الحوار المتمدن - موبايل



كيف اِنهارَت كعكة العائلة؟ -5-

علي دريوسي

2017 / 11 / 9
الادب والفن


المقطع الخامس
*****
ملاحظة: لا يَتبنَّى مُؤلف هذه الحوارية المُتْعِبة الآراء المنقولة عن شخوصها.
*****
يصلهم صوت طَرقات خفيفةٍ على الباب. يصمت الجميع بانتظار إشراقة الطارق.
الأم: اِفتحي الباب يا بيلسان، على الارجح أنَّها سلمى، خطيبة الغالي صلاح، ملاك الرحمة، في هذا الوقت، بعد الآذان بقليلٍ، تنتهي نوبة عملها في المستشفى.
*****
دخلت سلمى، تخطو على حذاءٍ خفيضٍ مريحٍ، كانت بجسدها الرشيق واثقة من خطواتها رغم الإنهاك الواضح من عينيها السوداوين، كانت قد جمعت شعرها وربطته خلف ظهرها، ليظهر جبينها العالي بذلك أكثر جمالاً، والمقطع الجانبي من وجهها أكثر إشراقاً وجاذبيةً، عانقت الجميع بدفءٍ ومحبةٍ، وضعت حقيبتها القماشية الكبيرة سماوية اللون على الصوفا، والتي أضفت أناملها عليها رونقاً خاصاً بعد أن طرّزت زاويتها اليمنى السفلى بخرزٍ زجاجيّ ملّون، لتتشكّل وردة، وفي قلبها كتبت اسم حبيبها، قدوتها: صلاح.

جلست على كرسي حول الطاولة الواسعة بجوار حماتها، أسندت مرفقيها على سطح الطاولة، تلامست بصمات أصابعها الطويلة، بالسبابتين راحت تحك أنفها بينما أسندت ذقنها بلطفٍ على إبهاميهها، زفرت هواءً حبسته طويلاً، ثم نظرت حولها وضحكت بهيستريا وكأنَّها تنتوي البكاء، أنقذها صوتها المرتعش حين خرج من فمها يسأل أفراد العائلة عن يومهم وصحتهم.

قال الأب: جميعنا أحياء كما ترين، نتناقش مع بعضنا البعض وكأنَّنا نجلس حول طاولة مفاوضات في جنيف، في الوقت الذي تعملين أنت فيه كالفراشة في يوم عطلة نهاية الإسبوع.
*****
المجد لملائِكةِ الرَّحمَة، للسيدات حَامِلَات الْمَصابيح، بالأمس واليوم وغداً، سمعتَ وتسمع وستسمع عن شقاء المُمَرِّضات في مشافي الشرق العربي، بكافة أنواعه وأشكاله، عن تعبهن وإرهاقاتهن الجسدية والفكرية ليل نهار، عن مداواتهن للمرضى وإسعافهن للجرحى وتضميدهن للجروح، عن رؤيتهن اليومية للدم والأعضاء المبتورة، عن مرافقتهن للموتى وعذاباتهم حتى اللحظات الأخيرة، وعن مهاراتهن التمريضية وقدراتهن الإنسانية. الفن الذي تؤديه المُمَرِّضات هو من أقدس الأعمال الوطنية والإنسانية والفنية قاطبة، لو كان الشرق يحترم الإنسان لصنعَ تمثالاً لهن بعد حرب 1973 مباشرة...

