الحوار المتمدن - موبايل



كآبة الكاتب -3-

إبراهيم الوراق

2017 / 10 / 15
سيرة ذاتية




تتمة
أنت جميل أيها الإنسان الغامر بالطاقة الكونية، والباهر بما تكتنزه في جونك من كهوف مظلمة، ودهاليز لا تطيق أن تصرح بما تنحته من حقيقة ‏تسري بين شرايين باطنك، وتجري في مسام داخلك، ولا تستطيع أن تدفن غمرتها بين غيابات الحلم المتهوج فيك إلى الأبد، وتُغيَّب وهجتها بين ‏دياجير الشوق المتبرم معك إلى نهاية الأمد، لكي تغدو بنهايتها حفيا، ورضيا، وتحس في ضياعها بأنك لم تكن تلك النسخة التي كتبها العقل حين ‏ستر هناته، وأخفى أناته، ليبدو بين ضراح المنكوبين قويا، وفي موارد المعذبين شرسا. سيكون هذا قاسيا في طرف كبير من شعورك المستبد ‏بنظره المرسل إلى البعيد المتنائي بين سحاب المجهول، لأنك ما وجدت إلا لتسير بين الدورب الممتلئة بالخوف، والتردد، وفقدان الاتجاه، والرغبة ‏في الاختباء، والتوقي بالوحدة، والتملي بالاغتراب. ولولا ذلك، لما حيرنا رهان نقامر به في معركة الوجود، أو سهام نرمي بها ما يتيه بين واحات ‏الطبيعة من صيد ثمين. لكن، ما دام الخيال عوضا عن الحقيقة، وبديلا عما فقد صوته، ولونه، وطعمه، وريحه، فلا محالة، سنرتحل من نمط إلى ‏نمط، ومن انتظار إلى انتظار، ومن صدود إلى صدود، عسانا أن نستطيب ما يلوح في الأفق، ويغور بين الآماق، ولو لم تتلذذ الذات بملامسته، ‏ولم تتمتع بمداعبته. فحسبه أنه رسم الصورة بدلالها في الروح الخالدة، وهو زاهد في كبريائها المتقد بين أجران جرمها، ورماد حيزها. فلم لا يكتسي ‏ظاهرنا ما هو مواجه لنا في عالم الشعور، والأحلام، لئلا يضيع الزمن في تأويل التلميح، والتلويح.؟
فماذا سأقول في خيبة الأمل، والتعبير يخونني عند صياغة ما ينحصر فينا من لطف، أو بشاعة.؟ سأقول ما أراني قد انتفى عنه شعوري بلعبة ‏اللغة التي تكتب خارجنا المضمخ بالإغراء، والممرع بالإغواء، وهي في انتصارها للقوة التي تخلب عين الناظر القلق، لا تحاكي إلا طبعا سيئا، ولا ‏تناجي إلا طالعا نحسا، إذ قصارى الجهد في اغترارها بميولها العليل الخطرات، والكليل العبرات، أنها لا تعبر عن حالة نفسيتها التي تفور بما يتمخض ‏في الذات من انهيار عصبي، وتذمر من الفراغ، وتحسر في الوحدة، وتكدر مع الوجع. أجل، كل ذلك لم يكن له مكان مناسب إلا قبر الذات ‏العاشقة لألمها، إذ لو لم يحرق لهبه ما تستوطنه من أكنان الألم، وأطلال الأمل، لما فقدت الأزهار أسماءها، وصارت لقيطة في حدقة ناظرها، ‏ومتباعدة عن يد لامسها. كلا، فالأرض التي كانت مراكب تحمل مخاوفنا، قد تفجر يحمومها بما يحرق منابتنا، والعالم الذي كان واضحا في حقيقته، قد ‏غدا غامضا في طبيعته، والكاهن الذي كانت تمائمه ترياقا لأدوائنا، قد صارت ترانيمه سما زعافا في أذواقنا، والصديق الذي كان شريفا في غيابنا، ‏قد استحال خائنا في وصالنا، والقريب الذي كان يحيينا بصواب حبه، قد أماتنا بفوادح كرهه، والكيان الذي كان منتفشا بقوته، قد جاءت منه ‏كل العلل التي أذبت ملحة الجسد، ومسحة الروح. فماذا سأقول في لوعة الحزن، وهذا المحصول الذي حصدته من عشب الأحلام، لم يكن إلا ‏شيئا عديم القيمة، وتافه الطوبى.؟
