الحوار المتمدن - موبايل



إدوارد سعيد وإستشراق كارل ماركس! (2-3)

محمود محمد ياسين

2017 / 10 / 27
ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية


قدمنا فى الجزء الأول من هذا المقال رأينا حول إفتتاح بروفيسور إدوارد سعيد كتابه " الإستشراق" بجملة " إنهم لا يستطيعون تمثيل أنفسهم؛ ينبغى تمثيلهم" منزوعة السياق من مؤلف ماركس " برومير الثامن عشر للويس بونابرت، 1852" التى أراد بها الإيحاء لمضمون اطروحة مؤلفه والمتمحورة حول قراءة لخطاب الإستشراق تعتبره المذهب المعرفى الذى أدى إلى نظرة الغرب الدونية للشرق ومن ثم صناعة القوة الإستعمارية التى غزت الشرق وإستعبدته. ونواصل فى قراءة المقال:

يمضى سعيد فى إعطاء تفسير خاطئ لأفكار ماركس إنطلاقاً من إقتباس محدود لمقالين صحفيين لماركس عن الهند كتبهما فى وقت بداية تعامله النظرى مع مكونات المجتمعات الرأسمالية والقبل راسمالية ومع ظاهرة التمدد الرأسمالى المتصاعد كظاهرة جديدة، فيورد المقتطف التالى من مقال ماركس " الحكم البريطانى فى الهند" (British Rule in India):
” على الرغم من الأذى الذى يحدث للمشاعر الإنسانية عند رؤية ذلك العدد الذى يقدر بعشرات الآلاف من التنظيمات الإجتماعية تُفكك وتتحلل تنظيماتها إلى وحداتها الأولية ويقذف بها إلى بحر من المصاعب ويفقد أعضاؤها...الشكل القديم من الحضارة التى طالما عرفوها والوسائل الموروثة لتحصيل قوتهم، فعلينا أن لا ننسى أن تلك المجتمعات القروية الهادئة التى- وإن تبدو مسالمة- كانت عبر الزمن تمثل الأساس الراسخ للطغيان الشرقى، وإنها قيدت العقل البشرى وحصرته فى أضيق نطاق مما جعله غير قادر على مقاومة الخرافة ومُستعبَداً للتقاليد البالية ومجرداً من الفعالية والطاقات الحيوية التاريخية....
لقد كانت إنجلترا فى تسببها فى حدوث ثورة إجتماعية فى الهند مدفوعة باكثر المصالح قذارة، كما كان اسلوبها فى فرض هذه المصالح متسماً بالحماقة. لكن ليس هذا هو السؤال. فالسؤال هو، هل يستطيع الإنسان أن يحقق مصيره دون ثورة جذرية فى الواقع الإجتماعى لآسيا؟ وإذا كان الجواب بالنفى فمهما تكن الجرائم التى إرتكبتها، إلا أن إنجلترا هى أداة التاريخ الغير واعية فى إنجاز هذه الثورة....
وإذن فاياً كانت المرارة التى يتركها فى مشاعرنا مشهد عالم قديم يتهاوى، فلنا الحق، من منظور التاريخ، أن نهتف بتعجب مع غوته:

هل ينبغى أن يقض مضاجعنا هذا التعذيب
مع إنه يمنحنا متعة أعظم
أولم تفنى خلال حكم تيمورلنك
ارواحاً تفوق الحصر“-ص 154.

يقول سعيد حول أفكار ماركس الواردة فى الفقرة اعلاه : ” إن الإقتباس، الذى أورده ماركس (أبيات غوته) الذى يدعم حجته فيما يتعلق بالعذاب الذى يُكسب المتعة، مأخوذ من الديوان الغربى-الشرقى (مجموعة قصائد غنائية لللشاعر غوته)، وهو (الإقتباس) يحدد هوية المصادر التى شكلت تصور ماركس فيما يتعلق بالشرق. وهى مصادر رومانسية وبل مسيحانية كذلك : فالشرق كموضوع إنسانى اقل اهمية من حيث هو عنصر فى مشروع رومانسى للخلاص. وهكذا فإن تحليلات ماركس الإقتصادية تغدو ملائمة تماماً لمشروع رومانسى شائع، رغم أن إنسانية ماركس وتعاطفه مع بؤس البشر مسألة واضحة لا مراء فيها. لكن فى النهاية يكون الإنتصار حليف الرؤيا الرومانسية الإستشراقية إذ تصير آراء ماركس فى مجال التنظير الإجتماعى- الإقتصادى غارقة فى الصورة الكلاسيكية النموذجية (الإستشراقية) التالية:

