الحوار المتمدن - موبايل



الديمقراطية وأحزاب العراق السياسية

داخل حسن جريو

2017 / 12 / 7
مواضيع وابحاث سياسية


يعود تاريخ الأحزاب السياسية في العراق إلى العام 1922 , أي إلى بداية نشأة دولة العراق الحديث بعد تحرره من هيمنة الدولة العثمانية , وتنصيب فيصل الأول الأمير الحجازي ملكا على العراق ,حيث أسس محمد جعفر أبو التمن عام 1922م الحزب الوطني العراقي وأسس محمود النقيب الحزب الحر العراقي, وفي العام 1924 أسس عبد الله العمري حزب الإستقلال الوطني, وفي عام 1925 أسس ياسين الهاشمي حزب الشعب وأسس عبد المحسن السعدون حزب التقدم, وفي عام 1930 أسس نوري السعيد حزب العراقي , وفي عام 1934 أسس علي جودت الأيوبي حزب الوحدة الوطنية , كما تأسس في العام نفسه الحزب الشيوعي العراقي.
شهد العام 1946 تأسيس عددا آخر من الأحزاب السياسية في أعقاب إنتهاء الحرب العالمية الثانية بإنتصار الحلفاء على المانيا النازية , وبزوغ عصر جديد يبشر بحرية الشعوب ونشر الديمقراطية, كان أبرزها حزب الشعب برئاسة عزيز شريف وحزب الإستقلال برئاسة محمد مهدي كبه وحزب الإحرار برئاسة سعد صالح جريو وحزب الإتحاد الوطني برئاسة عبد الفتاح إبراهيم والحزب الوطني الديمقراطي برئاسة كامل الجادرجي, التي أجيزت جميعها لممارسة العمل الحزبي العلني رسميا لأول مرة من قبل وزير الداخلية يومذاك سعد صالح جريو. وفي العام نفسه تأسس الحزب الديمقراطي الكردستاني برئاسة الملا مصطفى البرزاني , كان الحزب يدعو إلى الحكم الذاتي للأكراد والديمقراطية للعراق منذ تأسيسه وحتى أواسط عقد التسعينيات حيث بدأ بالمطالبة بدولة مستقلة لأكراد العراق . وفي العام 1951 تأسس حزب الأمة الإشتراكي برئاسة صالح جبر وحزب الإتحاد الدستوري برئاسة نوري السعيد, وبرز في الساحة السياسية حزب البعث العربي الإشتراكي عام 1953 برئاسة فؤاد الركابي, كما تأسست النواة الأولى لحزب الدعوة الإسلامية على صيغة هيئة مؤلفة من ثمانية أعضاء بقيادة محمد باقر الصدر. وفي العام 1975 تأسس حزب الإتحاد الوطني الكردستاني بزعامة جلال الطالباني بعد إنهيار التمرد الكردي الذي كان يقوده الملا مصطفى البرزاني عقب توقيع معاهدة الجزائر بين الحكومتين العراقية والإيرانية , ولجوء البرزاني إلى الولايات المتحدة الأمريكية ووفاته هناك عام 1979. حمل الحزب شعار حق تقرير المصير والديمقراطية وحقوق الأنسان للشعب الكردي في العراق. كما تشكلت تنظيمات سياسية وأحزاب صغيرة أخرى كثيرة , بعضها أحزاب يسارية متطرفة وأخرى قومية عربية وكردية وتركمانية وغيرها, أبرزها الحزب الإسلامي العراقي الذي تشكل أثر صدور قانون الأحزاب السياسية في زمن الزعيم عبد الكريم قاسم برئاسة الدكتور نعمان عبد الرزاق السامرائي كواجهة سياسية لحركة إخوان المسلمين في العراق عام 1960, وبعد إستلام حزب البعث زمام السلطة عام 1968 تعرض الحزب وأعضائه للملاحقة وأعدم البعض منهم . وفي العام 1991 أعاد الدكتور أياد السامرائي نشاط الحزب في بريطانيا , وفي العام 2003 أعاد الدكتور