‏ فأقسم بالإله الذي نزف بالحق من قلبك المفعم بالألم، والمطهم بالورم، وهو النور الذي ليس من جوهر عالمنا النسبي، والطاقة التي يهمس ‏تسبيحها في عمقنا الكلي، أننا رغم كآبة تتبختر في كمد يربو بقسوة رموزه، لم نقف على هذه الربوة العصية، إلا لنزفر بالسؤال الذي يخبو وراء حطام ‏الألفاظ المتعبة، وركام الأوراق المتهرئة، وأكداس الكتب المشتتة بين حطام حجرة يسكنها جني الحرف العنيد، ويؤنسها شوق معرور بكدر، وغول ‏مقرور بوضر، ويلفها شرود ينهل من كأس شايه غصة، ويزدرد من طعامه غمة، ويبتلع من وقته كدورة، ويستلهم من نظره وحشة. فما أقساه ‏حين يعبق قلقه بفوح مبلل بعطر الزفرة، ولحن الحسرة، وخمرة الوحدة.! وما أجمله حين يعبر نظامه على الغياب، والشتات، والعبث. فآه، آه، ‏لولا ذلك الغدر الذي اكتوى به الفؤاد المجلل بالشقاء، لما نطق الجواب باللقب الذي يبحث عن صفاته بين قاع الذات المتبرمة، وبالكنية التي ‏تنقب بين غوائل السبل عن دوحة يغدو فيها حظ السعادة نفَسا نازفا من المعاني التالدة، وأملا يندفع إلى مرعى متناء عما تنتجعه الحظوظ المستهبلة ‏بالسرور، والمستعلية بالحبور. فهل سيمنحنا القدر لحظة لكتابة الرسالة المعبرة عما غرس فينا من طفولة، وبداوة، وغفلة، ومغامرة، وجنون، لعلنا نخترط في جبال ‏الحزن طريقا إلى المشهد المقدس، والمعهد الذي يقبل سقطات ما نرى، وما نحب، وما نخسر، وما نطوي الصحف من أجل إعارته في زمن مفتوح على أكاذيب التاريخ، ‏وأساطيره، وزيف ما فيه من حرية، وكذب ما فيه من حق.؟
فلا تلمني إن فقدت في فصول الحياة طراوة الحنان، ورقة العنان، وضيعت في رسوم ذهني نقش اللوحة التي كتبها البيان بدم الحلم الوثاب، ‏ودموع الأوصاب، لأنني لست إلا فسيلة نبتت بين رماد الزمان، وخراب المكان. وأنى لها أن ينصرف عن صفائها ما طوي فيها من طعم أرضها، ‏ولون سمائها.؟ أجل، قد علمت أن الحب مادة الحياة التي نخشى من إدراك خرافتها، والكره صوت الحِمم التي نبتعد عن حكاية مرارتها. لكن ‏ماذا أطيق في كساد الحال، وسواد المآل، وقد خشينا أن يكون الحلم طيفا سارحا، والحديث عنه ثرثرة، والاستدلال عليه تشدقا، والتزيي به ‏رقاعة، والتباهي به وضاعة.؟ قد يكون ما نواصل به أفكارنا غضا بالهوس الذي يمزق أوصالنا، ويحرق أحشاءنا، ويهيل تراب الوهن على كثير ‏من ثباتنا، وقوتنا. لكنَّ ما نقوم به من كد في سبيل تبصر الحقيقة بين ماهية ذواتنا، هو العلاج الذي يفتح لنا كوةً في زاوية لا يمكن تخيلها إلا عند ‏خلع العذار بين الضمير وكامنه المقصور عليه، لأنه الحقنة التي تمخر عباب خلايانا العصبية بسرعة، وتحلق في سحاب صورنا الذهنية بفتوة، إذ هو ‏الذي يعلمنا كيف نتوقف في