الحوار المتمدن - موبايل



إدوارد سعيد وإستشراق كارل ماركس! (1-3)

محمود محمد ياسين

2017 / 10 / 26
ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية


توطئة
إن المُؤَلَّف الشهير " الإستشراق" للبروفيسور إدوارد سعيد، الذى صدرت طبعته الأولى فى 1978، يحتوى على دراسة لعلاقة المعرفة بالقوة والسلطة من خلال تحليل خطاب الإستشراق؛ فأعمال الإستشراق خلقت من الشرق شرقاً تخيلياً يتميز أهله بسوء الأخلاق والكسل والنزعات الطفولية الساذجة، وبأنهم قابلون للإنقياد والإنصياع. وهذه المعرفة أدت إلى غزوات الإستعمار للشرق ومن ثم إستعباده. يقول سعيد إنه إتخذ من أواخر القرن الثامن عشر نقطة الإنطلاق فى تحليل نصوص الإستشراق ” كاسلوب غربى للسيطرة على الشرق وإعادة بنائه والسيطرةعليه“؛ والإستشراقيون بالنسبة لسعيد منذ تلك الفترة يسيرون على خطى تقاليد تأسست قبل 250 عام.

يقول سعيد ” إن الشرق، بسبب الإستشراق، لم يكن موضوعاً حراً للفكر أو الفعل....إنه يشكل شبكة المصالح الكلية التى يُستحضر تأثيرها بصورة لا مفر منها فى كل مناسبة....يكون فيها ذلك الكيان الغريب (الشرق) موضوعاً للنقاش. اما كيف يحدث ذلك فهذا ما يحاول هذا الكتاب أن يكشفه. كذلك يحاول الكتاب أن يظهر أن الثقافة الغربية إكتسبت المزيد من القوة ووضوح الهوية بوضع نفسها موضع التضاد مع الشرق بإعتباره بديلاً "surrogate" أو حتى ذاتاً خفية.“- الإستشراق، ص 3.

هكذا دمغ سعيد كل الإستشراق بالسلبية ومعاداة الشرق وأن نصوصه هى التى ساعدت فى تجلية هوية الغرب ومنحه القوة للسيطرة على الشرق.

وحول المنهج يقول سعيد أن الإستشراق ” إستجاب للثقافة التى انتجته اكثر من إستجابته لموضوعه المزعوم ...وتحليلى يحاول أن يكشف ملامح هذا الحقل وتنظيمه الداخلى ورواده وكبار ثقاته ونصوصه المعروفة وافكاره التسبيحية (doxological) وشخصياته المثالية واتباعه ومجددى صنعته ومرجعيته الجديدة..“ – الإستشراق، ص 22. وللقيام بمهمته، يقول سعيد أنه إعتمد على أفكار كل من المثالى الذاتى ميشيل فوكو (Foucault) وغرامشى. فسعيد بحث فى كيفية إستجابة نصوص الإستشراق، الذى وصفه بالمؤسسة، للثقافة التى صنعتها، أى أنه إعتبر أن النصوص الإستشراقية تشكلت وتطورت عبر التفكير الذهنى وفقاَ للنهج المثالى أن الافكار تنتج الافكار (الوعى ينتج الوعى).

كما أن سعيد لم يفسر لماذا إختار اواخر القرن الثامن عشر منطلقاً للنظر فى الإستشراق. يقول سعيد أن طريقته إعتمدت على ” تصور هجين واسع تاريخى "وأنثروبولوجى” يجئ بطرق تختلف من جنس إلى جنس آخر ومن مرحلة تاريخية إلى مرحلة تاريخية اخرى.“ لكن زعم سعيد ان دراسته تاريخية لا يتفق مع إهماله للمحتوى الإجتماعى-الإقتصادى وتأثيره على إنتاج الإستشراق لتلك الفترة.

كما أن سعيد إختار عينة محددة من المستشرقين لإنجاز مشروعه ولكنه لم يشر لا من قريب ولا من بعيد إلى طريقة إختياره للمستشرقين الذين أجرى تحليل نصوصهم.