’ إن على إنجلترا أن تحقق فى الهند رسالة مزدوجة: الأولى تدميرية، والثانية، تجديدية – إفناء المجتمع الآسيوى، وإرساء الأسس المادية للمجتمع الغربى فى آسيا‘ (وهذه الفقرة اخذها سعيد من المقال الثانى لماركس عن الهند " نتائج الحكم البريطانى فى الهند" (The Future Results of British Rule in India)“ – الإستشراق، ص 154

يواصل سعيد قائلاً ” إن فكرة التجديد الجذرى لآسيا الفاقدة الحياة هى جزء من الإستشراق الرومانسى الخالص .... لكن صدورها من الكاتب نفسه (ماركس) الذى لم يكن ينسى المعاناة الإنسانية الناجمة، يجعلها محيرة فعلاً. فهى تفرض علينا أن نسأل، أولاً، كيف تنتهى معادلة ماركس الأخلاقية للخسارة الآسوية لصالح الإستعمار البريطانى الذى يدينه بأن تدفع من جديد فى إتجاه المفهوم القديم للتفاوت بين الشرق والغرب....وهى تفرض علينا، ثانياً، أن نتساءل أين ضاع التعاطف الإنسانى، وفى أى عالم من الفكر تلاشى لتحل محله الرؤيا الإستشراقية.“ – الإستشراق، ص 154.

ويجيب سعيد على هذا التساؤل ويذكر أن أفكار ماركس تنسجم مع تصور مستشرقى ومفكرى أوائل القرن التاسع عشر الذى ينظر الى الإنسانية ضمن إطار جمعى مجرد، وبالتالى نجد أن أعمالهم تنحو إلى تقسيم العالم الى كيانات مصطنعة وأن تؤطر الشرق، بكل تبايناته الإثنية والعرقية والدينية-الخ، وتجمده فى صورة جمعية تعكسه كجسم ذو طبيعة ثابته فهى جوهرانية غير متغيرة وعصية على التأثر. وهكذا فإن ماركس لم يكن مستثنى من هذا الفهم الإستشراقى، فقد كان ” إستخدام الشرق الجمعى وسيلة إيضاح للنظرية، بالنسبة إليه، أكثر سهولة من إستخدام هويات بشرية ...ذلك أنه...ليس ثمة ما يهم أو يوجد إلا الرابطة الهائلة التى لا هوية لها.“ – الإستشراق، ص155.

والإستشراق ( أو اكثر دقه الإطار الإبستمولوجى للإستشراق) بالنسة لسعيد هو الرقيب (censor) الذى يشرف على إنتاج المسشرقين والتأكد من مسايرته لتوجههم الماقت للشرق؛ وفيما يخص ماركس، يقول سعيد إن ماركس بدأ قادراً على الشعور بالتعاطف مع آسيا الفقيرة إلى درجة بسيطة قبل تنتصر أفكار الإستشراق وتجعله يهرع الى غوته رمز الحكمة فيما يتعلق بالشرق ويقلع عن الاستسلام لهذا التعاطف ” فور مواجهته لرقيب اشد صلابة فى المفردات اللغوية التى وجد نفسه مجبراً على إستخدامها. وكان مافعله الرقيب هو أنه اوقف التعاطف، ثم قام بمطاردته حتى أزاله نهائياً....إن المرء يكاد يرى فى مقالات ماركس المتعلقة بالهند....هو ان شيئا ما يجبره على الهرع عائداً لغوته، ليقف هناك فى حماية شرقه المشرقن (Orientalized Orient).“ – الإستشراق، ص ص 155،156.

إن إنتقاد سعيد لرأى ماركس حول الأثر التجديدى للإستعمار فى الهند فى منتصف القرن التاسع عشر تعكس تباينا فى موقفين فلسفيين ومنهجيين تبايناً جذرياً. فسعيد إنطلق فى نقده من موقف مثالى نظر به للإستشراق بعد أن أقحم ماركس فيه؛ فى حين أن المنطلق الأساس لماركس فيما اراد ان يقوله حول الموضوع المثار، من وجهة نظر مادية تاريخية فى مقاله الإبتدائى عن إستعمار الهند، هو أن الراسمالية مرحلة أكثر تقدم من زاوية التطور التراتبى للحقب التاريخية.