بحر المادة ساعات شاحبة، ثم نسير زمنا طويلا بين النهايات التافهة، لنرى في الأشياء التي تجبرنا على كتمانها سببا ‏في وجودها، واعترافا بحضورها. إذ درك منطقها الذي تتحرك به، وناموسها الذي يربطها بغيرها، هو الذي ينفخ الروح في أوتار قصيدة ‏الانبعاث، ويفتق من مقاطعها نغمها الحقيقي، لكي ننشد ما فيها من معان غضة، ثم نشهد صولة صدقها على مرايا العقول التي تدفقت بين حقول ‏المعرفة المتصلبة المراس، والمتصلدة الأساس. فهل يمكن لهذيان العقل، وهلوسة الحرف، أن يعوضا ما ضاع من تلك الوليمة العارية، والمأدبة ‏الداعرة، وهي لا تفتأ ترسل إلينا عبارات الإنكار، وإشارات الانتصار.؟ ‏
في يوم من الأيام القادمة علينا من وراء هذا المجهول القاتم بين أعيننا الساهمة، ستتيه الروح عن لاعجها المتقطع بين نياط سعادتها، وستفارق ‏سطوح آلامها الراشحة بدماء حزنها، ولو لم تعرف السبب الذي أنهى وجودها، وأفنى ظهورها، لكي تحلق في فضاء الكون بجناح حمامة ورقاء، ‏تحمل في رجلها وردة حمراء، وفي فمها غصن زيتون أخضر، ثم تختفي بين عتمة السحاب، وكأنها ما كانت حرة في زمن غفلت عن مكره، وخداعه. ‏وربما لن يكون هذا اللقاء جاريا على سنن الميعاد التي تآلفنا على حدودها، وتواطأنا على تقديسها، لكنه وإن لم يَحدث المراد على ما يقتضيه صوغ ‏المنال، فإن الشوق لن يرى له حضور إلا في عالم الشهود الذي نستجليه من مظاهر البؤس، ومواطن اليأس، وهو كل رجاء يرسله الناي على ‏كثبان الشوق الدوي صوتا حزينا، وإيقاعا كئيبا. أجل، قد أتذكر تفاصيله عند احتماء ذاتي بجذوة السناء، وهو كامن كمون النار في زناد ذاكرتي ‏المغتصبة بالعناء، ولو قبره الزمن بين صخب الضائعين، وحيرة التائهين، واستحال في هوسي مرارة، وفي قرفي مزازة، لأنه حقيقتنا المحفوظة في ‏الذاكرة، والطبيعة التي تستوعب أفكارنا المخزونة في الحافظة. فهل سنتعالى عن إحساس المدن الضجرة، وهي لا يهدأ صخبها إلا في سكر عقلها، ‏لكي نفكر في بناء متحف يحتوي كل أسمالنا التي نلبسها للزينة، والاختفاء وراء المظاهر الناعمة.؟ ‏
‏ فلا تستعجل أيها العقل المستعلي، ولا تهل، بل انتظر ما سيوجده المخاض من ولدان، ومن نسوان، فإن الذي جعلني أسري عن حزني، ‏وأواسي كمدي، هو ما جعلني أتمرد على سيكولوجية الاغترار، وسيسيولوجيا الاجترار، لعلي أن أرتشف مذقة لبن ممزوج بجنون الحكماء، ‏وسوداوية العرفاء، وهذيان الشعراء، وأعرف كيف يداوي صريح العشق جراح الفؤاد الهامس باللفحات، والصادع بالبسمات. لكن ذلك، لا يرفع ‏سقف الأماني عاليا، ولا يخدع بما يميله من ألحاظ سامدة، وأحلام هاربة، لأن ما يخبئه المجهول من غارات هوجاء، وملمات رعناء، هو غير آمن ‏المعرة، ولا ظاهر المغبة. وما دمنا نمتلك الرغبة الأكيدة لاختراق حاجز الزمن الذي يسجننا في قاع ما يستعر بين أعيننا من رماد الأشياء ‏الفاتنة، فإننا قد نلتقي في زمن مَّا بإحساسنا المعلول بآمال مقصورة، وأمان