الحوار المتمدن - موبايل



توفيق صايغ شاعر قصيدة النثر الرائد

شكيب كاظم

2017 / 11 / 17
الادب والفن


حياة مكتظة بالخيبات، وميتة معلقة بين الارض والسماء

هذا شاعر أُعْجِبتُ به، منذ ان تعرفت على اولى قصائده، منتصف الستينات، هذا لا يعني انه بدأ كتابة الشعر المنثور في ذلك الوقت، بل هو كتبه اواخر الاربعينات من القرن العشرين، منذ ان اُجبروا على ترك ديار الاهل ومغادرتها.
وهذا شاعر، إزددت به اعجاباً، يوم أنتج لنا كتابه السِيَري المهم (أضواء جديدة على جبران) طبعته ونشرته الدار الشرقية للطباعة والنشر، بيروت في شهر تشرين الاول/ اكتوبر1966، والذي امضى وقتا طويلاً، في قراءة الرسائل المتبادلة بين جبران والأمرأة الامريكية التي تعهدته بالعناية والرعاية، ماري هاسكل، التي اهدى جبران اكثر من كتاب من كتبه إليها وكان يرمز إليها بالحروف M.E.H، ففي اهدائه لروايته الرائدة الجميلة (الاجنحة المتكسرة)، الذي جاء على هذه الصيغة (الى التي تحدق الى الشمس باجفان جامدة، وتقبض على النار بأصابع غير مرتعشة، وتسمع نغمة الروح الكلي من وراء ضجيج العميان وصراخهم، الى، M.E.H أرفع هذا الكتاب. جبران.
ولنتوقف ملياً عند عبارة(أرفع) إنه اعتراف بفضلها المادي والمعنوي عليه.
في حين يأتي اهداؤه لها كتابه (دمعة وابتسامة) هكذا: الى M.E.H أقدم هذا الكتاب، وهو أول نسمة من عاصفة حياتي، الى الروح النبيلة التي تحب النسمات وتسير مع العواطف. جبران.
لم يدرس الشاعر توفيق صايغ (1923-1971) الرسائل، وينشر مقتطفات منها، بل غاص في خفايا النصوص، ليطلع على الكثير من المخفي في حياة جبران، والمسكوت عنه من نوازعه واهوائه وتقلباته ومبالغاته، ان لم اقل اكاذيبه، فضلاً على موقفه من المرأة جسداً، لا روحاً، لذا اطلق قولته او صرخته: لا أريد نساءً في حياتي!! في وجه عديد النساء ممن كن يحمن حوله في بوسطن او باريس حيث ذهب لدراسة الفن، او في نيويورك.
لكنه ظل يرتبط برباط روحي غير جسدي، وكيف يكون جسدياً والوف الاميال تفصل بينهما: جبران و ماري الياس زخور زيادة، فأكتفى بالرسائل المتبادلة وشيجةً روحيةً بينهما، ولعل هذا العجز عن التفاعل الجسدي مع مي زيادة، هو الذي سبب لها تلك الازمة النفسية والعقلية التي دخلت على اثرها، او أدْخلتْ عنوةً الى مستشفى العصفورية، مستشفى الامراض العقلية في بيروت بداية الاربعينات، وادت بها -بعد تحسن لبعض الوقت- الى تلك الميتة المأساوية في التاسع عشر من شهر تشرين الاول 1941.
وهذا شاعر تعاطفت ُمعه تعاطفاً كبيراً، وهو يكتب شعراً يقطر ألماً وأنيناً، وينضح شوقاً الى الديار التي اقتلع منها، وترك شأنه، شأن مئات الالوف من الفلسطينيين، يواجه المصير المظلم المعتم في الشتات، وظل يناغي ارض الاباء والاجداد ويناجي.
لقد ترك الاقتلاع الصهيوني لهم عام 1948، ظلالاً قاتمة على حياته ونتاجه الابداعي الشعري، وكان سبباً في القتامة التي لفت حياته، وحتى العاطفي منها، فهو لم يستسغ الحياة، بعد الاقتلاع، لذا فأنه لم يوفق حتى في حياته العاطفية مع تلك الفتاة الأنكليزية التي تعرف عليها عام 1957، يتيمة الابوين من كامبردج، وكانت تعيش في لندن، وارتبط بها بعلاقة جسدية وانجبت منه طفلة، ما لبثت – بعد إنفصالهما - ان اودعتها في ميتم فألمه ذلك كثيراً، أذ مَنْ من الناس يحتمل ايداع طفلته في مبرة او ميتم وهو على قيد الحياة؟!!
