الحوار المتمدن - موبايل



زمن مفقود وأمل متشظي، كيف يموت الفلسطيني؟

مهند طلال الاخرس

2017 / 11 / 15
الشهداء والمضحين من اجل التحرر والاشتراكية


*زمن مفقود وأمل متشظي، كيف يموت الفلسطيني؟
سؤال إعتيادي لمن يرقب حياة الفلسطيني، وعادة ما يكون الجواب شهيدا شهيدا، ودائما ما يتسع مفهوم الشهيد لدى الفلسطينيين فيشمل بالاضافة لمن يسقط مباشرة في المواجهات مع الاحتلال، او من يسقط بطريقة غير مباشرة، كالاسير والجريح والمبعد والمنفي والمتغرب، حتى أن مفهوم الشهيد لدى الفلسطينيين كريم جدا حيث انه يتسع حتى يصل الى عموم أبناء هذا الشعب.

قديما أخبرونا بأنه لا تموت اليرقات المضيئة إلا بعد أن تنير لنا الطريق، ومنذ القدم عرفنا أن الموت سنة الحياة وتلك سنة الله في خلقه "وتلك الايام نداولها بين الناس" "ولولا دفع الناس بعضهم لبعض لفسدت الارض". ورغم هذا الموروث لدينا؛ إلا أن العين تدمع والقلب يحزن على فراق الاحبة ،حتى إن الحزن صار قرينا لنا ولشدة قربه منا ولعظم ما أبتلينا أصبحنا نحزن بأثر رجعي !؟

تصور أنك شابا في مقتبل العمر تقرأ موضوعا عن معين بسيسو مثلا، وتمضي وقتا كبيرا غارقا بتفاصيل حياته اليومية المقاومة وتتابع عطائآته وتقرأ إبداعاته وتعيش تفاصيلها إبتداء من ديوان المعركة وما تبعه من أعمال مسرحية وأعمال نثرية وصولا الى موته لتتفاجأ أنه مات وحيدا!؟ تتسائل كيف ذلك؟ فالفلسطيني انسان بوصفه وإجتماعي بطبعه فكيف يستقيم ذلك!؟

تبكي على معين لأنك أحببته؛ ففيه الشاعر والثائر والمقاتل وكل ما يحب أن يرى الفلسطيني في أيقوناته، وتبكيه لأنك فقدته، وتبكي عليه لأنه مضى ولن يعود، وتزيده سخاء في البكاء لأنه مضى وحيدا وتم اكتشاف موته بعد اربعة عشرة ساعة من مغادرته الحياة!.

تخاصم كل أقران معين على فعلتهم وتلعنهم وتسبهم وتملء وجوهههم آهات وحسرات، ثم تعود إليهم معتذرا بعد أن تعلم أنه مات وحيدا وغريبا، لكن؛ خارج الوطن! يبرد غضبك ما أن تعلم أنه مات خارج الوطن، فتلك عادة خبرناها في تلك المجتمعات الغربية، فتلك مجتمعات إسم على مسمى، فلا بأس إن تقمصنا طرقهم في الموت حتى وإن كنا فلسطينيين، فالأهم أننا نختلف معهم في طرق الحياة، فنحن نحب الحياة ما إستطعنا إليها سبيلا.

بعد أن تسوغ كل تلك المبررات لقبول فكرة أن يموت الفلسطيني وحيدا على خلاف طبعه، يصعقك خبر موت شاب فلسطيني في مقتبل العمر، ارهقه قلبه من فرط الوحدة والغربة في داخل الوطن.

اختار معاذ الحاج أن يجمعنا ليقرع الجرس كما قال ارنستوا همنغوي او ليدق جدار الخزان كما قال غسان كنفاني، لكن أي جرس وأي جدار يريد أن يقرع معاذ.
أراد أن يقرع جدار الوحدة والغربة داخل حدود الوطن. أراد أن يذكرنا بأن أحلامنا لم تعد لنا، فلقد سرق المستقبل. أراد أن يذكرنا بأنا لسنا ملائكة وأننا قد نموت وحيدين حتى في الوطن.

معاذ يتيم الابوين وحيد البيت غريب الوطن صارع الكون بإبداعه لعله يطفي شيئا من الشوق لمن رحلوا ومن غابوا فكتب فوق جدار شباكه المطل دوما على القمر:"كل ما اشتقلك بقطف من السما نجمة، وعقد ما اشتقتلك صارت السما عتمة".

