الحوار المتمدن - موبايل



دعونا نفهم فكرة الإله

حكمت حمزة

2017 / 12 / 5
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني


"لست بحاجة إلى الايمان بوجود إله، بقدر ما أنت بحاجة لفهم فكرة الإله نفسه" تلك المقولة خطرت ببالي فجأة، قفزت من بين تلافيف مخي لتتربع عرش هذه السطور.
مما لا شك فيه أن القرن الحادي والعشرين، مستهل الألفية الثالثة، هو شيء مختلف بشكل جذري عن كل القرون السابقة، بكل تفاصيله الصغيرة والكبيرة، سواء كانت في الشكل أو في المضمون. ونتيجة التطور التكنولوجي، ووسائل الاتصال والتواصل، بتنا نرى كل شيء تقريبا على شاشات التليفزيونات والجوالات والحواسيب.
كل شيء تغير، والأهم من هذا أن العقول والنفوس البشرية تمتلك القدرة على التمدد والالتفاف لاستيعاب هذا المد الحضاري، فترى البشر بدأوا بالتكيف و التأقلم مع مجريات العصر، وتم إسقاط الحداثة على مختلف الأنشطة البشرية.
يعتبر الدين و أتباعه المتشددون، أو بعبارة أخرى المتمسكون بالرمق الأخير منه، أحد الأمور النادرة التي لم ولن تقبل هذا التطور إلا بوجود الإله، وبالرغم من كل هذا التطور، الذي أدى بنا إلى الاستغناء عن فكرة الاله كتفسير وسبب للأحداث، في معظم أمورنا الحياتية، إلا أن هناك ثلة من الأصوليين الذين لا زالوا صامدين بوجه هذا السيل العلمي الجارف.
تبدأ المشكلة من التصور الذي يتم تداوله في الأوساط الثقافية عن الإله، ولا بد أن الكثيرين ممن هم رواد شبكات التواصل الاجتماعي، قرأوا وشاهدوا وسمعوا الكثير من المنشورات و مقاطع الفيديو التي تتحدث عن الإله، وتبدأ في رصف وتنميق ما يسمونه بالأدلة العقلية على وجود إله، ابتداء من أن النظام الذي نلاحظه في الأرض والكون، يستحيل أن يأتي من عشوائية، وصولا إلى الجملة الشهيرة التي تصيبني بالغثيان (البعرة تدل على البعير)، وانتهاءً بصانع الكأس.
دعونا نفرد الأوراق كلها و (ع المكشوف) كما يقال، بالنسبة للمؤمنين فإن النقاش حول إثبات وجود الاله بشكل أساسي يدور حول احتمالين اثنين، الأول وجود كيان عاقل صنع هذا الكون، والآخر (المرفوض لديهم) ألا وهو العشوائية، أو الصدفة كما يسميها البعض.
يفترض المؤمنون بالديانات الابراهيمية، بأن الإله الإبراهيمي خلق الكون من العدم، وتورد المعاجم معنى كلمة خلق بأنه (أوجد من العدم، أنشأ، صنع، ابتكر...الخ) وهنا نحن أمام خيارين، إما أن الله أوجد الكون من لا شيء، أو أنه كان لديه شيء وحوله إلى شيء آخر.
فإن كان الله أوجد الكون من العدم، سيحدث لكل ذي لب رشيد، اضطراب فكري عند سماع هذه الجملة، وبما أن أفضل من عرف اللا شيء قال عنه أنه يساوي اللا شيء، فهذا يضعنا في حيرة كبيرة، لأننا أمام كيان مجهول أوجد شيئا من لا شيء مجهول، على الرغم من أننا نتوخى العلم قليلا ونبقى في المسار العقلي، إلا أن الفكرة نفسها لا زالت غير قابلة للهضم ولا بأي شكل من الأشكال. وسنكمل مناقشة هذه الفكرة لاحقا.
وإذا كان الله قام بتحويل شيء ما إلى الكون الحالي الذي نحن عليه، ودون التدقيق على ماهية هذا الشيء سواء كانت مادية أو طاقية، سنتوقف لحظات لنسأل نفسنا عن تواجد هذين الشيئين معا، فمن هو الأقدم يا ترى، الله الذي صنع، أم الشيء الذي صنع الله منه، و بذلك يكون لدينا احتمالية 50% أن يكون هناك شيء قبل الله، وبالتالي نسف لأحد أهم مبادئ الديانات، وهو أن الله أزلي، لا شيء قبله، وهو الأصل لكل ما نحن عليه.
السؤال الثاني ضمن هذا المجال، وهو الحيز الذي يحتاجه الله لصناعة الكون، فعندما تصنع أي شيء، تحتاج إلى حيز أو فراغ كي يتوضع فيه المصنوع، وقد يكون هذا الحيز هو نفس المادة التي صنع منها الله الكون، أو شيء آخر سنفرده في الفقرة التالية.
إذا استثنينا فكرة خلق الله للكون من العدم، يكون لدينا الاحتمالات التالية:
- إن الله خلق الكون من مادة كانت موجودة، هي نفسها الحيز من المكان المطلوب لبدأ نشأة الكون، وبالتالي نحن أمام موجودين عند بداية الكون، الله والمادة.
- الله خلق الكون من مادة، ووضعها في حيز منفصل في وجوده عن المادة المستخدمة، وهنا يصبح لدينا ثلاث موجودات عند بداية نشأة الكون: الله والمادة والحيز.
- الله خلقنا من ذاته، بمعنى أننا داخل الله وأننا جزء من الله، بذلك يمكن لله أن يتجنب التساؤلات والتهم المنسوبة إليه عن بداية الكون، ولا داعي للدخول في تلك المتاهة، فنحن جزء لا يتجزأ من الله، ببساطة الكون نفسه هو الله.
بالنسبة للاحتمال الأول والثاني، كلاهما متشابهان من حيث المبدأ والتفنيد، إذ أن الله هنا احتاج غلى وجوود مادة ومكان لوضع نتاج صنعه، وبالتالي هناك نقص في قدرة الله على الاستغناء عن المكان، والمادة، أساسيات الوجود بشكل عام، وإذا أضفنا إلى ما سبق، احتمالية وجود تلك الأشياء قبل الله، سنصل إلى نتيجتين، إما أن إلها كهذا ممتنع الوجود، أو أن كل ما وصلنا عن الله عبر الأديان خاطئ، إذ أن الله وفقا لهذه الاحتمالات لا يتعدى كونه حرفيا ماهرا، قام بتحويل مادة أولية إلى الشكل الحالي، وبالتالي انتهى دوره بانتهاء الخلق، غذ أننا لا نلاحظ وجود أشياء جديدة، أو كائنات جديدة على المستوى الأرضي، وكل ما يحدث هو نتاج لعملية الانتخاب الطبيعي، والذي بدوره ينتقص من صفات الاله الموسومة بالديمومة، لأن وظيفة الله كحرفي انتهت، وبالتالي ما من داع لوجوده بيننا وتداوله في الأسواق.
