الحوار المتمدن - موبايل



كلمات من دفتر الاحوال... (13)

كاظم الموسوي

2017 / 12 / 5
الادب والفن


في إطار الزيارات المخطط لها في برنامج ادارة المعهد للطلاب الجدد، كانت زيارة مدينة لينينغراد، (كان اسمها سانت بطرسبورغ، وبتروغراد)، وابرز معالمها، لاسيما ما يذكر في سيرة الثورة التي غيرت مجرى التاريخ، ومنها ما ابدعته المدرعة بوتمكين والطراد اورورا، رمزا انطلاق شرارة الثورة الاولى، ومسيرتها نحو ثورة أكتوبر عام 1917 . الثورة التي هزت العالم في عشرة ايام، كما كتب الصحافي الأمريكي جون ريد. والذي عدت كتاباته وثيقة تسجيلية لايام الثورة وحاز على جوائز عديدة، ولمصداقية الكتاب اصبح الأوسع انتشارا وترجمة الى مختلف اللغات. كما حصل مع الفيلم التاريخي، المدرعة بوتمكين، الذي لخص فيه مخرجه سيرغي ايزنشتاين قصة شعب ونجاح ثورة. كذلك في قصائد شاعر الثورة فلاديمير مايكوفسكي، وراويتها مكسيم غوركي.
لينين الذي قاد الثورة وخطط لها حزبه البلشفي وجيشه الاحمر رسموا باجمعهم عالم الاتحاد السوفيتي، في تموجاته وامتداداته ونهوضه وتحريكه المعمورة كلها. الأحزاب الشيوعية وحركات التحرر الوطني وبناء نظام دولي من أجل الإنسان والجماهير العاملة والكادحة. السياسة ليست مثل جادة نيفسكي، الشارع الذي يقسم مدينة لينينغراد بشكل مستقيم على امتداد اكثر من اربعة كيلومترات. والثورة عملية متواصلة للتغيير والتجديد والبناء. وهذا ما كنا ندرسه ونذود عنه بقناعات وحماس شرقي، واحيانا أشبه بالإيمان الديني. ولكنها خطوات تاريخية ومراحل تحولات وانعطفات كبرى.
تمتعنا بزيارة متحف الارميتاج وبعده سفرة الى استراحة لاتحاد الكتاب السوفييت في ريغا، عاصمة لاتفيا، وكيف كان الكتاب يستفيدون من فرصة الإقامة فيها للراحة والتفرغ للابداع والانتاج والكتابة التي تعكس التطورات المتواصلة في المجتمع والدولة الجديدة. وقد ترجم الكثير من تلك الإبداعات الثقافية الى مختلف اللغات، ومنها العربية، عبر دار التقدم في موسكو، ودار مير ايضا. وكانت وكالة نوفوستي تصدر نشرتها بمختلف اللغات ومنها العربية، طبعا، ومن خلالها يستطيع القاريء العربي أن يتابع ما يجري داخل العالم الجديد، السوفييتي.
كما حضرنا لقاءات مع المنتجين في السوفخوزات والكولخوزات وابطال الشعب السوفيتي وبعض الكنائس والمساجد وتعرفنا على الحريات الدينية والتي أغلبها تحت عيون الأجهزة الأمنية التي تمثل الدولة العميقة في معمار الاتحاد السوفييتي.
تنتهي أغلب اللقاءات الى ولائم على موائد عامرة بما لذ وطاب، وكانت قناني الفودكا الى جانب قناني المياه المعدنية قرب كل صحن أمام كل ضيف منا. كنت حينها لا احتسي الكحول لاسبابي، اشرب الماء فقط وارفعه نخبا مع المضيفين والداعين والجالسين، تماشيا مع التقاليد العامة السائدة، وكان عدد من الرفاق يعرفون ذلك، فكانوا يتسابقون بينهم للجلوس الى جانبي للاستحواذ على حصتي منها. وكنت امزح في التفضيل بينهم في الدعوات التي تليها. في إحداها اكلت سمكا نيا من نوع السلمون، وضع امامي ضمن صحون المزات والمقبلات والتجهيز للوجبات الرئيسية، ويبدو انه كان سببا في اصابتي بحالة من التقيؤ وشدة الالام، وعلى عجل نقلت إلى المستشفى. لم أعرف أن من بين مضيفينا كانت وزيرة الصحة في تلك الجمهورية، والتي اتصلت مباشرة بالمستشفى والأطباء للعناية بي، بالضيف الرفيق العربي، وبعد ساعات داخل غرف العناية والفحوصات عدت افضل مما كنت عليه قبل الوليمة. ولمست في الاهتمام الكبير ثمة أمر اخر، ومنه عرفت أن الوزيرة ابلغتهم بوضعي وانا محظوظ في تلك الساعة، وتلك المشكلة، والمغامرة في تذوق طعام غريب، لم اعرفه في قائمتنا الغذائية العادية.
لا تمر الأمور بهدوء دائما، ثمة من يحب أن ينغصها، باساليبه او اخلاقه، وكانت معنا "عوائل رفاقية" ورفيقات، وكلنا من بيئات مختلفة رغم الانتساب الحزبي، وفي كثير من الحالات ينطبق القول: لا يرحمون ولا يتركون رحمة الله تنزل عليك. كما كنا ننظم حلقات دراسية في شقق معينة، تجمع بينها المعرفة السابقة أو الارتياحات الشخصية، وكان من بيننا من هو جدي فعلا ومخلص للمهمة وضمن الالتزام والايمان الحزبي. وكذلك نمارس راحتنا في نهاية الاسبوع، في الخروج من اجواء المبنى والانطلاق إلى رحابة المدينة، الى الفنادق والمطاعم، والبارات والمقاهي، وحسب طبيعة المناخ، نزول الثلج او المطر او البرد القارس، وعبر محطات المترو، المتاحف الفنية المغرية للمشاهدة ونسيان الحال فيها. والتعارف والتعرف على الإنسان السوفييتي و....
