتداعيات سياستها السابقة في سوريا والتي بنتيجتها اتسعت رقعة التأثير التركي في المنطقة سواء في سوريا او قطر وتعاظم الدور الايراني فيها بعد ان اصبحت المعركة مع النظام السوري محسومة لصالح الاسد وقواته على فصائل مسلحة دفعت السعودية الكثير من المال والسلاح من اجل تحقيق انتصار جيوسياسي عن طريقها في سوريا.
وما له علاقة شخصية بحاجة الملك السعودي لمساعدة موسكو هو ان ابنه محمد بن سلمان هو المسؤول الاول عن جميع تلك المشاريع التي تورطت المملكة بها، وهو لا يريد له ان يتسلم العرش من بعده وهو غارق في كل تلك المشاكل التي قد تحول دون تسلمه للعرش اساسا.
يدرك ملك السعودية، رغم هرمه، ان روسيا لن تقدم على تخريب علاقتها مع ايران من اجل تحسين علاقتها بالسعودية، وكل ما يمكن ان يطمح له الملك السعودي هو تحقيق توازن معقول في القوى في سوريا، أو كما يقول رئيس وزراء اسرائيل بنيامين نتنياهو درء خطر "الاستعمار الايراني لسوريا". أو، بصيغة اخرى، ان السعودية تطمح لدور ملحوظ لها في سوريا من خلال منح فرصة اكبر للفصائل المسلحة التابعة لها للمشاركة في تحديد مستقبل سوريا.
الطموح السعودي للحصول على دعم روسي لسياستها في المنطقة او على الاقل عدم التصدي لهذه السياسة في المنطقة ليس بلا ثمن كما تفهمها السعودية لذا جاءت عروض الاستثمار السعودي وصفقات الاسلحة مع روسيا كعربون لشراء رضى روسيا. ومع ان روسيا لا تقيم سياستها على اساس منافع محدودة الا انها اهتمت بالزيارة كثيرا لأسباب معروفة منها الحصول على اعتراف صريح من لاعب قوي في المنطقة باهمية الدور الروسي، كما ان روسيا مهما كانت محدودية الاستثمار السعودي فانه يخفف عن كاهل اقتصادها المحاصر بالعقوبات الامريكية والغربية.
وقد اكد الرئيس الروسي في كلمته على سياسة التوازن التي تتبعها موسكو حين قال : " ايران دولة جارة وصديق قديم ونحن نعتز بصداقتها ونتعامل باحترام مع مصالحها القومية، ولكن المصالح القومية موجودة ليس فقط عند ايران، انها موجودة عند روسيا وتركيا وعند العربية السعودية". وكما أكد السكرتير الاعلامي للرئيس بوتن دميتري بسكوف، فان " التعاون الروسي السعودي ليس موجه ضد اي دولة ثالثة". لذا فان سياسة روسيا سابقا وفي المستقبل ستبقى قائمة على اساس تحقيق توازنات في مصالح دول المنطقة، وكما يقول الدبلوماسي الامريكي المتخصص في شؤون الشرق الاوسط دينيس روس فانك " كلما حاولت مراعاة مصالح كل الاطراف ستدرك كم هي معقدة هذه المهمة".







التعليقات


1 - احييكم
طلال مجيد ( 2017 / 10 / 13 - 10:49 )
و انا مثل الاخ جبفارا ماركس احييكم على هذا التحليل الواقعي و الدسم

اخر الافلام

.. الشرعية اليمنية.. تقدم على الساحل الغربي


.. الحوثي والخميني.. وجها العملة الواحدة


.. الغرب وإيران .. المعايير المزدوجة




.. ملف القدس.. وزيارة مايك بنس المرتقبة


.. العراق.. من هزيمة داعش إلى نقمة البيشمركة