الحوار المتمدن - موبايل



تناقضات مفهوم الخير في الذهن المتدين

رسلان جادالله عامر

2017 / 11 / 14
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني



الخير والإله مفهومان مترابطان دوما في الوعي المؤمن، وفي انعكاسهما الإنساني هناك حالات يصبحان فيها متطابقين وأخرى على العكس من ذلك تماما، فالعلاقة بينهما ليست واحدة فكريا في ذهنية كل المؤمنين بهما، ولا هي كذلك في تجسيدها فعلا سلوكيا تقوم من خلاله العلاقة بين الشخص والإله وبين الشخص المؤمن والآخر، وربما يمكننا أن نحدد نموذجين تـُقرأ بواسطتهما العلاقة بين الخير والإله بشريا: في الأول ينطلق الإنسان من فكرة الخير القائمة بذاتها، ثم تتبعها فكرة الإله بوصف الإله مبدأ جوهريا للخير على المستوى الكوني، وفي الثاني الإله هو المنطلق، هو كائن - أو قيصر- سماوي كلي القدرة وكامل، والخير هو خير لأنه يعبر عن إرادة الإله وحسب، وليس لأنه خير بطبيعته أو بذاته، وهاتان الفكرتان متعاكستان، ففي الأولى يصبح الإله مبدأ للخير بطبيعته، أما في الثانية فيغدو مصدرا للخير بآمريته .. وهذا ما سنتوسع فيه لاحقا.

عندما ينظر المؤمن إلى الإله كرمز يتمثل فيه كل ما هو خير وما هو رائع وما هو سام ، فهو سيعبد الإله لأنه جليل ونبيل وسام ، أي لأنه الخير المحض، والمؤمن هنا فعليا يعبد الخير المحض، وهنا الخير هو المنطلق وهو الأساس، وهو يُـسقط على الإله من مرتبة أعلى منطقيا وقيميا من مرتبة الإله .. فيصبح الإله مستحقا للعبادة، بسبب توافقه مع الخير وتماهيه معه، ولو تنافى الإله مع الخير المحض لما استحق هذا الإله العبادة، لكن إن كان الإله موجودا حقا فهو سيكون كاملا ومتطابقا كليا مع الخير المحض، وكأن الخير المحض يتجوهر في الإله، وهنا يصبح أيّ فعل أو أيّ عمل فيه تقدير وتكريم للخير المحض ممثلا بأحد أشكاله، هو تكريم بشكل غير مباشر للإله، ويصبح المؤمن بالخير من حيث المبدأ.. مؤمنا بالإله في الجوهر، حتى لو اعتبر نفسه غير مؤمن على المستوى المنطقي أو الفكري، ولو تأملنا في هذا الموقف، فسنجد أن الخير فيه يقوم على معيارية إنسانية، والعبادة فيه تتخذ معنى إنسانيا، وتصبح غايتها الارتقاء بإنسانية الإنسان إلى أعلى درجاتها.
وبالطبع هذا نوع نادر من الوعي الإيماني، ولا نجده إلا عند ذوي الوعي الفلسفي أو الروح الصوفية وما شابه، وهو إيمان موجه بالعقل والضمير الإنسانيين الحرين!

في الحالة المعاكسة، وهي حالة عموم المتدينين، لا يعود مبدأ "الخير المحض" هو معيار الألوهة، بل مبدأ "القدرة الكلية"، وبما أن القدرة الكلية مفهوم غير محدد فالأصوب أن نقول "القدرة العظيمة" أو "القدرة العظمى"، فهنا الفرق الهائل بين قدرة الإله العظيم وقدرة الإنسان الحقير- في نظر المتديّن- هي ما يستوجب عبودية الإنسان للإله وعبادته له، والخير المطلق هنا ليس ملزما للإله، الذي لا ينطبق عليه أيضا مفهوم العدالة المطلقة، فليس من عدالة مطلقة، هناك عدالة مرتبطة بالقدرة، وكأن الإله قد قرر ما هو الخير وما هو الشر لأنه هو يريد ذلك وحسب.. وكان من الممكن أن يكون غير ذلك لو شاء، و( الحق ما صنع القوي بسيفه)، فكل ما يفعله الإله بالإنسان من شرور هو عدل، فالإله العظيم هو من خلق الإنسان التافه من العدم، ويحق له أن يتصرف به كيفما شاء ، فهل ثمة من يقول أنه لا يحق لصانع الأحذية أن ينتعل حذائه ويمشي به في أصعب وأقذر الطرقات؟ وهل يحق للحذاء أن يعترض ويقول أن هذا ليس عدلا وهو مصنوع أساسا لهذا الغرض؟ وهكذا يصبح الموت والقتل والاغتصاب والمرض والنهب والفقر والتشرد.. وكل أنواع الكوارث والبلايا جميعها جزءا من عدالة الإله الرب، وعلى العبد البشري أن يركع ساجدا ويشكر الإله العظيم على الخير والشر، ويحمده في السراء والضراء.

