الحوار المتمدن - موبايل



كيف اِنهارَت كعكة العائلة؟ -6-

علي دريوسي

2017 / 11 / 11
الادب والفن


المقطع السادس
*****
ملاحظة: لا يَتبنَّى مُؤلف هذه الحوارية المُتْعِبة الآراء المنقولة عن شخوصها.
*****
سناء: إنَّه زمن الجنون. دعونا نعود لموضوع إبراهيم. إلى أي بلد تنتوي الهروب يا رفيقي؟
إبراهيم: وهل هناك أفضل من ألمانيا يا دكتورتنا. أريد أن أبني مستقبلي، لست راضياً بدراسة العلوم الطبيعية في الجامعة، أريد دراسة هندسة المعلومات هناك، ولا أخفيكم سراً بأنني خائف من السحب القسري إلى جبهات الحرب والموت.
الأم: هل يحق للاجيء أن يختار بلد اللجوء؟
بيلسان: ألمانيا هي جزيرة الكنز!
الأب: لست مع مبدأ الطوعية في اتخاذ القرار بشأن بلد اللجوء. خلال الكوارث العالمية الكبرى كما الحال في التراجيديا السورية والعراقية يحق للمختصين في إدارة الأزمات والكوارث تنظيم قضايا اللجوء ومحاصصتها، أي توزيع المجموعات الهاربة على جميع البلدان القادرة على حمايتهم، لكن قبل كل شيء يجب على حكومات وساسة العالم دراسة الأسباب الحقيقية للهجرة واللجوء والهروب وإيجاد الحلول الجذرية لها...

إبراهيم: حقوق الإنسان لا تقتصر على الحق في الحياة، هناك حقوق أخرى كالحق بالعيش الكريم، وهذا هو السبب في تفضيل اللاجئين لألمانيا على غيرها، لو أنَّ جميع الدول تحترم حقوق الإنسان الأساسية بنفس السوية، لما كان هناك حاجة أصلاً للمفاضلة بين بلدان اللجوء من جهة اللاجئ. هل قرأت في الآونة الأخيرة الكثير عن ألمانيا والبلدان المجاورة لها، لقد تعلمت أنَّ الحد القانوني الأدنى لسعر ساعة العمل في أوروبا في غاية التفاوت من بلد إلى آخر: في لوكسمبورغ حواي 11 يورو، في فرنسا حوالي 9،6 يورو، في هولندا حوالي 9 يوررو، في بلجيكا 9 يورو، في ألمانيا 8,50 يورو، في بريطانيا 8 يورو، في إسبانيا 4 يورو، في اليونان 3,35 يورو، في بولونيا 2,40 يورو، في التشيك 2،0 يورو، في رومانيا 1,30 يورو وفي بلغاريا 1,00 يورو. لكن فرص العمل هي الأعلى في ألمانيا على ما يبدو.

سناء بحذرٍ: أقوياء أولئك الذكور، أنا معجبة بهم، وأحيّيهم، فهم فعلا أقوياء، وأعتز بهم، فقد تحدّوا الظروف الظالمة وعبروا الحدود بين القارات، وارتاحو من هذا البؤس، لتحقيق حلماً راودهم يوما ما. وأردفت: لا أقوم بتشجبع أي إنسان على اللجوء، أحاول فقط التعبير عن أفكاري وبحياديةٍ قدر الإمكان.
إبراهيم: لا يستطيع جيش أن يقاوم فكرة حان وقتها. كما يقول فيكتور هيغو.
بيلسان: يقول المعلم أنّ أكثر من 65% منهم لا يجيد القراءة ولا الكتابة، ولن يجيدها يوماً.
إبراهيم: لكن المطارات ومحطات القطار والشوارع والمطاعم والمقاهي ومكاتب توزيع الجرائد ستحتاجهم كقوى عمل حتماً حتى بدون لغة يا آنسة بيلسان.
بيلسان: هل هذا صحيح يا أبي؟
*****

الأب بغضبٍ: أشعلوها ودمروها، بقيَ الملك صامداً، هربَ الشعب، من سيبنيها؟ هذا العدد الكبير من الناس الذين يبحثون اليوم عن ملجأ لهم في دول العالم هو حاصل تحصيل لفقدان الأمل بالنهاية القريبة لحربٍ ما زالت في منتصف الطريق.
إبراهيم: ما أقوله يا آنسة بيلسانة لا يخلو من الصحة. ألمانيا بلد رأسمالي عجوز يحتاج للشباب. طبقاً للأمم المتحدة يعيش على كوكبنا حالياً حوالي 7.3 مليار شخص، مع حلول عام 2050 سيبلغ عدد سكان العالم نحو 9.7 مليار نسمة، وفي عام 2100 تتوقع الأمم المتحدة أن يصل العدد إلى حوالي 11.2 مليار إنسان، وحده عدد سكان أفريقيا سوف يتضاعف أربع مرات تقريباً على مدى السنوات 85 القادمة، أي من نحو 1.2 مليار لنحو 4.4 مليار شخص في 2100، على عكس ذلك في أوروبا، فمن المتوقع أن ينخفض عدد السكان من 738 مليون إلى حوالي 646 مليون نسمة، في ألمانيا سيتقلص عدد السكان الحالي 81 مليون إلى 74 مليون في عام 2050 وإلى نحو 63 مليون نسمة في عام 2100 ...