و الاحتمال الثالث يشكل أعجب العجائب، فنحن داخل الله، القبور والبيوت والمنازل والبراكين والأسواق والبحار داخل الله، حتى الجنة والنار التي يتشدق بها المؤمنون داخل الله، فهل في هذه الأقوال شيء من المنطقية؟
لنتخيل أننا داخل الله، كيف سيقوم هذا الإله بإرسال جزء منه (جبرائيل) إلى جزء آخر منه ( أحد الأنبياء)، يخبره بأن يوصل رسالته إلى باقي أجزاء الإله نفسه ليعبدوه !! لعمري إنها متاهة يستحيل الخروج منها.
ثم إذا كنا جزءا من الله، كيف نعبد الله، هل أعبد نفسي، أم حاسوبي، أم الشمس، القمر، الهواء، الماء؟ أشياء محيرة تجعلك ترتطم بجدران منزلك كلما هممت بالقيام. ثم أنني أتساءل عن ذاك الجزء من الله الذي يرسل الملاك إلى الأنبياء، هل هناك جزء محدد من الله يقوم بهذه المهم أم أن جميع الأجزاء تقوم بهذا....وبالاستمرار ضمن هذا التفكير سنجد أن فكرة إله كهذا ممتنعة الوجود، أو أن أوصاف الأديان عن الله باطلة، مما يعني بطلان معظم تعاليمها.
نعود لفكرة أن الله خلق الكون من العدم، رغم ما تحويه هذه الجملة من تناقضات ومغالطات، نجد المؤمنين يصدقونها دون أدنى شك، لا يعرفون شيئا عن الله، ولا عن كيفية الخلق، ويجادلون البشرية في صحة هذا الكلام، وأتحدى كل المؤمنين أن يشرحوا لي عبر كتبهم السماوية ويقنعوني بكيفية الخلق هذه.
الاجابة تكون كالمعتاد، كما أسلفنا سابقا، انظر إلى عظمة هذا الكون والشمس و الكواكب والدقة في تصميم هذا الكون، كل تلك الأشياء لا يمكن أن تأتي بها الصدفة أو العشوائية.
ومن دخل في سلك المناقشات (الإيمانو-إلحادية)، يعلمون أن المؤمنين يكررون كلمة صدفة وعشوائية أكثر مما يتنفسون، ولست أدري إن كان قولهم لهاتين الكلمتين ينم عن علم بهما أم جهل، وإن كانت كفة الجهل بهما هي الراجحة.
فكما يقول الأستاذ سامي لبيب في مقالته بأن العشوائية هي جهل بالاحتمالية، أي أننا نطلق مصطلح عشوائية على أمر نجهل كيفية واحتمالية حدوثه، بسبب تعدد البارامترات المؤثرة فيه. كثير من الأمور كانت عشوائية في الماضي، بسبب جهلنا بها، وعدم قدرتنا على التنبؤ بحدوثها وإمكانيتهن ولكن مع الزمن، وبفضل تقدم العلم، اصبحنا قادرين على توقع الكثير من الأحداث، كالمناخ ومواعيد هطول الأمطار، ثوران البراكين، الزلازل...الخ من الأمور والظواهر.
نتيجة لجهل الانسان بتقلبات ومجريات الأحداث والطبيعة، وجدت فكرة ما يسمى بـ (إله الفجوات)، أي أن الاله هو سبب كل شيء مجهول السبب. بيد أننا اليوم، استبعدنا فكرة الإله بشكل شبه كلي من التفاسير العلمية، وباستخدام الباراسيموني (موس أوكام)، نجد أن فرضية الإله فرضية ضعيفة، بسبب أنها تقبل عددا لانهائيا من الاحتمالات، ولا يوجد لها نسق معين نستطيع عبره توقع ماذا سيحدث، أي أن الله يعتبر قمة في العشوائية، رغم ذلك لا زال الكثير منهم يؤمنون به ويتقبلونه (على عيوبه)، ويأتي المؤمن لينفي العشوائية ويحيدها، رغم أن إلهه سيد العشوائية، فسبحان العقل!!
عزيزي المؤمن، أنت ترى العشوائية شيئا غير منظم، غير قادر على الاتيان بشيء مفيد، لكنك تنسى أنك أنت من يعطي للأشياء قيمتها الحقيقية وليس الأِشياء نفسها، فالإنسان هو من اخترع الأبجدية، واستخدم تلك الحروف في تشكيل الملايين من الكلمات والمصطلحات والعبارات. أنت من تضفي صفة النظام على الأشياء، بينما هي في الواقع غير منتظمة. ولو افترضنا أنك استطعت السفر إلى خارج حدود الكون، واتخذت وضعية المراقب من زاوية أخرى، لاختلفت نظرتك كليا للأمور.
على سبيل المثال، لو وجدت حياة أخرى في مكان آخر على سطح هذا الكون، فمن المؤكد أن الظروف في ذاك المكان ملائمة لنوع الحياة الموجودة فيه، سواء كانت الخلايا كربونية أو غير كربونية، وهذا يقودنا إلى استنتاج مهم: تتواجد الحياة (باختلاف طبيعتها) متى توافرت الشروط الملائمة لها، أي أن الظروف هي اللاعب الأساسي في هذه الساحة، أما إذا انعدمت الحياة في أجزاء الكون الأخرى، ذلك يعني أن الكون في قمة العشوائية، لأن شيئا ضخما جدا وكبيرا مثل الكون، لا يحتوي حياة إلا في هذه البقعة الصغيرة المسماة الكرة الأرضية، والتي تعتبر كائنا مجهريا بالنسبة للكون، فذلك
يعني أن الحياة على الأرض ليست سوى أحد الاحتمالات اللامتناهية لنتائج الوجود في هذا الكون، ولا حكمة من القول بأن الله ترك كل هذا الكون الشاسع ليضع كل ثقله وقدرته في هذه البقعة الأرضية الصغيرة، لأن ذلك سيكون عبثية من الإله نفسه .
وفي النهاية، الانسان هو من اخترع فكرة الإله وزينها وزركشها وأصبغ عليها من الصفات والقدرات ما يحلم الانسان نفسه أن يكون عليه. من هذا المبدأ يمكنني تكرار الجملة التي قلتها في البداية: لا حاجة لك بالإيمان بإله، بقدر حاجتك لفهم فكرة هذا الإله نفسه، فقبل أن تتحمس وتحاول إقناعنا بوجوده، اذهب أنت وحاول فهمه جيدا.







