الحوار المتمدن - موبايل



بركة الجن

رولا حسينات

2017 / 10 / 31
الادب والفن


بركة الجن

الربابة التي كان يعزفها الشاعر صبحي، وهو يتمايل بعزفه بذلك القوس المثبت في وسطه ثلاثة أوتار، كانت تدخل الجالسين في بيت المختار بآهة واحدة، ودقة المهباش بين يدي القهوجي محمود وهو يتبع عزف الربابة بارتفاع ضئيل للعصا الخشبية الدائرية العريضة، وبجزء مستو في نهايتها، والنقوش الفضية المرصوصة على جسدها البني المحروق يضفي لمعانا يخلب الأعين، ثم يهوي برقة عبر عنق المهباش الدائرية ،والمرصوصة هي أيضا بنقوش فضية، وهو يدق القهوة السوداء التي للتو حمصها على منقل مستطيل مليء بالجمر المتوهج، وقد فاحت رائحتها فأزكمت الرؤوس المتمايلة قبل الأنوف... وقد أمالت عُقلها السوداء، وخلت فتحة العينين بشق رفيع...
الدائرة التي يتحلق فيها الصغار كانت ضيقة جدا عند عتبة الباب حيث يصفق الهواء ظهورهم مع رشة خفيفة من المطر التشريني البارد... الذي يصفق ظهور الصبيان عند الشق الرفيع من الباب الخشبي الأخضر للغرفة المستطيلة، فتطلق أفواههم سحابة من دخان أبيض لتدفئة أيديهم الصغيرة... مع الأبخرة المتصاعدة من القهوة المنصوبة على المنقل النحاسي، اللمعة التي اكتست الجدران كانت لقطرات البخار التي تجمعت عليها، وبعضها شق خيوطا رفيعة ... الجدران البيضاء والكثير من القش المرصوص مع طينة السقف أخذ يتدلى كشرائط مائلة لصفرة أو لحمرة من بين الجذوع الخشبية البنية التي يمتد بطنها المستلقي بطول الغرفة المستطيلة، والنور المتوهج من السراج الزيتي يروح ويجيء من وراء البلورة الموشحة بالسواد المعلق على الجدار بمسمارين...ظهري الصغير الذي غطيته بقطعة صوفية كان يتسلل غليه البرد من ذلك الشق الرفيع بقشعريرة باردة ترتجف منها أوصالي وأتلقى بجسدي الهش البرد وألسنة المطر.
عندما تثقل الرؤوس بعد ساعة أو ساعتين وتستسلم لسلطان الغفوة، يأمرني الحاج سالم بأن أتقدم مبتعدا عن ذلك الحيز الضيق الذي أتيح لي عند شق الباب وقد ظل يجز بجنبي، فأتقدم متعثرا بأرجل الصغار وهم يتهامسون، ويخفون ضحكاتهم، فأجثو على ركبتي حتى يكاد جسدي النحيل أن يبتلعني...
وحبات العرق تتساقط الواحدة وراء الأخرى، وقد ابتلعت ريقي الجاف... الذي تبلل بعد أن قرأت : بسم الله الرحمن الرحيم ...
عندما بدء ضوء السراج بالتأرجح، كان وقت السمر قد انتهى فترى الولدان قد تسابقوا في المغادرة، وصوت صنادلهم البلاستيكية يصفق تلك البرك الموحلة التي تجمعت بين الحجارة المرصوفة وقطعة الصفا الكبيرة التي ظلت حالها، وقت ما وجد جد المختار الأكبر كنز الأتراك... فيحوطني الحاج سالم بفروته المصنوعة من صوف الأغنام، والمشغولة في المدينة، وقد أخفى رأسه ووجهه بالشماغ... رغم الدفء الذي يحوطني به كلما ولجنا وخرجنا... إلا أنني أرتجف حتى أعماقي...
العواء الذي سمعته في تلك الليلة قبل عام رغم صغري، لم أكن لأنساه، لقد كنت شريدا بعد أن دُفنت زريفة في التراب، ولم يعد لي بيت حجري... زريفة كانت زوجة أبي الذي قضى قبلها بأعوام، مات دون أن تسمح لي برؤيته...
قالت بصوتها الرفيع: أنت نجس والعجوز طاهر فلا يلتقي الطاهر بالنجس...
