الحوار المتمدن - موبايل



اليسار المصرى بين مرحلتين

طلعت رضوان

2017 / 12 / 5
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني



أعتقد أنه يُـمكن تقسيم الماركسيين المصريين بين مرحلتيْن فاصلتيْن: مرحلة ما قبل ومرحلة ما بعد يوليو1952. فى المرحلة الأولى كانوا على درجة عالية من الإيمان بوطنهم (مصر) وفى المرحلة الثانية تزعزع هذا الإيمان (نسبيًـا) بسبب مشيهم وراء البكباشى عبدالناصرالذى روّج لأكذوبة أنّ (مصرعربية) ولدىّ دليل دامغ على أنّ الماركسيين قبل يوليو52 لم ينخدعوا بشعارات (العروبة) وذلك فى سلسلة الدراسات التى نشرتها مجلة (الفجرالجديد) الأعداد (من يوليو1945- يوليو46) حيث انتقد كثيرمن الماركسيين قرارإنشاء جامعة الدول العربية التى صنعتها بريطانيا، فمثلا كتب الماركسى الشهير(أحمد صادق سعد) مقالا قال فيه ((استقبلتْ الشعوب العربية بيان مجلس جامعة الدول العربية الأخيربدهشة بالغة. هذه الطنطنة الكبرى والاجتماعات المتكرّرة وحفلات الشاى، كل هذا لم يـُـسفرإلاّعن نتيجة أحيطتْ بسياج غامض من السرية، تضمنتْ الاعتراف بالاعتداء الفرنسى على بعض دول الشام)) (أول يوليو45) وفى عدد أكتوبر45مقال كتبه رئيس التحريرالماركسى (أحمد رشدى صالح) بعنوان دال (الجامعة العربية لاتخدم مصالح الشعوب العربية) ومقال آخرجاء فيه ((كنا على حق حين حذرنا شعبنا من جامعة الدول العربية)) والمقال طويل جدًا، وأهم ما فيه أنّ تلك الجامعة تسيرعلى خطى الاستعمارالبريطانى. ومقال آخرعن دورالجامعة العربية فى ممالئة الاستعمارالبربطانى. وكيف تطالب تلك الجامعة من فرنسا الخروج من سوريا ولبنان دون الإشارة إلى خروج الإنجليزمن مصر. وإذا كانت تلك الجامعة تروّج للعروبة، فهى لاتعدوأنْ تكون لونـًـا من ألوان العنصرية البغيضة. ولاتهتم بأهداف الشعب العربى (عدد12فبراير46)
وملاحظتى الثانية هى أنّ يساربعد يوليو52، اهتـمّ بالصراع الطبقى ولم يهتم بالعلوم الإنسانية، خاصة علم الأنثروبولوجيا وعلم المصريات وعلم اللغويات.. إلخ.
لايستطيع أى مؤرخ أو أى باحث يتــّـسم بالحيادية إنكارالتضحيات التى قـدّمها اليساريون المصريون ، منذ بداية نشأة الحزب الشيوعى مع بداية العشرينيات من القرن العشرين ، كما لا يمكن تجاهل دور اليسار المصرى فى مقاومة المحتل الإنجليزى ، تلك المقاومة التى لم تكتف بالكتابات القوية (بل والعنيفة) ضد الاستعمار البريطانى والأمريكى ، وإنما أخذتْ المُـقاومة شكلا عمليًا عندما تطوّع المئات من شباب الشيوعيين وهاجموا معسكرت الإنجليز فى منطقة العباسية ، ثم ذهبوا إلى منطقة القنال للهجوم على المعسكرات الإنجليزية ، ثم كان تتويج تلك المقاومة فى يوم 8 أكتوبر1951 عندما ألغى مصطفى باشا النحاس (رئيس وزراء مصر) معاهدة 1936، ثمّ فتح فؤاد باشا سراج الدين (وزير الدخلية) مخازن السلاح التابعة لوزارته وإمداد الفدائيين بالأسلحة لمُحاربة جنود الإحتلال الإنجليزى. كما لا يمكن تجاهل دور اليسار المصرى من أجل رفع المستوى المعيشى للعمال والفلاحين وصغار الموظفين ، سواء بالكتابة أو بتنظيم الاضرابات والاعتصامات داخل المصانع ، وكذلك المُـطالبة بتكوين اتحاد عام للنقابات العمالية ، وكذلك موقفهم الرائع عندما نظــّموا مع الطلبة الاحتجاج الشهير فى مارس1946، وهو الاحتجاج الذى أخذ اسم (اتحاد الطلبة والعمال) وكانت سكرتيرته الفتاة اليسارية لطيفة الزيات والتى أصبحتْ أديبة وكاتبة مشهورة. كما لا يستطيع أى منصف إنكار اعتقال الشيوعيين فى العهديْن الملكى والناصرى ، وأنّ تعذيبهم فى معتقلات عبد الناصر كان أقسى وأشد من معتقلات النازى ، كما اعترف كثيرون من الشيوعيين فى مذكراتهم ، ومن بينهم الشيوعى الشهير د. فخرى لبيب فى كتابه (الشيوعيون وعبد الناصر) وفى الجزأيْن.
