الحوار المتمدن - موبايل



فيورباخ-ماركس-فرويد...والاغتراب/تداعيات اغتراب ذاتي خارج النسق(3)

ماجد الشمري

2017 / 11 / 12
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع


بعد مرورنا المقتضب على المعاني اللغوية -الحرفية والاصطلاحية للاغتراب،والتي هي قطعا غير وافية او معبرة عن الماهية المطابقة لطبيعة الاغتراب بسبب عائق اللغة والتصور.نستعرض بعجالة مفهومه لدى فيورباخ اولا.(لودفيج اندرياس فيورباخ/ولد في بافاريا-مدينة لاندسهوت عام1804وتوفي في نورنبرغ-قرية رخنبرغ عام1872/وهو فيلسوف لاهوتي تحول نحو الفلسفة الطبيعية-الانسانونيةhumanismمتخليا عن الدين كأيمان،متخذا منه مادة للدراسة والنقد والتأمل.تأثر به اغلب الهيجليين الشباب-وهو منهم-ك:برونو باور،وماكس شتيرنر،وارنولد راغه،وديفيد شتراوس،وابرزهم:كارل ماركس الذي قال عنه:"لقد كان قناة النار حقا".-كما يدل اشتقاق اسم فيورباخ بالالمانية-feuer( bach)feuer=نار وbach=قناة)تلك الحمولة المجازية ودلالاتها الرمزية المعبرة كأشارة للمطهر!.صدق ماركس بنعته قناة النار-القناة التي عبر منها ماركس وانجلز من المثالية الهيجيلية الى المادية:ديالكتيكيا وتاريخيا-مطهر النار الذي حرر ماركس من هيجل، والهبوط من السماء الى الارض،ومن هيجل الى ماركس كان لابد من المرور عبر فيورباخ،على حد قول انجلز الذي قال عن فيورباخ معبرا عن اعجابه به:"صرنا جميعا فيورباخيين دفعة واحدة وكان لكتابه-يقصد جوهر المسيحية،م.ا-تأثيرا محررا،وكسر تعويذة هيجل".ولان موضوعة الاغتراب هي أس بحثنا فسنقتصر هنا على ماطرحه فيورباخ من رؤيته للاغتراب كأغتراب(لاهوتي).وبالتحديد ماورد في كتابه القيم والمتميز:"جوهر-ماهية المسيحية"عن المسيحية بشكل خاص والدين بشكل عام،والذي نشره عام1841ومضمونه هو الاغتراب الديني الذي خضع له الانسان المسيحي بتغريبه لذاته في آخر وهمي.فاغتراب الانسان لاهوتيا هو العنصر الاساسي في مذهب فيورباخ المادي-الطبيعي،وفي الوقت نفسه هو ايضا:نقد جريء لاستلاب ماهية الانسان الجوهرية الناجمة من التغريب اللاهوتي.فالبؤس الانساني الارضي هو الذي يولد الله السماوي،ومن ثم الله-الانسان المتجسد.فجوهر وحقيقة الدين،ومعناه الباطني العميق هو الجوهر الانساني المحض.ينبغي ان تكون السياسة ديننا،والغاء حياة متوهمة افضل في السماء يستلزم حياة حقيقية افضل على الارض،تجعل من حلول مستقبل افضل لاموضوعا لايمان اجوف وعقيم،بل الزاما وسعيا وواجبا على الانسان برسم التحقيق الفعلي على الارض.فسر اللاهوت يكمن في الانثروبولوجيا،وان سر الكينونة الالهية يكمن في الكينونة البشرية.فالدين يجعل الانسان غريبا عن ذاته،غريبا عن الطبيعة،غريبا عن الاخرين من بني جنسه،مستلبا بتجريده من طبيعته الجوهرية الحقيقية والطبيعية.وفيورباخ في كتابه"جوهر المسيحية"كان واضحا جدا في تصوره بأن الدين يشتمل على قلب العلاقات بين الذات والموضوع،يتحويلها للانسان من خالق الى مخلوق نتيجة استلاب وتغريب الصفات السامية للجنس البشري والصاقها بمخلوق خيالي-طيفي هو(الله).وفي"اطروحات حول اصلاح الفلسفة"1843و"مباديء فلسفة المستقبل"1844أكد فيورباخ بأن للفلسفة المثالية ايضا نفس طابع ومحتوى الدين ومنهجه.اذ ان الفكرة التي هي نتاج الدماغ البشري،تتحول الى ذات خالقة وناظمة للعالم عن طريق قلب مماثل للعلاقات بين المسند والمسند اليه،بين الذات والموضوع-وان كان هذا التأكيد لفيورباخ بشكله شبه ميتافيزيقي،وليس تاريخيا كما سيفعل ماركس لاحقا-وفيورباخ يعتقد ان الاغتراب الحقيقي يكمن في جوهر فلسفة الدين،ومعنى ذلك ان الاغتراب الديني هو الاصل في كل اغتراب سواء اكان:انطولوجي او فلسفي او اجتماعي او سايكولوجي-هنا يعترف فيورباخ بأن الاغتراب الديني ليس هو الاغتراب الوحيد،ولكن الاساسي،م.ا-..