الحوار المتمدن - موبايل



نوبل والتعبير عن الواقع المصري بين يوسف إدريس ونجيب محفوظ

ياسمين عزيز عزت

2017 / 11 / 14
الادب والفن


سماها البعض سقطة، والبعض تطاولا، لكنه في النهاية مجرد رأي من عملاق من عمالقة الأدب في عالمنا الناطق بالعربية هو يوسف إدريس الذي أحببنا فيه صراحته واندفاعه، وتحدثه بما يدور في ذهنه بلا محاولة للمداراة أو لتزييف ما يراه حقيقة؛ مهما سبب هذا له من متاعب .
كان تعليق يوسف إدريس علي فوز نجيب محفوظ بنوبل عام 1988 صادمًا، ففي الوقت الذي احتفينا به فيه بالأديب الكبير، واعتبرنا الجائزة وسامًا لنا كلنا، صرح إدريس بما معناه أن نجيب محفوظ لم يكن مستحقا للجائزة، وأن يوسف إدريس كان أحق بها منه، وألمح أيضًا إلي أن الجائزة مسيسة؛ أي أن القائمين على اختيار الفائزين بها ربما يكون قد وقع اختيارهم على محفوظ بالذات مجاملة وتشجيعًا لكل من رحبوا بكامب ديفيد. ولست مع أو ضد ما قاله في هذا الصدد، فتقييم الإبداع أمر في النهاية ذاتي ولا توجد قاعدة ثابتة يمكننا أن نقيس بها مدى روعة هذا العمل الأدبي أو ذاك، ومهما كانت شعبية نجيب محفوظ وقامته الأدبية، فليس من حقنا أن نحجر علي رأي من لا يفضله من الأدباء، وبالنسبة لموقفه السياسي، لم يكن يوسف إدريس وحده الذي وقف ضد نجيب محفوظ وغيره ممن رحبوا باتفاقية السلام مع إسرائيل، فقد دار سجال من أرقي ما يكون بين الشاعر السوري الكبير نزار قباني ونجيب محفوظ بعد نشر نزار قصيدة "المهرولون" التي ينتقد فيها موقف الداعين والراضين عن الصلح مع إسرائيل، وانتهي بتقديم اعتذار رقيق من نزار في شكل مقال، اعتذار لا عن رأيه في موقف محفوظ، لكن عما قد تكون سببته كلماته من إيلام لأديب يحبه كثيرا . وأنا أعشق كليهما يوسف إدريس ونجيب محفوظ الذين قرأت أغلب أعمالهما أو كلها تقريبا، وساهمت في تشكيل وجداني منذ نعومة أظافري، فقد قرأت رواية كفاح طيبة مثلا في بدايات المرحلة الإبتدائية، وعملا آخر لا أتذكره، ربما زقاق المدق أو بين القصرين، وكان عمري لا يتجاوز الثامنة علي أقصي تقدير، وبخيالي الجامح آنذاك جبت معه في أرجاء عالمه الفريد، حتي لكأنني عشت فعلا في ذاك العصر، ورأيت كل ما وصفه رأي العين. ما دفعني تذكري لهذا الموقف للتأمل فيه هو، أيهما، يوسف إدريس أم نجيب محفوظ كان أكثر تعبيرًا عن الواقع المصري ؟ والسؤال لا علاقة له إطلاقا بمن أفضل أو بمن كان أحق بالجائزة، فليس مطلوبا من أي منهما أن يتبني مشروع التعبير عن الواقع المصري، ولكنها مقارنة طريفة في رأيي نستطيع من خلالها التأمل في سمات كل من العملاقين، المختلفين تماما والرائعين كلاهما في ميدانه. يوسف إدريس، من مواليد بداية شهر مايو، برج الثور، منتصف الربيع، فصل الصبا، الحياة، الصبح المتأخر قبل اندلاع شمس الظهيرة، وهو كفنه، واضح، (حامي)، متأجج، نهاري، فيه حرارة الشمس، وهو ممتليء بحب الحياة، سهل، بسيط، به عنفوان الشباب المبكر وبراءته، وهو فلاح، من الشرقية، وهو الذي عبر بالفعل عن واقع مصر الريف والحضر في شخص الفرد (العادي)، فإدريس لم ينتق شخصيات ملحمية أو فريدة أو معقدة، ولا أحداث مبهرة أو تراجيديا مروعة، فإعجاز هذا الأديب هو في الكيفية التي يستطيع بها أن يسلط ضوءًا ساطعًا للغاية علي لحظة بسيطة