محسن عبد الحميد تأسيس الحزب في العراق حيث أصبح الدكتور محسن عضوا في مجلس الحكم الذي شكله السفير الأمريكي بريمر الحاكم المدني العام لسلطة الإحتلال في العراق , والمجلس الإسلامي الأعلى العراقي الذي تأسس في إيران عام 1982 من قبل محمد باقر الحكيم وإشترك إلى جانب الجيش الإيراني في حربه ضد العراق من خلال جناحه العسكري المسمى فيلق بدر, وأختير عبد العزيز الحكيم ممثلا للمجلس في مجلس الحكم.
تشكّلت عام 1956م جبهة وطنية ضمت حزب البعث العربي الاشتراكي والحزب الشيوعي وحزب الاستقلال والحزب الوطني الديمقراطي أبرز أحزاب المعارضة العلنية والسرية حينذاك. جاء تأليف الجبهة تجاوبًا مع تعاظم التيار الجماهيري التحرري العربي في البلدان العربية، ومعارضة لحلف بغداد, وقد مهّد قيام هذه الجبهة لثورة 14 تموز 1958م. انتهى دورها بعد تفاقم الصراع بين أطرافها بين مؤيد لحكومة عبد الكريم قاسم ومعارض لها, ليشهد بعدها العراق سلسلة إنقلابات عسكرية دامية , أفضت جميعها إلى الإستبداد السياسي وحكم الفرد الواحد لنحو اربعين عاما بدعاوى الديمقراطية الشعبية تارة التي مفادها أن "لا حرية لأعداء الشعب" , والمقصود بأعداء الشعب هنا كل من له رأي مخالف لرأي الحاكم, والديمقراطية المركزية تارة أخرى التي خلاصتها " إذا قال القائد قال الشعب " وحقيقة الأمر أن الشعب لا حول له ولا قوة ,لا قولا ولا فعلا, وإنما يساق أحيانا إلى محرقة الموت كالخراف. ولم تعد هناك أية حرية ولو بشكل محدود لممارسة أي نشاط سياسي كما كان سائدا في حقبة الحكم الملكي التي إتسمت بقدر ولو بسيط من اللبرالية, حيث شهدت بعض فتراتها ممارسة احزاب المعارضة أنشطتها السياسية بصورة علنية , والسماح لها بإصدار جرائد خاصة بها,ووصول بعض ممثليها إلى قبة البرلمان , وإستيزار بعض قادتها أكثر من مرة.
شهد عقد السبعينيات من القرن المنصرم تصاعد نشاط أحزاب الإسلام السياسي بتوجهاته الطائفية المختلفة التي بلغت ذروتها بعد نجاح الثورة الإيرانية بالإطاحة بنظام الشاه وقيام الجمهورية الإسلامية الإيرانية .مارست هذه الأحزاب بعض أساليب العنف ومحاولة إغتيال بعض رموز النظام الحاكم دون جدوى مما أسهم بتصفية الكثير من عناصرها , كان أبرزها الأحداث الدامية التي شهدتها معظم محافظات العراق عام 1991 في أعقاب حرب الخليج الثانية التي أفضت إلى إخراج القوات العراقية من الكويت وتدمير البنى التحتية للعراق تدميرا يكاد يكون كاملا, وفرض حصار شامل على العراق وشعبه لسنوات طويلة. وبسقوط النظام السياسي في العراق بعد غزو العراق وإحتلاله عام 2003 من قبل الولايات المتحدة الأمريكية ومن تحالف معها ,إستلمت هذه الأحزاب مقاليد السلطة التي قدمت لها على طبق من ذهب ,لتعيث بالعراق خرابا وفسادا ما زال يعاني منها حتى يومنا هذا دون أن تلوح في الأفق بارقة أمل بالخلاص القريب بعد أن إختلطت الأوراق وتداخلت الخنادق , وأصبح العراق ساحة صراعات وتصفية حسابات إقليمية ودولية, وأطلق عنان الغرائز الدينية والطائفية والأثنية التي أحرقت الأخضر واليابس.