هذا الانسلاخ لطبيعة الانسان الجوهرية،وتحويلها الاسقاطي على كائن خيالي انتجه بمخياله واسماه(الله) هو اغتراب وانفصال الانسان عن ذاته ونوعه البشري،ونقله الى تجريد وهمي منسلخ الى آخر.وفي الدين نفسه-كما يرى فيورباخ ويقرر-نكتشف الاغتراب.فالحقيقة الملموسة هي ببساطة الانسان العياني،وليس العقل او الكائن المجرد.والاغتراب اللاهوتي-حسب فيورباخ-هو تضحية بالانساني العياني الطبيعي النوعي من اجل كينونة افتراضية زائفة،مجردة تسكن السماء وترعى الارض.،وايضا تغريب للانسان المجسد الحقيقي بآخر مجرد،مخلوق تخيلي،وهمي،شبحي لاغير.والقضاء على هذا الاغتراب اللاهوتي هو في الصميم:تحرر كامل للنوع الانساني من اوهام وهلاوس اغترابه البائس الحزين..
لقد حاول فيورباخ-ونجح في ذلك بامتياز-تفسير قواعد الايمان والطقوس والطبيعة اللاهوتية للممارسات الشعائرية(تثليث،طبيعتان،طبيعة واحدة،العماد،القربان)وجميع الصور الذهنية الموروثة والمبتكرة للدين المسيحي بأرجاعها الى حقائقها المادية الموضوعية العيانية الحسية الطبيعية الانسانية من خلال تحليله الفلسفي واللاهوتي والتاريخي لظواهر الدين وتفاصيله ووظائفه من اسرار وطقسية مسيحية مؤسسة واعادة انتاجها وتجددها.وتوصل فيورباخ لنتائج باهرة ومطابقة،معتمدا على الحس والرؤية الثاقبة والتفسير المنطقي الحذق،وليس بالتأمل الخيالي المجنح،وايضا بأستقراء الفكر من الموضوع وليس العكس،كما فعل الفلاسفة المثاليون كهيجل ومن سبقه.لان الموضوعات موجودة بأستقلال،هناك خارج الفكر والوعي وبمعزل عنهما.-وكم كان بودنا تبيان ذلك والاسترسال في بسط منهج فيورباخ في تعليل قواعد الايمان وتفسير الطقوس ولكن المقال سيتضخم ويتشعب خارج موضوعة الاغتراب.م.ا-.
فلسفة فيورباخ في نقد الدين-كما يقول هو-هي:"فلسفة انسانية،لانها تعتبر عالم الوجود الانساني هو الوجود الحقيقي وليس هناك من شيء غيره.وان المعنى الحقيقي للثيولوجيا هو بحق:الانثروبولوجيا لاسواهاـوان صفات الله المتعالي هي صفات الانسان الحقة بعد تغريبها الى السماء-الله.".وكما يرى فيورباخ:"ان مايميز الانسان عن الحيوان هو التدين،وعيه لذاته وللعالم الخارجي والطبيعة،بعكس الحيوان الذي لايدرك الا نفسه غرائزيا".فالانسان المنسجم والمتطابق مع جوهره وطبيعته قبل اغترابه وتزييف وعيه بأيديولوجية الدين،يكون واعيا بذاته،وعيه ذاته،وذاته وعيه،ولا انفصام.هذه الوحدة الداخلية يشطرها الاغتراب الديني،ويشوهها عن حقيقتها عندما يحدث الانفلاق والانفصام للذات والوقوع في شرك الوهم اللاهوتي.فالوعي بالله هو حقا وعي الانسان لذاته،ومعرفة الله هي بدورها معرفة الانسان بذاته،فكلاهما واحد استلب احدهما الآخر.فالانسان ينظر في مرآته فيجد الله بدلا من ذاته بقوة وقدرة خياله على صنع الصور والاطياف والكائنات غير الموجودة.فالله بالنسبة للانسان هو روحه نفسه وقد خرجت لتتجسد هناك بعيدا عنه.والانسان بالنسبة لتفسه هو الروح والنفس.فالله هو داخلية الانسان واعماقه التي تجرد بعيدا عنه وتغربه هو ذاته.فالدين هو وعي الانسان بذاته ولكن بشكل غير مباشر ومن خلال وسيط مخترع،مشوها بذلك تلك العلاقة بين الانسان وذاته كآخر من خلال الدين،لذلك ليس صدفة ان يسبق الدين الفلسفة تاريخيا كضرورة لادراك الانسان ماهية ذاته الغريبة وماهية عالمه الغريب قبل ان يبدا برحلته الفلسفية الاوديسيه بحثا عن الفهم والمعنى،ومن ثم التفسير والتبرير.......
......................................................................................................
يتبع.
وعلى الاخاء نلتقي...







اخر الافلام

.. ما أهمية إطلاق الدول لأقمار صناعية خاصة بها؟


.. نشرة الإشارة الأولى 2017/11/18


.. مباشر.. الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يستقبل سعد الحريري في




.. علي بابا في عيد العازبين


.. ما هو مستقبل الروبوتات؟