ولكن السؤال الذى يشغل العقل الحر هو: ما نتيجة تلك التضحيات ؟ وهل أحدثتْ تراكمًا كيفيًا فى الواقع الاجتماعى والاقتصادى ومستوى معيشة (الجماهير الشعبية) كما كانوا يكتبون فى منشوراتهم ؟ والسؤال بصيغة أخرى وأكثر دقة : هل كان لليسار المصرى أى تأثير على المواطن المشغول بعمله وأسرته ؟ بل إنّ الطبقة العاملة التى أعطى اليسار أكبر اهتمام بها من خلال بعض النقابيين اليساريين فى المصانع ، ارتمتْ تحت أقدام الإسلاميين ، وتحوّل معظم العمال إلى أبواق دعاية لصالح الإسلاميين ، وهو ما توضـّح بعد انتفاضة طوبة/ يناير2011.
أستطيع أنْ أزعم أنّ نتيجة نضال اليسار المصرى = صفر فى حالة تطبيق القانون الماركسى الشهير: أنّ التغير الكمى لابد وأنْ يؤدى إلى تراكم كيفى. ولعلى أضرب مثالا بثلاث انتفاضات شهيرة : الأولى مظاهرات الاحتجاج على أحكام المحكمة ضد بعض الضباط المُـتسببين فى كارثة بؤونة/ يونيو1967، وهى المظاهرات الشهيرة التى حدثتْ فى عام1968 عقب صدور الأحكام الهزيلة التى لا تتناسب مع حجم الكارثة، بل إنّ المتظاهرين – بوعيهم العفوى الصادق – وكنتُ أحد شهود تلك التظاهرة – قالوا – بسخريتهم المصرية الشهيرة –((المشكلة مش فى الأحكام الهزيلة.. المشكلة فى عدم تقديم المُـتسببين الحقيقيين فى الهزيمة وعلى رأسهم جمال عبد الناصر)) للمحاكمة. انتهتْ تظاهرة عام68 بالقبض على بعض الطلبة والعمال ، كما هو معروف عن النظام الناصرى القمعى، وعاد من تمكن من الهروب من الشرطة إلى بيوتهم وتمّ إغلاق تلك الصفحة المجيدة من تاريخ شعبنا إلى لا شىء لصالح الحقيقة ولصالح الوطن. وكانت النتيجة الوحيدة اعتقال الشرفاء.