هذه الامرأة التي شاء توفيق صايغ، أن لا يُعَرََّفها لقراء شعره، بل اطلق عليها حرفاً هو (K)(ك) وكتب فيها قصيدته الموسومة بـ(القصيدة ك) عام 1960، فضلاً على نصوص من قصيدته الطويلة التي اسماها (معلقة توفيق صايغ) الصادرة عام 1963.
توفيق صايغ متكتم في علاقاته فهو يهدي كتابه (اضواء جديدة على جبران) الى د.ج. لأني لم اقدم لها شعراً. ليس لي الان فضة ولا ذهب ولكن الذي لي فأياه أُعطي.
ولانه لم يعرفنا على اسم تلك الفتاة الانكليزية التي رمز لها بالحرف(K) فأصبح من اُلمسلَّم به ان لا نعرف اسم تلك الفتاة التي زاملته في الجامعة الامريكية، ويبدو انها فتاة عربية، التي تذكر له في احدى رسائلها اليه: (حبنا سيبقى حباً لم ولن يعرفه البشر، حبنا سماوي، بعيداً عن شرور المادة وآثامها).
لكنها تفصح عن جرأة واندفاع في رسالة ثانية: ( إنك رجل ولجسدك متطلبات غير متطلبات المرأة، بحاجة الى تفريغ(...) اعلم كل ذلك. أتعتقد اني كنت اضن عليك بهذا الشيء لو كان باستطاعتي ذلك؟!! إنني محاطة بوحوش كاسرة من ابناء عمي يعيشون على النظام الاقطاعي لا يتورعون عن شيء)!! ص46 من الكتاب.
ويصف جبرا ابراهيم جبرا العلاقة بين توفيق صايغ والفتاة (K) في كتابه (النار والجوهر) كما يقتبس الباحث عباس اليوسفي: كانت كاي تغويه وتعذبه معاً، وتتقن كلا الفنين وتتمتع بهما. ما رأيته في لندن في اواخر الخمسينيات، إلا وهو في تباريح غريبة من هذه الفتاة، وهي فنانة تقيم في لندن. تتشبث به وتغار عليه، وتعقد عليه لذة الحب بلذائذ قسوتها السادية، لا يستطيع منها فكاكاً تغار عليه حتى من اصدقائه، فلا تريده ان يراهم، ولا تريد هي ان تراهم، اسماء صحبه لديها تعاويذ شريرة، يأتيني منهكاً شاحب الوجه، محروم النوم، مهووساً برعب هذا الحب اللذيذ المرير..) ص48.ص49
هو شاعر، احزنني كثيراً مصيره المأساوي، كلنا سنواجه موتنا، لكن توفيق صايغ واجه موته بصورة قد لا تخطر على بال، مع ان الموت لا يعرف بالاً ولا غير بال، فهو بسبب حياته العاطفية والمأساوية، بعد ان فقد الارض والوطن، ظل يجوب الافاق والدنيا، فعمل في جامعات بريطانية والولايات المتحدة، ففي مدينة نيويورك المعروفة بناطحات سحابها، كان زائر الموت يتربص متخفياً في احد المصاعد، لقد فارق توفيق صايغ الحياة في مصعد من مصاعد احدى عماراتها.
ترى هل هناك ميتة مثل هذه الميتة؟!!
شاعر ازددت احتراما له وتقديرا بعد ان علمت انه شقيق الدكتور انيس صايغ، الذي عمل في السبعينات مديرا لمركز الابحاث في منظمة التحرير الفلسطينية، بيروت الذي كان خلية نحل ثقافية وسياسية ومعرفية، وقدم للثقافة العربية والانسانية عديد البحوث والدراسات والمجلات والدوريات، لعل من أمْثَلِها في ذهني واقربها الى روحي مجلة (شؤون فلسطينية)، وما زال في الذاكرة عددها الاستذكاري الخاص بغسان كنفاني، الذي اصدرته تخليدا لذكرى اغتياله نهار السبت الثامن من تموز/ 1972 في بيروت، فضلا على اهتمام المركز بنشر الاعمال الكاملة للاديب والسياسي الشهيد غسان كنفاني.
لكن الدكتور انيس صايغ، اصيب بأذى كبير في وجهه وعينيه، اثر تسلمه رسالة ملغومة، وهذا لون من الوان الارهاب الصهيوني ضد العقول الفلسطينية والكفاءات الاكاديمية، والعناصر المؤثرة في مسيرة الشعب الفلسطيني وهو لون ارهابي ابتكره الموساد الصهيوني في العقد السبعيني الفارط، اذ ينفجر الطَرْد الملغوم بوجه من يفض غلافه الورقي.