معاذ الحاج رسّام كاريكاتير فلسطينيّ من غزّة. يبلغ من العمر 31 عامًا. درس إدارة الأعمال في الجامعة الإسلاميّة. أطلق مجموعة رسومات أسماها الأمل المتشظّي ، وهي تحاكي هموم وآمال شابًّا فلسطينيًّا يعيش تحت الحصار في قطاع غزّة. توفّي معاذ يوم 24/8/2017 في غرفته وحيدًا، تلك الغرفة التي كانت وطنه الصغير لم تتسع لأحلامه فكتب ورسم عنها اكثر مما تتسع حتى ضاقت جنباتها بما كتب عن ألم الوحدة والغربة حتى أنه قلبه لم يحتمل فاختار أن يرحل حتى لو خالف كل عادات الشعب الفلسطيني في الرحيل، لكن ليس من عادات هذا الشعب أن يموت الانسان وحيدا أو غريبا في وطنه؛ حاولت عاداتنا أن تستوقفه عن مراده؛ فابتسم لوطنيتها ولوفائها لأبنائها، لكنه استعجل الرحيل وعلت وجنتيه دمعتين ووردة، كان موضع الخلاف الذي أخر الرحيل قد وقع عند مجيء الكهرباء لتنير ضمير حكام غزة لسويعات، حينها، وحينها فقط قض معاذ الحاج مضاجع الجميع:
"وقت النوم بخاف أطفي الضو.. مش جبان.. بس يمكن الضو المعلق بالسقف هو الضو الوحيد الباقي بهالعمر".

وهذا ما كان فعلا. لعل هذا الضوء هو مسمار معاذ الذي أبقاه بيننا، لعلنا نبني ما هدمناه عندما كان بيننا. كي لا يكتوي بنار الوحدة والغربة داخل حدود الوطن أحد مثلما إكتوى وهو بيننا.
لعل روحه تحرضنا على فتح ابواب قلوبنا اولا ثم ننجح في فتح معابر القطاع، لعلنا نستعيد ما تبقى من الامل قبل أن يغادر القطاع.

"تذكرونا .. نحن أيضاً قد عشنا، أحبننا وضحكنا" .. عبارة كتبها معاذ الحاج وكأنه شعر بدنو أجله ومنها إشتق الامل مبتغاه وخطها على جدران المقبرة.

في غزة تلك المدينة المحاصرة العامرة بالتاريخ والحاضرة بالجغرافيا حيث مات معاذ، كل يوم هناك تفصيل يدعوك إلى الموت؛ ليس فقط الفقر وصواريخ الحرب، ليس لأنه لا توجد كهرباء ولا يوجد سفر، بل لأنها الحياة دون أمل، حتى أن معبرها لا يفتح إلا ليخرج منه ما تبقى من أمل.
ذلك الامل هو نفسه الذي توسم فيه معاذ الخير قبل ان يسلم الروح، ذلك الامل نفسه من إستئمنه معاذ على آخر وصاياه وهو يستعجل الرحيل:
"تذكرونا .. نحن أيضاً قد عشنا، أحبننا وضحكنا" .

في ذكراه وبعد أن إفتقده الاهل والاصدقاء لمدة يومين فارتابوا للأمر فبحثوا عنه إبتداء من بيته حيث يقيم وجدوه على فراشه كأنه نائم لتوه، يتوسد يده كعادة كل الشعب الفلسطيني عند النوم؛ فتلك عادة أدمنها الشعب الفلسطيني منذ ان حلت به النكبة. حدث وان سألت ذات يوم جدتي عن تلك العادة بحضور جدي، تدثر جدي بفروته واتكأ على جنبه وتوسد يده وكأنه موضوع حديثنا، قطعت سؤالي الاول بسؤال جديد ، ما بال جدي؟ أجابتني الجده: دعه، إنه يجمع الذكريات.







اخر الافلام

.. لو غاوى عملة .. إعرف سعر جنيه الزعيم جمال عبد الناصر


.. الفصائل الفلسطينية تبدأ اجتماعاتها في القاهرة لبحث سبل تطبيق


.. لقاء مهند دليقان رئيس وفد منصة موسكو على قناة الغد 20 / 11 /




.. ما الاختلاف بين منصات المعارضة حول مصير الرئيس؟


.. ماذا قال د.قدري جميل حول مصير الرئيس السوري؟