ومن الطرائف التي حصلت في أيام موسكو... ولها علاقة بالفنان المتميز عمر الشريف كانت حين خرجت مع الرفيق "نائل" في عطلة نهاية اسبوع في جولة مفتوحة في مركز العاصمة، كنا نتنقل مبهورين في بعض محطات المترو، ونتسلى بمتابعتها وبما فيها من متاحف فنية جذابة ورائعة، نماذج تكتنز بها. وبعد ان شعرنا بالتعب اختلفنا الى مطعم نغيّر فيه الاجواء ونبتعد عن وجبات الطعام اليومية التي تتكرر في مطعم المعهد، المعروف بجدوله الاسبوعي.
في المطعم جلسنا وطلبنا العشاء وملحقاته. وبعد ان ذهب الرفيق لقضاء حاجة، عاد غارقا بالضحك. سألته ملحا الافصاح ومشاركتي بما يضحكه. طلب منى ان التفت الى طاولة في الزاوية البعيدة التي جاء منها. فنظرت ولم اجد فيها ما يضحك. طاولات عادية يحيط بها جلساؤها. عوائل .... شابات ... شباب. ركز وأشار بيده الى مكان محدد. شابتان روسيتان كما يبدو من ملامحهما. وماذا؟. سألتني واحدة منهما عنك وأجبتها ايجابا، بالموافقة، وهي تطلب مع صديقتها التعرف عليك. فكرت اولا انه يحاول المزاح معي و" النصب" علي، ولكننا لم نتعود على ذلك فيما بيننا. اقسم بجد وبشيء من عصبية فسلمت للأمر ووافقت دون نقاش اخر. ولكني ظليت مترددا من الحديث كله وكأنه عرف الدهشة في وجهي. فقال لي بوضوح: انها سألتني عنك وهي متأكدة من انك عمر الشريف الذي شاهدته ليلة امس في فيلم في التلفزيون الروسي. تاكيد على وجود الشريف في موسكو.. وأيدتها صديقتها ايضا. انا عمر الشريف!. لِمَ لا. ممثل عربي مشهور ومواقفه حينها لا خلاف عليها، لمع بكفاءته وجهوده ودخل سوق السينما الهوليودية بقدراته و"جماله".!. وبات نجما عالميا يشار إليه.
تعرفنا على الصديقتين الروسيتين وطلبتا منا ان نواصل السهرة سوية ولم يخالجنا شك بذلك رغم وضعنا الخاص في المعهد الدراسي والقسم الداخلي وحراسه السوفييت والعراقيين خصوصا، وأمضينا الليل واليوم التالي معهما، وكانت مصادفة رائعة، تعرفنا فيها على حياة الناس مباشرة دون رتوش. الواقع كما هو.. كيف يعيشون اعتياديا، يومياتهم بكل تفاصيلها او ببعضها، على الاقل في يومين متتاليين، من خلال هاتين الشابتين. داخل السكن وخارجه. وحين ودعناهما بعدها وعدناهما بلقاءات اخرى في الاسابيع القادمة. ودعوناهما لمشاهدة رائعة بحيرة البجع على مسرح البولشوي قريبا. حيث يسهل لنا الحصول على تذاكر متى اردنا ان نحجز بينما لا يتيسر للمواطن السوفييتي ذلك بالسهولة نفسها. المهم عشنا حياة روسية، اهم من كثير من دروس نظرية عن المجتمع السوفييتي. مسجلة في كتب الدعاية المجانية، كما هي المزارع الخضراء في كازاخستان. ولكن كما هي العادة لدينا. لم تمر تلك الساعات الهنية بسلام. كانت عيون متربصة وادعاءات باستفسارات قلقة علينا وكذب صريح حولنا... والمهم كان الفنان الكبير عمر الشريف قد منحنا فرصة نادرة واكتشفنا له وقعا شعبيا بين ابناء الشعب وبناته، دون ان يصرف عليه شيئا، اعلاميا او علاقات عامة. وبقيت لفترة مقلدا اسم الفنان العربي الكبير عند الرفيقتين الرائعتين، ووفينا لهما في الحضور المشترك لمسرح البولشوي وغيره من المناسبات والفرص الثقافية. وتفاجأنا حين عرفنا أنهما مهندستان في مؤسسة عسكرية مهمة، ولم يتمكنا من الحصول بيسر على شراء تذكرة مسرح!.
###############**********##############
للاطلاع على الحلقات الاخرى، تراجع المدونة على الرابط التالي:
http://kadhimmousawi.blogspot.com







اخر الافلام

.. مسابقة - لغتي الجميلة - للشعر والأدب تكرم أوائلها في إدلب


.. الفنان نوار بلبل يقدم عرضين من العمل المسرحي -مولانا- في برل


.. النظام يتراجع عن توظيف المسرحين من ميليشياته...وغضب يجتاح ال




.. المملكة المتحدة - الاتحاد الأوروبي: أين المخرج وكيف؟


.. تفاعلكم: أهم مميزات خدمة بث الموسيقى سبوتيفاي Spotify