الحوار المتمدن - موبايل



لماذا الخوف من الدارونية؟

علي زغير

2017 / 11 / 11
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع


لماذا الخوف من الدارونية ؟
علي زغير

ليست الدارونية مجرد (زائدة) نظرية في جسد المعرفة العلمية, حتى يمكن لنا أن نقبلها أو نرفضها، دون ان يترتب على ذلك نتائج وجودية فاصلة، تتعلق بطبيعة دورنا العالمي, والموقع الذي نشغله على خارطة الـتاريخ.

تعتبر نظرية التطور وفقا للتصنيف العام للقطائع المعرفية, بمثابة الأخت الثانية التي انجبتها الحداثة الأم. فبين القطيعة الكوزمولوجية لغاليلو والقطيعة السايكولوجية لفرويد, تتموقع الدارونية كحلقة رابطة ومتممة لسلسلة الفهم العلمي الحديث للاقتراب من حقيقة الكون والطبيعة والإنسان. إن كسر منطق التمثل المحوري للأرض بوصفها مركزاً للكون لم يكن ليتعززبغير دحض التصور الماهوي عن طبيعة الخلق الكامل. وهذا بدوره ما كان له أن يسري ويتمدد, دون الكشف عن الأصول اللاوعية لمزاعم العقل التام.

إن كل من درس تاريخ العلم واحاط بمراحل تطوره, يدرك مدى الفارق الكبير بين النظريات التي تنحصر نتائج قطيعتها الابستمولوجية في دائرة العلم الذي تنتمي إليه, وتلك التي تتجاوز آثارها الانقلابية دائرة اشتغالها الخاصة, لتشمل مجمل بناء المعرفة البشرية. النظريات من النوع الثاني تقود وبحكم الصدمة التي توقعها الى المساهمة مع بعضها البعض في تعزيز التوجه نحو إنجاز القطيعة الإبستمائية الكبرى* والتي تطال جوهر محتوى الثقافة, ودرجة زاوية الرؤية الى العالم, وهذا بالضبط ما نجحت الدارونية في فعله.

لقد عجلت (الدارونية) وبشكل منقطع النظير، في تثوير معظم مجالات المعرفة الأخرى؛ في الفلسفة, كما في الدين, والسياسة, والاجتماع, والنفس والأدب. لم يعد ممكنا الحديث ـ بعد الدارونية ـ دون صياغة النظريات وتأثيث البرادايمات, بمقولات مشتبكة بالإيجاب أو السلب مع معطيات هذه النظرية, بل ان حتى أشد الخصوم عداوة لها وبمختلف أنواع سردياتهم الغيبية, لم يعد بمقدورهم, ان يعتمدوا في انعاش وجودهم المهدد, إلا بما يستمدونه من مجادلات صورية محدثة, ترمي إلى التشكيك بقوة حضور الأدلة الاختبارية المعززة لهذه النظرية!

لقد أدرك معظم العلماء والمفكرين, ومنذ الطبعة الأولى لكتاب "أصل الأنواع " مدى قوة المحتويين (المنطقي والامبريقي), اللذين تضمنتهما نظرية التطور. كما أدرك العديد من الفلاسفة مدى الجدّة التي تنطوي عليها, وحجم الزخم التقدمي الذي تعد به. ومن الملاحظ بهذا الصدد, ان فلاسفة الولايات المتحدة ومنذ البداية قد كانوا سباقين الى الاهتمام بهذه النظرية والإلتفات الى ابعادها المتعددة. ففي إطار الاعتراف بقوة تأثيرها في الفلسفة يقول جوزايا رويس: " باستثناء كتاب نيوتن (المبادئ) لم يصدر كتاب في العلم كان له من الأهمية بالنسبة للفلسفة, ما كان فيها لكتاب داروين أصل الأنواع ". وفي نفس السياق ولكن من جهة علاقتها بصدم وتفكيك مجمل المكونات التقليدية للثقافة, يكتب جون ديوي عام 1909 في مؤلفه تأثير الدارونية في الفلسفة The Influence Darwinism on Philosophy , قائلاً: "بالمس بعقد الثبات المطلق المقدس, وبالتطرق للأشكال التي جعلت منها النماذج المقدسة والكاملة, كما لو كان لها بداية ونهاية, أدخل أصل الأنواع نمط فكر كان لا بد له أن يؤدي الى تغير منطق المعرفة وتغير الطريقة التي تعالج بها الأخلاق والسياسة والدين ...ان الأفكار القديمة لا تخضع إلا ببطء, إذ هي أكثر من صور ومقولات منطقية مجردة, إنها عادات, واستعدادات, ومواقف نفور وإيثار متأصلة بعمق.... تحل المسائل القديمة بإختفائها, بتبخرها, في الوقت نفسه الذي تحل مكانها مسائل جديدة تتوافق مع تغير المواقف والتوجه والإيثار....مما لاشك فيه ان ما أسهم بقوة في الفكر المعاصر بإقصاء المسائل القديمة وبظهور الأفكار الجديدة والمشاريع الجديدة والمسائل الجديدة, كان الثورة العلمية التي كان أصل الأنواع تتويجا لها " (1).