الأب: لو كانت ألمانيا تحتاج إلى أيدي عاملة مدربة من بلدان العالم الثالث لحصلت عليها منذ عشرات السنين وبلمح البصر، لو أنها فتحت باب الهجرة يوماً لَحصلت على عشرات بل مئات الآلاف من عقول وخبراء بلدان الشرق، منذ سنين وعيون الناس الحالمة، من أطباء ومهندسين وخبراء، تدمع بل تبكي أمام السفارات الألمانية في العالم الثالث نتيجة لرفض طلباتهم بشأن العمل أو الدراسة أو اللجوء، ما يحدث الآن من احتضان للإنسان السوري هناك لا علاقة له بالعامل الاقتصادي أو الديموغرافي، بل بالعامل السياسي في ظل العولمة اللاإنسانية...
سناء: قد يكون أحد الأسباب إنسانياً، ألمانيا هي بلد الحركة العمالية وبلد أكبر الأحزاب الإشتراكية في أوروبا منذ عام 1900، وقد قامت في ألمانيا ثورة عمالية في عام 1918 بقيادة كارل ليكنبخت وروزا لوكسمبورغ استمرت ثلاثة أشهر، ولم يتمكن الروس من دعمها، ألمانيا هي البلد الذي أعدم فيه هتلر آلاف العمال لإخماد ثورتهم، ويوجد في ألمانيا أرقى المدارس الفلسفية، لذلك لاغرابة في أن نجد مثل هذه الأفعال الإنسانية اليوم لكنها ليست السبب الوحيد بالتأكيد.
الأب: روزا وكارل ناضلا من أجل عالم خال من الحروب والفقر، أما ثوار سوريا فعلى العكس.
الأم: لقد قال مدير المدرسة بهذا الشأن أنَّ أوروبا فوجئت بالزحف البشري إليها، وأنَّ ثمة أمريكيون يهود يخطّطون لتغيير التركيبة البشرية للأوروبيين!
*****

إبراهيم: يتوقع الباحثون نمواً اقتصادياً إضافياً في ألمانيا كنتيجة لدخول اللاجئين، أي ما يعادل حوالي 50 مليار يورو في السنوات الخمس المقبلة، كاستطاعة اقتصادية إضافية. أي من 0,2% في عام 2015 إلى 1,7% في عام 2020، وفقاً لمكتب الإحصاء الاتحادي في ألمانيا.
الأب: في الوقت الذي لم يَتَمكّن فيه مئات الآلاف من الهاربين من إيجاد فرصة عمل ولو بأجر "واحد يورو" في الساعة رغم الطنين الاِقتصادي الإيجابي الذي تعيشه ألمانيا، تمكَّن الكثير من الألمان من الحصول على وظائف جديدة من خلال الهاربين!
إبراهيم: تُعتبر سنة 2015 بالنسبة للوطن الألماني نقطة تحول وانعطاف مهمة لمستقبلٍ اِقتصادي أفضل، يُبدأ بقطف ثماره اعتباراً من عام 2020. تحتاج ألمانيا إلى حوالي 500.000 قوة عاملة سنوياً. إذا تم الاِستغناء عن القوة العاملة الأجنبية، سيخسر سوق العمل الألماني، لإسباب تتعلق بالشيخوخة وانكماش عدد السكان، حوالي 3,5 مليون عاملة وعامل مع حلول عام 2025. خبراء الاقتصاد والإحصاء والسياسة يتنبأون بأنّ تباشير المعجزة الاِقتصادية الألمانية الثانية قد بدأت.

الأب: وهناك إحصائيات تقول بأنّ معظم الهاربين المتواجدين على الأراضي الألمانية يحتاج حوالي عشرين سنة على الأقل حتى يتمكنوا من الاندماج في العمليات المهنية وأسواقها...
إبراهيم: وهناك إحصائيات اخرى تقول بأنّ ألمانيا تسعى بجدية من أجل تقوية وتسريع اندماجهم بالمجتمع الألماني. وحدها وزيرة العمل الألمانية طلبت حوالي ثلاثة مليار يورو ميزانية إضافية لوزارتها فقط لعام 2016، لمعيشة اللاجئين الذين يٌسمح لهم بالبقاء في ألمانيا ولبرامج الاندماج في سوق العمل ودورات اللغة المهنية. وفي خطبة رئيس ألمانيا يواخيم غاوك طالب الدولة تعزيز بناء الشقق وبناء المدارس، وتوظيف معلمين ومعلمات رياض الأطفال، وتكييف سوق العمل وضبط التدريب المهني مع ما تتطلبه المرحلة، وتعليم اللغة الألمانية، وتعليم القانون الألماني... كما طالب بتحويل المنشآت الخضراء وحمامات السباحة وصالات الجمباز إلى ملاجئ مؤقتة.
الأب: لأنّهم لا يتمتعون إلْا بالحماية المؤقتة والتي تزول بزوال السبب الذي ساهم في صنع ظاهرة الهروب، يتوجب عدم التركيز على سياسة تشجيع اِندماج الهاربين في المجتمع الألماني، بل العمل على تحضيرهم مهنياً ومعرفياً للمساهمة في بناء أوطانهم في الوقت المناسب.
*****