في الحالة الأولى يتخذ الخير معنى مطلقا ويصبح مبدأ مطلقا، ومعياره ينبع من داخل الإنسان، فالإنسان يدرك الخير بنفسه ويؤمن به بإرادته الحرة ويماهيه مع إنسانيته، ويلتقي مع الإله في الخير في كل مظاهر الخير ومضامينه، ويصبح الحرام حراما بشكل مطلق.
أما في الحالة الثانية، فالكائن البشري يؤمن بوجود الإله، وبأن الإله خيـّر، لكنه في الحقيقة لا يؤمن بالإله، بل يطيع الإله ويخضع له، لأنه يعتقد بجبروت الإله ويطمع بثوابه أو يخاف عقابه، وعبد الإله هنا لا يلتزم بالخير التزاما حرا نابعا من إرادته ووجدانه الإنسانيين، بل يلتزم به التزام العبد بأمر السيد، والخير هنا يفقد موقعه الداخلي المتماهي مع إنسانية الإنسان، ويصبح مركزه خارج الإنسان، ومن حيث المبدأ، يجرد الإنسان من هذه الماهية، ويضيع الخير المطلق.
وهنا يصبح مفهوما الخير والشر نسبيان، وهما مقرونان بإرادة الإله الرب، فالشر هو شر مادام الرب يحظره، فإذا ألغى الرب لسبب ما هذا الحظر لا يعود الشر شرا، وهذا كثيرا ما يحدث فعليا بالوكالة على يد ممثلي الإله على الأرض في عملية التكفير، فعندها يصبح دم وعرض ومال الغير مباحا في مثل هذه الحالة بحجة أنه كافر، والكافر الخارج عن الولاء للرب لا يكون مشمولا بالخير المرتبط بربوبية الرب، وهذا النوع من المؤمنين المتدينين لا يلتزم بالخير إلا لأنه أمر من صاحب القدرة العظمى .. القادر على العقاب والثواب، فلو ألغى صاحب هذه القدرة الحساب، لانتهت العلاقة نهائيا بينه وبين هؤلاء المؤمنين به، ولزالت الطاعة وعم الشر، وطبعا هذا النوع من المؤمنين مفهوم الخير لديه شديد الضبابية ومتناقض، وهو يعيش في حالة شبه فصامية، فهو من ناحية يتصور أن الإله خير ولا يأمر إلا بالخير، فيسعى إلى الخير تماشيا مع الأمر الإلهي، ولكنه هو نفسه ليس لديه أية معيارية خاصة بالخير، وهذه المعيارية تقترن كليا بالأمر الإلهي، وتتمظهر عبر مفهومي الحلال والحرام، والطامة الكبرى عندما يصبح كل من الحلال والحرام تحت إشراف وكلاء الإله على الأرض و كهنته، وخاضعا لعصبياتهم وأهوائهم وأغراضهم، فهنا قد تصبح إبادة الغير حلالا بدعوى أنه كافر .. وهو كافر لأنه لا يلتزم بشكل الإيمان الذي يفرضه وكيل الإله على العباد.. الذي حين وكل نفسه على العباد ما أخذ برأييهم، بل فعل ذلك لأنه قــَدَر عليهم، وهكذا تشابه مع ربه في الاعتماد على القوة أو القدرة، وبدقة أكثر "على الغلبة"، فالرب هو الرب لأنه غالب، ووكيل الرب هو الوكيل لأنه غالب، فالغلبة هنا هي أساس الربوبية ووكالتها.