إن التضمين المبكر للنزعة التطورية في صلب العقيدة البرجماتية, كان أحد أهم المميزات التي منحت لآيديولوجيا الأمة الأمريكية حيويتها, وقدرتها على ان تستغل عوامل قوتها الداخلية للتكيف مع ظروف بيئتها الدولية. الأمر الذي دفع بها الى ان تنجح في استغلال معظم فرص البقاء والتطور التي سنحت لها, وهو ما اهلها وبكل جدارة في ان تحتل موقع الصدارة على قائمة الدول المتقدمة.

وبالنظر الى ان الغرض الأساسي لهذه المقالة لا يتعلق بإستقصاء وتتبع معظم أشكال التأثير التي أحدثتها الدارونية, ولا حتى الى مناقشة تفاصيل أدلتها العلمية, وإنما يكمن, فقط , في محاولة إبراز جانب (التثوير البارادايمي) الذي ساهمت في بلورته؛ لذا فأنني سأنتقي الى جانب البرجماتية التي ذكرتها, وكمثال توضيحي آخر: النظرية الماركسية, وسأكتفي هنا بإيراد نصين لكل من ماركس وأنجلز, يبينان وبكل وضوح, نوع التأثير الذي مارسته هذه النظرية على فلسفتهما المادية.

لقد نظر ماركس الى مقولة صراع الأنواع الدارونية, كأساس بايلوجي مؤيد لصراع الطبقات الذي توصل إليه، وبهذا الصدد، يذكر في رساله كتبها الى لاسال عام 1859, ما نصه: "إن مؤلف دارون يبدو لي بالغ الأهمية, وأرضى به بمثابة أساس بايلوجي لصراع الطبقات في التأريخ .....هنا ولأول مرة, لا تنزل بالغائية في العلوم الطبيعية الضربة القاضية فحسب, بل إن دلالتها العقلية تنال تحليلا قاطعا بشكل تجريبي" (2). وضمن نفس التوجه وبنبرة احتفائية أكثر حماسة, يكتب أنجلز وفي نفس العام مخاطبا ماركس: "إن دارون, الذي أنكب على مطالعته, هو رائع. لم تكن الغائية قد أزيلت تماما حتى الآن, أما الآن فقد قضي الأمر. وعلاوة على ذلك , لم تحدث قط محاولة من هذا المعيار للبرهان على وجود تطور تأريخي في الطبيعة, وبخاصة بمثل هذا النجاح" (3).

إن مثل هذه النصوص وإذا ما قمنا بإزالة القشرة الأيديولوجية التي أحيطت بها, تصلح وإلى حد بعيد، للتدليل على نوع التغيير الفكري الذي أحدثته الدارونية في نهايات القرن التاسع عشر, وخصوصا في مجال النظر في طبيعة التفسيرات العلية, إذ " كان التشديد الأساسي الذي خلفه التطور في عقول الناس قائما على التحليل السببي المفصل لعمليات التطور المحددة. وعوضا عن محاولة اكتشاف غاية أو هدف انسياق مجرى العالم ككل, أو تمييز العلة الأخيرة أو أساس جميع الأشياء الكائنة ـ اللذين كانا الغاية الأساسية للعلم المبكر والفلسفة ـ فقد أخذ الناس يبحثون ما هو مجرى العالم وماذا يتم في أجزائه. فقد نبذوا القول بالهدف البعيد ......وأعتنقوا عوضا عن ذلك الهدف الداعي الى جمع الحقائق الصغيرة التي يمكن للتجريب أن يكشف عنها "(4).