فمن الناحية النظرية البحتة لم تكن هناك خيارات لماركس فى فترة كتاباته الصحفية (journalistic) عن الهند غير إعتبار أن تَدخُل الإستعمار فى البلدان التى يسودها نمط الإنتاج الما قبل راسمالى له بعض الإنعكاسات الإيجابية فى مجال الإطاحة بعلاقات الإنتاج التى تضمها نظم إجتماعية قديمة وهيكلة إقتصاديات تلك البلدان بإخراجها من حالة الإقتصاد المعيشى والآثار المترتبة عن ذلك على أصعدتها الإجتماعية. فالإستعمار ظاهرة تناقضية، فمن ناحية فإنها تدميرية (destructive) ومن ناحية أخرى فهى تجديدية (regenerative). كما أن تناقضية الإستعمار يمكن مقارنتها مع وصف ماركس للرأسمالية كمرحلة متقدمة تسبب خروجها من أحشاء الإقطاعية فى كثير من الآلام للشعوب المعنية، وكمثال لهذا تحطيم حيازت الأرض الصغيرة ونزعها من أصحابها كإجراء ضرورى وتقدمى.

إن إعتماد سعيد فى نقده لماركس على مقتطفات مفصولة من سياقها (decontextualized quotations) يقود إلى الإعتقاد فى أن سعيد لم يطلع على كل ما كتبه ماركس عن المجتمعات القبل رأسمالية لأن تلك الكتابات الصحفية للأخير عن الهند ليس فيها رأيه المتكامل حول هذا الموضوع. فبالرغم من تعظيمه للدور الإيجابى الذى يمكن أن يلعبه الإستعمار فى تحضير (civilizing) الهند ومعلوماته الغير مكتملة حول طبيعة ملكية الارض فى الهند الواردة فى المقال المذكور، إلا أن ماركس خصص لاحقاً وقتاً مقدراً لدراسة التكوينات القبل رأسمالية وتطوير افكاره حولها والكتابة عنها الشيء الذى جعله يقدم دراسات مفصلة ورائدة فى هذا المضمار. فمثلاً نجد أن أفكار ماركس بدأت أكثر تعبيراً عن الدور التدميرى للإستعمار وعن أن رد الفعل سيكون فى شكل حركات تحرر وطنى ضد الإحتلال الأجنبى، ويمكن إرجاع هذا التطور فى نظرة ماركس للإستعمار للفترة التى أعقبت ثورة "السيبوى" فى الهند فى 1857 ضد الجيش البريطانى المخصص لحماية شركة الهند الشرقية المسؤولة عن حكم الولايات الهندية آنذاك. وبالرغم من أن ماركس لم يضع نظرية للإستعمار، إلا أنه أكد فى ضوء دراسات دقيقة قام بها منذ نهاية القرن التاسع عشر حتى آخر ايامه حول الهند وأندونيسيا والصين وبولندا والجزائر وايرلندا، أن حركات التحرر الوطنى سوف تكون مكملة للنضال ضد راس المال فى البلدان الراسمالية وان دولها تستطيع وضع الأساس للإنتقال للإشتراكية.