إن سعيد بدلاٌ من أن يُعَرِّف أفكار المستشرقين بصورة علمية وينظر لها بأنها تتحدر من ظروفها التاريخية وواقعها الحياتى على الصعيدين الإجتماعى والإقتصادى، جعل مصطلح الإستشراق مصطلحاً إزدرائى (pejorative)، فتجده يصف بعض المستشرقين بالنارجسية (Narcissism) وبعض آخر بهوس الإرتياب(paranoia)،الخ.

إن كتاب "الإستشراق" يتماهى والدراسات الثقافية، التى إنتشرت منذ ستينيات القرن العشرين، وسط المؤسسات الأكاديمية (الدراسات الإنسانية والعلوم الإجتماعية) وبين الباحثين والناشطين السياسيين والنقاد.
وقد أعطى الكتاب دفعة كبيرة لتيار ما بعد الكلونيالية بتزويده بمفهوم يربط القوة السياسية "الإستعمارية" بالمعرفة والثقافة. و "نظرية" ما بعد الكولونيالية (anti-colonialism) التى ظهرت فى الثلث الأخير من القرن العشرين متمركزة فى أمريكا وأوروبا، تشكل، كما هو معرف، إحدى روافد ما يسمى بتيار ما بعد الحداثة و تتميز بعدم الإهتمام بدراسة وقائع الحياة المادية وبالتالى فهى تمثل نقيضاً للماركسية؛ فهى تعتبر الماركسية نظرية أوربية التوجه (Eurocentric) وعليه فإن ما بعد الكولونيالية لا تعتمد التحليل الطبقى فى تفسير الظاهرات الإجتماعية والنظم الاقتصادية و التيارات السياسية.

إن النظرة العلمية المغايرة ل"نظرية" ما بعد الكولونيالية تنظر إلى أن الحدث التاريخى من الناحية الشكلية يجئ نتيجة لعدة عوامل: نظريات سياسية؛ تصورات دينية؛ مبادئ فلسفية، التى تتحول إلى آيديولوجية تحجب العقل عن إدراك ماهية الواقع الجوهرية وتصبح رؤية حاملها للاشياء والظاهرات الإجتماعية طبقًا لمزاعمه وليس لجوهرها الحقيقى. لكن كل تلك العومل تقف وراءها حقائق إقتصادية محددة وهى العامل القاطع الذى يشكل، فى التحليل النهائى، مضمون الحدث التاريخى. فالتصورات الآيدولوجية والممارسات السياسية التى تشترطها ترتبط عضوياً بالإقتصاد وفقاً للمبدأ الاساس للمادية التاريخية: إن إنتاج وإعادة إنتاج الحياة هو العامل الحاسم فى تحديد مسار التاريخ. إذن المهمة الأساسية للباحث (طالما إختار الطريق العلمى) هى إستخلاص التصورات السياسية والآيديولوجية من الواقع المادى (الإقتصاد)، ويتطلب هذا حتمية دراسة الجانب الشكلى للموضوع، أى دراسة بيئة الاوضاع الفكرية والثقافية التى ساعدت فى ظهور التصورات الآيدويولوجية.

إن أطروحة "الإستشراق" اصبحت مادة دراسية سائرة (fashionable) ومعتمدة فى معظم كليات الغرب التى تعنى بالدراسات الإنسانية. وقد تم إصدار الكتاب فى عدة طبعات وترجم ل 36 لغة. وما زال حتى هذه اللحظة مثاراً للجدل في الكثير من الاوساط الجامعية والمنابر الثقافية على مستوى العالم؛ ووجهت للكتاب إنتقادات كثيرة من مشارب ومنطلقات فكرية متعددة. فقد تم نقد الكتاب من منطلق يمينى مدافع عن الإستشراق كما فى حالة برنارد لويس ومن تيار ماركسى- لينينى أهم مفكريه الهندى إعجاز احمد واللبنانى مهدى عامل.

المقال
” إن إدوارد سعيد يسلب نفسه القدرة على تبنى موقف
متناسق ضد الإمبريالية وذلك لعداوته للماركسية
التى تصل إلى حد الهستيريا “- بروفيسور إعجاز أحمد.