عربياٍ, ارتبطت بوادر دخول الدارونية إلى حيز التداول الثقافي باسم المفكر شبلي الشميل؛ فبعد عام واحد من ظهور كتاب جون ديوي عن أثر الدارونية في الفلسفة, كان قد صدر في مصر عام 1910 كتاب " فلسفة النشوء والإرتقاء". للمفكر(شبلي شميل) السوري الأصل. والكتاب عبارة عن تتويج لجهود نظرية بدأها الكاتب منذ العام 1844. لقد نظر الشميل " الى النشوء والإرتقاء كطريق الى التقدم والحداثة " (5) وقد توخى من وراء نقل وشرح الأصول العلمية لهذه النظرية؛ تبيان ما تنطوي عليه من تأثيرات تتعدى حدود نطاقاها البايلوجي, لتتجاوزه الى إعادة تشكيل جذري لمحتوى كل من؛ التفكير, والشعور, والعمل. والشميل في عمله هذا إنما أكد وبوعي تام على أهمية إبصار جانب الترابط المنطقي والتلازم السببي بين نوع الإطار المرجعي للفكر السائد في مجتمع ما, وبين حالة التخلف أو التقدم الحضاري التي يعيشها. الأمر الذي يضعه وبكل جدارة, في موقع الند للمفكرين العرب القائلين بضرورة الإقتصار على استيراد الجوانب المادية للحداثة بمعزل عن الأفكار والقيم التي أنتجتها؛ إذ ان المآل المنطقي لدعوته يوجه النظر الى ضرورة إدراك عمق الخلل الإبستمولوجي الذي تعانيه الثقافة العربية والمتمثل بحقيقة الطابع القروسطي لبارادايم** الفهم الثاوي في قلبها.

ان وعي ظروف الولادة العربية للدارونية على يد الشميل وما رافقها من محاججات دينية معارضة, هي ما يمكن ان يفسر لنا كنه العديد من التمثلات السلبية والتأويلات الخاطئة التي رافقت هذه النظرية منذ تلك اللحظة وحتى وقتنا الراهن, ومنعت الى حد كبير, من استيعاب درس التجديد الحداثي الذي تنطوي عليه.

لقد بنى قادة ما عُرف بحركة (الإصلاح الديني) في العالمين العربي والإسلامي, موقفهم من التطورية على اساس تصور معارضتها للدين، وهو ذات الأمر الذي فعلوه مع العلمانية. ووفقا لهكذا منطلق, وبدون امكانية التخلي عن المسبقات الدوغمائية, كان من الطبيعي ان يلجأ هؤلاء القادة عند صياغة ردودهم, الى معجم اللغة اللاهوتية ليستعيروا منه اكثر الكلمات (قدرة وقوة) على إلحاق (اللعنة) بالمدلول الذي ستسبغ عليه، وهو ما حصل بالضبط مع الدارونية حين وسمت مع مذاهب فلسفية وعلمية اخرى بمصطلح الدهرية. ولا يفوتنا أن نذكر أن أول من افتتح الاستدعاء الجديد في العصر الحديث لهذا المصطلح القديم ذو الحمولة التكفيرية, كان جمال الدين الأفغاني في كتابه " الرد على الدهريين " والذي نشر عام 1881 في بومباي باللغة الفارسية, وقد بقي هذا الكتاب خارج دائرة التداول الثقافي العربي حتى العام 1886, اذ أقدم محمد عبده على ترجمته الى العربية وذلك في إطار ردود الفعل المضادة التي تلت جهود الشميل للتعريف بنظرية دارون, وبالأخص بعد نشره لكتابه " الحقيقة " عام 1885 والذي تصدى فيه لتبسيط مبادىء الدارونية .

