الحوار المتمدن - موبايل



كيف اِنهارَت كعكة العائلة؟ -7-

علي دريوسي

2017 / 11 / 13
الادب والفن


المقطع السابع
*****
ملاحظة: لا يَتبنَّى مُؤلف هذه الحوارية المُتْعِبة الآراء المنقولة عن شخوصها.
*****
الأم: لا تشغل نفسك بالكعكة يا كعكة حياتي، ما زالتْ بخير رغم أنف الكهرباء، المُولِّد الكهربائيّ شغّال.
ردّ أبو صلاح بمرحه المعتاد: آه كم يؤسفني يا منيرتي الحبيبة أنّ الرفيق نيوتن قد وَافته المَنِيَّة قبل أنْ يكتشف جاذبيتك!
منيرة: عبد الحميد، اتركني بحالي الله يخليك، الآن مشغولة بالطبخ حتى إشعارٍ آخر.

سناء: كيف حالك حبيبي؟ كيف الشغل في العيادة؟
ماهر: لم أكن في العيادة، بل في المخيم، هناك عشرات الأطفال ممن يحتاجون تلقي الرعاية السنية.
سناء: الله يعطيكم العافية.
ماهر: غالباً ما أشعر بالعجز أمام نظرات الأطفال النازحين وأهاليهم، أحياناً أرغب أن أصرخ في وجه الذين أدخلونا هذه الدُوَّامَة، أن أنتقم منهم، لكني لا أستطيع، لم أعد املك الشجاعة التي كانت لدي مع بدايات الثورة.
سناء: كل طفل يحتاج لحالة عناق في هذا البلد المحروق!
الأم: الثورة؟ أما زلت تسميها ثورة يا دكتور؟
إبراهيم: أنا أسميها انتفاضة. هذا ما تعلمته من جورج طرابيشي، لأن الانتفاضات من شأنها أن تسقط أنظمة، أمَّا الثورات فليست مهمتها إسقاط أنظمة فقط، بل بناء أنظمة جديدة تتجاوزها وتتقدم عليها.

سناء: البارحة كنت أقرأ حول هذا موضوع الانتقام في سياق تحضيري للامتحان في مادة علم النفس. عرِّف نيتشه حالتك هذه التي تسمى بسيكولوجيا الاستياء الانفعالي السلبي أو الغضب السري بأنّها التَسَمَّم الذاتي بفعل الانْتِقامِ المُفرمّل. وأسهب: بأنَّ امتلاك غريزة الانتقام وتنفيذ فكرة الانتقام يعني حصولك على حالة حُمَّى عنيفة، أي هجمة وتنقضي، لكن أن يكون لديك فكرة الانتقام، دون القوة والشجاعة للقيام بها، فهذه معاناة مزمنة، تساهم في تسمم الجسد والروح.
ماهر: لا تشغلي بالك عليّ يا حبيبة، ما زال كل شيء تحت السيطرة.

سناء: انتبه على روحك، أنت تعمل كثيراً، ودون مقابل مادي، انتبه من الإرهاق المزمن والكآبة والإحباط، لقد قرأت الكثير في الفترة الاخيرة عن وقوع الشخصيات القيادية في حالة بورن-آوت.
الأب بلهجة تهكم: متلازمة الاحتراق النفسي يا دكتورتنا لا تصيب فقط أطباء الأسنان والأخصائيين العاملين في الثورة بل تصيب حتى ربات المنازل، المتفانيات في عملهن الأسروي. فما بالك لو جمعت المرأة بين وظيفة البيت ووظيفة أخرى خارجه، مثل أمك! ثم استدرك قائلاُ: في الحقيقة لم يكن هذا ما أردت قوله. بل رغبت أن أسأل خطيبك عمّن أدخلنا في الدُوَّامَة؟

ماهر: النظام الدكتاتوري الفاسد، محاولاته لتسطيح الإنسان وتأطيره مذهبياً وطائفياً، تضييقه لهوامش الحريات الشخصية، مساعيه لقهر الوعي السياسي والمدني عند الشعب، تسفيهه للشخصيات الثقافية والسياسية المستقلة، بالإضافة إلى غياب شخصية المفكر السياسي في الساحة السورية، لقد تَوَفَّقَ النظام الدكتاتوري في سنوات تَسَلُّطه المَدِيدة أَيَّمَا توفيق بإحراق البلد بالاستعانة بكل ما أنتّج العالم القديم من وسائل عنفٍ وإذلالٍ، وها هو عمله يتكَلَّل بالنَّجاحِ إذ بدأ بإحراق نفسه والبكاء ندامة وحزناً على بلد لم يحافظ عليه كما تفعل الرجال في الشّدائِ والمَصائب، إنّها بداية الاحتضار البطيء والنهاية الحتمية لنظامٍ شارفَ نّجْمُ عمره على الأُفُول، إنّها مرحلة قادمة خطيرة وأخيرة، ستكون أكثر عنفاً وألماً مِمّا سَبَّقَتها من مراحل، وقد تطول لبضعة سِنين أخرى... عليهم أن يعلموا أنّ عقارب الساعة لن تعود للوراء مهما كلّف الأمر وأنّ التطورات السياسية والاقتصادية المتعاقبة في تفاصيل الواقع السوري أكبر بكثير من إدراكهم المعرفي... هذا هي الأسباب التي حشرتنا إلى الدُوَّامَة يا عم أبو صلاح.