في الحالة الثانية، نلاحظ أنه ثمة إشكالية كبرى في العلاقة بين الإنسان والخير والإله، فالإنسان هنا يعتقد بالوجود الإلهي، وبالقدرة الإلهية.. وبالخير الإلهي ، لكنه لا يعي جوهر العلاقة بين الإنسانية والخير والإلوهية، فهناك مشكلة في مفهوم الخير ومشكلة في الموقف من الخير، فعلى مستوى المفهوم، لا يحمل الخير أي معيار إنساني، وهذا بالتالي يجرد الإنسان من أي معيار خيري، الخير هنا شيء خاص بالألوهة، وهي تأمر لتطاع ، ومعيار الإنسانية هو الطاعة، فبقدر ما يطيع الإنسان الأمر الإلهي هو إنسان صالح أو إنسان حقيقي، فإن لم يفعل فهو ضال وأضل من الأنعام. وعلى مستوى الموقف يجدر بنا هنا أن نميز هنا نوعين من المواقف:

الأول: المتدين فيه يؤمن بالخير كمبدأ قائم بحد ذاته ولكنه مقترن كليا بالإله، فالأمر الإلهي يطاع لأن الإله لا يمكن إلا أن يأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهنا يبدو الأمر وكأن الثقة المطلقة بالإله هي أساس طاعته، فهو العارف المطلق وهو الطيب المطلق، وما قد يبدو شرا في فعله هو في نظر المؤمن تعبير عن حكمة عليا كاملة لا يدركها العقل البشري الناقص.
الثاني: المتدين فيه في حقيقته غير معني بالخير، فكرة الخير من أساسها غير قائمة عنده، والخير والشر هما بالنسبة له تعبيران مجازيان، عما يسمح به الإله وما يحظره، والإله يطاع ليس لأن ما يأمر به هو الخير، وما ينهى عنه هو الشر من حيث المبدأ وبشكل مطلق، فالمتدين هنا لا تهمه المبادئ، ما يهمه هو مصلحته وحسب، ومن مصلحته طاعة الإله الجبار، فقط لأنه عظيم القدرة، وعظيم العقاب والثواب، وهنا يصبح الخوف والطمع، أو المصلحة أساس الطاعة. وسنتحدث في ما يلي بمزيد من التفصيل عن هذين النوعين من المؤمنين.