محصورة، وقد نتخلف عن الوعد الموعود، فنهزم في آخر الجولة ‏بالصدود، ونصرع في الميدان الذي حسبناه حصنا حصينا، فإذا به مهلكة الأشواق، ومحرقة الأوراق. إذ لا يبعُد أن يهجم طائش القدر على الدائرة ‏الغافلة بأفراحها الهزيلة، فتكون التجربة قاسية في سبك حكاية الانتصار، ورواية الهزيمة. فما أحيلاها عند قضاء هذه الليلة المتعبة بالإنفلونزا ‏الحادة، ونحن قد نتخلص في وحلها من هواجس التردد، وخواطر التوجس، لأنها تمهد طريقنا إلى تجربة أخرى، قد تكون سببا لتجارب دأب ‏الإنسان على احترامها، وحارب في التحامها، لئلا نفقد الشعور بالوجود الناعم الوجدان، والرائع البيان، ونعدم القبول في مسار يجبر فعلنا على ‏تبجيل المعايير، وتفخيم المقادير. فهل هذه الرائحة غير المعتادة في جوع قاع فكري إلى شيء أشربه من نجيع الفجر الساطع على المدن التي لم ‏أرها، وهي عندي عارية من القماش الذي تزهو به في ذهني، سيكون مهدا لولادة يوم جديد، أنسى فيه نفاق الخدعة القديمة، فأحذف من ‏سحري نفَس ذلك الدرس الذي أفسد ذوقي، وأردى ذاتي.؟ ‏
ربما قد نخفق في سبك الحقيقة بين عُرف متطرف في القبول، ومفرط في الرفض، وربما قد ننجح في طي المسافة التي نقطعها بعرج، وحرج، فنكتب ‏شيئاً بنجيع قلب زال عنه الغطاء بعد العناء. لكن أنى للنجح أن يكون دليلا على الرباح، وهو بعيد عن ذات صرعها جني الألم بغموض الحرف، ‏وغروب البسمة.؟ فلا غرابة إذا كان القياس في لحظة الكآبة لا يتجاوز الرصيد، والحصيد، ما دمنا نفقد في صوغ المنى يقين المناعة، والحماية. ‏وذلك هو مصير كل التجارب التي تحتمل النقيضين عند تقابل الأضداد المتعاركة، وتفترض ما يظهره تلاقح الأشباه من حقائق متعارضة، وتلتزم بما ‏يرسمه تناظر النظائر من حركة متنامية. لكن قصارى الجهد في تحصيل النتيجة المانعة، وتوثيقها بالحدود الجامعة، أننا في خضم المجابهة العاتية، ‏نتعرف على أسباب حيازة السعادة الوانية، ونتجاوز منطق المُعيق الذي يفصل بين الضمير المتكلم ومقتضيات الفكر، ومعطيات النظر، ويمنعنا من ‏الغرق في لجة الوجل الذي يصنعنا قطعان ماشية ذاهلة، تقودها الإرادات الصلبة إلى منتجعاتها المسمومة، لكي تغتني، وتكتنز، ثم تكون ضحية ‏للإمتاع، ومادة للإشباع. وإذا تجاوزنا كون الحقيقة التي تصنع تاريخ النكبة في العقول المستوثقة بوعدها الجريح، فإننا سنلج عالم الاستعارات، ‏والمجازات، والكنايات. وإذ ذاك، لن يكون إصرارنا إلا تحديا للمعيقات، والتفاتا عن المثبطات، وتمردا على التجربة التي تستبطن في جونها اللعنة، ‏وفي ظاهرها المتعة، لأننا نحس في ذاكرتنا بقوة الحضور، وشرة الاستطلاع، وهي التي تعرب عن دوام الحظ في الكون البائس، ما فتئ الإنسان ‏يمشي بقدرته على الثبات، ويقطع غامض المسافات، ويطوي طويل المساحات، لكي يبتهل الفرصة الخالدة في الأشياء العظيمة، والمعاني الجسيمة. ‏فهل سنتوج بهذا الورد، ونحمله إلى دورنا المهجورة، فيكون فوحه سلاما على الذين قضوا نحبهم، وذابوا عن بكرة أبيهم، ولم يبق منهم إلا ما ‏انحازت الذكرى فيه إلى خالد الفعل، والأثر.؟ ‏