وحسب ما عرفت منها أن نجاستي ورثتها عن أمي عيشة التي تقول عنها: أن الجن ابتلعها... لم أعرف أحدا غير زريفة... رغم أنها كانت تنيمني في البرد القارص خارج البيت الحجري وكانت كثيرا من الأيام تكنسني بمقشتها الرويمة، وتضربني بها، لم يكن هناك طعام... لم تكن تفعل شيئا... وأبي الشيخ الكبير يحتضر...
لم تزوج أبي وهو طاعن في السن امرأتين...؟؟ الأولى هربت والثانية تريدني أن أختفي، حتى قبضت الأرض جسد أبي، عندما جلست قرب القبر وأنا أطيل النظر إلى ذلك الكفن الأبيض وهو ينزلق إلى تلك الحفرة، لم أبك بقدر ما في قلبي من حزن...أياما بعدها ظلت فيها زريفة تغني، وتكتحل، وحتى ماتت... ماتت وهي تغني ولم أبك عليها...ولم أجلس عند قبرها... لم يعد البيت لي، لقد قال أحدهم: أن أبي استدان منه مبلغا كبيرا، وذهب إلى المختار أبو الوفا...وأراه ختم أبي الحاج منصور... تنازل عن بيته مقابل المال...
هذه الحقيقة لم تجعل أمامي خيارات كثيرة، خيار واحد كان الأفضل؛ أن أرتاد أماكن الوحوش وأتقاسم والكلاب لقمتها، وأتوسد الحجر كقطعة دائرية واحدة لا تميزني عنه...
لم يكن أحد يفكر بهذا الصغير ذي الخمس سنوات، وشعره المفلفل يسرح به القمل، العينان الذاهلتان الغارقتان فوق الوجه الأسمر، الأنف المدبب، ومخاط لزج سمج من منخرين قد فتحت طاقتيهما للعراء...
والوجه الأسمر الذي قد يعثر فيه على أوساخ كثيرة، الكثير من الأوساخ كانت تثقل جسدي ملابسي الرثة... قدماي اللتان اعتادتا السير على الوعر والصفاوي...الشوك الذي أدوسه وأطحنه...
لم يكن هناك ما يقلقني، فزريفة ماتت ولم تعد تأتيني بمقشتها، وأنام ملء جفوني حتى سامرني ذلك البوم...
وفي يوم غاب القمر وساد السكون سمعت خطوات مسرعة، ولهاث ونحيب خافت... كان عواء الذئاب ونباح الكلاب يحول دون سماعي لما تقول، وهي تركض بجسدها الثقيل على حجارة الخربة القديمة التي يقال: أن أرواح الرومان تعيش فيها ففي النهار يأتيها الفتيان، ويبولون فيها ولا يدفنون برازهم فيتراكم فوقه الذباب، ويهجرونه في الليل فأصف الحجارة وأعيد بناءها من الداخل فيصير لي بيت لا ينافسني فيه أحد، كنت حينها أزيل الحجارة فتسلقت الخربة، وصرت انظر من شق رفيع حتى يغيب القمر... كان شعاع النور قد سقط على وجهها كانت وهيبة زوجة الحاج جميل...زوجته الثانية التي لم تنجب أولادا كانت رائعة الجمال، ولكن كان وجهه أسودا وقد سال الكحل، لم تكن لوحدها كانت خطوات أخرى ثقيلة كانت تتبعها وصوت ممزوج بلهاث حزين يرجوها بأن تعود... يريدها أن تعود، لقد رجاها، وقال له: أنه يريدها وأنه لن يستطيع تركها تذهب هكذا، وعدها بأن الأمور ستتغير، عليها أن تصبر، ولكنها رفضت... قالت: أنها ستعود لأخوالها... ولكنه أصر بأن تبقى، وستصير الأمور بينهما كما تشاء، ولكنها رفضت وقد أصابه الغضب، وأطلق زئيرا عاليا قصف مفاصلي، ووضع مسدسه في قلبها وأطلق الرصاصة حين علا نعيق البوم ونباح الكلاب وعواء الذئاب، وسقطت، والدماء السوداء ملأت يديه... بكى لقد بكى كثيرا... كثيرا... ولكن لم يكن لبكائه سوى أّنّة ...
لقد ماتت ...ماتت بهية... وانتهى الأمر، قتلها بمسدسه الذي لم يوقظ أحدا في القرية الرابضة فوق تلة أخرى، لقد ظلت في سبات حينها عميق، وظل الرجم فوق التلة الأخرى بعيدا تؤمه الأشباح في الليل...
صوت نبشه للتراب علا بعد أن أزال الكثير من الحجارة، كان قريبا قريبا جدا... كان بقربي وأنا أحتضن نفسي ثانية وراء صف الحجارة، وقد حمل بهية إلى داخل الرجم... الصمت أسدل ستاره في تلك الليلة بعد انصراف جوقة العواء والنباح...