لذا سعدت كثيرا، وانا اطالع الكتاب الجميل للاديب الباحث الاستاذ عباس (عبد الله لفتة) اليوسفي الذي اصدرته دار الشؤون الثقافية العامة ببغداد عام 2009، في ضمن سلسلتها الجادة (رسائل جامعية) والموسوم بـ(شعر توفيق صايغ، دراسة فنية).
هناك الكثير من الناس من يأتيهم المجد وذيوع الذكر والاسم، في حين هناك من يبخل الزمان عليهم بجزء من ما نعم به مجايلوهم وزملاؤهم، وانا اعزو هذا الى الحظ وزوايا البرج الذي يعيش الفرد في كنفه وخلو المسار، ساعة الولادة ودق رأس الوليد للارض، اي الزمان والمكان، والويل لمن دق رأسه الارض عند المولد، والدنيا يشع عليها كوكب المريخ ويطل، فسيحيا معذبا مهموما، تفوته الفرص، ويسبقه ويتقدم عليه اناس كان شوطهم وراء خطواته اذ يمشي على مَهَلِ كما قال الطغرائي، في لاميته الرائعة، ولعل توفيق صايغ من هذا النوع البشري، فهو لم يحظ باهتمام النقد والنقاد، في حين حظي زملاؤه: ادونيس وأنسي الحاج ويوسف الخال وفؤاد رفقه ونذير العظمة ومحمد الماغوط وخالدة سعيد والى حد ما شوقي ابو شقرا وعصام محفوظ، وانطوان غطاس كرم من شعراء قصيدة النثر بذيوع الذكر وبقاء الاثر، في حين صَدَف عنه الدارسون.
كما ان المجلة المهمة التي اصدرها (حوار) واجهت التهم، ونحن مولعون باطلاق التهم من دون تثبت، شأنها شأن مجلة (شعر) التي اصدرها يوسف الخال وأنسي الحاج وادونيس، لم تستمر (حوار) التي كنت احصل على اعداد متفرقة منها (1962-1967) اذ ما لبثت ان توقفت بعد كارثة الخامس من حزيران/1967، وكذلك توقفت مجلة (شعر) الرائعة 1964، لذا تفاعلت كثيرا مع هذا الجهد الذي بذله الاديب الباحث عباس اليوسفي وهو يدرس شعر توفيق صايغ دراسة فنية رائدة، وانا اراها رائدة في الدرس، دراسة شعره فنيا، فعدا شذرات ومقالات قليلة كتبها الاديب الفلسطيني الذي امضى جُلَّ عمره في العراق، لكنه اساء للعراق كثيرا في اكثر من رواية - وقد اعود لهذا الموضوع يوما – جبرا ابراهيم جبرا والاديب والناشر رياض نجيب الريس والكاتبة سلمى الخضرا الجيوسي والدكتور عيسى بلاطة والشاعر خليل الخوري، والاديبة ارواد طربية، وشذرات متفرقة، ذاكرة له ومنوهة به من لدن شكيب كاظم، فليست هناك دراسة معمقة، تناولت ادبه وشعره وترجماته، ويبقى نثره الشعري او شعره النثري، هو المعول عليه في دراسته، لذا جاءت هذه الدراسة الاكاديمية التي جاد بها الباحث العراقي عباس اليوسفي لتعيد حقا ظل مغموطا لهذا الشاعر مرهف الحس.
كما انها محاولة جادة لاعادة توفيق صايغ لاخذ موقعه في حركة القصيدة النثرية وليكون في الواجهة منها.
لي اكثر من ملاحظة على هذا العمل الاكاديمي الجاد:
قال الباحث عباس اليوسفي: ((ومن اسهاماته النقدية المهمة، كتابه النقدي المشهور (اضواء جديدة على ادب جبران) عام 1966 الذي بناه على (7000) صفحة من الرسائل التي تبادلها جبران خليل جبران مع الامريكية (ماري هاسكل) ومن مذكرات هاسكل مدة 23 سنة)) ص7.