فى كتاب " الإستشراق" صنف بروفيسور إدوارد سعيد ماركس بانه مستشرق كالمستشرقين الآخرين؛ فماركس شارك المستشرقين فى أسلوبهم (فى التفكير) القائم، على حسب وصف سعيد، ” على تمييز وجودى (ontological) ومعرفى (epistemological) بين الشرق (وفى احيان كثيرة) الغرب. وهكذا فقد تقبل عدد كبير من الشعراء والروائيين والفلاسفة والمنظرين السياسيين والإقتصاديين والإداريين الإستعماريين، التمييز الاساس بين الشرق والغرب بوصفه نقطة الإنطلاق (لوضع اعمال) مفصلة من النظريات والملاحم والروايات والأوصاف الإجتماعية والتقارير السياسية التى تتعلق بالشرق: سكانه وعاداته وعقله ومصيره،الخ. وهذا الإستشراق يمكن أن يستوعب إسخيلوس وفيكتور هوجو ودانتى وكارل ماركس..“ – الإستشراق، ص ص 2،3.

وفى موضع آخر يقول سعيد إن الإختلافات بين أفكار المستشرقين هى إختلافات فى الشكل وليس المضمون وأن ” الذين كتبوا عن الشرق من رينان إلى ماركس (من وجهة نظر عقائدية) ...رأوا ان الشرق جهة تتطلب من الغرب العناية وإعادة البناء وحتى الخلاص.“ – الإستشراق، ص 206.

إن إلحاق ماركس بأؤلئك الفلاسفة والمفكرين، على اساس أن الخلاف بينهم شكلى، يبدو أمراً غريباً وخاطئاً. فالخلاف بين الفلاسفة والمفكرين الذين ذكرهم سعيد وماركس هو أنه بينما أن الهدف الأساس لخطاب نصوص الإستشراق، كما ورد فى كتاب "الإستشراق"، هو تصوير الشرق بأنه "آخر" لا حيلة له غير الإقرار بتبعيته للغرب، فإن أبجديات الماركسية تعتبر أن التحليل بمفهوم الآخر (othering) تتبناه شريحة إجتماعية حيث تضع حدود فاصلة بينها وبين شريحة أو شرائح إجتماعية اخرى بالصورة التى تبرر إخضاع وإستغلال الأخيرة؛ فالشرق والغرب يتشكلان من بنى إجتماعية تكتظ بشتى أشكال التناقضات الطبقية والتركيبات التحتية والفوقية المعقدة والتصورات المختلفة للعالم.

إن وضع ماركس على صعيد واحد مع الفرنسى العنصرى رينان (Ernest Renan) فيه تاكيد لتحامل سعيد "الهستيرى" على الماركسية الذى أشار اليه بروفيسور إعجاز أحمد فى مقولته الواردة فى إفتتاحية هذا المقال. كذلك لم يكن سعيد صادقاً عندما إعتبر ضمناً فى مؤلفه أن ماركس ليس إلا واحداً من أؤلئك المستشرقين الذين يأتون بأفكار مثل إعتقاد مورو بيرجر (Marroe Berger) – سوسيولوجى أمريكى و أستاذ جامعى سابق- فى ”ان العرب عاجزون عن التفكير الحقيقى لأن الغة العربية ميالة للخطابة (rhetoric)“ – الإستشراق، ص 310؛ أو تلك التى نسبت للسوسيولوجية والأنثروبولوجية اللبنانية-الأمريكية سانيا حمادى (Sania Hamady) التى تقول فيها ” إن العربى يحيا فى بيئة قاسية ومحبطة ولا تتاح له الفرصة أن ينمى طاقاته الكامنة، وان يحدد موقفه من المجتمع، ولا يؤمن بالتقدم والتغيير، ولا يجد الخلاص إلا فى العالم الآخر.“ – الإستشراق، ص310، فبالتاكيد عندما ساوى طريقة ماركس فى التحليل الطبقى مع طريقة حمادى وبيرجر القائمة على التعميمات، فإن سعيد لم يكن متحرياً الأمانة الفكرية (intellectually dishonest).