- الموقف الأول: يريد المتدينون فيه الخير لأنه خير، وهذا إيجابي وهم يطيعون الإله لأنه خيـّر وقادر وأمره خير، لكن السلبي في الموضوع هو عدم وجود أية استقلالية لصورة الخير عن الأمر الإلهي، والخير مشروط بالأمر الإلهي المفترض، ومعروف عن طريق التحليل (عكس التحريم)، فكل ما هو غير محرم هو حلال بالتالي خير، فإن كان محرما .. فهو شر، فالمتدين وإن كان يريد الخير فلا يعرفه إلا عن طريق التحليل والتحريم، اللذان يؤتيانه بالأمر الإلهي، أما معرفة الخير والشر فهي من اختصاص الإله، وهو يعلم ما لا يعلمه البشر، وهكذا يكون شيء ما شرا ليس لأن المؤمن يعتبره شرا على أي أساس عقلاني إنساني، بل لأنه محرم بالأمر الإلهي، فإن أزال الإله التحريم لا يعود هذا الشيء نفسه شرا، لقد أباحه الإله وبذلك أصبح خيرا، فإن سئل المؤمن: أليس للشر ماهية خاصة به؟ ألا يفقد الخير والشر معناهما الحقيقيين هنا ويصبحان أمرين نسبيين شكليين؟ نجد هذا المؤمن إما يحيل هذا الموضوع إلى الإله فهذا من شأنه وعلينا برأيه كبشر ألا نتدخل في شؤون الإله، أو نجده غير مبال بهذا المسألة، فهو غير مهتم بفهم الأمور بقدر اهتمامه بتنفيذها، والفهم غير ضروري.. فالطاعة هي كل شيء. والخطر الكبير- كما سبق و بينّا- هنا هو في الموافقة على الشرور وتقبلها عندما تباح ليس كشرور، بل كشكل من الخير، يمكن أن يكون أحيانا متعالي المعنى. المتدين هنا يعترف نظريا بالخير كمبدأ قائم في ذاته، لكن هذا الاعتراف لا يتخطى مستوى المبدأ الشكلي ليتخذ صورة مستقلة، صورة هذا الخير ليست مستقلة بتاتا، إنها ملتصقة بالإله تماما.. وتتحدد بالأمر الإلهي كليا، وبما أن أفعال المتدين في إطار هذا الخير تنقسم إلى قسمين، أحدهما هو فعل من أجل الإله والآخر فعل من أجل النفس، فهو سيفعل تحت غطاء عقائدي ما من هذا النوع أو ذاك من الأفعال أفعالا مبررة شرعا ولا تعتبر شرا حتى ولو كانت ضارة بالغير، وهي بالتالي خير، وهنا من الممكن أن يقوم هذا النوع من المتدينين بأعمال ويفعل أفعالا كان سيرفضها بدون هذا الغطاء العقائدي.. أي أن المتدين كان سيرفض بعض الأفعال من منطلق إنساني بحت لو لم تتدخل العقيدة، فأتت العقيدة وشرعنت ما كان سيكون حراما إنسانيا بدون هذه العقيدة، ومن الأمثلة على ذلك: قد يكون شخص ما مؤمن بحرمة الدم الإنساني مبدئيا، ويرفض أن يقتل أي شخص يختلف معه في الرأي، فتأتي عقيدة ما وتقنعه بأن هذا الآخر كافر وعدو للإله ويجب قتله، فيقتله من أجل الإله، وهذا ما كان سيرفضه أو حتى لن يفكر فيه لولا تدخل هذه العقيدة .. أي أن العقيدة هنا لا تلعب فقط دور السامح بشر كان يمنعه غيرها، بل أحيانا تتجاوز حتى ذاك إلى درجة التحريض على شر.. لا مبرر له دونها، وتغدو بذلك دافعا للشر. حالة أخرى من مثل هذه الأفعال- ولكن هذه المرة التي يفعلها المتدين من أجل نفسه ولكنه يفعلها بما لا يغضب الإله حسب ظنه - هي السبي، فالمتدين لا يسبي من أجل ربه، بل من أجل غريزته، وهو لن يمتنع عن سبي امرأة تقول له عقيدته أنها كافرة وتسمح له بسبيها، وهذا ما كان سيرفض القيام به لو ترك لإنسانيته الصرف. إذاَ، العقيدة قد تلعب دور المحرض على فعل شرير مدان إنسانيا، وتبرره بأنه فعل خير من أجل الإله أو عبد الإله، وقد تجيز فعلا شريرا مدانا إنسانيا قد يفعل تحت غطائها لخدمة الرب أو لخدمة النفس.
- الموقف الثاني: لا يفكر فيه المتدينون بالخير بتاتا, الخير بالنسبة لهم غير موجود من حيث المبدأ، والخير الوحيد الذي يفهمونه هو مصلحتهم، فالخير عندهم هو خير نفعي وغير قيمي كليا، ولذا يلتزمون بالحلال والحرام فقط من منطلق الطاعة للأقوى وهو هنا الرب، فهم يريدون مصلحتهم في هذه الدنيا وفي الآخرة، وهذا هو كل همهم، والخير والشر لا يعنيان لهم أي شيء من منطلق أخلاقي أو مُثلي، فهم يبتعدون عما يأمرهم به الرب .. وينفذون ما يأمرهم به اتقاء لعقابه وابتغاء لثوابه فقط ، ولو ألغى ربهم العقاب والثواب لما فعلوا حسنة أو امتنعوا عن معصية، ولما أطاعوه في شيء، ولركضوا بشكل مسعور وراء شهواته ومصالحهم، وما حال بينهم و بينها لا ضمير ولا خلق، وستكون قوتهم هي ناموسهم، فكل ما يقدرون على فعله سيكون بالنسبة لهم مباح.