اقول: لم يرد اسم الكتاب على الوجه الصحيح فصحة اسمه هو (اضواء جديدة على جبران) كما انه ليس كتابا نقديا بل كتاب في ادب الرسائل التي تنهل من السيرة الذاتية لجبران وماري هاسكل وتقترب منها، والكتاب حزمة ضوء على الغاطس من حياة جبران وخاصة في المجال العاطفي وعلاقته بالمرأة، وانه لم يكن يملك ما يشبع الرجل به المرأة جنسيا اذ خَلَتْ حياته من اي ذكر لهذه العلاقة، ولن اطيل في هذا الموضوع ولكن انقل ما ذكره يوسف الحويك في كتابه (ذكرياتي مع جبران) الصادر في بيروت يصوره طوال اقامته في باريس وهو في عنفوان شبابه، متزنا منسجما مترويا في علاقته بالمرأة!! ايعقل هذا من شاب في ذروة شبابه، وفي باريس؟ ان لم يكن معطوبا جنسيا وعاجزا كما ان الدكتور جميل جبر الذي اختص بدراسة مي زيادة وجبران كذلك يذكر نقلا عن يوسف الحويك ان احدى الموديلات التي كان يستأجرها الحويك وجبران معا لغرض الرسم كانت (تثور غالبا على برودة جبران العاطفية نحوها فتردد في اذن الحويك: ان صاحبك لعاجز لا خير فيه)!!
كما انه في احدى رسائله لماري سنة 1909 يقول لها: انه يهرب هربا من كافة الاشياء التي يجد الرجال والنساء لذة فيها وانه متعب من كل الاكاذيب الخارقة التي يسميها الناس لذّات!!
كما انه يؤكد براءته الجنسية ويفسرها في رسالة كتبها عام 1922 يقول: عندما تقوم علاقة جنسية فأن حرية ما تضيع (....) هذا سبب من الاسباب التي تجعلني بدون اية علاقة جنسية مع امرأة ما وتجعل من المحتمل اني لن اخوض مثل هذه العلاقة في المستقبل)).
اما قضية السبعة الاف صفحة من الرسائل التي ذكرها الباحث اليوسفي فاود - للدقة – توضيح امرها راجعا الى ما ذكره توفيق صايغ في كتابه آنف الذكر، الذي يقول: (ان الرسائل اكثر عددا مما خيل الي فهي تضم 325 رسالة من جبران الى ماري هاسكل وزهاء 300 رسالة من ماري هاسكل الى جبران وجدتها ماري ما بين اوراقه في محترفه بعد وفاته، وتتراوح في تأريخها ما بين 1908 و1931 (...) لكن مفاجأة اخرى كانت تنتظرني فقد ذكر لي القيم على المكتبة (اي مكتبة جامعة نورث كارولينا) ان هذه الرسائل انما هي جزء من الاوراق في حيازته لا كلها، وان ماري هاسكل اودعت عام 1953 في المكتبة، الى جانب هذه الرسائل كميات هائلة من الاوراق والمخطوطات، والوثائق المتعلقة بحياتها، ولعل اهم ما في هذه الاوراق هو مذكرات ماري ويومياتها (....) وصور فوتوغرافية، وقصاصات (...) وصور فوتوغرافية لميشلين ومراسلات مع مريانا (شقيقة جبران) ومع بربارة يونغ مؤلفة كتاب (هذا الرجل من لبنان) ومع شارلوت تلر التي كانت صديقة لماري ولجبران (...) مادة ضخمة (...) علي ان اقرأها وادرسها واقارن بينها واقدمها، لم يكن في الواقع ينقص الا صفحات معدودات عن السبعة الاف صفحة) ص11 – ص12.
كما اني وجدت الباحث عباس اليوسفي في ثبت المصادر والمراجع ينسب الى دار الواح/ بيروت نشرها كتاب (اضواء جديدة على ادب جبران) والدقة تقتضي منا ان ننص على الاسم الصحيح للكتاب (اضواء جديدة على جبران) طبعته ونشرته الدار الشرقية للطباعة والنشر – بيروت – لبنان في تشرين الاول (اكتوبر) عام 1966 بالاتفاق مع مجلة (حوار) وليست دار الواح.







اخر الافلام

.. فنانون سوريون يحولون -أنفاق الموت- في جوبر إلى أعمال فنية


.. ثقافة العيب تمنع إحصاء مرضى الزهايمر في فلسطين


.. مزاد في لندن لتذكارات مأخوذة من أهم الأفلام في السنوات الأرب




.. المغرب: موسيقى -العيطة- مع إيقاعات غربية في مهرجان الجاز بال


.. مهرجان الجونة السينمائي بمشاركة نجوم عالميين