الحوار المتمدن - موبايل



المتاهة الدينية

أيمن عبد الخالق

2017 / 11 / 7
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع



"علمتني الفلسفة أن أفعل دون أوامر، مايفعله الاخرون خوفا من القانون"
ارسطو
o بعد ماانتهينا من الكلام عن مشاكل المتاهة المادية الرأسمالية، أصبحت مشتاقا بالفعل للحديث حول المتاهة الثانية، وهي المتاهة الدينية.
• نعم هذه مسألة حساسة قد تزعج الكثير من المتدينين، عندما نضع الدين الإلهي في ضمن المتاهات الفكرية، مع الاعتقاد أنّ الدين هو هدى، ونور، واستقرار، وطمأنينة.
o نعم هذا أمر متوقع بطبيعة الحال.
• وهذه المشكلة دائما ما تواجهنا من أصحاب وأتباع الاتجاهات اللاعقلانية، عندما نتعرض لهم بمجهر النقد والتحليل...ولكن وكما قلنا سابقا، كما أننا في نقدنا للاتجاه المادي في الغرب، لايعني بأي حال نقدنا للعلم والتكنولوجيا، والمنهج التجريبي، أو تنكرنا لما حققوه من انجازات علمية هائلة وعظيمة، أو ماوصلوا إليه من التحرر من الاستبداد الديني والسياسي، بل كان نقدنا متوجه إلى القوى الرأسمالية والامبريالية الانتهازية، التي حاربت العقل الفلسفي، وركبت موجة التحرر والتنوير، وصادرت انجازات الحداثة، لصالح مصالحها غير المشروعة. كذلك فإن نقدنا للاتجاه الديني، ليس في الحقيقة نقداً للأديان الإلهية، التي ماجاءت في الواقع إلا لإحياء القيم الإنسانية، وتحقيق العدالة الاجتماعية، والسمو الروحي، وترسيخ مكارم الأخلاق...بل نقداً للاتجاهات الدينية السطحية المتشددة، التي أدلجت الدين، وأخرجته عن مساره الإنساني الطبيعي، من أجل تحقيق مصالحها الشخصية والسياسية.
o هذا البيان منكم كان مهماً وضرورياً، حتى لاتختلط الأمور، ويرموننا بشتى التهم الجاهزة والمعلبة.
• نعم وهذا قد وقع بالفعل، وتكررت الاتهامات للاتجاه العقلي على مر التاريخ، حيث اتهمه الاتجاه المادي بالجمود، والمثالية، والدوجماطيقية، واتهمه الاتجاه الديني بالالحاد والكفر والزندقة.
o على أي حال المهم أن نبين موقفنا بوضوح، حتى لايُساء فهمنا، ولسنا مسؤولين بعد ذلك عن النتائج، والعواقب.
• أحسنتم...وهذه ضريبة لابد أن يدفعها المصلحون في كل زمان ومكان، ولسنا مستثنين منها، فطريق الإصلاح ليس مفروشاً بالورود.
o نعم صحيح...لنرجع الان إلى بيان المتاهة الدينية، ومشاكلها.
• في الواقع، إنّ الاتجاه الديني التقليدي، على الرغم من أنه يقف بحسب الظاهرعلى النقطة المقابلة للاتجاه المادي بحسب الرؤية الفلسفية للحياة، إلا أنه يتماهى معه تماما، في التنكر للعقل البرهاني، واعتماد الحس كمنهج رئيسي في المعرفة.
• هذا أمر غريب يعني تريد أن تقول أنّ الاتجاه الديني أيضا اتجاه حسي مادي؟
• لا ...لاينبغي أن يختلط عليك الأمر، أنا قلت أنّ الاتجاه الديني الكلاسيكي، اتجاه حسي، وليس مادياً، وكيف يكون مادياً، وهو يؤمن بالغيب، وعالم ماوراء المادة والطبيعة، بل هو حسي من الناحية المعرفية، لا الفلسفية، وهذا أمر طبيعي لكل من أعرض عن العقل الإنساني التحليلي، فليس لدينا إلا العقل أو الحس للتعرف على الواقع.
o ولكن الاتجاه الديني يعتمد على المنقولات من النصوص الدينية، لا على الحس.