إن سعيد بإنتقائه للمقتطفات التى نقلها عن مقالتى الهند وبناء تحليله عليهما يكون قد أغفل السياق العام لافكار ماركس حول الإستعمار وتطور الفكر الماركسى عبر مسيرته التاريخية . ونقف الآن لنتعرف على كيف أن بروفيسور إدوارد سعيد المثالى فى "الإستشراق، 1978" لم ير ما رآه دكتور كارل ماركس المادى قبله بمائة وواحد وعشرين عام فى مؤلفه " غرندريس-1857" (Grundrisse) فيما يتعلق بطبيعة العلاقات بين الكتل العالمية فى ذلك الزمان. فقد إكتشف ماركس أن السبب فى تمدد الدول الرأسمالية الغربية (الإستعمار) يرجع لصفة متأصلة (inherent) فى رأس المال. فخلافاً للإستعمار فى الحقب قبل الراسمالية حيث كان الهدف من غزو الدول الاخرى هو الحاقها كملكيات عقارية (landed estates)، فإن الإستعمارية الراسمالية حركتها بواعث مختلفة. يعتبر ماركس أن راس المال يتسم بنزعة جوهرية للتمدد الجغرافى وإنشاء سوق عالمى، فهو يقول ” إن إنتاج راس المال لفائض القيمة المطلقة مشروط بتمديد نطاق التداول (لراس المال) ...وبالتالى فإن راس المال مثل ما ينزع بصورة دائمة لتحقيق فائض من العمل، فهو كذلك يمتلك نزعة مكملة تتمثل فى إيجاد أكثر من نقطة للتداول....إن إنتاج فائض القيمة يتطلب خلق إستهلاك جديد...من خلال توسيع الإستهلاك الحالى: من ناحية، بخلق حاجات جديدة بواسطة دعاية واسعة النطاق للحاجات الحالية، ومن ناحية اخرى بإكتشاف قيم (سلع) إستعمالية جديدة.“ ويمضى ماركس قائلاً إنه نتيجة لتوسع راس المال الجغرافى” يحدث الأثر التحضيرى (civilizing) لرأس المال ....إن راس المال يتخطى الحدود (الجغرافية) الوطنية والتحيزات الضيقة وعبادة الطبيعة وكذلك الطرق التقليدية لمقابلة الحاجات الأساسية (الإنسانية) وإعادة إنتاج الحياة القديمة.“–ص ص407-10،Grundrisse ،1973.

الفقرة السابقة تعطى السبب الأساس الذى أدى إلى تمدد الغرب فى إتجاه الشرق وهو ضرورة التراكم الرأسمالى وليس شيئاً آخر مثل محاولة سعيد إرجاعه لظاهرة الإستعمار لأسباب ثقافية تتمثل، كما مر ذكره، فى نظرة المستعمرين للشرق من خلال الإطار الإبستمولوجى الذى وضعه المستشرقون.

وجديرا بالذكر أن تمدد الراسمالية الضرورى لإزدهارها بدأ فى أوروبا نفسها (وليس فى الشرق) وأسطع مثال لذلك الحروب النابليونية إذ أن غزوات نابليون للبلدان الأوربية الأخرى ساعدت، ضمن عوامل أخرى، فى نشر النظام الراسمالى بالقضاء على الأنظمة الإقطاعية الأوربية وتم هذا تحت الشعارات الليبرالية للثورة الفرنسية :حرية-إخاء-مساواة، ومن ثم تعميم نظام الإنتاج الرأسمالى اعتماداً على الشعار الإقتصادى الليبرالى، لآدم سميث: "دعه يعمل ..دعه يمر".

ونظرية تمدد الرأسمالية تزامن وضعها مع فترة المزاحمة الحرة للرأسمالية (laissez faire)، وأن الإطار النظرى لهذه النظرية لا يجب عزله عن مفهوم رأس المال كعلاقة إجتماعية وليس "شيئاً" وبالتالى فإن تمدد رأس المال نتيجة للتغيرات الإجتماعية-الإقتصادية فى الدول الرأسمالية (مثل نزوع معدلات ارباح المؤسسات الرأسمالية للإنخفاض) إتخذ فى فترة لاحقة شكل الإمبريالية (كنظرية تاريخية " لأول مرة"). فالإمبريالية،التى حدد خواصها- تطويراً لأفكار ماركس- لينين فى مؤلفه "الامبريالية أعلى مراحل الرأسمالية"، حتم ظهورها تمركز راس المال فى الإحتكارات الضخمة الذى توقع ماركس، عن طريق التحليل النظرى للرأسمالية، حتمية حدوثه.