المثال الثانى : انتفاضة شعبنا فى شهر طوبة/ يناير1977، التى أطلق عليها السادات (انتفاضة الحرامية) وانضم إليه شيوخ الأزهر، والنجم التليفزيونى الشيخ الشعراوى. وتلك الانتفاضة الشعبية كان من الممكن أنْ تتحوّل إلى ثورة – بدون أية مُبالغة- لو كانت قوى اليسار منظمة وحاضرة منذ بداية الأحداث التى خرجتْ عفوية ، ولم يكن لأى قوى سياسية أو حزبية أى دور فى خروج الجماهير، من كافة الطبقات الشعبية ، بل والشيىء المُـدهش والعظيم فى دلالته أنّ تلك الانتفاضة سرتْ كما النار التى يؤججها الهواء ، حيث انتقلتْ من القاهرة ، وبالأدق من منطقة حلوان الصناعية، ثم انتشرتْ فى كل محافظات مصر، من الإسكندرية إلى أسوان. والأكثر دهشة أنّ الشعارات كانت واحدة ، كما لو أنّ الجماهير تقرأ من سيناريو تمّ إعداده قبل الأحداث. وبينما اتهم السادات وحكومته الماركسيين بأنهم هم الذين أشعلوا نيران الانتفاضة وحرّضوا الجماهير إلخ ، فإنّ بيان حزب التجمع اليسارى اعترف بأنّ الأحداث ((كانت رد فعل تلقائى من الجماهير التى تـُعانى من تعقد الظروف المعيشية ، فى محاولة للتعبير عن رفضها للقرارات الاقتصادية. ورفض الزيادة فى أسعار السلع الأساسية، والتى امتصتْ أضعاف العلاوات المُـقررة للعاملين فى الحكومة والقطاع العام)) (نقلا عن العضو القيادى بحزب التمجمع (حسين عبد الرازق) فى كتابه (مصر فى 18، 19يناير77) دار شهيد – ط 3- عام 1985- ص93) والسؤال الذى تتجاهله الثقافة المصرية السائدة هو: ما نتيجة تلك الانتفاضة الشعبية المجيدة ؟ النتيجة المؤكدة القبض على المئات من العمال والطلبة والصحفيين ، وبعد الافراج عن معظمهم تم تقديم 175 إنسانــًا لمحكمة أمن الدولة العليا. تلك هى النتيجة المؤكدة ، أما أثر تلك الانتفاضة على المستوى المعيشى لشعبنا ، فالنتيجة صفر، لأنّ السادات – بخبثه وخبرته مع قوى الاستعمار العالمى ، أعلن تراجعه عن زيادة الأسعار، فابتلع شعبنا الطـُعم وعاد الناس إلى بيوتهم. وبعد عدة شهور ارتفعتْ الأسعار من جديد تحت شعار (تحريك الأسعار) والدرس المُستفاد أنه لم يحدث أى تغيير على مستوى معيشة الجماهير الشعبية ، وهذا يدل على أنّ اليسار المصرى ليس له أى دور فعـّـال ، فلم يكن له دور فى تحريك الجماهير للاحتجاج على زيادة الأسعار، كما أنه يفتقد أدنى درجة من درجات التأثير على السلطة الحاكمة التى سمحتْ لليسار بإنشاء حزب (مُـعارض) بشرط أنْ تكون مُعارضة مُستأنسة.
المثال الثالث : ماحدث فى شهر طوبة/ يناير2011، وبدون الدخول فى التفاصيل ، فإنّ المستوى المعيشى للجماهير الشعبية، ظلّ كما هو دون تغيير يُذكر، فكانت نتيجة تلك الانتفاضة العظيمة صفر، رغم مئات الضحايا الذين قـُـتلوا على يد الشرطة وعلى يد الأصوليين الإسلاميين، وهذا دليل جديد على غياب أى دور فعـّـال لليسار المصرى، لأنه لو كان له تأثير حقيقى على حركة الجماهير، كان عليه أنْ يُقنع تلك الجماهير بعدم مغادرة الميادين إلا بعد تحقيق مطالبهم التى عبروا عنها فى شعاراتهم (حرية.. عدالة اجتماعية.. ارفع راسك فوق إنت مصرى إلخ) لم يفعل اليساريون أى شىء لمنع الجماهير من مغادرة الميادين ، وهللوا لبيان عمر سليمان عن (تنازل) مبارك (الشكلى) عن الحكم مع (التوصية) بتولى المجلس العسكرى إدارة شئون البلاد ، وهو أمر ينطبق عليه (وعد بالفور) : من لا يملك أعطى لمن يستحق ، لأن مبارك سقط بعد خروج الملايين ضده ، وإدارة شئون البلاد تؤول – وفق الدستور- إلى رئيس مجلس الشعب أو رئيس المحكمة الدستورية. فكانت النتيجة أن المجلس العسكرى سلم الحكم للإسلاميين بناءً على رغبة الإدارة الأمريكية.. وتجرّع شعبنا مرارة الهزيمة (هزيمة انتفاضته الشعبية) التى كان من الممكن أنْ تتحول إلى (ثورة) لو كانت معه (قيادة روحية) مؤمنة بمطالبه العادلة ، وكان المُـفترض أن يكون اليساريون هم تلك (القيادة الروحية) بحكم خبرتهم السابقة فى (العمل الجماهيرى) منذ مطلع عشرينيات القرن العشرين.