ويجب تذكير القارئ بان هذا المقال يتناول بالنقد فقط خطأ سعيد فى إعتبار ماركس كأحد المستشرقين، الذى أوقعه فيه نظرته الفكرية ومنهجه فى التحليل، لكن عرضاً ما هو جدير ذكره هو أن نقد سعيد لمضمون أفكار حمادى وبيرجر (ومستشرقين آخرين ضمن العينة التى إختارها) يدور حول عدم نزاهة المستشرقين وأن الإستشراق، كما ذكر سعيد، ” بنفسه وفى نفسه، وكطاقم من المعتقدات وطريقة للتحليل عاجز عن التطور. فى حقيقة الأمر إنه النقيض المذهبى للتطور.“ – الإستشراق، ص307. وهكذا فإن سعيد لا ينظر إلى ان العيب فى فكر الإستشراق لا يكمن فى الخلفية الفلسفية (المثالية الذاتية) والمنهج البراجماتى المبتذل الذى ينطلقون منه، بل فى سوء نيتهم وجمود طريقتهم فى التحليل إذ أن منهج تمثيلاتهم لمكونات الشرق المادية والإجتماعية والثقافية يسكن ” فى مجال محدد لهم على نحو مسبق، وليس بمادة الموضوع فقط، بل بتاريخ مشترك وتقاليد وعالم من الخطاب (discourse). وضمن هذا الحقل، الذى لا يمكن لأى باحث واحد أن يخلقه، لكن كل باحث يتلقاه ويجد لنفسه مكاناً داخله.“ – الإستشراق، ص ص 272-273.

وموقف سعيد الخاطئ من ماركس فى "الإستشراق" يَبِين باللجوء لماركس نفسه وإستخدام إطاره الإبستمولوجى المادى الديالكتيكى التاريخى فى قراءة أفكار سعيد المتعلقة بالموضوع، وهذا ما سنفعله فى هذا المقال. وسيكون تركيزنا على عرض عام ( وإن كان مكثفاً تلاؤماً مع الطبيعة الصحفية للمقال) لنظرية الإمبريالية من وجهة النظر الماركسية التى لا تمت بأى نسب للنقد الثقافى الذى كونه الإستشراق
عن الشرق ومن ثم إستعماره.

إن تحليل سعيد المرتكز على الفلسفة المثالية الذاتية يتضح من إستخدامه، فى وضع كتاب "الإستشراق"، للمنهج البنيوى الأبستمولوجى لميشيل فوكو الفيلسوف الفرنسى الذى ينتمى لحركة ما يسمى ما بعد الحداثة (post-modernism). فسعيد رغم إختلافه فى بعض النقاط مع ميشيل فوكو يقول فى مقدمة مؤلفه ” لقد وجدت ان إستخدام مفهوم فوكو للخطاب (discourse) -فى مؤلفاته-له فائدة فى تعريف الإستشراق. إن إعتقادى هو أنه بدون فحص الإستشراق كخطاب لا يمكن للمرء أن يفهم الإطار الضخم والممنهج الذى من خلاله إستطاع الأوربيون إدارة، وحتى خلق، الشرق سياسياً وإجتماعياً وعسكرياً وآيديولوجياً وعلمياً وتخيلياً فى الفترة التى اعقبت عصر الأنوار.“ – الإستشراق، ص 3.

لكن فوكو فيلسوف مثالى ذاتى تتلخص افكاره فى انه لا توجد حقيقة مادية خارج الخطاب بشكل مستقل، فبنية الخطاب وتركيبته ومنطقه الداخلى هى ما يحدد صحة المعرفة؛ والقوة (power) لا توجد فى السلطة (the state) والطبقة التى تقف وراءها بل فى ما أسماه "التشكيلات الخطابية" – discursive formations- التى تحتوى على المفاهيم التى تنتج المعرفة. فالعالم الموضوعى ليس عالماً من الحقائق التى يمكن أن تُجس وتدرس موضوعياً إذ أن واقعه يتكون من الخطاب المضمن فى مختلف النصوص؛ وهكذا فإن سعيد يتخذ الخطاب كأداة تحليلية تلقى ضوءاً على الظاهرة التى يدرسها.

إن المثالية الذاتية لسعيد يعبر عنها بنفسه بوضوح عندما تحدث عن تمثيل الإستشراق لعقائد وثقافة الشرقيين قائلاً ” المسالة الحقيقية هى ما إذا كان يوجد بالفعل تمثيل حقيقى لأى شيئ...إن أى تمثيل هو، بالضرورة وبحكم طبيعته، متشابك ومضمن و متداخل مع أشياء أخرى بجانب "الحقيقة" التى هى، بدورها، تمثيل (أو تصور).“ ص 272. وهكذا فإن الحقيقة الموضوعية لا وجود لها، وكل ما فى الأمر هو تمثيل، أى تصورات فى العقل والثقافة.