إن الإنتقال من تصدير راس المال (العام) لتصدير رأس المال (المالى) وهى خلافاً للسيطرة القديمة تقف وراءها الإحتكارات الراسمالية الضخمة وتقسيم العالم بين الدول الراسمالية الكبرى وهدفها النهائى هو إستنزاف الدول الفقيرة وجَنْى الارباح من خلال ربطها بتبعية مطلقة للغرب على الصعيد السياسى والإقتصادى والدبلوماسى وفيما يتعلق بالشئون العسكرية. وبالرغم من حيلولة الإمبريالية دون تصبح الدول التى تسيطر عليها من أن تصبح دولاً كاملة النموء الرأسمالى، إلا أنها تحدث آثاراً تنموية ، تتفاوت من دولة لأخرى، ينحصر أثرها فى درجة ضئيلة من تصفية علاقات الإنتاج القديمة والتصنيع والإنشاءات الهيكلية التى تسهل مهمتها الإستثمارية كبناء وسائل المواصلات والإتصالات وغيرها من البنى التحتية. ففى التحليل النهائى فإن الإمبريالية تعمل عى إبقاء الدول الطرفية الفقيرة محبوسة فى إطار إجتماعى-إقتصادى يجعلها دولاً شبه-مستعمرة، شبه-رأسمالية؛ فقد تفوقت النزعة التدميرية للإستعمار على الجانب التجديدى له بتحوله فى مراحل تطوره المتقدمة لآلية طفيلية هدفها النهب الواسع للبلدان الفقيرة، وهذا جاء مطابقاً لتحول الراسمالية وتجردها من دورها التقدمى.

وهكذا بدلاً من المنهج العلمى، الذى يرى ان الدافع وراء الغزو الإستعمارى هو التمدد الحتمى لنظام الإنتاج السلعى (الراسمالية) خارج حدود الدولة القومية (nation-state) الذى إتخذ منذ أواخر القرن التاسع عشر حتى الآن الشكل الإمبريالى (هيمنة رأس المال على كل العالم) نتيجة لسيادة الراسمال المالى فى هذه المرحلة، يرى سعيد أن هذا الغزو يمثل تحول الوعى الأوربى بالشرق ( كما أورده المستشرقون) ” من وعى نصى (textual) وتاملى إلى أن يكون إدارياً وإقتصادياً وحتى عسكرياً.“ – الإستشراق،ص 210. فالنصوص هى ما سبب نزعة الغرب العدوانية تجاه الشرق وبالتالى إستعماره وإخضاعه؛ سعيد يقول إن لم يكن هناك إعتقاد يكمن فى صلب تقاليد الإستشراق هو أن الشرق لا يحترم قيم الغرب لما كانت هناك حروب بين الكتلتين . ... وهكذا فإن سعيد يعتبر أن التصورات والنصوص الأدبية الغربية ليست نتاج واقع إجتماعى/إقتصادى وأن أساس الصراع بين الشرق والغرب يكمن فى التركيبات النصية وليس فى الحياة المادية التى لا تكمن فيها مسببات الصراع بين الغرب والشرق فحسب، بل الصراع داخل هاتين الكتلتين العالميتين نفسهما.

وكذلك من الموقف الإستشراقى الذى يصف-فى أحيان كثيرة-الشرقين بالدونية و”بالغدر والخيانة والخديعة المتعطشة للدم" ما يجعل التخوف من هؤلاء الشرقيين مسالة طبيعية، يذهب سعيد الى حد وصف الإستشراق بأنه ” من ناحية نفسية نوع من جنون الارتياب (paranoia)“ – الإستشراق، ص ص 72-73: وهكذا نحن أمام الركون الى السايكولوجيا فى تحليل الظاهرات الإجتماعية بديلاً عن التحليل العلمى!! (مع ملاحظة أن التحليل العلمى لا يرفض التفسير السايكولوجى طالما أَُعتبرالعقل أو النفس (psyche)، خلافاً للمثالية، شكلاً فريداً للحقيقة الموضوعية.)