على عكس الثقافة العلمية التي كان يتمتع بها الشميل صاحب التخصص الطبي, لم يكن الأفغاني وعبده ومعظم من تصدى للتهجم على نظرية دارون آنذاك, من ذوي الإختصاصات العلمية اللازم توفرها وكشرط ضروري لحيازة معرفة صحيحة بأصول هذه النظرية, وهو ما انعكس وبشكل سلبي على طبيعة الفهم الخاطئ الذي كونوه عنها، وعملوا على الترويج له بين صفوف الخاصة والعامة من أبناء المسلمين, وبالإضافة الى ذلك, وبمقتضى الوضع السسيوتاريخي للبلدان الاسلامية والعربية في نهايات القرن التاسع عشر والمتسم بأخطار الإحتلال الخارجي والتخلف الداخلي, فإن هؤلاء المفكرين الإسلاميين لم يكونوا في حالة فكرية وموقع اجتماعي يمكنهم من التعامل الموضوعي مع الوافد العلمي الجديد, خاصة اذا كان قادما من جهة الغرب الإستعماري؛ فمعظمهم وعلى مستوى التكوين الثقافي, لم يكن بأكثر من رجل دين؛ ينظر ويعمل وفقا لآيديولوجيا إسلاموية غرضها الأول التبرير والترقيع وليس الفهم والتغيير، وهو ما تجلى، وبشكل واضح في ما كتبه الأفغاني عن الدارونية, وما انتجه في هذه الكتابة من صور نمطية نجحت وبشكل كبير في انتاج وعي زائف عنها. ولعل أكثر هذه الصور المقلوبة حضورا وتداولا حتى الآن هي صورتي : " الدارونية نظرية إلحادية " و " الدارونية تدعي بأن أصل الإنسان قرد" . ففيما يتعلق بالصورة الثانية وحقيقة كونها وعيا مغلوطا بالأصل الداروني الذي تنسب إليه, يُصرح الأفغاني قائلا:" ورأس القائلين بهذا القول (أي نظرية التطور) داروين, ألف كتاباً في بيان أن الإنسان كان قرداً ثم عرض له التنقيح والتهذيب في صورته بالتدريج. وعلى زعم دارون يمكن أن يصير البرغوث فيلا بمرور القرن وكر الدهور, أو ينقلب الفيل برغوث كذلك. لأننا نرى في البرغوث ما يشبه خرطوم الفيل "(6)

أوحى الافغاني ومن خلال شكل الطريقة ونوع اللغة التي عرض بها هاتين الصورتين, بوجود علاقة سببية متبادلة تربط فيما بينهما. وعليه فإن بدء الفكر بتصديق المحتوى المتضمن في إحداهما, يقود وبالنتيجة الى استخلاص الإعتقاد بحقيقة الأخرى, وبالشكل الذي يتعارض جذريا وقصة الأصل الإلهي للخلق كما تم تأويلها من قبل قدامى المفسرين المسلمين. وهو في هذا يذهب الى القول : "خالفته وخالفت أنصاره (يقصد دارون) في مسألة نسمة الحياة التي أوجدها الخالق سبحانه لا على سبيل الارتقاء من سعدان إلى الإنسان, فجميع الموجودات العلوية والسفلية وجدت وتحركت وانتظمت في تنسيق بديع عن إرادة إلهية. فالله وحده منفرد بتصرف الأكوان متوحد في خلق الفواعل والأفعال " (7).

النص الآنف يوضح أن منهج قائله في التعامل مع النظريات والإكتشافات الجديدة يقوم على اساس جعل النص الديني معيارا مركزيا لقياس كل ما يقوله أو يأتي به العلم, لا حضور في ذهنه صاحبه لمسألة تباين وتمايز المناهج والنظريات في المجالين العلمي والديني, وما يستتبعه ذلك من عدم أهلية الغيبي المفارق للحكم على الأمبريقي المحايث, يضاف الى ذلك ان الأفغاني لم يبدي أي استعداد يذكر, وفي هذا المورد بالذات, من أجل مراجعة قصص الدين الرمزية وإعادة قراءتها وتأويلها وفقا لمنطق الحياة الحديثة وخصوصية روحها العلمية.

