الحوار المتمدن - موبايل



تعديل قانون الأحوال الشخصية النافذ بين الشرعية الدينية والمشروعية الدستورية.

عباس علي العلي

2017 / 11 / 4
حقوق الانسان


تعديل قانون الأحوال الشخصية النافذ بين الشرعية الدينية والمشروعية الدستورية.

أثارت المحاولات العديدة التي تجري على قدم وساق من قبل السلطة التشريعية في العراق والتي يهمين الإسلاميون عليها بمختلف طوائفهم الكثير من اللغط والجدل، بين من يظن أن هذا التشريع يمثل أستجابة لما يطرحه الدستور من أن التشريع الإسلامي مصدر أساسي من مصادر التشريع ونصوص أخرى، وبين من يرى فيه محاولة إلى طلبنة الشعب العراقي وإعادته إلى عصر الجواري والإماء والسبايا، ولا بد لنا من وقفة بحثية علمية وفقهية دستورية وشرعية للبحث في مواقف الطرفين من القضية بناء على ما في الدستور النافذ الذي أحال القضية للتشريع الإسلامي ومن ثم البحث في أسس وقواعد هذا التشريع للبحث عن الركائز التي أستند عليها مشرعي هذا التعديل وداعميه.
لو عدنا أولا للدستور العراقي لعام 2005 في المادة الثانية منه التي تنص على (اولاً: الاسـلام دين الدولــة الرسمي، وهـو مصدر أســاس للتشريع)، فقد أحالت الفقرة أولا من المادة أعلاه مصدرية التشريع الأساسية إلى الإسلام، بمعنى أن مبنى الإسلام اللفظي الذي لا بد منه أن يمثل جامع مشترك بين مواطنيه، ولم يمنح هذا الحق لمجموعة دون أخرى في تمثيل الإسلام، فلا الفقه الجعفري ولا السني ولا أي موقف منفرد ومميز في حدوده الخاصة يمكن أن يمثل الإسلام، وبالتالي لا بد من الرجوع في تحديد القيمة التوصيفية إلى المشترك العام وهو القرآن الكريم والسنة الصحيحة التي تعزز من صحيتها من خلال تطابقها مع مفاهيم القرآن الكريم.
وفي نفس الفقره أولا من المادة (2) من الدستور هناك ثلاثة أشتراطات تتعلق بتطبيق الفقرة وهي:
أ ـ لايجوز سن قانون يتعارض مع ثوابت احكام الاسلام .
ب ـ لايجوز سن قانون يتعارض مع مبادئ الديمقراطية .
ج ـ لايجوز سن قانون يتعارض مع الحقوق والحريات الاساسية الواردة في هذا الدستور .
وهذا يقودنا إلى نتائج عملية وفقهية منها:
• التأكيد على حصر مفهوم الإسلام بالثوابت فقط دون أن يترك الباب لكل رأي أن يدعي حصرية تمثيل الإسلام، فالثابت الإسلامي هو ما لا يمكن العمل بخلافه من كل من يؤمن بالإسلام سواء أكان على مذهب ما أو على تقليد جهة ما، فعندما نشرع قانون أحوال شخصية لعموم مجتمع فيه المسلم وغير المسلم وفيه السني والشيعي وفيه المؤمن والملحد، لا يجوز أن نستند في هذا التشريع إلى أراء الفقهاء أو ما ترتبه المذاهب الدينية الإسلامية من أفكار، والواجب التشريعي بموجب الدستور أن لا ينجر إلى مخالفة صريحة للعقد الأجتماعي الجامع (الدستور) وأن لا ينحاز لمذهب أو رأي فقهي بأعتباره يمثل الإسلام.