يشهد العراق حاليا فوضى سياسية غير مسبوقة في تاريخه , حيث يبلغ عدد الأحزاب فيه كما تشير بعض التقاريرأكثر من ( 300 ) حزبا , يتسم نحو (80%) منها بطابع ديني , ونحو (10%) بطابع قومي, ونحو (10%) بطابع مدني , منها (121) حزبا مسجلة حاليا لدى المفوضية العليا المستقاة للإنتخابات . تمتلك الأحزاب الكبيرة مليشيات وأذرع مسلحة, وتحضى بدعم خارجي إقليمي ودولي ولكل منها قناة تلفزيونية فضائية خاصة بها. تتقاسم الأحزاب الرئيسة المناصب الحكومية في إطار سياسة المحاصصة الطائفية والأثنية بحسب حجم كل منها في مجلس النواب في إطار ما أطلق عليه بالديمقراطية التوافقية التي أفضت إلى تقاسم موارد الدولة بين فرقاء الحكم ونهب المال العام دون رقيب أو حسيب منذ العام 2003 وحتى يومنا هذا , بحيث إستشرى الفساد في كل مفاصل الدولة لدرجة بات فيها العراق يصنف ضمن أكثر دول العالم فسادا وهدرا للمال العام .
وبإلقاء نظرة فاحصة لواقع حال الأحزاب السياسية في العراق منذ تأسيس دولته الحديثة وحتى يومنا هذا ,يمكننا القول أن العراق شهد شكلا من أشكال التداول السلمي للسلطة وقدرا معقولا من اللبرالية وممارسة الحريات المدنية في العهد الملكي على الرغم من حداثة تكوين نظامه السياسي وقلة الوعي بين معظم الناس بسبب تفشي الجهل والفقر والأمية , كان يمكن أن تؤسس لبناء نظام ديمقراطي بمرور الوقت ,في ضوء زيادة الوعي ونشر الثقافة وتراكم الخبرات لو أتيح للنظام الملكي الإستمرار. إتسمت الأحزاب بهذا العهد بالولاء لزعماؤها من منطلقات عشائرية أو مناطقية أو منفعية في معظمها , وغالبا ما كانت هذه الأحزاب أحزاب هلامية سرعان ما تتلاشى بمجرد إنتهاء مبررات وجودها. وبالمقابل كانت هناك تجمعات لنخب ثقافية تبلورت إلى أحزاب سياسية لم تتمكن من تحقيق رصيد جماهيري كاف يوصلها لسدة الحكم , إذ إنحصر دورها بإصدار النشرات الحزبية السرية وتنظيم المظاهرات الإحتجاجية بين الحين والآخر من قبل طلبة المدارس والكليات. وقد دفع عجز هذه الأحزاب بالإطاحة بنظام الحكم عبر الوسائل الديمقراطية, إلى التحالف مع بعض كبار العسكريين الطامحين إلى السلطة لقلب نظام الحكم عسكريا . شهد العراق محاولات إنقلابات عسكرية عديدة, أبرزها إنقلاب الفريق بكر صدقي في منتصف عقد الثلاثينيات من القرن المنصرم , وإنقلاب العقداء الأربعة عام 1941 , وإنقلاب عبد الكريم قاسم عام 1958 , وإنقلاب الثامن من شباط عام 1963 , وإنقلاب عبد الرزاق النايف عام 1968 , وغيرها من الإنقلابات العسكرية الأخرى الفاشلة التي لم يكتب لها النجاح. أفضت الإنقلابات العسكرية التي إستطاع منفذوها إستلام مقاليد حكم العراق إلى أبشع أنواع القهر والإستبداد السياسي ومصادرة الحريات وتكميم الأفواه وتسلط الحاكم الفرد على رقاب الناس ما دام على قيد الحياة.