ربما سيأتي اليوم ومعه يأتي من يمنحهن كفريق عمل جائزة نايتينجيل، تقول المُمَرِّضة البريطانية فلورنس نايتنجيل: ليست مهنة التمريض عملاً بسيطاً يُمارس في وقت العطلة، بل هي فن يتّطلب التفاني والإخلاص العظيمين والتحضيرات الكبيرة، مثلما هو الحال عند رسم لَوْحة بريشَةِ الرسّام أو حين إبداع مَنْحُوتة بِيَدِ النَّحَّاتِ، لأَنّه ماذا يعني العمل على الجسد الميت، أي على قطعة قماش أو على قطعة رخام بارد، إذا ما قورن بالعمل على الجسد الحي؟
*****
سألتها الأم: أخبرينا يا ابنتي عن يومك؟
سلمى: لقد وصلنا اليوم شاب، ضابط مهندس، في حالة إسعاف لا جدوى منها، فارق الحياة بعد وصوله إلى المستشفى بربع ساعة.
بيلسان: لعنهم الله هؤلاء السفلة الثوار، فليرحمه الله.
سلمى: ليس إرهابهم من تسبَّبَ هذه المرة في اِستشهاد هذا الضابط القيادي! بل إرهاب الشبيحة.
سناء: ما الذي حدث له بالضبط؟
سلمى: لقد تم إغتياله اليوم على دوار الأزهري أمام أعين زوجته وأطفاله في أول يوم له من إجازته، بل على مرأى أبناء المدينة ومسمعهم، ترجَّلَ المجرم من سيارته، قتله عن سابق عمدٍ وتصميم، عيون أطفاله لن تسامح المجرم يوماً.
الأب: ومن يكون هذا الأبله؟ وما هو السبب؟
سلمى: قالوا بأن المجرم هو الأرعن المدعو سليمان، والسبب كما يبدو نتيجة إشكال فرديّ حول أحقيّة المرور، أراد القاتل تجاوز سيارة الضابط، ولأنَّه لم يتمكّن من إفساح الطريق للمجرم، قام الأخير بتجاوزه واعتراض سيارته، ومن ثمّ ترجّل مقترباً منه، شتمه، وشتم الجيش وأطلق النار عليه من سلاحٍ حربي بدمٍ باردٍ كعينيه، استشهد الضابط لحظ دخزله قسم الإسعاف.
الأب: قصة موت مجانيّ في وضح النهار، يجب الاقتصاص من القاتل، بل يجب إعدامه.
سناء: ابن سِفاح.
علّق إبراهيم ساخراً: إذا بدك شعبك يرتاح اشتريلو بيجامة الأفراح... وإذا بدك شعبك يبقى حائر لبسو بيجامة ماهر...أما إذا بدك يضل شعبك قلقان ما إلك إلا بيجامة الشبيح سليمان...
*****
غرق الجميع في موجة ضحكٍ حادةٍ، أوقفتها كلمات سناء الغاضبة: الحل الوحيد لإنقاذ ما تبقى من هذا البلد هو أن تعم الإضرابات والمظاهرات البيضاء في شوارع الساحل والعاصمة تحديداً. المظاهرات هي أملنا الوحيد ضد الفساد والإرهاب، أنا على يقين أنّ هناك بعض الضباط الشرفاء ينتظرون الإشارة من القسم الصامت لقلب الطاولة على روؤس الطرفين.
إبراهيم: وأنا من أنصار هذا الرأي، إذا كان هدفنا فقط البقاء كما نحن فهذا لايكفي. أعتقد أنَّه قد آن الآوان فعلاً لخروج الشريحة الصامتة عن صمتها وحياديتها المؤلمة، ثم لتبدأ نخبتها بإنتاج القطب السياسي الثالث بتوجهٍ علمانيّ وممارسة علنية، على أن تكون ولادة هذا التجمع طبيعية في مشفى نظيف وبقيادة جماعية ذات سجلٍ نظيفٍ، ليكون بمثابة حاضنةٍ سياسية إنسانية لشرائح مجتمعية متعددة الألوان والمشارب.
قالت بيلسان: ولادة قطب لا تشارك به النساء بنسبة لا تقل عن 30 % لا يجوز التعويل عليه يا إبراهيم، وهذا لن يحدث في الشرق العربي، على الأقل في زمننا.
*****
في تلك الأثناء راحت ضحكات الأب تجلجل في أرجاء الشقة.
في الوقت الذي نهض من مكانه، قاصداً دورة المياه، عاد التيار الكهربائي، انحنى على وجه زوجته، نظر إليه بتأملٍ وحبٍ وهمس لها بكلماتٍ أدونيسية: والزّمن الرّاكِضُ في عينيكْ يكبو، وفي يديكْ ينكسرُ القِيثارْ. ثم رجاها أن تذهب معه خطوات لترتيب الكعكة في الفرن، كعكة الاحتفال بعيد ميلاد إبراهيم.
بعد ذلك توجه أبو صلاح لأفراد أسرته بخطابٍ عسكري: لا حتاج إلى مظاهرات أو إضرابات، الديمقراطية لا تليق بالشرق، غريبة عن جسده، لا يمكنه التصالح معها، الدكتاتورية الناعمة هي الشكل الأمثل لإدارة شعوب الشرق الأدنى، وأنا من أنصارها حتى العظم.
ثم مدّ يده لموبايله وقال: عندما كتب صديقٌ لي صباح هذا اليوم في صفحته الفيسبوكية عمّا حدث في ضيعته لم أصدق للوهلة الأولى، بل لم أفهم الصفة التي استخدمها في نصه – سليمانيّ – لكنني أفهم الآن معناها بعد أن حكت لنا سلمى ما حدث، لقد وصله على ما يبدو خبر ما حدث في مدينتنا بسرعةٍ وتفاعل معه بينما نحن هنا جالسون.

أعاد الأب قراءة منشور صديقه أمامهم:
(بسبب قطعة أرضٍ صغيرةٍ في سهل شريعة الغاب، في لحظة عهرٍ سليمانيّ، أطلق الشبيح الأبله الرصاص على جده العجوز، قتله وجهاً لوجه، زحف الجد المسكين حتى لامسَ قدمي حفيده، تمسّح بهما، نظرَ لوجه الحفيد القبيح نظرةَ استعطافٍ، اِستَمَرَّ العاهر بإطلاق الرصاص عليه دون رأفة، مات العجوز وهو يمسك ببجامة حفيده الأهتر، كانت رغبته الأخيرة أن يسمع صوت العتابا القادم من الغاب، كم تمنى لو يسمعه لمرةٍ أخيرة...
في الصباح الباكر، تَرَّحم أهالي القرية على رأس الجد المُعَلَّق على سياج الأرض الشائك).
*****

سناء: إنَّه زمن الجنون. دعونا نعود لموضوع إبراهيم. إلى أي بلد تنوي الهروب يا رفيقي؟

يتبع في المقطع السادس







اخر الافلام

.. وزيرة الثقافة بافتتاح المهرجان القومي للمسرح: مصر تحتفى بحصا


.. وزيرة الثقافة ونجوم الفن فى افتتاح المهرجان القومى للمسرح


.. سامح شكرى ومسئولون سودانيون يتفاعلون مع فرقه الفنون الشعبية




.. «صلاح» ومي عز الدين يستجمان .. وصورة لعمرو وهبة مع الفنانين


.. صناعة الغيتار بأيدي طلاب الموسيقى