وربما قد تكون الحصيلة التي سـتأتي بها المفاجآت مدمرة، والغاية التي سنرتحل إلى جحيمها محطمة، ما دمنا لا نتخيل لها مهدا إلا في وجودها الذي ‏نستلذ صورته، ونستحلي رسومه، وإن كنا نرى في الغور أن روح شتات معناها، هي الأداة البانية لقبة معبدها المبلط ممرُّه باليأس المطرد، ‏والمهيأ لنزول قوافل النازحين من غدر العواطف، والهاربين من خبث الديار، إذ سهوم أطلالها الدارسة، ووجوم غربانها الشائخة، هو الذي ‏يبدد فينا هوس الشك، وألم الانتظار، ويغذي فينا غريزة التحمل لوعثاء السفر، وكآبة المنظر، ويهذب فينا عشق الانتصار على هذا المارد الذي ‏يجثم فوق قلب واقعنا المبتئس الملامح، ويقبض على إحساسه، لكي ينزف منه بأحلام ينحصر الاستنباط في هلاوسها على ما هان في الإنسان، ‏ودان في اللسان. فهل سننتظر ما يباغتنا به المجهول من وساوس، وننسى أننا لم نفتعل الشجار فيما بيننا، إلا لأننا نجامل اللطف الذي نشأنا على ‏تقديسه، ونشاكس هذا اللعين القابع على صخرة عقولنا الغائبة، لعلنا أن نظل مالكين للعزة التي لا نفتخر بلباسها إلا إذا تعرى غيرنا على شطآن ‏المذلة، وأجراف المهانة.؟
إن القياس على فاسد الأقوال، وكاسد الأفعال، وراكد التجارب، وجامد الخبرات، لا يلتزم نصَّ قضيته في استظهار كماله إلا فاقد الصيرورة، لأنه ‏لو درى أن ما يربك الحياة في الكينونة، هو ما يرسمه الاعتقاد من صور داكنة للعلاقات الإنسانية، إذ لو أدرك ما في ذلك من شؤم، وما ‏يحوم حوله من لؤم، لأيقن بأننا لن نتحرر من كابوس المجهول الذي نحتقن الخوف منه، إلا باستظهار سر الفعل، وروحه، واكتسابه بما في عمقنا من ‏أدلة، وبراهين، وهو في نتيجته الجلى، قد يكون في تمهيد طريق ذاته رافضا لغيره، لكنه في محل السلب الذي تفرضه العقول الطائشة، لا يكون في ‏عصارة النيات السليمة إلا قبولا، إذ لا يكتسي إلا ضرورة الإيجاب، وحتمية الوجود، لأنه في البدأ تعبير عن الشوق المكبوت في الماهية، وفي ‏النهاية انتصار على النقص الذاتي، واستظهار لما يخب بين الديار من مغامرة، ومراهنة. ربما قد تكون علة في الهزائم النفسية، وسببا لكثير من ‏الأوجاع المفزعة، والأمراض المزعجة، وقد تتطور مع الحرمان، وتسويغ الهزيمة، إلى أن تصير رضى عما يرد على الكيان في ساعات الذهول، ثم ‏يغدو مع الإلف كسلا رهيبا في صوغ الغد المأمول. شيء هنا لا يزكو إلا باختبار عويص الطرق، وعظيم الهمم، وكريم الذمم، لأن اختلاف الحظ في ‏استيعاب العقول للنتائج التي نجعلها غايات للمكاسب، ووسائل للمجالب، هو الذي يجعل الكتابة حرفا هامسا في آذان العشاق الحيارى، ويفجر ‏من الهزيمة مددا مستلهما لمادة الطبيعة المبدعة، ومستوحيا لما تفرق بين الأكوان من خيوط الآمال، وخطوط الأمان. فهل نكتب ما نرتدي ‏قلنسوته، وقبعته، وربما قناعة، وبرقعه، ثم نتعشى في بحر الأماني الكاذبة، ونتحدث عن الحيل التي تجمع أحلامنا، ونزهو بما بلغناه من حظوظ ‏خائبة، وندعي بأن ذلك هو البيان الحق على عبقريتنا، والحجة الباهرة على نبوغنا.؟ ‏