• نعم...إذن هو يعتمد على المسموعات المحسوسة، وإن تعلقت بأمور غيبية غير محسوسة، فالاتجاه المادي يعتمد على ماتراه عيناه، والاتجاه الديني السطحي المتشدد يعتمد على ماتسمعه أذناه، والعقل البرهاني التحليلي معطل عندهما.
o يعنى تريد أن تقول أن الأداة المعرفية عندهما واحدة، وهي الحس، ولكن الاتجاه المادي يعتمد على الحس التجريبي المتعلق بالماديات، والاتجاه الديني يعتمد على الحس النقلي المتعلق بالغيبيات.
• نعم بالضبط هكذا، ونتيجة لهذه النزعة الحسية عند الاتجاه الديني السطحي، نجد أنه يسعى دائما لتجسيم وتخييل، وأسطرة عقائده الدينية، ويفهم النصوص بسطحية شديدة، ولايتمكن من التفكير العقلي التجريدي العميق، الذي يعتمد عليه الفلاسفة والحكماء الإلهيون في بناء رؤيتهم الكونية.
o فإذن هذا هو سر الخلاف القديم بين هذا الاتجاه الديني، والفلاسفة.
• نعم، بسبب الاختلاف الجذري بينهما في المنهج المعرفي الابستمولوجي، والذى أدى إلى اختلافات جوهرية في الرؤية الكونية، بين رؤية سطحية، ورؤية عميقة جوهرية.
o وماهو النقد الأساسي الذي يتوجه لهذا الاتجاه؟
• النقد يتوجه أولا وبالذات، إلى الخلل المعرفي الكبير في منظومته الفكرية، وهو إقصاء العقل الإنساني، وتجاوز أحكامه الموضوعية الضرورية، وتشبسه بظواهر النصوص الدينية، وجموده على معانيها الحرفية، وتعبده بأحكامها بنحو مطلق ، دون أي تعقل أو تدبر، وهو مانسميه بأصالة النقل، وحاكميته في جوهر تفكيره.
o ولكن مع تغييب العقل كيف يمكنه التمييز بين الاعتقاد الصحيح، وغير الصحيح، لاسيما أنه يريد أن يبني حياته، ومصيره عليه؟!
• هذه هي الطامة الكبرى، وأصل المشكلة، ومع وضوحها عند العقل السليم، فإنّ هذا الاتجاه الديني السطحي المتشدد يغفل، أو يتغافل عن هذه الحقيقة الناصعة، وهي أنّ الدين حتى يكون مقبولا، ينبغي أن يكون معقولا؛ لأنّ العقل وحده هو الذي يمكن أن يضمن لنا صحة الاعتقاد، وواقعيته، كما بينّا ذلك من قبل في قواعد التفكير الصحيح.
o هذه مشكلة حقيقية فعلا، فكيف غابت عنهم؟!
• بالنسبة لعوام المتدينين، فالدين في الواقع عندهم، مجرد مجموعة أعراف اجتماعية نشؤوا وترعرعوا عليها، وألفوها واستأنسوا بها، وتعصبوا لها، وتلقوها من مشايخهم وأكابرهم بقبول حسن ثقة بهم، وليس أحد منهم مستعد للبحث العلمي الفلسفي عن أصولها أو مناشئها، أو عرضها على ميزان العقل، بعد أن أصبحت مقدسة عندهم، وفوق النقد والانتقاد.
o وماذا عن خواص علمائهم، هل غابت عنهم أيضاً هذه القضية الواضحة في أصالة العقل، وضرورة إعماله في التمييز بين الرؤية الصحيحة والسقيمة للدين.
• ماذا أقول لك ؟ هذه هي أصل المشكلة، ومنشأ الفتن والصراعات على مر التاريخ، وإلى يومنا هذا....وعلى أي حال هذا حديث ذو شجون، ويحتاج إلى بيان ثان، ووقت آخر، فلنتركه للجلسة القادمة إن شاء الله.







اخر الافلام

.. #تسلا الأمريكية تكشف عن أول شاحنة كهربائية ومجموعة أخرى من -


.. تخوف لبناني قبل اجتماع القاهرة


.. السلطة الفلسطينية تلوح بتعليق اتصالاتها مع واشنطن




.. اجتماع عربي طارئ.. لبنان واليمن وإيران على الطاولة


.. أهالي الغوطة الشرقية يطالبون بتحرك دولي لفك الحصار عنهم