وبغزو العراق وإحتلاله عام 2003 الذي بشر فيه المحتلون, العراقيين بقيام عراق ديمقراطي ينعموا فيه بالأمن والآمان والتداول السلمي للسلطة عبر صناديق الإنتخابات الحرة النزيهة , وإذا بالعراق يشهد أسوء نظام سياسي فاسد في تاريخه قائم على نظام المحاصصة الطائفية والأثنية التي باتت تهدد وجوده وكيانه كدولة موحدة يعيش في كنفها جميع العراقيين . ويتوهم كثيرا من يعتقد أن الإنتخابات تعني بالضرورة الديمقراطية ما لم تستكمل شروطها الأساسية المتمثلة بالبيئة الآمنة وتكافؤ الفرص بين المواطنين في جميع مجالات الحياة وتأمين لقمة العيش الكريم لهم ونشر الثقافة والوعي بينهم, وإعتماد مبدأ المواطنة والهوية الوطنية العراقية في العمل السياسي وتحريم ما سواها من هويات فرعية إثنية كانت أم طائفية.
تكمن أزمة الديمقراطية في العراق , بطبيعة تكوين غالبية الأحزاب السياسية الحالية , فبعضها قائم على أسس عرقية لا يهمها مصلحة العراق بل ينصب جل إهتمامها على مصلحة مكونها العرقي , وأخرى قائمة على أسس طائفية بدعوى تأمين مصلحة طائفتها من منطلق مظلوميتها في عصور خلت لسنين طويلة , وأخرى بدعوى إستعادة حقوق طائفتها التي أصابها الحيف والتهميش في أعقاب سقوط النظام الحاكم السابق . وهذه الأحزاب جميعها لا تنظر لمصلحة العراق من منظور وطني شامل عابر للأثنيات والطوائف بل من منظور طائفي وأثني ضيق. ويا ليت هذه الأحزاب حققت نجاحا لمصلحة من أوصلوها للحكم, إذ عم الفساد والخراب وساد فقدان الأمن جميع ارجاء العراق بسبب حماقاتهم وسياساتهم الطائشة , حيث لم يعد الناس آمنين على حياتهم وممتلكاتهم , ناهيك عن ملايين النازحين والمهجرين والباحثين عن لقمة العيش في مكبات القمامة , وتفشي المرض والجهل وكل أشكال الدجل والشعوذة والخرافة وتعاطي المخدرات بصورة لم يشهدها العراق من قبل , وسطوة عصابات الخطف والجريمة المنظمة في كل مكان , وتفشي الفساد المالي والإداري من قمة هرم السلطة إلى قاعدتها دون حسيب أو رقيب.
ولا نعتقد أن أحزابا سياسية تفتقر إلى العمل الديمقراطي في حياتها الداخلية, يمكن أن تسهم ببناء نظام ديمقراطي في العراق , إذ كيف يمكن لهكذا أحزاب لا تفهم من الديمقراطية سوى أنها سلما للوصول إلى السلطة وإحتكارها , وكان الأجدر بها ممارسة الديمقراطية في صفوفها أولا , فبعض قادتها يتوارثون قيادة أحزاب تسمي نفسها ديمقراطية , أبا عن جد منذ تاسيسها وحتى يومنا هذا وكأنها ملك صرف لها , وأخرى بالطريقة نفسها من موروث الزعامة الدينية. ان العراق أحوج ما يكون اليوم إلى بلورة العمل السياسي وتنقيته من كل هذه الشوائب الفكرية الطائفية منها والأثنية والعشائرية والمناطقية, وبنائه بناءا وطنيا على اساس الهوية الوطنية من منطلق أن العراق وطن الجميع وأن مصلحة العراق أولا. وهذه مهمة ينبغي أن يسهم بها الجميع كل من موقعه وحسب قدرته بالوسائل السلمية ونشر الوعي بعيدا عن العنف والتشنج الديني أو الطائفي أو الأثني,







اخر الافلام

.. الحصاد-السعودية وإيران.. غزوات افتراضية


.. الحصاد-الصومال.. الأيدي الأجنبية


.. ارتفاع السكر في بداية الحمل يؤثر على قلب الجنين




.. أكثر من 8 آلاف قتيل منذ بدء عمليات التحالف


.. ألمانيا: انفجار في محطة قطار في هامبورغ