000
كتب كثيرون من اليساريين تحت عنوان ثابت عدة دراسات ومقالات عن (أزمة اليسار المصرى) وعندما تابعتُ كتاباتهم وجدتها تدور حول المحاور التالية : 1- الاستعمار العالمى ومعاداته للشيوعية 2- بشاعة النظام المصرى – قبل وبعد يوليو1952- ضد الشيوعيين 3- الاعتقالات والضرب حتى الموت خاصة فى معتقلات عبد الناصر. تلك هى أهم المحاور، وإنْ كان البعض زايد فأضاف ((سقوط النمط الاشتراكى السوفيتى، والسيولة الطبقية التى حدثت فى المجتمع المصرى وجعلتْ مهمة اليسار صعبة للغاية فى مخاطبة الجماهير)) (د. أيمن يحيى فى كتاب (حوارات اليسار المصرى من أجل نهوض جديد – مجموعة أبحاث – مركز البحوث العربية والإفريقية- مكتبة مدبولى – عام 2006- من ص23- 29)وأضاف د. يحيى سببًا عجيبًا هو ((التدفق الرأسمالى للاستثمارات الخليجية)) وأعتقد أنّ ما حدث كان من المفترض – فى حالة وجود حقيقى لليسار المصرى – أنْ يكون عاملا مُساعدًا لتقوية نضال الطبقة العاملة ضد الاستثمار العربى فى مصر، وتسبب فى تخريب الاقتصاد المصرى ، وبالتالى كانت الفرصة مُـتاحة أمام اليساريين لمقاومة الغزو الاستثمارى/ النهبوى العربى، ولكنهم لم يفعلوا وصنفوا ما حدث ضمن (أزمة اليسار المصرى) ولكننى أتفق مع د. يحيى فى أنه من بين أسباب أزمة اليسار المصرى ((وجود يسار رسمى تابع للسلطة)) فى إشارة إلى حزب التجمع (اليسارى) بقيادة خالد محيى الدين ورفعت السعيد. وقال د. أحمد الأهوانى أنّأزمة اليسار المصرى ترتبط بأزمة اليسار العالمى (ص34) وتطابق معه د. حسنى أمين (ص36) وأعتقد أن كلامهما إنشائى وغير موضوعى بدليل نجاح اليسار فى بعض دول أميركا اللاتينية ، ونتج عنه ارتفاع المستوى المعيشى للجماهير، واتساع مساحة الحرية الشخصية والسياسية.
وكان أ. إبراهيم الحسينى أكثر صدقــًا من غيره عندما قال ((الخطاب عن أزمة اليسار المصرى نسمعه من ربع قرن)) وأضاف ((وأعتقد أنّ اليسار المصرى لا يمتلك استراتيجية فكرية. ويشغلتى سؤال آخر حول حجم الانتاج الفكرى لليسار المصرى . واليسار المصرىمُـستهلِـك لأفكار الآخرين ولا يمتلك رؤية فكرية حول آليات التوسع الرأسمالى فى المنطقة أو فى مصر)) (ص37) هنا أيضًا فإنّ أ. الحسينى – رغم أهمية كلامه عن الانتاج الفكرى لليسار المصرى، إلاّ أنه حصر غياب الرؤية الفكرية فى (التوسع الرأسمالى) ولم يتطرق لأهم سبب – فى رأيى – وهو غياب الرؤية الفكرية لمكونات الشخصية المصرية – وفق علم الأنثروبولوجيا وبناءً عليه ابتعد شعبنا المصرى عن اليسار. وأعتقد أنّ (تهمة الإلحاد) التى روّج لها النظام الناصرى ضد الشيوعيين ، والتى اعتبرها اليساريون أحد أسباب أزمة اليسار المصرى، فيها قدر من الحقيقة وقدر من المُبالغة ، فلو أنّ اليساريين اجتهدوا فى ترسيخ (حرية المُـعتقد) وأنّ الدين (شىءشخصى) بينما إدارة المجتمع لا علاقة لها بالدين. وكان د. عبد المحسن حموده واعيًا بتلك العلاقة حيث قال ((أين كان اليسار المصرى عندما كانت الفاشية تتسرب فىالمجتمع المصرى ، خاصة الفاشية المُـتسربلة بالدين؟ وأنّ اليسار المصرى لم يستطع ملء الفراغ ، كما فعل الليبراليون قبل يوليو1952. والجميع الآن يؤيدون الإخوان المسلمين بما فيهم حزب الوفد (الجديد) والناصريون من باب المُحافظة على الرقبة)) (ص38)