وبدلاً من اللجوء الى التساؤل عن كيفية التمييز بين العلم واللاعلم, وعوضاً عن البحث في إمكانية إقامة مصالحة (هيرمنيوطيقية) بين الدين ومكتسبات النظريات العصرية. فضل معظم رجال الدين الإسلامي في العصر الحديث, الركون الى منطق التشبيحات الأفغانية عند تعاملهم مع المعرفة الحديثة؛ فهذا هو العلامة الطبطبائي صاحب التفسير الشهير والمعروف بإسم (الميزان)، وفي معرض تأويله لقصة خلق الإنسان في القرآن ومقارنتها بالدارونية, يذهب الى القول: " لم يروا مثلا في أي تجربة أن قردا قد صار إنسانا "(8) . الطبطبائي هنا لا يكتفي بإستعادة التمثل النمطي المحرف لنظرية التطور, بل هو يذهب الى أبعد من ذلك , إذ يقفز بالمسألة من مستوى الإدراك التصوري الخاطىء, الى مستوى المعيار التصديقي المعجز. عند هذه النقطة يتوقف عبد الكريم سروش مليا ليُقيم مع نص الطبطبائي علاقة إستنطاقية, يؤكد في بدايتها على أن طلب الرؤية أو المعاينة يجعل الأمر مرتبطا في النهاية بفلسفة العلم أو علم المعرفة. وإذا ما كانت الحالة كذلك فعندها يحق لنا ان نسأل: " هل من شروط صدق النظرية أن تكون مصاديقها مشاهدة مباشرة أم لا ؟ وهل أسس هو علم معرفة، مضبوطا ومنقحا أم لا ؟ وهل هو (أي الطبطبائي) مثلاً، على هذا الرأي ذاته بالنسبة الى نظرية كوبرنيك, ويعتقد , طالما أنه لا يرى حركة الأرض حول الشمس, أو أنه لا يستطيع مشاهدة سكون الشمس, فلا يجب قبول النظرية؟ وهل يطلب أيضا في الكيمياء مشاهدة جزيء الصوديوم والبنزين مباشرة ؟ وما هو رأيه بدقة عن المعاينة, هذه اللفظة التي تحتمل المناقشة, والتي هي معضلة علم الفلسفة, ماهو معناها بالنسبة إليه ؟ وهل المعاينة بواسطة الوسائل والآلات إمتدادا لحواس البشر, أم هي نظريات مجسمة؟ وهل المعاينة بدون نظرية, وغير المصبوغة بالفرضية أو المسبوقة بها ميسرة أم لا ؟ "(9) .

للإجابة عن مثل هذه الأسئلة, لا بد من الإستعانة بإطار نظري ينتمي الى حقل فلسفة العلوم, وهو ما لا يتوفر لمعظم رجال الدين ومنهم الطبطبائي. وعليه يحق لنا هنا أن نسأل: إذا كان هذا العلامة الديني, من غير العالمين بفلسفة العلم, فكيف تسنى له إذن, أن يغامر في التصدي للحكم على النظريات العلمية؟ هل يكفي للمرء أن يكون مشتغلا في الدين, ليمتلك بعد ذلك, حق التدخل في تفاصيل جميع المعارف والإختصاصات العلمية؟

لم يكن الأفغاني والطبطبائي, يهتمان كثيراً بصحة الأصول الابستمولوجية للدارونية قدر إهتمامهما الكبير بخطورة محتوى الرؤية الفلسفية التي تنطوي عليها؛ فالبضد من طريقة التفكير الماهوي التقليدية التي يؤمن بها الفكر الديني, ونسخها البايلوجية القائمة على أساس الإيمان بثبات الأنواع immutability of species, تقدم هذه النظرية رؤية ثورية مغايرة تماما, عن قصة أصل الحياة وتطورها على الأرض, وهو ما ينعكس وبالضررورة على طبيعة النظر الى كافة أشكال الوجود الإجتماعي للإنسانية. فبعد الدارونية لم يعد من الممكن الحديث عن موضوعات الحياة والنفس والمجتمع والثقافة والدين بمعزل عن تاريخها التطوري اللاغائي, فكل شيء موجود فينا وحولنا لم يكن سابقا بنفس خصائصه الحالية, وهو بالتأكيد لن يبقى عليها مستقبلا, لا مجال للتمسك بأصل مثالي متعالي على التغير والتحول, إذ كل الأشياء لم تكن, وفي لحظات بداياتها الأولى بالشكل والمحتوى الذي هي عليه الآن. فالكائن, والأخلاق, والدولة, والإقتصاد, والجماعة, كلها أشياء وظواهر مرت في سلسلسة طويلة من التحولات التكيفية الفارقة, وأنواعها الموجودة اليوم, لا يمكن أن تعرف أو تقدم, وبأي حال, بوصفها نسخا مطابقة لنماذج أولانية ثابتة.