إستعرض سعيد بصورة إنتقائية خطاباً غربياً مفعماً بالعنصرية والتعالى منذ الزمن الإغريقى، وتكَوَّن بصورة جليه فى عصر الأنوار، وأسماه "الإستشراق". فسعيد وضع الفكر الغربى كله فى سلة واحدة وأضاف للمستشرقين المحترفين غربيين آخرين داخل الحقل الثقافى فى مجالات الفلسفة والرواية والمسرح والشعر والصحافة بالإضافة الى كتابات وتقاريرالإداريين المستعمرين. وهكذا إعتبر سعيد أن طبيعة تفكير الإستشراق ظلت منذ الزمن الأوربى الكلاسيكى ثابتة، فهو يقول ” وكأنها بعد ان إستقرت على إعتبار أن الشرق موضعاً ملائماً لتجسيد اللانهائى فى شكل نهائى، أصبحت أوربا عاجزة عن الإقلاع عن هذه الممارسة؛ ويصبح الشرق والشرقى عربياً اومسلماً او هندياً أو صينياً أو اى كان شبه تعميمات لأصل عظيم (المسيح-أوربا-الغرب) يفترض أنهم يقلدونه. ولم يتغير مع الزمن غير مصدر هذه الأفكار الغربية ذات الطابع النرجسى إذ ان طابعها لم يتبدل.“ – الإستشراق، ص 62. وهكذا فإن المستشرقين رأوا ضمن ثنائية "غرب وشرق" أن الشرق يتميز بالكسل الفكرى والجسدى الذى طمره فى غياهب الظلام وثبوت التحجر ويفتقد لمثل تلك الحكمة وروح المثابرة التى تتضمنها قيم الغرب. وهكذا قسم سعيد لهويتين ثابتتين: الغرب (الذات) والشرق (الموضوع) والشرق فى أعين الغرب هو "الآخر".

إن طريقة سعيد القائمة على الفلسفة المثالية الذاتية والمنطق الميتافيزيقى جعلته يعتبرالخطاب فى النصوص الغربية واحد بما فيه خطاب ماركس؛ فالنظرة الغير تاريخية قادته إلى إعتبار أن أفكار الفلاسفة والمفكرين الذين تشملهم حقب مختلفة تشكل جسماً متآلفاً (monolithic). فالفلسفة المثالية الذاتية تعتبر أن العقل يقود إلى معرفة كنه الظاهرات الإجتماعية، وبالتالى فإن نزعة الإستشراق المتعالية على الشرق هى طبيعة متأصلة (inherent) فى العقل الإستشراقى الذى ظل ثابتاً رغم التباعد الزمنى بين أعمال المستشرقين والإختلاف فى الواقع الذى عاشوا فيه. وحول إعتقاد سعيد فى واحدية التفكير الإستشراقى يقول إعجاز احمد ” إن طرق سعيد مناقضة للأدب المقارن "Comparative Literature" والتاريخ الأدبى "literary history"..“ –Orientalism A Reader- ص 286

كما أن نقد سعيد لعينة الإستشراق التى إختارها جاء من موقف مثالى ذاتى ليس فقط بفصله الإنتاج الادبى والثقافي عن الحياة المادية...عن العوامل الخارجية، بل كذلك لأنه لم ينقد نصوص الإستشراق المعادية للشرق من زواية أنها ميتافيزيقية تفصل الوجودى (ontological) عن نظرية المعرفة. فمستشرقى سعيد لم يدركوا حقيقة الظاهرات الإجتماعية على أنها تمثل وحدة متناقضات. فسعيد يعتبر فقط أن ” العلاقة بين الغرب والشرق هى علاقة قائمة على القوة والسيطرة؛ كما أن الشرق قد تمت شرقنته لا لمجرد أنه أُكتشف أنه "شرقى" بشتى الطرق التى إعتبرها الإنسان الأوربى المتوسط عادية ومعروفة، بل لأن الشرق له القابلية أن يكون شرقيا.ً“– الإستشراق، ص ص 5،6.

