الحوار المتمدن - موبايل



اللاعقلانية الدينية

أيمن عبد الخالق

2017 / 11 / 14
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع


" الفكر قائم على قداسة المنطق وليس منطق القداسة " ابن رشد
o مازال ذهني مشغولا بالسؤال عن السبب الذي أدي بغالبية علماء الدين في سائر الأديان المختلفة، مع كونهم علماء باحثين، إلى إقصاء العقل الإنساني، الذي يمثل جوهر الإنسانية، والتمسك بظواهر النصوص الدينية بنحو حرفي جامد، كبديل عن العقل.
• هناك في الواقع أسباب متعددة دفعتهم إلى ارتكاب هذه الخطيئة المعرفية الكبرى، والتي انعكست بنحو سلبي على الدين والمتدينين، وكانت منشأً لأغلب الفتن والصراعات على مر التاريخ، ووقوعنا في هذه المتاهة الكبرى.
o إذن ماهي هذه الأسباب؟
• أولا ـ إنّ المؤسسين الأوائل للمؤسسة الدينية، لم يكونوا من الفلاسفة أو العلماء الباحثين المحققين، بل كانوا مجرد مؤمنين، وحملة للنصوص الدينية، من أصحاب الأنبياء عليهم السلام، وكانوا يبنون رؤيتهم الكونية عن الحياة، ويُفتون الناس في جميع أحوالهم على طبق هذه النصوص الدينية التي في أيديهم، والتي وصلت إليهم من الأنبياء أو من أصحاب الأنبياء.
o نعم ...يعنى تقصد أنّ الطريقة الأوّلية لتحصيلهم العلم والمعرفة كانت عن طريق النقل والحفظ لاغير، لا عن طريق التفلسف أو التجربة العلمية، ثم قاموا بعد ذلك بنقل هذه الطريقة إلى الذين من بعدهم، بحيث ورثها المتأخرون عن المتقدمين بهذا النحو.
• بالضبط هكذا، وبالتالي أصبحوا مستأنسين تلقائيا بهذه الطريقة النقلية، بعد أن تطبعوا بها، ونشأوا عليها.
ثانيا ـ توهمهم أنّ الأحكام العقلية هي مجرد أحكام بشرية وضعية، خاضعة للأمزجة، والاستحسانات الشخصية، على خلاف الأحكام النقلية المأخوذة تعبدأ من النصوص الدينية، فهي أحكام إلهية مقدسة، فخلطوا بين الدين الإلهي المقدس في نفسه، وبين المعرفة البشرية الدينية، بحيث أصبحت معارفهم، وأحكامهم لها نفس القدسية، وبالتالي غير قابلة للنقد الحقيقي، وأصبح المخالف لها، في حكم المرتد عن الدين.
o هذه مشكلة حقيقية، ونلمسها بأنفسنا، وقد أضحت أمرا واقعاً..ولكن كيف يمكن لنا أن نناقشهم في هذا الإدعاء؟
• المفروض أنه بعد كل هذه الحوارات والجلسات الفكرية معك، أن تكون قادرا على الجواب، ودفع أمثال هذه المغالطات.
o أرجوك أن تعذرني، أنا أدرك في الجملة عدم مقبولية هذا الكلام، ولكني مازلت تلميذك الصغير، وأنا أفضل أن أسمع الجواب التفصيلي من الأستاذ عن ذلك الإدعاء الخطير، والذي تأثر به الكثير جدا من المتدينين.
• لاتلومنّ من تأثر بهذا الكلام، لأنه بعد تعطيل العقل، وإقالته المستمرة على مر التاريخ، يصبح كل شيء قابل للتصديق، بعد أن فقدت الأمة حصانتها العقلية، ومناعتها الفكرية، لاسيما إذا كان من كلام الأكابرالذين نُجلهم ونقدسهم، فالعقل الواعي، والفاعل، والمثقف بالثقافة العقلية، هو وحده القادر علي كشف أمثال هذه المغالطات.
o نعم هذا قدرنا للأسف الشديد
• الجواب واضح، وهو أنّ الواقع على خلاف مايظنونه تماما، فلا الأحكام العقلية البرهانية مجرد أحكام بشرية مزاجية، ولا فهمهم عن الدين هو معرفة إلهية مقدسة.
لقد سبق وأن شرحنا لكم أنّ الأحكام العقلية البرهانية تستند إلى مبادئ فطرية بديهية واضحة عند كل العقول، وتتمتع بالصدق الذاتي والموضوعية، وبالتالي فإنّ الأحكام العقلية المبتنية عليها تتمتع بنفس اليقين الصادق والموضوعي، وهذه المبادئ الأولية، هي التي سماها " ابن رشد" بالوحي الإلهي الطبيعي عند كل إنسان، ، وسماها " اسبينوزا" بالنورالذاتي الطبيعي، بحيث لايمكن لأي إنسان أن يتنكر لها،أو يكذبها، لأنّ مطلق الأحكام الإنسانية مبتنية عليها، كما لايمكن لأحد أن يقوم بتحريفها أو تزييفها، أو تأويلها، كما فعلوا مع النصوص الدينية على مر التاريخ.