• الشرط الثاني لتطبيق مبدأ أساسية الإسلام كمصدر للتشريع هو أن لا يتعارض مع مبادئ الديمقراطية، ومن أول مبادئ الديمقراطية هو حق الخيار لمن بلغ الثامنة عشر من العمر، وأن الجميع متساوون أمام القانون، وأن لا يفرض معتقد ديني أو فقهي على الناس دون أن يتم من خلال الأستفتاء عليه إن كان صالحا وسليما من جهة الدستورية اللازمة، فعندما نفرق في التشريع المقترح بين الأهلية الشخصية القانونية بين فرد وفرد فإننا نخرق الديمقراطية، وأن نمنح حقا مضافا لفئة من الناس تبعا للجنس أو الدين والمعتقد فهنا ندوس على أسس الديمقراطية، وعندما نتجاوز حقوق الإنسان الأساسية المشرعة، فنحن بذلك نرمي الديمقراطية خلف ظهورنا.
• الشرط الثالث والأهم هو أن لا يتعارض مع الحقوق والحريات الأساسية التي سطرها الدستور ذاته، وهذه الحقوق والحريات تشكل منظومة الحماية الأساسية للوجود الفردي، وإذا ماتم تجاوزها بتشريع ما فأننا بذلك نعطل الدستور ونجعل الواقع نوعا من الديكتاتورية الأستبدادية التي لا تحترم سقفها التي تعمل تحته، وهذه الحقوق والحريات منصوص عليها في الباب الثاني من المادة 14 لغاية المادة 46 وهو أكبر الأبواب في الدستور وفيه جملة من الحقوق والحريات الأساسية التي لا يجوز أنتهاكها ولا الألتفاف عليها أو مخالفتها تحت أي ذريعة بما فيها ما ينسب إلى الإسلام كدين، ولا بد لنا أن نشير إلى بعض المخالفات في مشروع التعديل لهذه الحقوق والحريات الأساسية.
1. المادة (14) العراقيون متساوون أمام القانون دون تمييز بسبب الجنس أو العرق أو القومية أو الاصل أو اللون أو الدين أو المذهب أو المعتقد أو الرأي أو الوضع الاقتصادي أو الاجتماعي .وهذا ما يتعارض مع بعض فقرات التعديل التي أجازت مثلا عدم الأخذ بشهادة غير المسلم وأهدار قيمتها القانونية، كما منحت الرجل حقوقا غير متساوية مع المرأة حتى خلافا للثابت الإسلامي.
2. المادة (29) اولاً:
أـ الاسرة اساس المجتمع، وتحافظ الدولة على كيانها وقيمها الدينية والاخلاقية والوطنية .
ب ـ تكفل الدولة حماية الامومة والطفولة والشيخوخة، وترعى النشئ والشباب وتوفر لهم الظروف المناسبة لتنمية ملكاتهم وقدراتهم .
وهذا ما يخالف النصوص التي تشير إلى إحالة قضايا الزواج والطلاق إلى رأي المرجعيات الدينية للزوج دون الزوجة وأن تلتزم المحاكم بما يردها من جواب، وهي الحالة التي تعني أن مستقبل الأسرة والأمومة والطفولة ستكون تحت رحمة رأي فقهي غير ثابت ولا متفق عليه لتعدد الأجتهادات الدينية داخل المذهب الواحد وداخل الدين الواحد، وبالتالي لا يمكن للقضاء والمحاكم أن تطبق القانون بصورة عامة ومجردة على الناس، لأنها ملزمة بأتباع الرأي الفقهي فقط.
هذه النتيجة تقودنا إلى حالة مهمة ومركزية في النظام الدستوري بخصوص أستقلالية القضاء وسلطته العامة، فحسب أحكام المادة (19) اولاً (القضاء مستقل لاسلطان عليه لغير القانون)، فكيف لنا الجمع بين الأستقلالية والخضوع لرأي المرجعية الدينية في حالة تدخلها في شأن الأسرة التي هي أساس المجتمع .

