الحوار المتمدن - موبايل



هكذا تكلَّمَ السيد قَرْوُّشْ

علي دريوسي

2017 / 10 / 23
الادب والفن


هكذا تكلَّمَ السيد قَرْوُّشْ

عندما كبرتُ قليلاً وصرتُ أراه وأميزه عن غيره، وبقيتُ بعد ذلك ألمحه بين الحين والآخر في السنوات الخمس عشر التالية، قبل أن يسافر كل منا في طريقه، وفي كل مرةٍ أرى فيه شيئاً يختلف به ويُمايزه عن غيره. لم تتحْ لي الفرصة في كل تلك السنوات التي رأيته فيها عن بعدٍ أنْ أقف معه وجهاً لوجه ولو لوقتٍ قصيرٍ كي أتبادلُ معه بضع كلمات، رغم أنّنا من أبناء ضيعةٍ صغيرةٍ، رغم أنّه قد تحوّل في فترةٍ زمنيةٍ محدّدةٍ إلى موضوعٍ شيقٍ للحديثِ ولا سيما بين الأولاد والمراهقين على حدٍ سواء.

في كل جوقةٍ للأولاد تسمعُ قصةً جديدةً عنه. أعتقد أنّني غادرتُ مكان إقامتي دون أن أتمكن من معرفة اِسمه الحقيقي الأول. أعتقد أنّه غادر الحياة دون أنْ يعرف اسمي. الآن أستطيعُ أنْ أفهم السبب الذي دفع نائل، أحد صبيان الحارة حيث ترعرعت، لأنْ يوبخني بين حينٍ وآخر لقلة مبادراتي وانخراطي مع أبناء الضيعة، لعله كان محقاً في كلماته، غالباً ما قال لي: ما الامر معك يا أحمد؟ لما أنت متقوقع على نفسك؟ لماذا لا ترغب أن تتعرّف إلى الناس؟ على الأقل يا أخي كي يعرفوا اِسمك وابن من تكون. ثم يضيف: أتعرف؟ لقد سألني الناس أكثر من مرة عمن تكون حين شاهدونا معاً أمام دكان دلعونا.

وأنا في طريقي إلى المدرسة في الصباح الباكر كنتُ أراقبه ماشياً في طريقه إلى موقف الباص الذي يقله حيث يعمل، باص إحدى المؤسسات الحكومية الذي كان مخصصاً لنقل العمال والموظفين، كما جرت العادة في كل مؤسسة ومعمل وشركة. كان طويل القامة، رياضي الهيئة بكتفين عريضين وبطنٍ مشدود، ذراعاه العلويان سمراوان طويلان قويان كما ينبغي أن يكون عليه الأمر عند الرجال، يداه ضخمتان بأصابعٍ طويلة، أما القسم السفلي من جسده فكان أطول من قسمه العلوي بقليلٍ، كانت رجله اليمنى قوية ثابتة وواثقة، أما اليسرى فكان لها سحرها الخاص، كانت تأبى أن تتحرك دون دفعٍ وتشجيعٍ من اليمنى، لو أنّك لم ترَ أنّ فردة حذائه الجلدي الأسود السميك برباطه الطويل الذي ينتعله بالقدم اليسرى أكثر علوأً وضخامةً من شقيقه في القدم اليمنى، لما فكرتَ يوماً أنّ الرجل الذي تراه أمامك يعرج من قدمه.

كان وجهه وسيماً رغم قساوة ملامحه التي ورثها عن عائلته، لا أذكرُ أني شاهدته يوماً حليق الذقن، ذقنه كثة طويلة، لونها أقرب للخرنوبي منه للأسود، غالباً ما غطّى رأسه بقبعةٍ فرنجية من القصب الناعم، حتى أنّي لا أذكر تقريباً لون وشكل شعر رأسه، كان أنفه ضخماً وفمه كبيراً وكانت عيناه سوداوين صغيرتين كثقبي مزمار، غالباً ما كان يرتدي ملابساً توحي بأنّه وصل لتوه من بلاد الإفرنج، لعله كان ينتقيها بهدوءٍ من محلات الألبسة المستعملة في سوق أوغاريت، المعروفة باسم البالة، كان الجينز الأزرق بنطلونه المفضّل من ثم بنطلون الكتّان الأسود، وكان غالباً ما يترك الزرين العلويين من قميصه مفتوحين، ليظهر من خلال فتحة قميصه صدره البحري البرونزيّ المشعر قليلاً.

إحدى القصص الأكثر متعة عنه والتي راح الأولاد يتبادلونها، تحكي عن إحدى رحلاته البحرية للصيد والاسترخاء على صخور شاطئ مدينته، كان جالساً تحت أشعة الشمس الحارقة، عارياً إلا من قبعته ونظارته الشمسية وشورت السباحة وقد وضع بين شفتيه غليون تبغه، هيئته البحرية المتأملة جذبت إليه مجموعة من الفضوليين الذين تجمعوا حوله كما يتجمع الذباب الأحمق على السلك الكهربائي للمبةٍ في يومٍ شتائي باردٍ.
سألوه بالإنكليزية ظناً منهم أنّه سائح: وات إس يور نيم؟
أجابهم بكامل الذوق وبصوته الخشن: ماي نيم إس أرنيستو تشي غيفارا.
وينهض الرجل من جلسته ليطير الذباب بعيداً، ليقول بعدئذٍ جملته الشهيرة: من يعيش منكم بلا ذباب فليرمني بعصاه.