وبعودة لمقتطف سعيد السابق نجده يقول أن لجوء ماركس الى ”إستخدام الشرق الجمعى وسيلة إيضاح للنظرية، بالنسبة إليه، أكثر سهولة من إستخدام هويات بشرية“ فهو زعم باطل مردود على سعيد ويدل على عدم مصداقيته؛ فماركس على عكس كل الفلسفة السابقة (المثالية "التى نظر سعيد بمنظارها للظاهرات الإجتماعية" والمادية الميكانيكية) لم ينظر إلى المجتمع كمجموعة من الافراد الذين تؤلف بينهم روابط طبيعية إذ إعتبر أن الانسانية تتكون بكلية العلاقات الإجتماعية؛ ولهذا كان توجهه نحو الإنسان العينى وليس الفرد الذى إعتبرت الفلسفة السابقة طبيعته الانسانية طبيعة مجرده فى ذاتها موجودة خارج الزمن والتاريخ. وبالتالى فإن ماركس لم يبحث، كما إدعى سعيد، فى "هويات بشرية" مجردة. كما أن زعم سعيد بان ماركس "إستخدم الشرق الجمعى" كوسيلة إيضاح نظرية هو زعم غير صحيح. فماركس بإعتماده على منهج علمى صارم (التحليل المادى الجدلى لتطور النظم الإجتماعية/الإقتصادية) إتبعه فى دراسة الرأسمالية خلال أربعة عقود من الزمن أخرج السوسيولوجيا من مضمار المناهج القائمة على النظرات الذاتية وحولها إلى علم بإكتشاف قوانين تطور المجتمعات البشرية؛ وفى صلب هذه القوانين يشكل التناقض المجتمعى (الصراع الطبقى) العامل الأساس فى تطور المجتمعات. ورغم الفجوات فى المعلومات فى مقالى ماركس عن الهند إلا أنه اشار الى وجود التناقض فى المجتمع الهندى بطرحه السؤال العام التالى :” إن السؤال هو هل يستطيع الإنسان أن يحقق مصيره دون ثورة جذرية فى الواقع الإجتماعى لآسيا؟“ - The British Rule in India,1853.

مقارنة بهذا المنهج العلمى لماركس الذى لم يكن "، كما زعم سعيد، وسيلة إيضاح أكثر سهولة من إستخدام هويات بشرية" والذى تطلب منه العمل عقوداً متواصلة لصياغتة، نجد أن سعيد تفادى المجال المحفوف بالمصاعب البحثية إذ أن المطلوب، لكى يكون هناك نقد لأفكار المستشرقين يعتد به، يمكن تلخيصه كلآتى:
- تحليل الشروط التاريخية والأساس الإجتماعى لإنحياز الكتاب والمفكرين والفلاسفة الغربيين (كلهم فى نظر سعيد مستشرقين) ضد الشرق فى أعمالهم الفكرية والأدبية والفنية.
- إجراء دراسات توضح الكيفية التى شَغَّل (operationalize) بها الإستعمار أبحاث ودراسات المستشرقين لتثبيت قواعد سيطرته على الدول المتخلفة (التى ثبت فى كل الدراسات الإمبريقية أن وراءها دوافع إقتصادية)، ولماذا كانت هذه الدراسات الإستشراقية تتميز فى بعض الأحيان بأنها عملية (practicable) من وجهة نظر المستعمرين.
-البحث فى الأساس الطبقى للقوى الإجتماعية فى الشرق تلك التى إستسلمت لهيمنة الغرب الثقافية وتلك التى قاومتها؟