وكانت الكارثة عندما اعتبر اليسارى (تامر وجيه) أنّ حصول الإخوان المسلمين على 88 مقعدًا فى مجلس الشعب عام 2005((مؤشر جيد على اتساع مساحة المُـعارضة للنظام ، وأنّ الجماهير التى صوتتْ للإخوان تـُعبر عن الانتقال من حالة السكون إلى حالة الحركة وهى صورة تؤكد أنّ الجماهير تسعى للتغيير)) (ص40) كارثة أنْ يرى (اليسارى) أنّ الإخوان المسلمين (معارضة) ضد النظام. وعندما كتب د. رفعت السعيد – وغيره – عدة مقالات فى صحيفة الأهالى التابعة لحزب التجمع ، وانتقدوا جماعة الإخوان المسلمين، فإنّاليسارى (د. إبراهيم العيسوى) اعتبر تلك المقالات ((استراتيجية خاطئة.. ومن مصلحتنا ومصلحة الوطن الاعتراف بحق الإخوان فى تكوين حزبهم السياسى بدلا من تخوينهم.. وعلينا أنْ ننتظر لنرى ممارستهم الفعلية فى البرلمان)) (من ص43- 52) فما رأى د. العيسوى بعد جرائم الإخوان المسلمين التى ارتكبوها فى حق الوطن بعد يناير2011؟ واعترف المناضل الشيوعى نبيل الهلالى بأنه عندما ارتفع صوت القائد النقابى اليسارى (عطيه الصيرفى) مُـناديًا بالتعددية النقابية ، تعرّض لهجوم حاد من داخل صفوف اليسار، بحجة أنّ التعددية ستـُفتتْ وحدة الحركة النقابية. وأضاف الهلالى أنه عندما شرع اليسار فى إقامة اتحاد عام للفلاحين ، فإنّحزب التجمع (اليسارى) أجهض تلك المُحاولة. وأنّ قيادة حزب التجمع هى المسئولة عن مُحاصرة وخنق الاتحاد الوليد ، ولم يفعل اليسار شيئـًا مع الحركة الطلابية وترك الأمر للإخوان المسلمين)) وأضاف الهلالى ((وأتوقع أنْ يُركز الإخوان فى المرحلة القادمة على بناء الدولة الدينية من أسفل ، عن طريق إشاعة الأفكار والثقافة والتقاليد التى تخدم الدولة الدينية)) (من ص53- 62) أما أ. أحمد بهاء شعبان فقد لخص أزمة اليسار المصرى فى 1- الانقسامية والتفتت 2- البُـعد والعزلة عن الجماهير 3- غلبة الاتجاهات الاصلاحية 4- غياب الديمقراطية الداخلية (ص72) واعترف أ. عبد الغفار شكر بأنّ أهم نقطة يُعانى منها اليسار المصرى هى التفتت والعجز عن بناء تحالف يسارى حقيقى (ص82) وفى دراسة طويلة للكاتب اليسارى (د. إبراهيم العيسوىركــّز على محاربة الهيمنة الأمريكية/ الصهيونية. وأنّ هدف اليسار هو الوحدة العربية (من223- 237) واتفق معه أ. حسن شعبان فقال : هناك قضايا لا نملك ترف الاختلاف حولها من بينها ((الوحدة العربية)) (ص266) أما الشيوعى الفنان خالد حمزة فقد عزف عزفـًا منفردًا لم يتطرق إليه غيره من الشيوعيين حيث ركــّز على ضرورة ((تمصير الماركسية باعتبارها علمًا وليست كهنوتـًا وجعلها غرسًا نابتـًا من تربة مصرية لها خصوصيتها فقد مصــّر جدودنا العظام المسيحية والإسلام)) (من 63- 70)