كانوا يقولون أنّه بنى بيتاً صغيراً ليكون البيت الأعلى في الضيعة وبأنّه يعيش فيه طقوس من يحترف الفن، وبأنّه يجلسُ في المساء على كرسي هزاز في بالكونه الواسع المطل على حقول وبيوت الضيعة، البالكون الذي صمّمه على شكل صالة ديسكو بإضاءةٍ ملّونة بالأحمر والأصفر والأزرق، يسمعُ من جهاز ستيريو الأسود الكبير موسيقى أجنبية عالية، يرقصُ على نغماتها، ويشربُ الويسكي التي يشتريها أو يحصلُ عليها من سفن المرفأ، بل قالوا أنّه غالباً ما يغني بلكنةٍ إنكليزية ويعزفُ بعض التقاسيم على غيتاره، يرقصُ ثم يصرخ عالياً: الرقصُ قصيدة يا بشر، وكل حركة من حركاته كلمة. يُطفأ الإضاءة، يُغلقُ نافذة الديسكو الزجاجية العريضة، يُلقي نظرةً أخيرة على بيوت الجوار، يهزُ رأسه كفيلسوف ويذهبُ كي يغرقَ في بحر النوم.

حين اِفْتَتَحَ جاري صالةً صغيرة لممارسة رياضة البيلياردو وكرة الطاولة، ذهبتُ إليه في إحدى الأماسي للتفرج على ما يجري رغم عدم ولعي باللعبتين المذكورتين، هناك رأيته، كان يحمل في يده اليمنى مضربه الخاص الذي أحضره معه من بيته ويلعب بخفةِ قطٍ وذكاءِ ثعلبٍ، مُطلقاً صرخات التحدي وسيل من العرق يغطي وجهه. مساءئذٍ تعرّفت إلى موهبته في كرة الطاولة، بل لمست لمس اليد إحدى قدراته الخاصة رغم عرجه الخفيف.

ذات يومٍ تجرأتُ وطرحتُ على جاري نائل السؤال عن معنى اسمه: من أين أتى الاسم قَرْوُّشْ؟ هل كان هذا اسم جده؟
أجاب نائل بلغة المعلم الموبّخ: ألم أقل لك أنك لا تعرف أحداً في هذه الضيعة ولا أحد يعرفك! أيُعقل أنّك لا تعرف الاسم الحقيقي له؟
أجبته بشيءٍ من الإحراج: معك حق، لكن بق هالبحصة يا زلمة، وأرحني من فلسفتك.

وحكى نائل قصة الاِسم الظريف: كان قَرْوُّشْ يومئذٍ طفلاً في السابعة من عمره آن دخل إلى مدرسة الجامع، وكان الشيخ المعلم ومدير المدرسة في آنٍ واحدٍ قاسياً وساخراً من الأطفال الفقراء، كان سريع الغضب والتقريع والتوبيخ والشتم والضرب والطرد، إذا ما أتته مثلاً طفلة فقيرة فقدت أحد والديها، كان يشتمها هازئاً: يتيمة وترغبين بالتعلم! ألا تخجلين من نفسك؟ اذهبي واشبعي اللقمة أولاً، أمثالك خُلقوا للعمل في الأرض لا للمجيء إلى المدرسة. وإذا ما أتاه ولدٌ بملابس رثّة أو مريض حتى لو كان المرض من النوع غير المعدي أو دون حذاء مثلاً، كان يزعق في وجهه ويطرده إلى بيت أهله...
وهنا توقّف نائل وأضاف نكتة كالمعتاد: ولا تنسى يا أحمد أنّ المثل الشعبي يقول فقير و زُبّه كبير، وقبل أن تسألني عن المعنى أقول لك: هذه إشارة لعزة نفس الفقراء وكبريائهم... ثم صمت نائل دفعةً واحدة.

اِرتبكت لتوقفه عن الحديث الممتع الذي شدتني بدايته وقلت: ألن تخبرني عن قصة الاِسم؟

ضحك نائل لبرائتي: ليس هناك ما يستحق الحكي، لكل إنسان في الضيعة لقبه، كل ما في الأمر أنّه في ذاك اليوم كتب الشيخ على اللوح: أخذ باسم خمسة قروش. ثم نظر إلى الأولاد ورأى أنّ ذاك الولد كان قد غطّ في النوم، اِقترب منه وضرب بعصاه على الطاولة الصغيرة، حينئذٍ اِرتعب الولد، طلب إليه أن يقرأ ما كُتِبَ على اللوح. تلعثم الولد وقرأ: خمسة قَرْوُّشْ، بدلاً من قُرُوش. ومنذ ذاك اليوم والناس تسمّيه قَرْوُّشْ.

ثم نظر إليّ نظرته الخاصة في العتاب وقال: انفقأ الدُّمَّل أخيراً يا أحمد.







اخر الافلام

.. هذا الصباح -مهرجان الفيلم اللبناني يكرم المرأة


.. عبد الحكيم قطيفان – فنان سوري – أنا من هناك


.. عمرو يوسف : أطمح بتقديم عمل سينمائي يرتقي للتطعات الجمهور




.. إيران تفتتح مدارس باللغة الفارسية بالرقة وزعيم ميليشيا عراقي


.. بالرقص والغناء الأفريقي .. جماهير هورويا الغيني تساند فريقها