أبو صلاح: النظام قد يهتز لكنه لن يسقط يا ماهر، أنت لا تعرف شيئاً عن بنية هذا النظام، وإذا ما حدث، لا قدر الله، فإنكم ستبكون دماً لنظامٍ قد يحل محله لمرحلةٍ مؤقتة.
ماهر: من حفَرَ حُفْرةً لشَعْبه، وقع فيها.
أبو صلاح: ثم دعك يا رجل من الحالات الخطابية التي لا تقدم ولا تؤخر. لم يعد الإنسان في يومنا قادراً أن يخطب مثل مارتن لوثر كينغ أو شارل ديغول أو للمقارنة كما الرئيس الراحل حافظ الأسد. ولن تستطيعوا أنتم الثوار أن تقنعوا بخطابكم الخفيف أحداً مهما فعلتم. يجفل الإنسان اليوم من طريقتكم بالتحليل.
إبراهيم: كان خطاب مارتن لوثر "لدي حلم" مليء بالتعابير المجازية وغيرها، أما ديغول قد تباهى في الخمسينات والستينات من القرن المنصرم بقدراته على تزيين خطاباته بمجوهرات لغوية، لقد تلقى مستمعيه آنذاك خطبه بتوق شديد، لمسوا في مهاراته الخطابية دليلاً على عقلانيته وثقافته.
ماهر: على الأرجح لن أستطيع يوماً، لا لشيء إلا لأنَّ ثقافة الخطاب تغيرت وتتغير بشكل كبير، إنها تتعرض لضغوط ن ليس فقط من قبل العولمة، حتى التلفزيون والتحرر بمعناه الأوسع لهما تأثيرهما الواضحين. الشكل الخطابي الذي تتكلم عنه يا عمي لم يعد مألوفاً في العالم، لكنني مندهش لاستشهادك بالقدرات الخطابية للديكتاتور الأب!

أبو صلاح: كل الأشياء الجيدة والجالبة للحظ هي ثلاثة! حافظ الأسد دكتاتور وطني لم تنجب العرب شبيهاً له، وهو أحد أهم البُلغَاء والخُطباء في الشرق بلا منازع. خطبه كلها ارتجالية، لا أثر للأخطاء النحوية فيها رغم مدتها الزمنية الطويلة. كان رجلاً عبقرياً. قام مع فريقه ببناء دولة متماسكة وعادلة رغم الفساد والفقر وكم الأفواه والسجون والجوامع.
ماهر بحيرة وسخرية: ألا ترغب أيضاً بأن تتكهَّن بأنّ العالم قد يحتفل ذات يوم بنبأ منح جائزة نوبل للسلام للدكتور ابنه!
أبو صلاح: صدق من قال: اللقاح هو جرثوم ضعيف، إن لم يقتلْ يُعطيك مناعة!
ماهر بحيرة وسخرية: عِشق الدكتاتورية مَرَضٌ مُعْدٍ. تنتقل عدواهُ من مريضٍ إلى إنسانٍ آخرَ.
أبو صلاح: السَّبّ، الشَّتْم والإهانة بأنواعها أيضاً، يا ولدي.

ماهر: هل أنت جاد فعلاً بما تتفوه به عن الدكتاتور الراحل؟
أبو صلاح: بل كان يتجاوز بقدراته شيشرون، الكاتب الروماني وخطيب روما المميز. إنَّها موهبة الخطاب التي تتطلَّب الكثير من المعرفة والموهبة في الأداء والقراءة الدقيقة لما يريده الناس في لحظات مفصلية معينة. كان يمتلك إبستمية غريبة.
بيلسان ببراءة: بابا، من أين تاتي بهذه الكلمات؟ ما هي هذه الإبستمية؟
عانقها الأب وأجابها ضاحكاً: الإبستمية هي الكفاءة والقدرة المعرفية للشخص المختص في مجال محدد، لمدة لا تقل عن عشر سنوات عمل.
ماهر: أظن بأنّ زمن الخطاب بشكله القديم قد ولّ إلى غير رجعة. نحن في عصر انكسرت فيه أيقونة القائد ذات الحضور الكاريزمي.

أبو صلاح: وأنأ أظن أنَّ للعمى أنواع، منها عمى الأَلْوَانِ، العمَى الثلْجيّ، اللَّيليّ، القِرائيّ، الكُلِّي، الحركيّ! هناك أيضاً ما يُسمّى بالعمَى المَعمّليّ والأُسريّ! لكن ولا عمىً كعَمَى القلبِ والبصيرةِ.
ماهر: لو اجتمع البشر جميعاً على رأي، وخالفهم في هذا الرأي فرد واحد، لما كان لهم أن يسكتوه، بنفس القدر الذي لا يجوز لهذا الفرد إسكاتهــم حتى لـو كانت لــه القوة والسلطة.
هزّ الأب رأسه يائساً من النقاش العقيم، رفع صوته وكأنَّ يغني: رفيقة منيرة، ما هي أخبار الغداء، الزلمي جاع ولازم يروح إلى العيادة، والله لو كنت عم تطبخي جلاميط لكانت انتهت الأكلة.
أشعل سيجارة، مجّها بشهوة، أمعن النظر إلى السقف وغمغم: حقاً إنَّه الزمن الجلاميطي!
*****
يتبع في المقطع الثامن







اخر الافلام

.. حريق سينما عامودا.. فاجعة عام 1960| حكاية سورية


.. اعلان للدكتور إياد علاوي بصوت الفنان باسل العزيز


.. وفاة المنتج الموسيقي الشهير آفيتشي - Avicii - في مسقط




.. انا وانا - لقاء الفنانة سلوى خطاب - الجمعة 20 أبريل 2018 - ا


.. كمال يلدو: اللقاء بالفنان التشكيلي ومدرب الرقص الفلكلوري الش