التعليقات


1 - مقال رائع وفارس جديد فى ميدان التنوير
سامى لبيب ( 2017 / 12 / 5 - 11:31 )
تحياتى أستاذ حكمت حمزة
رائع فى كتاباتك فقد تناولت فى مقالاتى أجزاء قريبة مما طرحته حضرتك لأرى أن طرحك وتقديمك وصياغتك لها أكثر سهولة ويسر .
لا يسعنى سوى القول .. نطلب منك المزيد من هذا الطرح المنطقى السلسل.
سلامى


2 - تحية للأستاذ القدير سامي لبيب
حكمت حمزة ( 2017 / 12 / 5 - 12:46 )
تحية لك أستاذ سامي لبيب...شرف كبير لي أن ينال المقال إعجابك...كما يسعدني وأفتخر بأن قراءتي لمقالتك (نظريتي في الهم النظام والعشوائية) كانت هي ملهمتي في كتابة هذه السطور....سلامات أستاذي

اخر الافلام

.. قرقاش: -الإصلاح- اليمني يبتعد عن الإخوان


.. كل يوم - عمرو أديب: الوحيد اللي كان ممكن يحرر القدس هو -محمد


.. أسامة الأزهرى: الوطنية معيار التدين والمحب لبلده الأكثر قربا




.. مظاهرات في بغداد ل-محاكمة من تسببوا- في دخول تنظيم -الدولة ا


.. انا وانا - محمد حفظي يتحدث عن استدعاء النيابة لفيشاوي .. ويؤ