الحوار المتمدن - موبايل



نكبة الأكراد في كردستان واللعبة الدولية!؟

سليم نصر الرقعي

2017 / 10 / 31
مواضيع وابحاث سياسية


التقيت أحد الأخوة الأكراد العراقيين الذي كنت قد تعرفت عليه منذ فترة ووجدته في حالة شديدة يُرثى لها من الاحباط فما إن صافحته وسألته عن أحواله حتى بادرني بالقول: ( شفت يا أبو نصر كيف باعونا الكلاب!!؟؟)، فضحكت وقلتُ له ساخرًا : ( أي من الكلاب تقصد!؟، فالكلاب في زماننا أكبر من الهم على القلب!) واعتقدت أنه يقصد الأكراد الذين انقلبوا على (بارزاني) وسلموا (كركوك) لمليشيات الحشد الشعبي!، لكنه قال : (الامريكان !!) ، قلت له (كيف!؟؟؟) قال: (كانت علاقة الامريكان برئيس كردستان (بارزاني) و(البشمرقة) قوية جدًا حيث كانت البشمرقة قبل ظهور جيش (الحشد الشعبي) وقوات (سوريا الديموقراطية) هي القوة الأساسية التي يعتمد عليها الامريكان في محاوبة الدواعش ومليشيا النصرة، ثم لما تغيّر الوضع وظهرت قوات (الحشد الشعبي) المتكونة من تحالف قبائلي كبير في العراق وكذلك قوات سوريا الديموقراطية وكذلك حينما فشل مشروع الاطاحة بأوردغان في تركيا وأصبح أكثر قوة فإن الإمريكان تخلوا عن بارازني والبشمرقة وباعونا وأصبح اعتمادهم الأساسي قائمًا على تحالفهم مع بغداد التي باتت قوية بالحشد الشعبي، لقد باعونا الكلاب يا أبا نصر!)..... فضحكت وقلت له: (كلامك صحيح من حيث المبدأ فالإمريكان والأوربيون عادة يراهنون على (الطرف القوي) كحليف تكتيكي أو استراتيجي (مرحلي أو دائم) لهم مادام هذا (القوي) يتقاسم معهم لعبة المصالح ولا يخترق الخطوط الحمراء مثل (أمن اسرائيل) وأمن (دول الخليج النفطية بما فيه العراق) كبقرة حلوب تدر أرباح الحليب الأسود على الشركات الغربية وتستثمر أموال النفط في الغرب وأيضًا لا تنسى أن هذه الدول من أكبر الزبائن للسوق الغربية!، فصدام حين كان في أوج قوته أتخذه الغربيون حليفًا لهم في محاربة إيران الخميني كعدو مشترك وقد دعموه بقوة لكنه بعد نهاية الحرب مع ايران ركبه غرور القوة فاخترق الخطوط الحمراء للدول الغربية فاحتل الكويت ووقع في المحظور فباعوه بل ذبحوه على غير قبلة!، فالغربيون لا يسمحون لحليفهم الصغير باختراق الخطوط الحمراء، وقد لا يخترق هذا الحليف (القوي) الخطوط الحمراء بل تتضعضع قوته فجأة وتهتز صورته وتتصدع سلطته بسبب متغيرات مفاجئة غير متوقعة كما حصل لحلفائهم السياسيين والأمنيين وشركائهم التجاريين في مصر وتونس واليمن وسوريا وليبيا فما إن تصدعت سلطتهم واهتزت صورتهم وتهشمت هيبتهم بسبب ثورات أو فورات الشارع العربي غير المتوقعة حتى بادروا بالتخلي عنهم وباعوهم بيع الكلاب بسعر التراب!!، وهذا ما حصل لبارزاني والبشمرقة بعد ظهور قوى محلية واقليمية أخرى بديلة يمكن الاعتماد عليها وخصوصًا قوات الحشد الشعبي في العراق المدعومة سرًا من إيران والتي أصبحت قوة حقيقية فاعلة ومقتدرة على الأرض ردت الهيبة والفاعلية للحكومة المركزية في بغداد والتي كانت قبل ظهور الحشد الشعبي في أضعف حالاتها!.... هكذا هو منطق (الساسة الغربيين) البرغماتيين يتعاملون مع (الطرف القوي) حتى لو كان متمردًا عليهم كالحصان أو الحمار (الحرون) فإنهم يسايسونه حينًا ويسعون إلى ترويضه واستيعابه وركوبه عبر عمليات شديدة التعقيد قد تأخذ عدة سنوات كما حصل مع (القذافي) مثلًا فهو تمرد عليهم استنادًا على الاتحاد السوفيتي فعملوا على تحجيمه من خلال الغارة الامريكية عام 1986 ثم الحصار الدولي بلعبة قضية لكوربي ولكن بعد سقوط المعسكر الاشتراكي تم ترويضه واستيعابه بسهولة ودخل - بإرادته الحرة (!!؟؟) - بيت الطاعة من (باب الخدم) الخلفي عن طريق إيطاليا ثم فرنسا وقدم كل التنازلات والانبطاحات والتعويضات الشهيرة التي ضحك لها الشارع العربي طويلًا ملء فمه!!، لكن حينما تضعضعت سلطته واهتزت صورته بثورة شعبه ضده عام 2011 باعوه كما باعوا قبله حليفيهم (مبارك) و(بن علي) ... هذا سلوك سياسي للغربيين يمكن ملاحظته عبر تاريخهم!