وبالبقاء ضمن حدود مجال التلقي الإسلامي المعاصر لهذه النظرية, فإننا نلاحظ, وبالرغم من وجود قلة من الأصوات الإسلامية المعتدلة(10) التي عبرت عن إعتقادها بعدم تعارض نظرية التطور مع القرآن, ودعت الى ضرورة عدم التمسك بالقراءة الحرفية للنصوص الدينية المتعلقة بقصة خلق الإنسان, إلا أن الموقف الغالب عند معظم رجال الدين السنة والشيعة ينتسب في جوهره الى نقطة البدء الأفغانية, والتي أسست لموقف الرفض الصريح لهذه النظرية, وعلى سبيل المثال يكفي هنا ان نورد أسماء كل من: أحمد الطيب (شيخ الأزهر), الداعية اليمني عبد المجيد الزنداني, عبد العزيز بن باز, محمد بن عثيمين , عبد الله كولن, ذاكر نايك, أحمد ديدات, مرتضى مطهري, جعفر السبحاني, هادي المدرسي, محمد الحسيني الشيرازي, علي الكوراني العاملي, كل هؤلاء وغيرهم كثيرون يذهبون الى القول بأن نظرية التطور لا يمكن أن تكون أكثر من قول باطل أو فرض زائف. وهم وإن إختلفوا تكتيكيا في البدء بطرق محاججة متباينة, إلا أنهم ـ ويا للغرابة ـ لا ينتهون إلا لذات البرهان الذي يؤكد على حقيقة وواقعية الأصل الطيني للطبيعة البشرية!

فهنا لا يبدو ان هناك فارقا كبيرا بين من يبدأ منهم بفهم الدارونية على انها الإدعاء بأن أصل الإنسان يعود الى القرد, أو من يدركها على أنها القول بأن الإنسان والقرد قد إنحدرا من سلف مشترك, كما لا إختلاف بين من يقتصر منهم في الإعتماد على الأدلة النصية لدحض هذه النظرية, أو من يحاول توظيف نظريات علمية بغية تفنيدها. أقول لا فارق كبير بين الفهمين ما داما يحددان وكإطار إرشادي لهما, معنى التفسير الحرفي لقصة الخلق القرآنية , كنتيجة مسبقة ينبغي الإنتهاء إليها. إن مثل هذا الوقوف بوجه نظرية التطور ورفضها من قبل معظم رجال الدين وأصدائه المنتشرة في مجتمعاتنا, سواء عن طريق الخطابات التنظيرية المتعالمة, او بواسطة الصيغ الخطابية الشعبوية. لايعدو أكثرمن كونه مظهرا من مظاهر الصدام البراديمي الناتج عن إرتطام إبستم الحداثة الغربية بحمولته " العلم / نقدية ", مع إبستم الثقافة الإسلامية بمضمونه " الغيب / تقليدي ".
إن ما مايحدث في فضاءنا الثقافي؛ هو أن بارادايم الفهم الإسلامي " المنقوش ثقافيا في الأفراد, وبطابعه الدلالي والمنطقي والآيديولوجي ....هو الذي يحدد الفهم ويعطي المعنى ...وهو الذي يحدد العمليات المنطقية الجوهرية.....وهو المبدأ الأول للجمع والإقصاء والإنتخاب الذي يحدد شروط تنظيم الأفكار. وبمقتضى هذا المعنى الثلاثي التوليدي والتنظيمي يوجه البارادايم ويحكم ويتحكم في تنظيم الإستدلالات الفردية وفي أنساق الفكر التي تخضع له "(11). ومع هذه الحقيقة ومن خلال ما سقناه من أمثلة لطريقة التعامل مع نظرية التطور من قبل رجال الدين المسلمين, يتضح وبكثير من الجلاء بأن الباراديم الثاوي في قلب تصوراتهم العقلية هو من يمنح لخطابتهم مضمونها الرافض لهذه النظرية, وذلك ما دام محتوى هذه النظرية لا يتطابق ونوع المعنى الحرفي الكامن في صلب مروياته التأسيسية, ومما تجدر الإشارة له هنا, هو أن هذا الإبعاد الوقائي الذي وإن نجح الى حد الآن في حفظ البارادايم القديم من التآكل والتصدع, إلا أنه وفي نفس الوقت وبإستعارة تعبير الفيلسوف الفرنسي ادغار موران يساهم في " جعلنا عميانا ", إذ ان التطور البايلوجي, في نظره, ليس له أي واقع, وهو ما ينعكس وبكل تأكيد على طبيعة رؤيتنا الى كل شيء, إذ نحرم ـ وبكل قوة ـ من التمتع بأي فهم تطوري عند النظر او التفكير في كل من موضوعات الذات والطبيعة والكون.



ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


الهوامش:
* للمزيد حول التفرقة بين مصطلحي القطيعة الابستمولوجية والقطيعة الابستمائية, أنظر: محمد أركون, تأريخية الفكر العربي الإسلامي, ترجمة : هاشم صالح, مركز الإنماء القومي, بيروت , ط3 , 1998 , ص 245 .
** أينما ورد مصطلح الباراديم في هذا البحث, فإنني أستخدمه بنفس المعنى الفوكوي الموسع الذي حدده له الفيلسوف الفرنسي أدغار موران في كتابه المنهج, والمذكور من ضمن مصادر هذا البحث في الهامش رقم 11, وذلك بوصفه " يتضمن وبالنسبة الى كل الخطابات التي تتم تحت إمرته, المفاهيم الأساسية أو المقولات الجوهرية للفهم وفي الوقت نفسه نوع العلاقات المنطقية, التجاذب / التنافر ( الوصل , الفصل , الشرط أو غيرها ) من بين مفاهيمه أو مقولاته, وبذلك يعرف ألأفراد ويتصرفون وفق الباراديمات المنقوشة فيهم ثقافيا. إن أنساق الأفكار منظمة بشكل قوي طبقا للباراديمات ".

1- جيرار ديلودال : الفلسفة الأمريكية , ترجمة : د. جورج كتورة, د. إلهام الشعراني , المنظمة العربية للترجمة , بيروت , ط1 , 2009, ص 367 .
2- معن زيادة : الموسوعة الفلسفية العربية, معهد الإنماء القومي, بيروت , ط1, 1986, المجلد الأول , ص272.
3- المصدر السابق, ص 272.
4- جون هرمان راندل : تكوين العقل الحديث, ترجمة : جورج طعمة, المركز القومي للترجمة, القاهرة , 2013 , ج2, ص 149.
5- معن زيادة, مصدر سبق ذكره, ص 273.
6- جمال الدين الأفغاني : الرد على الدهريين , تحقيق : الشيخ محمود أبو رية, دار الكرنك للنشر والتوزيع , ص39ـ42, نقلا عن : فريال حسن خليفة, النقد ومستقبل الثقافة العربية, دار رؤية, مصر, ط1, 2013, ص114.
7- جمال الدين الأفغاني : الأعمال الكاملة , تحقيق : محمد عمارة , المؤسسة المصرية العامة للنشر , ص251. نقلا عن : فريال حسن خليفة, النقد ومستقبل الثقافة العربية ص115.
8- عبد الكريم سروش : القبض والبسط في الشريعة, ترجمة : دلال عباس, دار الجديد, بيروت, ط 1, 2002, ص144 .
9- المصدر السابق, ص 145ـ 146.
10ـ يمكن اعتبار الدكتورعدنان ابراهيم من أبرز ممثلي رجال الدين القائلين بأهمية نظرية التطور, والداعين الى ضرورة تكييف قصص الخلق الدينية تأويليا, لتتلاءم مع معطيات هذه النظرية, وهو يملك في هذا المجال سلسلة من المحاضرات التي خصصها للإشادة بقوة وغنى هذه النظرية مقارنة بنظرية الخلق الكلاسيكية التي يتمسك بها معظم رجال الدين المسلمين, وعلى سبيل المثال أنظر الرابط التالي:https://www.youtube.com/watch?v=aFvsfDTgSiY&hl=fr&feature=related&gl=SN
11ـ ادغار موران : المنهج , ترجمة : د.يوسف تيبس, أفريقيا الشرق , المغرب, ط1, ص444.












اخر الافلام

.. ما أهمية إطلاق الدول لأقمار صناعية خاصة بها؟


.. نشرة الإشارة الأولى 2017/11/18


.. مباشر.. الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يستقبل سعد الحريري في




.. علي بابا في عيد العازبين


.. ما هو مستقبل الروبوتات؟