إبراهيم: أنا أتكلم في الشرق وأنتم تتكلمون في الغرب. أتكلم بلغة الأرقام وأنتم تتكلمون بلغة العواطف. صرتُ أخاف حتى على مخزوني اللغوي إن بقي الأمر على ما عليه.
هنا ضحكت بيلسان وقالت: ها قد بدأ يتفلسف أخي الذي يخطط للهرب، ماذا تعني أيها الفيلسوف؟
إبراهيم: ما أعنيه هو أنّ ثقافة السوري العادي، والتي ستنطبع لاحقاً في ذاكرة جيل بأكمله، صارت تتكون منذ حزيران 2011 وحتى اليوم من مفردات شاذة مُتعبة للروح والرأس.
بيلسان: نورنا يا شيخ الشباب!
إبراهيم: ساعدوني بالتسميات.
سناء: ثورة، الله، سوريا، حرية، بس، جيش، أسد، أبد، حرق، داعش، حالش، منطقة، عازلة، جزيرة، عربية، حر، ثوار، تركيا، قطر، سعودية، إيران، روسيا، ائتلاف، مجلس...
إبراهيم: هيئة، موسكو، جنيف، شعب، طائفي، إسقاط، نظام، إسلام، غوطة، رقة، حلب، إدلب، تحرير، إرهاب، بغدادي، مدني، عسكري، جواز، مجزرة، خطف، برميل، شهيد، شبيح، دفاع، وطني، تعفيش، هلال، سليمان، زهران، موطني، لاجئ، لجوء، بحر، ألمانيا، منحبك، ميركيل...
الأب: المفردات التي تزعجني في سياق الكارثة السورية كثيرة، أهمهاً: عمليات اِحتلال وتحرير! لو كان لدينا بعض الأكاديميين المختصين في السياسة لرفضوا حتماً اِستخدام هاتين المفردتين ولوجدوا البديل اللغوي-سياسي المناسب.
الأم: دعونا من هذه الترهات، وقولوا لي ما الذي ترغبونه لطعام الغداء، برغل مع حمص أم برغل مع عدس؟
سناء: يلعن أبو البرغل، قولي مجدرة!

إبراهيم: اِسمعوا هذه النكتة.
سأل زوج سوري زوجته: ماذا ستطبخين لنا اليوم؟
نظرت الزوجة إلى زاوية المطبخ وقالت: سأطبخ لكم اليوم هذه الدجاجة المتبقية، كيف ترغبها يا زوجي العزيز؟
أجابها: اطبخيها بالفرن يا روحي!
الزوجة: لا يوجد كهرباء يا عمري!
الإبن: اعمليها على الغاز يا أمي!
الأم: يا حبيبي لا يوجد غاز لدينا..
الإبنة: اشويها على الحطب ماما!
الأم: يا قلبي لم يتبق حطب في البيت.
حينها رفعت الدجاجة رأسها عالياً وصاحت: الله ، سوريا، دكتورنا وبس!
*****
الأب: ما هي أحوال الكعكة يا رفيقة منيرة!؟
*****
هنا ينقطع التيار الكهربائي، يصل ماهر خطيب سناء قادماً من عيادته السنية، التي يعمل فيها يوم الجمعة طوعياً لمعالجة الناس الفقراء، شاب متوسط الطول في نهاية عقده الثالث، بطنه ضخم، رأسه مدوّر، عيناه واسعتان، أسنانه ناصعة البياض، أَجْلَح الرأس، شاربه خرنوبي اللون وذقنه حليقة. جاء ماهر ليتناول طعامه مع خطيبته وأهلها، ليتوجه بعدها إلى العمل لمدة ساعة ثم إلى صلاة العصر في الجامع القريب من بيت أبي صلاح، على أن يعود مساءً للاحتفال بعيد ميلاد إبراهيم.
*****
يتبع في المقطع السابع







اخر الافلام

.. عائلية سورية في رحلةٍ سياحية في بحر لبنان وضيافة الممثل اللب


.. ست الحسن - صيادلة الترامادول .. الفيلم الفائز بجائزة دبي للص


.. ست الحسن - مآسي نساء قرى الفيوم .. الفيلم الفائز بجائزة دبي




.. هذا الصباح- قصة أصغر مترجمة لغة إشارة بقطر


.. عزف جميل لعازفة العود الفنانة العراقية أمال احمد على قناة ه