خلافاً للبحث فى المسائل السابقة، فإن بروفيسور سعيد قام بتأليف"الإستشراق" مستفيداً من تجربته الأكاديمية الطويلة فى مجال تدريس الأدب المعاصر المقارن (modern comparative literature) ومن كونه متخصص فى علم الإنسانيات الاوربية والامريكية (European and American Humanities)؛ وبهذه الخلفية إستطاع فى ظرف سنتين، كما ذكر هو، من وضع مؤلفه الذى جاء تجميعاً لنصوص أدبية وثقافية وتقارير إدارية، حول الشرق لبعض المؤلفين الغربيين، تحتوى على مضامين عدائية تجاه الشرق؛ وهذه النصوص أنتقيت بالصورة التى تخدم اراء ذاتية للمؤلف حول موضوع الإستشراق. كذلك توقف جهد سعيد عند الإكتفاء بوصف علاقة الإستشراق بظاهرة الإستعمار لأن غرضه لم يكن البحث فى توجهات تطورها أو ” إزاحة نظام وإحلال نظام جديد مكانه“، كما قال. وهنا يكمن المازق الذى وجد سعيد نفسه فيه إذ أنه إذا ما حاول أن يطرح حلاً إبتدارياً (proactive) فى هذا الخصوص، فهل يمكن أن تكون النتيجة (على حسب أطروحته) غير تصور طوبائى..غير إستشراق جديد متسلح بأدوات معرفية اكثر إنسانية وتعاطفاً مع الشرق. لكن سعيد فطن لهذا الأمر وإكتفى بذكر أن هدفه هو ” وصف نظام معين من الأفكار“ وطرح أسئلة على شاكلة ” كيف يمثل المرء ثقافة أخرى؟“، وإن الغرض من مشروعه ” ليس إزاحة النظام وإحلال نظام جديد محله باى شكل.“ – الإستشراق، ص 367. لكن الأفكار التى طرحها سعيد فى مؤلفة إشتملت على اجوبة، لاسئلة طرحها هو بنفسه، تضمنت بعض الإشارات تعكس أمله فى ظهور إستشراق أو تبعية( dependency) بملامح مختلفه فهو يذكر أنه، فى الشرق، يمكن إعتبار أن ” التكيف المتبادل بين الطبقة المفكرة والإمبريالية الجديدة هو أحد الإنتصارات البارزة للإستشراق. وليس هذا فى ذاته شيئ يدعو الى الرثاء، بل الشكل المحدد الذى تتخذه علاقة التبعية يدعو لذلك.“ – الإستشراق، ص 72. كذلك يذكر أن المطلوب هو إجراء دراسات ” لبدائل معاصرة للإستشراق تطرح التساؤل حول إمكانية دراسة الثقافات الأخرى والناس الذين يحملونها من وجهة نظر تحررية (libertarian) أو بدون اللجوء إلى الاباطيل والأكاذيب.“ – الإستشراق، ص 24. ويحق لنا أن نتساءل مع صادق جلال العظم ”هل يعنى إذا قام تراث الإستشراق الثقافى الأكاديمى فى الغرب ببناء إطار إبستمولوجى أكثر دقة وإنطباقاً على واقع الشرق وتعاطفاً معه لسلكت الدول الاوربية المعنية سلوكاً مغايراً ( إلى حد ما على أقل تقدير) أكثر رحمة ورفقاً بالشرق وبمصير تاريخه الحديث؟“ -صادق جلال العظم " ذهنية التحريم" 1997، ص. 20.

وتتضح طريقة سعيد الغير علمية من ما أورده بنفسه فى فصل مضاف لل "الإستشراق" يحمل عنوان " كلمة اخيرة"-Afterword- فى نسخة لاحقة صدرت فى 1994، حيث يقول، كرد على بعض النقاد الذين أشاروا إلى عدم علمية مؤلفه، أن كتاب "الإستشراق" ” ليس ماكينة نظرية، بل هو كتاب سياسى“- ص 340،2003. وفى نفس الفصل ذكر سعيد أن " الإستشراق" ” دراسة شملت الطرق التى أستخدمت فيها القوة والفكر والتخيل لمدة مئتى عام من التقاليد فى أوربا وامريكا لتكوين رؤى حول الشرق الأوسط والعرب والإسلام.“ – ص 329‘2003؛ ما ذكره سعيد يمثل خطة لدراسة موضوع ثقافى يتعلق بالدول الغربية التى تتشكل من مكونات مادية وإجتماعية شديدة التعقيد والإستخدامات التى تلجأ لها هذه الدول فى مجال الثقافة والمعرفة فى سبيل تسيير مطامحها الإمبريالية؛ عليه، اليست هذه خطة يتطلب انجازها أساس نظرى ملائم لطبيعة الدراسة؟ إن سعيد لا يمكن أن يخفى إعتماده فى اطروحته، كما ذكرنا سابقاً، على نزعة إنسانية وبراغماتية شديدة الإرتباط بمثالية ذاتية. ونزعة سعيد البراغماتية إختزلت السياسة فى البعد الاخلاقى والاخلاقى فى تجربته الشخصية.

ونواصل







اخر الافلام

.. الأمن اللبناني يفرق مظاهرة قرب السفارة الأمريكية في بيروت


.. الجيش الإسرائيلي ينتزع الأعلام الفلسطينية من متظاهرين في الق


.. مواكب تشييع في غزة ومسيرات ومواجهات مع الجيش الإسرائيلي




.. لقاء عضو منصة موسكو سامي بيتنجانة، مع قناة «اليوم» 9-12-2017


.. قناة-ذاكرة الأنصار--الحلقة رقم 21-النصير يونس متي(أبو آذار):