جدا وعادية جدا في حياة أطفال وشباب ورجال ونساء عاديين جدا جدا، لكن هذه اللحظة بصورة ما تحمل كل روعة الحياة . مثل اللحظة التي ننتبه فيها، لمدى روعة شربة ماء بارد في يوم حار جدا بعد عمل شاق جدا، ونشعر بالسعادة والرضا في هذه اللحظة لا لشيء، لكن لمجرد أننا أحياء ولأن شربة الماء جعلتنا نشعر جدا جدا بروعة أن نكون أحياء، هي كشهقة الدهشة والفرحة لدى الأطفال عند رؤيتهم أشياء عادية للغاية، ولكنها تفرحهم فعلا . وعندما نتفكر في حياتنا وما فات منها حتي الآن، إن كنا صادقين مع أنفسنا، سنكتشف أن الأوقات التي شعرنا فيها بالفعل بسعادة حقيقية لم تكن في المناسبات الهامة العظيمة، لكن في لحظات شخصية تمر بكل فرد، ولكنها تختلف تماما في دواخلنا من فرد لفرد، فنقوش الفستان ذاك البسيط الذي اقتنيتيه وأنتي طفلة، تعلمين أنها قد تكون قد خلبت لبك أكثر بكثير مما فعل أي رداء باهظ الثمن ابتعتيه بعد مرور عصر البراءة والأحلام البسيطة، وملمس اللعبة الصغيرة التي صنعتها بيديك لا يضاهيه ملمس كنوز الأرض، أو طعم تلك الحلوي الرخيصة ..أو، أو .. ماهذا (الكرباج) المفرح، المشجي (تعبير الكرباج من رباعية لصلاح جاهين)، الذي يجلد نفوسنا جلدة حياة منعشة ونحن نقرأ عن لعبة يلعبها طفل وطفلة، أشيائهما الصغيرة، تفاصيل المنزل والسلم والحجرة، في مجموعة آخر الدنيا، أو هذه النشوة البريئة التي شعرنا بها كلنا في وقت ما، عندما تفتح القلب للربيع والشباب والحوار الصامت بهزة رأس فقط في قصة قصيرة أخرى عن لحظة في مرفق النقل العام تلاقت فيها أعينا شاب وفتاة. عالم يوسف إدريس هو مصر الطبقات المتوسطة والفقيرة، هو تزاحم العمال والطلبة في الصباح الباكر علي عربة الفول علي ناصية الشارع، وهو الكساء الشعبي ورائحة أتواب الكستور وتيل نادية، تصرف بالبطاقة للموظف من صيدناوي و عمر أفندي، هو "الوسائل التعليمية" مرسومة علي أفرخ ورق مقوى معلقة علي جدران المدارس الحكومية عليها رسوم للترس، ومفتاح العامل والفلاح حامل فأسه، وشمس مشرقة، وحقل وكراريس عليها إرشادات للطلبة، ونقوشها تشبه نقوش القماش الذي تفصله الجدة بيجامات، وقمصان للبنات. ومكتبة المدرسة بها قصص كامل الكيلاني، وهو ضجيج الطلبة الساذج المفرح، وحزنهم البسيط الطيب، هو حفل آخر السنة، وحلوى مولد النبي ورحلات مدرسية للمصنع المجاور، هو قهوة يملؤها صوت أم كلثوم وضربات النرد، وحديث عن العلاوات، وراديو قديم علي رف في الحائط، وصورة لعبد الناصر وجلباب و بدلة و قميص و بنطلون موديل عام 60، وهو سيارة نصر وثلاجة إيديال ومهندس شاب في السد العالي وبنك ناصر للتسليف، وكوبري علي الترعة ساعة الظهيرة، وفلاح يغني، وعبد الحليم في حفل الربيع والناس يشبهون بعضهم كثيرا، وكلهم سمر وكلهم مكافحون .عالم نعرفه نحن جيل الثمانينيات جيدًا لأننا كنا محظوظين بما فيه الكفاية لنتنسم عبيره قبل أن يندثر. نجيب محفوظ، من مواليد الجمالية، القاهرة، شهر ديسمبر، برج القوس، و في رواية أخرى برج الجدي، نهاية الخريف أو بداية الشتاء، موسم الحكمة، والسن الكبيرة . الفيلسوف، ذو النزعة الصوفية والعقل الدائم التساؤل. كأني به يجلس جلسته الهادئة، في المساء، خلف نافذة في الحي القديم، يتابع سير البشر وتخترق عيناه حجب الوقت ويجرد المكان