3. المادة (29): اولاً:
رابعا: تمنع كل اشكال العنف والتعسف في الاسرة والمدرسة والمجتمع .هنا يفرض القانون جواز أستخدام التعسف وشرعنته من خلال مثلا إلزام الزوجة قهرا بأن يساكن زوجها والديه معه دون أن يحق لها الأعتراض، وهذا النص لا وجود له لا في الشرع ولا في ثوابت الإسلام، فالمعروف أن الفرد أيا كان ملزم شرعا وأخلاقا ببر الوالدين والإحسان لهما فقط ومن خلال ما يمكن أن يحفظ لهما كرامتهما وحقهما في الحياة، أما أن نشترط على الزوجة قبول المساكنة وهي كارهة لهذا الأمر فأننا نفتح بذلك أبواب جهنم على الاسرة وعلى الوالدين، كما أن التشريع لم يعمد إلى العدالة في هذا الموضوع عندما حصر الحق بالزوج دون الزوجة التي لا معيل مثلا لوالديها.
4. المادة (30):
اولاً: تكفل الدولة للفرد وللاسرة وبخاصة الطفل والمرأة الضمان الاجتماعي والصحي، والمقومات الاساسية للعيش في حياةٍ حرة كريمةٍ، تؤمن لهم الدخل المناسب، والسكن الملائم .وهذا أيضا يتعارض مع ما قدمنا في الفقرة (3) بخصوص سكن وإسكان الوالدين.
5. المادة (37):
ثانياً : تكفل الدولة حماية الفرد من الاكراه الفكري والسياسي والديني، وهذا الإكراه الديني حينما تلزم المحكمة الزوجة بالخضوع للمذهب الذي عليه الزوج خاصة في أختلافهما الديني أو المذهبي.
6. المادة(41) العراقيون احرار في الالتزام باحوالهم الشخصية حسب دياناتهم أو مذاهبهم أو معتقداتهم أو اختياراتهم وينظم ذلك بقانون .وهذا يمنح الفرد العراقي الحرية في أن يختار ما يلتزم به دون أن يكون هناك إلزام قانوني مشرع ملجئ له أن يخضع جبرا إلى مذهب معين أو دين معين، هذه المادة تنفي تماما حق السلطة التشريعية أن تسن قانون يتعارض مع هذا الحق وينتهك بذلك واحدة من أهم الحريات الأساسية للمواطن.
7. المادة (46) لايكون تقييد ممارسة أي من الحقوق والحريات الواردة في هذا الدستور أو تحديدها الا بقانون أو بناء عليه، على ألا يمس ذلك التحديد والتقييد جوهر الحق أو الحرية. فبعد العرض هذا نجد أن أحكام المادة هذه قد سدت الأبواب تماما في وجه أي تشريع ممكن أن يمس جوهر الحق في الحريات والحقوق الأساسية التي تتركز بثلاث نقاط هي:
• العدالة والمساواة.
• التجرد والعمومية.
• عدم الشخصنة في التوصيف.
هذا في الباب الدستوري الذي يجب أن يراعى في كل تشريع قانوني، ونرى من خلال النقاط المستعرضة أن هذا التعديل الذي صوت عليه مجلس النواب من الناحية المبدئية لا يمكن فرضه أو تطبيقه لمخالفته الصريحة لمقومات دستورية غاية في الخطورة، وتمس النظام العام وتهدف إلى إثارة البلبة وزرع الألغام المتفجرة في بنيان الأسرة والمجتمع دون أن يقدم حلا يمكن أن يعزز من مسيرة المجتمع أو يحافظ على البنيان الأجتماعي له، وهذه المهم هي في صلب مهام مجلس النواب بأعتباره يمثل مصالح المجتمع وتطلعاته المشروعة.







اخر الافلام

.. في مخيّم عين الحلوة للاجئين الفلسطينيين لا تزال هناك فسحة لل


.. كمال يلدو: عن واقع النازحين في السليمانية ومدن كردستان مع ال


.. الأمم المتحدة ترحب بإعادة فتح مطار صنعاء




.. فرنسا تدعو لاجتماع لمجلس الأمن الدولي بشأن سوء معاملة المهاج


.. ساحات إعدام #داعش تتحوّل إلى حدائق -من غرفة الأخبار-