وفى ملف كامل عن أزمة اليسار المصرى تعرض أ. أحمد بهاء شعبان لآراء بعض اليساريين فنقل عند. محمود أمين العالم ((مُـعضلة اليسار الماركسى أنّ مستواه الفكرى مازال أكبر من قدراته التنظيمية. وأنّ المعارضة اليسارية – فى كثير من الأحوال - ((أقرب إلى المعارضة الكلامية)) أما د. مراد وهبة (رغم أنه من دعاة العلمانية) فإنه أرجع الأصل العميق لأزمة الحركة اليسارية إلى عدة عوامل أبرزها ((كامن فى التراث المصرى من حيث هو مُـتخلف، ومحكوم بالفكر الأسطورى من الحضارة الفرعونية)) (مجلة الثقافة الجديدة- عدد مايو 2015)أى أنّ سيادته مع كل أعداء الحضارة المصرية، ورغم دفاعه عن (الحضارة اليونانية) فإنه لم ينتبه إلى أنها كان بها الكثير من (الفكر الأسطورى) كما أنه أخطأ عندما قال (الحضارة الفرعونية) لأنه وفق علم المصريات اسمها (الحضارة المصرية) لأنّ مصطلح (فرعون) من اختراع الديانة العبرية بشُـعبها الثلاث (اليهودية/ المسيحية/ الإسلام) حيث أنّ المصطلح فى اللغة المصرية القديمة (بر- عا) بمعنى مقر الحكم مثل (البيت الأبيض) أو القصر الجمهورى. وباقى المقالات فى ملف المجلة لا يخرج عن المحاور التى تناولتـُها فى الفقرات السابقة.
000
أود الإشارة إلى أننى تعمدتُ الاختصار، كما أننى لم أتعرض لكتابات اليساريين فى كتب أخرى ومجلات أخرى ، ورغم عشرات الدراسات وعشرات المقالات التى قرأتها لهم ، اكتشفتُ غياب أهم عنصر فى أسباب فشل الحركة اليسارية المصرية، وهو عنصر (الخصوصية الثقافية القومية لشعبنا المصرى) باستثناء الفنان خالد حمزة حيث تكلم عن (تمصير الماركسية) ولكنه لم يتطرق إلى الخصوصية الثقافية المصرية. وما أقصده بالخصوصية الثقافية هو الوعى بمكونات الشخصية المصرية (بعيوبها ومزاياها) وفق علم الأنثروبولوجيا (وهو علم تجاهله الماركسيون تمامًا) فكانت النتيجة أنهم لم يفهموا طبيعة الشخصية المصرية، فهاجموا وأدانوا ممارسات الملايين من شعبنا ، وركزوا هجومهم على أهم مظاهر (الوحدة الوطنية) التى جمعتْ بين المسلمين والمسيحيين ، أى (ظاهرة الموالد) حيث الاحتفال بالأولياء (بغض النظر عن تاريخهم وسيرتهم) ولأنّ أغلب اليساريين المصريين لم يدرسوا التاريخ المصرى ، فقد غاب عنهم أنّظاهرة الموالد انتقلتْ من مصر القديمة حيث الاحتفال بالآلهة المصرية، ثم انتقلتْ إلى الاحتفال بالقديسين ثم الأولياء المسلمين. وتجاهل اليساريون المصريون أنّ ظاهرة الموالد تؤكد إيمان شعبنا بالتعددية ، حيث يتوجه سكان القاهرة إلى طنطا للاحتفال بمولد السيد البدوى، وأنّ سكان طنطا يتوجهون إلى القاهرة للاحتفال بمولد السيدة زينب وشقيها الحسين.. إلخوهو ما يحدث ويتكرر فى كل محافظات ومدن وقرى مصر.