جعلني أحبس خوفي في زجاجة هشة، لم أستطع أن أسمع نبضات قلبي الصغير، لم أستطع التنفس أو أن أبول على نفسي... لقد جفت كل عروقي.
كان آخر حجر له ليضعه فوق جسدها، وكان أول حجر يزيله عن قبري وأنا أرتجف وأئن، ولم أدر حينها أكان صوتي من سمعه أم دله خوفي عليّ؟
كانت يداه كبيرتان حين أخرجني من القبر، وبعينين حانيتين ضمني وهو يقول: لم أنت هنا يا ولد؟
الحب الذي في عينيه لم يكن قبل قليل حين أتمّ الدفن، و نفض ثيابه وغسل يديه ببركة الجن وهي حفرة كبيرة لا تخلو من المياه الخضراء صيفا أو شتاء، ولا أحد يأتيها فقد كانت تدور أحاديث العجائز عن الذين يأتي ماءها فلا يعثر عليه إلا مخنوقا بجسد متصلب، وقد طفا جسده...
وطفق عائدا بي إلى حيث تجثم القرية على تلة ميتة تقابل الرجم... بعيدة كل البعد...
-لم لست في بيتك؟؟؟ظل السؤال يلف بلسانه، وهو يعرف الإجابة ..فإلى أين سيذهب يتيم مثلي؟! لم أكن أعرف ما الذي يدور في بال هذا الرجل الذي يخترم الصرخات في صدري فلا أستطيع ابتلاعها.
ومرت الأيام في بيته وأنا أخمن أن كان هو الذي قتل زوجته بهية أم تراني أخطأت؟ لم أكن أحلم إلا بها حتى أفقت يوما على حب سهام ابنته الخرساء، تلك التي رأيت عينيها لأول مرة بعد أربع سنوات في دارهم، وأنا أتردد على الكتاب عند الشيخ فهمي، وأتعلم القرآن والكتابة، كنت فيما مضى لا أملك ما أعطيه إياها فأكتفي بالسماع والترديد معهم من وراء جدار، فانشرح صدري، لكني أصبحت عنده لي فيه...
حفظت القرآن كاملا، وأجدت القراءة والكتابة، ولم يطل الوقت حتى اشتغلت في حسابات الحاج جميل... المحصول والأجور وغيرها من أمور لم أخطأ ولا مرة...
و كانت القطع المعدنية التي يعطيني إياها تقارب تلك التي تعطيني إياها زوجته الحاجة فريدة كانت امرأة قوية وطيبة، لا تفارق الابتسامة محياها، رغم الحزن الذي في عينيها...
قيل لي: أنها كادت أن تصاب بالجنون بعد أن وضعت ولدا، عندما ولدته كان بلا رأس... دفنت جثته... وقيل: أنه ولد ميتا... لم يقل أحد شيئا، ولم تحبل بعدها سوى بابنتها التي أصابها الخرس لم تكن تسمع شيئا أيضا... تجلس دوما عند باب حجرتها، وتجدل شعرها وتغمس المشط بزهر الليمون المنقوع بصحن فضي من الزيت فتربطه بشريط أحمر اللون، يزحف كبطن حية متموج حتى أسفل ظهرها.
الصبية التي تفتّح لها قلبي كانت خرساء، كما كنت أصما عما يدور حولي، ...ما عرفته من أم فرج التي عاشت في البيت الكبير منذ صغرها، وكانت تشرف على الطعام والخبيز أسرارا كثيرة... وتركتني بعدها لأنسج قرار الابتعاد عن صفية...ما عرفته أنها كانت تبعث إلي برسالة ألا أطيل التفكير بصفية، وأن أدعها وشأنها، فلا أحد عرف نحيب بهية ولا الرصاصة رغم أن أم فرج كانت حاوية للأسرار.
جاء غريب إلى القرية عندما بلغت الحادية عشرة من العمر، ونزل في بيت الحاج جميل كان يرتدي قبعة صغيرة على رأسه، وقميصا وبنطلونا وحذاء، كان الحذاء هو الذي أطلت النظر فيه. أخبرني الحاج جميل "أنه آن الأوان لي أن أذهب للأزهر كي أتعلم هناك، وأصبح شيخا أزهريا، وأعود لأعلم الولدان في القرية.
لم أكن سوى حالم أو مجنون؟!
لِمَ تفتح لي كل هذه الأبواب التي ظننتها غلّقت يوم أغلقت على نفسي قبري تحت الرجم؟!