وخطاب هؤلاء المستشرقين اصبح أكاديمى- ثقافى شامل أخذ شكل المؤسسة التى إختارت أن يكون الشرق "آخر" الغرب الذى يضم سكاناً لا يشبهون الغربيين ويختلفون عنهم فى كل شيئ ولا يمتلكون المصادر المادية والمعنوية لتحقيق النجاح. هنا يتضح أن سعيد لم ينظر أو يبحث فى السمة التناقضية للنصوص الإستشراقية فهو يقول أنه يدرس الإستشراق ” بوصفه تبادلاً حيوياً بين مؤلفين أفراد وبين المؤسسات السياسية الواسعة التى شكلتها الإمبراطوريات العظيمة الثلاث - البريطانية والفرنسية والأمريكية- التى أنتجت الكتابة ضمن حدودها الفكرية والتخيلية، وما يعنينى اكثر كباحث ليس الحقيقة السياسية الإجمالية، بل التفاصيل...“ – الإستشراق، ص 15. إن فصل سعيد للمناخ الفكرى الذى أنتج النصوص عن عامل السياسة بوصفها التعبير المركز عن الإقتصاد جعله لا يدرك كون الثقافة فى المجتمعات الغربية منشطرة بين أفكار وفنون يجعلها سدنة النظام الراسمالى بمثابة الفكرالقومى وبين معرفة فكرية تجئ إنعكاساً للصراع الطبقى تسعى لتغير الواقع ولهذا فهى بالضروره تقع فى تناقض مع الثقافة السائدة. وهكذا فإن سعيد غابت عنه تناقضية الثقافة الغربية وتاه فى "التفاصيل". وكَوّن، عن طريق التحليل الذاتى، رؤية لفكر الإستشراق على أساس واحديته المعزولة عن الواقع المادى.

يقول سعيد إن خطاب المستشرقين خلق شرقاً خيالياً لا وجود له فى الواقع الحقيقى ومقارنة بالغرب المتفوق يتميز هذا الشرق بالدونية التى تُحوجه إلى الإنقياد والإنسياق " لمن يمثله"..... وبالتالى ظلت هوية الغرب تستمد ماهيتها من تعريف الشرق ب (الآخر). ويعتبر سعيد مفهوم الشرق صناعة قام بها المستشرقون، فهو يقول ” إننى اؤكد أنه لا مفهوم الشرق ولا تعبير الغرب يتمتع بإستقرار وجودى (ontological) فكل منهما خلقه التصور البشرى جزئياً كإثبات (للذات) وجزئياً كهوية (يتصف بها الآخر)؛ وهذا التخيل (fiction) أدى إلى التلاعب (الاكاذيب) وتنظيم نظام عاطفة جماعية تظهر جلياً فى واقعنا المعاصر فى الخوف والكراهية والغطرسة التى أخذت شكل ظاهرة واسعة الإنتشار.“-الإستشراق، نسخة،2003- ص xii. ورؤية سعيد فى أن الشرق الخيالى الذى صنعه المستشرقون هو ما إستمد منه الغرب هويته فيها كثير من التبسيط وما يهمنا هنا هو أن هذه الفكرة من شانها صرف الإنتباه عن نظرة الغرب الحقيقية للشرق كفضاء تحقق فيه الرأسمالية هدفها الخالد المتمثل فى عملية التراكم الراسمالى كما سنبين لاحقاً.

وللإيحاء بفكرة الكتاب المتمحورة حول قراءة لخطاب الإستشراق بالمنظار المفاهيمى السابق ذكره، إفتتح سعيد "الإستشراق" بجملة قصيرة منزوعة السياق لماركس وردت فى مؤلفه " برومير الثامن عشر للويس بونابرت، 1852" وهى " إنهم لا يستطيعون تمثيل أنفسهم؛ ينبغى تمثيلهم".