كما أنّ الجانب الايجابى والأهم فى ظاهرة الموالد ، فهو أنّ شعبنا مع التعددية الدينية وضد تكفير الآخر المُـختلف ، والدليل مُستمد من ظاهرة اشتراك المسلمين والمسيحيين فى المولد الواحد ، حيث يحضر المسلمون أعياد الأحتفال بالقديسين ، وحيث يحضر المسيحيون أعياد الاحتفال بالأولياء المسلمين .أما الكارثة الكبرى فهى إدانة الماركسيين لتلك الظاهرة عندما ركــّزوا على أنها ((خرافة)) أما الإسلاميون فقد أدانوا الظاهرةلأنهم اعتبروا الموالد ((ضد الدين)) فتطابق اليساريون والإسلاميون ولكن من منظوريْن مُـختلفيْن.
وظاهرة الموالد مجرد مثال وحيد من بين عشرات الأمثلة عن الخصوصية الثقافية لشعبنا والتى تجاهلها اليساريون المصريون، مثل خصوصية النكتة المصرية والمثل الشعبى المصرى والموال المصرى والاحتفال بسبوع الطفل وخميس وأربعين المُـتوفى إلخ. وأعتقد أنه لو أّنّ اليساريين المصريين اهتموا بتلك المظاهر ودرسوها دراسة علمية- بغض النظر عن الرأى الشخصى للباحث – لعرفوا طبيعة الشخصية المصرية، وبالتالى كان يسهل عليهم الدخول إلى أغوار تلك الشخصية ، ومع استخدام لغة بسيطة تتناسب مع مستوى العمال والفلاحين ، كان بإمكان اليساريين النجاح فى إقناع الجماهير الشعبية بأهمية تغيير المنظومة السياسية لصالحهم ، مع مراعاة عدم التعرض للفلسفة الماركسية أو أى كلام عن تطور المجتمعات منالمشاعى إلىالبدائى إلىالاقطاعى إلى الرأسمالى إلى الاشتراكى وصولا لآخر مجتمع(المجتمع الشيوعى) أى المجتمع اللاطبقى وهو أضعف محاور الماركسية لأنه طوباوى وغير قابل للتحقق. ولكن – بكل أسف – فإنّ اليساريين المصريين تعاملوا مع الجماهير الشعبية على أنهم (تلاميذ) فى مدرسة الاشتراكية والشيوعية فابتعد العمال والفلاحون عنهم وارتموا تحت أقدام الإسلاميين.
وكما كتب الإسلاميون أنّ الحضارة المصرية قامتْ على (السخرة) كتب كثيرون من الماركسيين (المصريين) نفس الكلام ، مع تجاهلهملعلمىْ المصريات واللغويات، ولو أنهم أعطوا علم المصريات – على الأقل – بعض الوقت لعلموا أنّ حكاية (السخرة) أصلها الديانة العبرية بشُـعبها الثلاث. ولأنهم لم يفعلوا فإنّ كثيرين منهم هاجموا (القومية المصرية) وصدقوا مزاعم البكباشى عبد الناصر، حيث روج هو وبطانته من الناصرين والعروبيين ل (الوحدة العربية) وتوأمتها (القومية العربية) والتركيز- بكل فجاجة- على أنّ شعبنا المصرى (عربى) وظلّالماركسيون (المصريون) يُطنطنون ب (العربى) لدرجة أنّ أحدهم (فؤاد حداد) كتب أنّ الأرض (بتتكلم عربى)) ومع سعير النشيد (العربى) أدار شعبنا (المصرى) ظهره لكل فصائل اليسار، فكانت النتيجة أنّ البعض آمن بالليبرالية والغالبية ارتمتْ تحت أقدام الإسلاميين. فهل يستطيع اليسارالحالى إعادة النظرفى آرائه والتخلص من كابوس العروبة، كما كتب المفكرالكبيرإسماعيل أدهم؟ (الأعمال الكاملة- دارالمعارف المصرية- ج3- عام1986- ص34، 65، 177، 430)
***







اخر الافلام

.. كل يوم - لتشجيع السياحة الدينية .. افتتاح المرحلة الأولى لتط


.. كل يوم - عمرو اديب لـ كل المصريين: هناك خطر واضح الفترة القا


.. مسلمون ومسيحيون يقبلون علي شراء هدايا الكريسماس في أسيوط




.. خارج النص- البشري.. ما تسكت عنه الكنيسة والدولة المصرية


.. حرب سلفية على مومياوات مصر الفرعونية