لم يكن لدي الكثير لأهيئ به نفسي...ماعلي سوى لملمة ثوبي الطويل المقلم باللون الفضي...غير أن الحاجة فريدة أحضرت لي بنطالا وحذاء... كل شيء يسير وكأنه قد هيأ لي دون أن أفعل شيئا...
لم كل هذا الحب الذي أجمعت القلوب عليه؟!
لا أدري ولكني عرفت أن هناك الكثير مما علي فعله... ابتعد تفكيري عن القرية وبعيدا عن صفية، ودعتهم وكأنهم جزء لا يتجزأ مني... كانت الحاجة فريدة قد خاطت لي الحصن الحصين بقطعة قماشية معطرة، طلبت إلي أن أتحزم بها، وأن أحرص على النقود...
وهمست في أذني: عندما تعود لا تنسى صفية... التي لوحت لي بيدها من وراء السور الحجري، وابتسمت ثم غابت وغبت وراء ذلك الغريب، الذي عرفت منه في الطريق؛ أنه أحد أبناء القرية الذين أرسلهم الحاج جميل إلى الأزهر كي يتعلموا، وقد أرسل إليه ليأخذني حتى أصبح أزهريا، وأعود لأعلم أبناء القرية.
كان طيب القلب، وأول ما وصلنا المدينة أخبرني بأن عليّ أن احلق شعري، وضعني أمام باب الحلاق وطلب إليه أن يسلخ الشعر حتى جلدة رأسي... كنت أرى حينها هلاكي، وهذا الموس اللامع يُعمل إزالة لشعري الملفوف، وقد أصبح رأسي حليقا ثم أتى بالكاز وأخذ يغسل رأسي وأنا أكاد أختنق، والغريب الذي يسمي نفسه فوزي يقف مستندا إلى الجدار وهو يأكل اللب ويضحك، ثم غسل رأسي الحلاق بالماء وعطره بالكالونيا، وبين الضحكات التي كان يرسلها بين الفينة والفينة أخرج قبعة تشبه قبعته ووضعها على رأسي... وقال: أريدك رجلا.
الطريق الطويل التي حملتنا بها أرجلنا والدواب ثم السيارات التي تتحرك على المانويل كانت تثير في نفسي الرعب، لكني بعدها وددت لو طالت رحلتنا أكثر...
مضت السنوات وأصبحت أكبر وأقوى، وقد حفظت الكثير من اللغات وقد ازداد اهتمام مدرسيّ فقرر أستاذ لي أن يعرفني برجل متعلم ومثقف، لأساعده في أبحاثه ودراسته، وبالفعل كنت آتيه بعد أن أنهي دراستي...حتى أثرت إعجابه، فأخبرني أن عليّ الذهاب معه إلى الخارج، فمكاني ليس هنا...
كنت أمام وعدي للحاج جميل؛ بأن أعود، وللحاجة فريدة؛ بأن أعود، ولصفية؛ بأن أعود، ولكني أمام نفسي فكرت؛ بأن لا أعود.
وسبحت عكس تيارهم، وحملني تيار آخر ينقلني من مكان إلى آخر... كانت رحلتي بالسفينة طويلة وشاقة، لكنني استعنت بالكتابة والترجمة للكثير من الكتب، الأمر الذي أثار إعجاب أستاذي وأخبرني" بأن لي شأنا عظيما.."
لم يطل بنا المكوث في انجلترا بعد أن عرفّني بالكثير من الأساتذة الغربيين، وقد اهتموا لأمري كثيرا... كنت أمامهم اكتشافا عظيما.
فقرر أحدهم الإبقاء عليّ عنده ووعدني بأن يحسن مثواي...
كانت السنوات تسيرني كما تشاء وأنا لا أرفض أو أشكو... حتى وجدت نفسي صاحبا لأكبر دور الترجمة والنشر... كان كل الماضي بأبي وزريفة وبهية والحاج جميل وصفية والحاجة فريدة وأسرار أم فرج وأمي من قبلهم التي غابت في البعيد....مجرد صفحة في كتاب للتو أغلقته.







اخر الافلام

.. محافظ جنوب سيناء ووزيرة الثقافة يفتتحان معرض المشغولات البدو


.. مخرج فرنسي يسبب أزمة.. هل طبع مهرجان القاهرة السينمائي مع إس


.. تعرف على الأفلام التي عرضت في مهرجان الشارقة السينمائي الدول




.. الجمهور ومغني الأوبرا.. علاقة شغف يتحدث عنها خوان ديغو فلوري


.. مسؤول تركي يطلب تجاهل مسرحية تسجيلات خاشقجي