إن السياق الذى وردت فيه تلك الجملة لا يقود إلى معنى كلمة "تمثيل" الذى رمى إليه سعيد. أستعرض ماركس فى مؤلف " برومير الثامن عشر للويس بونابرت، 1852" كيف ادت العلاقات الطبقية فى مجرى التاريخ الفرنسى لإستيلاء لويس نابليون بونابرت (نابليون الثالث) على السلطة فى فرنسا عن طريق الإنقلاب عام 1851، وفيه يقول الكاتب إن الفلاحين الفرنسيين الصغار، فى منتصف القرن التاسع عشر، رغم تشابه ظروفهم ” يشكلون كتلة ضخمة .. دون أن يدخلوا في علاقات متشعبة بعضهم مع بعض....أسلوبهم في الإنتاج يعزلهم الواحد عن الآخر بدلاً من أن يدفعهم إلى التعامل المتبادل. وتشتد هذه العزلة بسبب وسائل المواصلات السيئة في فرنسا وبسبب فقر الفلاحين. أن ميدان أنتاجهم – وهو قطعة الأرض الصغيرة – لا يسمح بتقسيم العمل في فلاحتها ولا بتطبيق العلم ولا يسمح بالتالي بتنوع أشكال التطور ولا بتنوع المواهب ولا بغنى العلاقات الأجتماعية. أن كل أسرة فلاحية بمفردها مكتفية ذاتيًا تقريبًا، وهي نفسها تنتج مباشرة الجزء الأكبر من أستهلاكها وتحصل بذلك على وسائل عيشها من التبادل مع الطبيعة أكثر مما تحصلها من التعامل مع المجتمع. قطعة أرض صغيرة، فلاح وأسرته؛ وإلى جوارهم قطعة أرض صغيرة أخرى وفلاح آخر وأسرة أخرى.... وبما أن ملايين الأسر تعيش في ظروف اقتصادية تختلف عن طبقات المجتمع الأخرى ومصالحها وثقافتها، وتضعها في موضع التضاد العدائي مع الأخيرة فإنها تشكل طبقة. وبما أنه لا يقوم بين هؤلاء الفلاحين الصغار غير علاقات محلية وبما أن تطابق مصالحهم لا يخلق بينهم رابطة مشتركة أو رابطة وطنية أو تنظيمًا سياسيًا فهم لا يشكلون طبقة. ولذلك يعجزون عن الدفاع عن مصلحتهم الطبقية باسمهم الخاص سواء أكان ذلك بواسطة برلمان أو هيئة تشريعية.... أنهم لا يستطيعون تمثيل أنفسهم ولا بد أن يمثلهم غيرهم.“- برومير الثامن عشر للويس بونابرت- ص ص 64،65

وهكذا فإنه بحكم العزلة الإجتماعية التى تفرضها عليهم طبيعة نمط إنتاجهم فإن الفلاحين لا يشكلون طبقة فى حد ذاتها (in itself) ناهيك أن يكونوا طبقة من اجل ذاتها (for itself)؛ ولهذا فإنهم يحتاجون لمن يتحالفون معه ويمثلهم سياسياً فى البرلمان. فليس لويس بونابرت هو الذى فرض التمثيل السياسى على الفلاحين بل فرضه عليهم عامل النفعية السياسية (political expediency).

يقول المؤرخ الهندى عرفان حبيب ” إن إستعمال سعيد للإقتباس (epigraph) : " إنهم لا يستطيعون تمثيل أنفسهم؛ ينبغى تمثيلهم" عمل "غير مسئول ولا أخلاقى" من ناحيتين. فإن الكلمات المقتطفة مأخوذة من مؤلف ماركس " برومير الثامن عشر للويس بونابرت" الذى لا يتحدث فيه عن الشرقيين، بل عن فقراء الفلاحين الفرنسيين أصحاب الحيازات الصغيرة فى منعطف تاريخى معين مرت به فرنسا فى منتصف القرن التاسع عشر“ ويمضى حبيب ويقول أن سعيد لم يستبدل فقط الناس فى الشرق بالفلاحين الفرنسيين ولكنه عمد إلى إخفاء حقيقة أن المقصود هو تمثيل أؤلئك الفلاحين سياسياً وليس بالمعنى الذى أراده سعيد وهو النظر للآخر وإعادة تشكيله فى صورة محددة.- Critical Notes on Edward Said-
... نواصل







اخر الافلام

.. الأمن اللبناني يفرق مظاهرة قرب السفارة الأمريكية في بيروت


.. الجيش الإسرائيلي ينتزع الأعلام الفلسطينية من متظاهرين في الق


.. مواكب تشييع في غزة ومسيرات ومواجهات مع الجيش الإسرائيلي




.. لقاء عضو منصة موسكو سامي بيتنجانة، مع قناة «اليوم» 9-12-2017


.. قناة-ذاكرة الأنصار--الحلقة رقم 21-النصير يونس متي(أبو آذار):