o هذا أمر واضح، وأنا أتذكرذلك جيداً...,لكن ماذا عن فهمهم من النصوص الدينية؟
• هم يعلمون جيدا، أنّ أكثر هذه النصوص غير معلومة الصدور، ولا الدلالة، بعد أن كثر فيها الوضع والتحريف....صحيح أنهم قد اجتهدوا في تحصيل آليات وقواعد معرفية، لتنقية النصوص، وفهم معانيها، ونحن ومع احترامنا لهذه القواعد والأصول، ولكنها تبقى آليات اجتهادية ظنية من الناحية العلمية، وقابلة للنقد والتفكيك، فلامعنى لإضفاء القدسية علي أحكامهم وجعلها فوق النقد، وتقديمها على الأحكام العقلية....فأبواب النقد والاجتهاد لم ولن تُغلق إلى يوم القيامة.
o وهذا في نظري، هو الذي أدى إلى تشتت الناس، وانقسامهم إلى ملل ونحل ومذاهب دينية متعددة، وكل واحد فيهم يدعي أنه هو الفرقة الناجية، وبالتالي نشوء الصراعات المذهبية بينهم على مر التاريخ.
• هذا أمر حتمي بالنسبة لطبيعة المنهج النقلي، كما اختلف المؤرخون فيما بينهم حول ثبوت، او نفي، أو تحليل الحوادث التاريخية، بعد اختلافهم في مصادر النقل، ووثاقتها، ومداليلها المفهومة منها في سياقتها المختلفة، بالإضافة إلى اختلاف ثقافات المفسرين، ومقاصدهم، وتوجهاتهم الدينية والمذهبية، والتدخلات السافرة للأنظمة السياسية الانتهازية على مر التاريخ، من أجل أدلجة وتوظيف هذه النصوص لمصالحها السياسية.
o نعم هذا تحليل صحيح، وواضح...وماهي الأسباب الأخرى التي أدت بهم للتنكر للعقل وأحكامه؟
• من أهم الأسباب هو الخشية من أن يؤدي البحث العقلي الحر، والمجرد عن النقل، إلى نتائج تخالف ماوصلوا إليه من اعتقادات، وآراء، آمنوا بها، وألفوها، وبنوا حياتهم الشخصية والاجتماعية على أساسها، وهم غير مستعدين على الاطلاق للتنازل، أو التخلي عنها، وهنا يكمن سر هذا الصراع الطويل والمرير، بين رجال الدين من المتكلمين، والمحدثين، والمفسرين، مع الفلاسفة على مر التاريخ، والذين توصلوا بمنهجهم العقلي المجرد، إلى نتائج مخالفة للكثير من الاعتقادات الدينية المشهورة، مما دعاهم إلى اتهامهم بالكفر والزندقة.
o نعم ..كما فعل ابو حامد الغزالي مع ابن سينا والفارابي.
• نعم، هذا مع كونهما يؤمنان بالله ورسله واليوم الاخر، ولكن حكم بكفرهما لمجرد اختلافهما معه في المنهج، والرؤية الدينية، وبعض المسائل الفلسفية الجزئية التي لاعلاقة لها بأصول الدين من قريب او بعيد، وكذلك فعل فقهاء الشام، مع الفيلسوف العارف الكبير شهاب الدين السهروردي، حيث لم يهنأ لهم بال حتى أجبروا السلطان على قتله، وكذلك فقهاء قرطبة مع الفيلسوف الكبير ابن رشد، فقاموا بتكفيره، وألزموا الحاكم بنفيه مع تلامذته إلى الصحراء، وإحراق كتبه في الميادين العامة، ولم يشفع له عندهم، أنه كان من كبارالفقهاء المجتهدين، وقاضي القضاة المعتمدين.
وهذا نفس مافعله رجال الدين اليهودي مع "اسبينوزا"، ورجال الكنيسة مع الفلاسفة والعلماء في القرون الوسطى.
o هذا أمر مؤسف للغاية.
• بالتأكيد...فهؤلاء الفلاسفة والحكماء في الواقع، هم عقلاء الأمة، ومفاخرها، وبدلا من تكريمهم، وتعظيمهم، قاموا بتكفيرهم، ونبذهم، ونفيهم، وإحراق كتبهم.
ومن هنا نفهم أنّ التطرف الديني الذي نعاني منه الان، ونكتوي بناره في كل زمان ومكان، لم يخرج من فراغ، بل اللاعقلانية الدينية هي التي مهدت له الأرضية، وأضفت عليه المشروعية، فحولوا حياتنا إلى جحيم، مع أن الدين ماجاء إلا رحمة للعالمين.







اخر الافلام

.. #تسلا الأمريكية تكشف عن أول شاحنة كهربائية ومجموعة أخرى من -


.. تخوف لبناني قبل اجتماع القاهرة


.. السلطة الفلسطينية تلوح بتعليق اتصالاتها مع واشنطن




.. اجتماع عربي طارئ.. لبنان واليمن وإيران على الطاولة


.. أهالي الغوطة الشرقية يطالبون بتحرك دولي لفك الحصار عنهم