هناك من حيث المبدأ النظري اختلافات جدية بين أصحاب الموقفين، فأصحاب الموقف الأول، الخير بحد ذاته يعني لهم شيئا كقيمة، ولو ألغى ربهم العقاب والثواب بالنسبة لهم ، لبقي موقفهم النظري من الخير على حاله، لكن هذا بالنسبة لهم أمر محال، ولذا فصورة هذا الخير ستبقى عندهم مستمدة من الرب، أي أن الرب سيلعب بالنسبة لهم دور المشرع السماوي. أصحاب الموقف الثاني دور الرب الأساسي بالنسبة لهم هو دور المحاسب الذي يثب ويعاقب، والخير لا قيمة له كقيمة، ولا دور له إلا كطاعة، يتحدد بموجبها الثواب والعقاب، لكن ما يشترك فيه هؤلاء وأولئك هو غياب مفهوم خير الغير، وبالنسبة للجماعة الثانية هذا مفهوم لأن مفهوم الخير غير موجود بالنسبة لهم أساسا، ولا خير يقرون به إلا خيرهم النفعي الخاص، إنهم تماما أنانيون، وأنانيتهم تحكم علاقتهم بالرب وبالغير، ونحن هنا أمام حالة من غياب الضمير المقنعة بالشريعة والعقيدة، أما الجماعة الأولى فمفهوم الخير لديها محصور في علاقتها بالإله، وهو يسقط على العلاقة مع الغير من خلال العلاقة مع الإله، فإذا كان الفعل مصنفا خيرا في العلاقة مع الإله، فانعكاسه على العلاقة مع الغير غير مهم قطعا .. حتى ولو كان هذا الفعل بالنسبة للغير هو من أقسى أنواع الشرور كالقتل أو السبي، والعلاقة مع الغير لا تبنى إلا من خلال علاقة هذا الغير مع الإله وفقا للمفهوم الخاص لهذه العلاقة، الذي يصبح بموجبه الغير المختلف كافرا ويعامل على هذا الأساس إن كان دينه أو معتقده غير مقبول من وجهة النظر الذاتية، هنا إنسانية الآخر مُسقطة من الحساب، وهذا الآخر غائب تماما عن نطاق مفهوم وعلاقة الخير بين الشخص والإله، فليس للآخر فيه أي حضور، ولا ذات له لتشارك فيه، إنه فقط موضوع تسقط عليه حيثيات هذه العلاقة .. ولا قيمة قطعا لموقفه منها أو من انعكاسها عليه، وهذا ليس غريبا عن علاقة تجرد الخير من بعده الإنساني، وتجرد الإنسان من بعده الخيراني، وتجرد الإنسان ككل من ذاتيته أمام الإله، فهذا التجريد بوجهيه ينعكس على الإنسان فاعلا ومنفعلا، فعندما يصبح مفهوم الخير آتيا من خارج ذاتنا الفاعلة، يصبح انعكاسه غير مهم على ذات غيرنا المنفعلة، لأن المفهوم الذاتي الخاص للخير بقيمته الإنسانية غير موجود، فأي مفهوم إنساني خاص للخير هنا غير معترف به، المعترف به هو المفهوم الرباني للخير وحسب، وبما أن الآخر الديني هو في قطيعة مع الإله مصدر الخير، فهو غير مشمول بهذا الخير، وهو يستحق ما يلحق به من شر، لأنه غير مشمول بدائرة الخير الشاملة للإله وعباده وحسب، وخارج هذه الدائرة يقع ميدان الكفر، وما يقع فيه من أفعال ويحدث من حوادث هو شر يصيب الأشرار ليس إلا، والشر إن أصاب الشرير يصبح عدلا وخيرا.