فلا غلو، ولا إسراف، إذا كانت المتعة حبيسة اللذات المختومة في خواطر العقول المقهورة، والذوات المنكوبة، لأنها كنه ذات الإنسان السوية، ‏وهي روحه التي تبحث عن حضن تناسبه، لكي تسكن رحابه، وتستقر في مراحه، وهي أيضا هوية ذاتنا الجماعية التي تمزج نسلنا في العائلة ‏البشرية، وصورتنا المثلى، إذا أزالت الالتباس عن أصل العلاقة، وموردها الأزلي، ورسمت للرابطة الإنسانية مدار الحرية، والكرامة، ونفخت ‏روح الاجتماع في فراغ الرخامة التي تكبت ما يختفي فينا من أصوات مزمومة، وألحان مكتومة. إذ لا أراني أستغرب ما يحدث في عالم العقل ‏الطاغي من هراء، وتضييق، وصرامة، لأنه لا يستبعد طراوة الأنوثة عن عالم السماء، إلا وقربها في هذيان ذهنه إلى صبوة فحولة الأرض، وغليان ‏نزواتها الراشحة باللذة المتألمة بعنف السادية، وحقارة البهيمية. لكن هل يحق لنا أن ننسى احتياج هذه الذوات إلى شفقة تدني منها بساط المرحمة، ‏ما دامت قد فقدت في سحرها ما يروض خشونة طبعها بالمسة الحانية، ويهذب رعونة خلقها بالضمة الحنونة.؟ ‏
ربما لم يُفهم اللفظ الذي نطق به الأزل في الأعماق، ورشح به الأمل في الأوهاق، فكان السؤال وجيها عند القدرة على فرض الاختيار بين الأماكن ‏المختبئة وراء القناع، والمتزينة باللثام، لأن كل لمسة لا توقد شموع العشق، ولا تضيء قناديل الشوق، لن تصير في محلها إلا موتا، ولن يأتي منها في ‏دابرها إلا ما يجعلها حتفا، إذ لم تهب علينا فوادح الرياح العاتية، ولم تفاجأنا باجتياحها الغادر، وإعصارها الكاسر، لكي تسقط عنا غضارة ‏الأوراق، وتحير فينا سلامة الأذواق، إلا لأنها أضمرت روح الحياة في الجذوع، وأخفت ‏مطر الأمل في السطوع. فالكون لم يبعدها ‏عن الأنظار، ولم يحرمها على الأفكار، بل ‏أطلق العنان لها في الفضاء، لكي تكسب في ‏الزمان أصل الوجود، وفي المكان ‏ضرورة الطبيعة، وفي الحركة فعل الإنسان. ‏فهل تآلفنا على الحب الخالد في الأشياء ‏الجميلة، واستطعنا أن نبني للإنسان بيتا ينضح ‏بالأمل، والحلم، واليقين.؟ أم قطعنا ‏الطريق، ولم نترك له ملاذا، يحج إليه إذا ‏ضاق المدار، وانحسر المدى، وغدا ‏الأنس بيْنا، والصدق ميْنا.؟ أم اقترب ‏الفجر الصادق، ولم يصر رجاءنا في ‏السمر شجونا، وأملنا في الحرف جنونا، ‏وغدا سبيل العودة إلى بساط الأماني ‏مستحيلا، وطريق الانتشاء بتهيام النظر ‏عليلا.؟







اخر الافلام

.. التصويت في البرلمان البريطاني على مذكرة حجب الثقة عن تيريزا


.. منزل عائلة فلسطيني متهم بقتل جندي إسرائيلي يواجه الهدم


.. ماذا يعني بريكست بلا اتفاق؟




.. غريفيث يقدم مقترحات لطرفي النزاع اليمني


.. أحجية الحكومة اللبنانية.. تشكيل لا تشكيل