من قيود اللحظة الآنية، ويري القاهرة حينئذ ملتفة في غمامة أسطورية . إنسانه ليس من دم ولحم، هو رمز أو قضية، يحمل علي عاتقه تساؤل وجودي قد لا يحتمله وعي الشخصية التي يمثلها، فحسين مهران ليس مجرد لص هارب، لن تشم رائحة عرقه بين السطور ولا بحة صوته، لكن ستأن معه من المعاناة الازلية للإنسان في صراعه مع كل القوي المضادة في نفسه وخارجها . نجيب محفوظ هو إسكندرية الشتاء، في كازينوهات الأربعينيات علي البحر، في الليل، أو خريف القاهرة في عوامة علي النيل، وأشخاصه دائما كبار، مهما صغر سنهم، أرواح قديمة أو عقول، وهم فرادي لا يمثلون المجموع، فاللحظة التي يمسك محفوظ بتلابيبها هي اللحظة القدرية، اللحظة الغير عادية، هي اللحظة التي يقف فيها المرء من الحياة والتاريخ والناس وحده كما يقف الخاطيء يوم الحشر أمام كرسي الحساب، ومحفوظ يغوص في عقله يسافر في هوسه، في حيرته، في سعيه الدائب نحو معني الحياة، وإكسير الوجود، وحل اللغز . محفوظ يتمشي في المسافة بين الحكمة والوجد الصوفي، وهو لا يشفق علينا من غيوم الكآبة الملبدة في سماء أشخاصه المعذبين، فهو يسقينا الحقيقة المرة، فنحن نتجرع غصة الذل مع بطلة بداية ونهاية في سيارة كئيبة مع وغد آخر الليل، وتتمزق قلوبنا مع بطل القاهرة الجديدة الذي يشهد مصرع كل قيمه وكل أمل في الخلاص، ونضيع مع بطلي الحب فوق هضبة الهرم ونيأس معهما، ومع بطلي يوم مقتل الزعيم، لكن رغم كل هذا فصوفيته تنزل علي قلوبنا بردًا، وتبعث ضوءها الهاديء في سماء ليل الواقع الذي يطل علينا بين سطوره بلا كذب أو تجمل. لا تمثل شخوص نجيب محفوظ غالبية المصريين، فالسيد عبد الجواد لا يمثل تجار الموسكي والغورية وتجار مصر القديمة، بعالميه المتناقضين أشد التناقض، ولا تمثل فتاة زقاق المدق كل بنت شعبية؛ فكما ذكرت، شخوصه يمثلون معان أعمق من مجرد الوجود الإنساني الواقعي الحيوي البسيط الإعتيادي. ونجيب محفوظ يعد من الطبقة البرجوازية، وهو من مواليد بدايات القرن العشرين، وقاهرته قاهرة سعد زغلول والطرابيش والهوانم والباشاوات والأفندية والفتوات والعوالم والغواني المبهرات في كلود بك ووش البركة وكلوبات عماد الدين، والإنجليز في شوارع القاهرة، ومواطني الجانب الآخر من البحر أتوا حاملين ريح أوربا والمتوسط للأسكندرية، وهو البارات العتيقة في وسط البلد، والحواري السابحة في ضباب العصور السالفة، ووكالات الموسكي و الغورية، والرعيل الأول من طلبة جامعة فؤاد الأول، في المظاهرات والمناقشات في ساحة الجامعة والدين أم الإلحاد، والشيوعيين في مقابل الإخوان، وهي قاهرة حزب الوفد، والعصر الذي سمي بالليبرالي. وسواء ذهب بنا لحواريه وسرنا في أزقتها وتطلعنا لمشربياتها أو تمشينا معه في محطة الرمل أو الكورنيش، فكل الأماكن، تفاصيلها برغم غناها تغدو باهتة، وتنتقل للخلفية، تاركين الساحة للإنسان، وقضاياه وحيرته الأزلية.







اخر الافلام

.. المايسترو سليم سحاب.. مبادرة شخصية لتدريب أطفال مشرّدين على


.. فنانون أفغان يحولون الجدران الإسمنتية في العاصمة كابول الى ج


.. هذا الصباح-معرض بالمكسيك يجسد أبطال فيلم الرسوم -كوكو-




.. ازدهار الترجمة الثقافية في أفغانستان


.. SNL بالعربي - حلقة الفنانة فيفي عبده.. السبت 18نوفمبر 2017