أما الإنسان الذي ينطلق من فكرة الخير المحض المستقلة بذاتها، فالخير لديه يحمل دوما بعده الإنساني الجوهري ويتكامل مع بعده الإلهي، فالخير هنا ليس الإله مصدره، وهو ليس تنفيذا لمشيئة الإله ولا استرضاء له، الخير هنا خير لأنه خير بالمطلق، والإنسان يدرك هذا الخير بنفسه، ويحافظ على ذايته بالكامل، ويريد الخير لأنه كمال أو تحقيق لذاته الإنسانية، فكما الألوهة لا تكون ألوهة إن لم تكن خيرا محضا، فالإنسانية لا تكون إنسانية إن لم تسع للخير المطلق، هنا بما أن البعد الإنساني في الخير قائم دوما فلا يمكن لعلاقة الخير بين الشخص والإله أن تتحقق بدون علاقة الخير بين الشخص والآخر، وهذه العلاقة تصبح في أمثل أشكالها عندما يكون الشخص والآخر والإله شركاء في علاقة خير متكاملة، هنا الإنسان بما هو إنسان هو جدير بالخير .. ولا يمكن لمعياره الإنساني أن يغيب عن أي فعل، فعندما يقوم الإنسان بأي فعل له علاقة بالغير، لا يفكر أساسا بالمعيار السماوي للخير ولا يسأل نفسه: ما هو رأي الإله بما أفعله مع غيري؟ بل يسأل ببساطة: ما كان رأيي بما أفعله مع غيري لو أن غيري فعله معي؟ هنا نحن نتعامل مع معيارية إنسانية تجمع كل منا مع الآخر، وأية علاقة مع الآخر تقيـّم إنسانيا لا ربانيا تقييما يشترك فيه الآخر بصفته إنسان مثلنا، وفي مثل هذه العلاقة لا يعود الإله صاحب حظيرة على من أراد النجاة من الخراف أن يدخلها، وإن رفض خروف ضال دخولها فليستحق أن تلتهمه الذئاب، الإنسان هنا ليس خروفا ولا يحتاج إلى حظائر، إنه بحد ذاته فارس شجاع نبيل حكيم ، وما على الإله إلا أن يباركه.

هذه الحالة، لا يعود فيها أي فرق بين أية صور للألوهة، إن كانت ترمز لقيم الحق والخير والجمال، التي تعتبر قيما إنسانية مطلقة، وهنا لا فرق بين الأسماء التي تشخص فيها الألوهة، ولا مشكلة قطعا إن سميناه بالله أو الآب أو عشتار أو سواها، فهذه كلها صور متنوعة متكاملة يصنعها الإنسان للألوهة، التي يضع الإنسان إنسانيته فوقها، ليجعلها رمزا لأعلى أشكال إنسانيته.
أما الحالة التي يصبح فيها الخير مفارقا للإنسان في مركزه ومعناه، ففيها يصبح الإنسان نفسه مستلبا لصنم سماوي يخلقه بنفسه ويستعبد نفسه له، ولكنه في حقيقة أمره يستعبد نفسه لنفسه بعد إفراغها من مضمونها الإنساني وإغراقها في لجة الغرائز الدنيا والمصالح الأنانية، وهنا يبقى خطر التوحش قائما، وإمكانية تحوله من إمكانية إلى فعل جد عالية، وما نراه من عنف طائفي وإرهاب تكفيري في أكثر من بلد عربي وإسلامي يندرج في هذا السياق، مهما كانت الأيادي الخبيثة التي تستغله، فالمستثمر في الإرهاب التكفيري، لا يمكنه القيام بذلك إلا بوجود الخامة المناسبة، وهي المتدين المغيب العقل باسم قيصر إلهي مزعوم في السماء يجزي من يحارب الكفار- من المتدينين المحرومين- على الأرض بالحوريات والجنان وأنهار الخمر واللبن والقصور التي لم تراها عين أو تسمع بها أذن ولا خطرت على بال بشر، وهذا شرط لازم- وإن لم يكن وحده كاف- لإنتاج العنف الطائفي والإرهاب.







اخر الافلام

.. قالوا| عن اقتسام السلطة مع جماعة الإخوان المسلمين واعتبارهم


.. عباس شومان: شيخ الأزهر سيزور قريبا مسلمي الروهينجا محملا بمس


.. بي_بي_سي_ترندينغ : رجل يسامح قتلة حفيدته #الكنيسة_البطرسية




.. فرنسا.. بلدية كليشي والجمعيات الإسلامية تتوصل إلى إيجاد أماك


.. جون سوليفان: إلتزام الخرطوم بحماية حقوق الإنسان والحريات الد