، ضف لهذا - يا صديقي - أن أكراد العراق اختاروا الانفصال في (الوقت الخطأ) ظنًا بأنه هو (الوقت المناسب) و(الفرصة الذهبية) وهو خطأ قاتل نتج عن سوء في تقدير الأمور، فالوضع الدولي والمحلي والاقليمي في الحقيقة لم يكن مناسبًا لاعلان الانفصال!!، زد على هذا أن أوروبا بل وكذلك أمريكا تعاني من هشاشة وضمور في الحياة السياسية والديموقراطية بل وفي الفلسفة الليبرالية وتخشى بشكل جدي من إنتقال عدوى (الحركات المناطقية والانفصالية والفوضوية)(*) إليها لهذا وقفت جميعها كالبنيان المرصوص ضد إنفصال (كاتالونيا)، فالخوف من المجهول ومن عدوى موجة الانفصال هو ما وحدهم وجعلهم يدًا واحدة على هذا (العدو الجديد) الذي يتآكلهم من الداخل مستغلًا تآكل الأخلاقيات العامة وضمور الروح الليبرالية والحياة الديموقراطية في هذه المجتمعات وفساد وتفاهة وفضائح النخب السياسية الغربية الجديدة التي تدفع في اتجاه تلطيخ الديموقراطية بوصمة العار وتنفير الناس منها لا في دول العالم (الثالث) بل في داخل المجتمعات الغربية ذاتها وهو ما يتيح الفرصة أيضًا للتوجهات ذات الطابع العنصري والشمولي للنمو والصعود من جديد!، فإفلاس الديموقراطية والليبرالية بلا شك يصب في صالح الإتجاهات الشمولية والاتجاهات الانفصالية على السواء!.
سليم الرقعي
(*) المجتمعات الغربية تعاني من هشاشة وضمور في الحياة السياسية والديموقراطية بل وفي الفلسفة الليبرالية التي هي أساس هذه المجتمعات وهي تخشى بشكل جدي من إنتقال عدوى (الحركات المناطقية والانفصالية) إليها - فضلًا عن وجود أصحاب التوجهات الفوضوية و(الأناركية)(اللاسلطوية) المناهضة أصلًا لفكرة الدولة من الأساس كمؤسسة تشوه انسانية الانسان حسب معتقداتها الايديولوجية ! - خصوصًا وأن (بذور التفكك والتحلل والانفصال والفوضوية) موجودة في عقر دار الغربيين كفكرة وكحركات صغيرة غير منظورة يسبح بعضها في الطبقات السفلى في عالم (الانترنت) سعيًا لتقويض (النظام العالمي القائم) بشقه السياسي والاقتصادي الحالي بكل الطرق!، وهذه (البذور) الصغيرة تتغذى على فشل هذا النظام العالمي الحالي وعلى ضمور الديموقراطية وتنتظر فقط (الظروف الموضوعية العامة المناسبة) محليًا ودوليًا لا للانفصال عن (الدولة الوطنية والمركزية) وحسب بل ولتقويض هذه الدولة والنظام العالمي القائم والعودة للوحدات الطبيعية الصغيرة أي عالم المدن التي تحكم نفسها بنفسها دون الارتباط بأي كيان سياسي أكبر ودون حكومات مركزية !!..... فاللعبة الحالية خطيرة ولا يعني أنني أقول هناك مؤامرة كبيرة بل ما يجري في تقديري هو تفاعلات وتداعيات حتمية تخرج شيئًا فشيئًا عن نطاق السيطرة نحو تغيرات جذرية كبيرة في المستقبل تنتهي لتغيير كبير في الخارطة السياسية للعالم فضلًا عن (النظام العالمي) الحالي، تقديري أن العالم الحالي يسير نحو التفكك والتحلل واللامركزية كما لو أننا حيال بيضة تتشقق وتتصدع حيث فرخ الحمام ينقرها بمنقاره من الداخل للخروج نحو عالم أرحب ثم ليطير في آفاق السماء بعد اكتمال نمو جانحيه!!.... الشاهد أن الأكراد في أفغانستان استعجلوا قطف ثمار شجرة لم تنضج بعد فارتد مشروع إستقلالهم وحلم دولتهم القهقهري للوراء وهو ما قد يصيب أكراد سوريا أيضًا، فمع وجود تركيا قوية وحكومة مركزية قوية في بغداد وفي دمشق أيضًا ووجود تحالفات استراتيجية لأنقرة وبغداد ودمشق وعواصم الدول القائمة مع أسياد النظام العالمي الحالي فحلم الإنفصاليين في العالم العربي والعالم الغربي لا أقول (مستحيل) ولكنه (صعب المنال) وأما انفصال جنوب السودان فله ظروفه الخاصة المتعلقة بتعاطف (الفاتيكان) ومسيحيي العالم مع الجنوب السوداني المسيحي الخائف من الحكم الإسلامي في الشمال!.








اخر الافلام

.. عقوبات أميركية على إيران بسبب عمليات تزييف للعملة اليمنية


.. بوتين والأسد.. وأجندة سوتشي


.. جدل -المعابر- بين أربيل وبغداد




.. ليبيا.. وأوكار العبودية


.. لبنان .. الأزمة السياسية ومواقف الجيش