الحوار المتمدن - موبايل



ما أبعد وأعمق من القدس ...

مروان صباح

2017 / 12 / 8
مواضيع وابحاث سياسية


ما أبعد وأعمق من القدس ...

مروان صباح / من المهم للعقل العربي ، أن يعي الفارق بين المشروع الأممي ، الذي إنبثق عنه ، جمعيات ومنظمات ، في المقابل ، المشروع الكولونيالي ، المتجدد على الدوام ، بقيادة الصهيونية والغرب معاً ، فالكولونيالية ، في واقع التجارب ، لا تكترث لقرار هنا أو هناك ، مادامت تمتلك القوة ، وهذا يفسر ، انسحب إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية ، من منظمات ، أنصفت الجانب الفلسطيني في مسائل تراثية ، كانت اليونسكو في وقت سابق ، كمؤسسة متخصصة في الثقافة والتربية والعلوم الإنسانية ، أقرت ، الأقصى والحائط والحرم الخليلي ، مواقع تخص الإنسان الفلسطيني ، لكن ، هذه القرارات ، لا تعني الكثير ، لمن لديه مشروع الإبادة والشطب ، بل ، كما يتطور كل شَيْء ، تطور أيضاً اُسلوب الإبادات ، فالإسرائيلي ، وبدهاء الخائف ، يستخدم إبادة على نار هادئة ، على مراحل ، اقتلاع هنا ، تذويب هناك ، تغيير النمط التفكيري في أماكن متعددة ، إختلاق أزمات عربية متوالية ، هذا كله ، يضعف الاصطفاف العربي ويسقط جدران كثير للفلسطيني ، بل ، في واقع الحال ، هناك شعور مرتفع لدى الفلسطيني ، على وجه الخصوص ، أبن الأرض المحتلة ، بات يدرك ، أن عمقه غير فاعل ، بل العمق ، ليس أفضل حال من حاله ، لهذا ، المواجهة لا يوجد فيها أي نوع من الانصاف ، ولو بالقدر المقبول .

الآن ، كما بيدو ، الكولونيالية العالمية ، ترى أن الوقت مناسب في وضع النظام العربي في الزاوية ، بما فيهم النظام الفلسطيني ، بل ، حسب تقديري ، هناك ترسيبات روسية ، قد سُربت للحكومة الإسرائيلية ، بخصوص علاقة ترمب بالروس ، التي مكَنت اللوبي اليهودي في الولايات المتحدة الأمريكية ، ممارسة الضغوط وتهديده بإخراجه من البيت الأبيض ، ومن جانب أخر ، تُعتبر حكومة ترمب ، فاقدة للأهلية ، إذا ما قارن المرء ، بينها وبين تلك التى تعاقبت على البيت الأبيض ، ليس في الشأن الداخلي أو حتى الشؤون الخارجية ، بل ، فقدت التوازن الذي إعتاد الرئيس يوازن بين رغبات مجلسي النواب والشيوخ وبين مصالح الخارجية للإدارة ، وبدت النبرة العقائدية تطغى على أي مصالح ، وهذا ، يفسر قرار ترمب بإقرار القدس ، عاصمة لإسرائيل ، بالطبع ، تطبيقاً لقرار النواب والشيوخ بين عامين 1990/ 1992 م ، الذي خصص القرار مبلغ 75 مليون دولار لبناء السفارة الأمريكية في مدينة القدس الشرقية ، وأكد الكونغرس ، على وحدة القدس ، كمدينة واحدة موحدة ، لدولة اسرائيل ، غير قابلة للتقسيم ، هنا ، لا ينكر المراقب ، خطاب ترمب الانتخابي والوعد الذي قطعه على نفسه ، بنقل السفارة ، بل ، ضمنياً النقل ، هو إعتراف بالقدس ، كعاصمة لليهود غير مقسمة ، لكن ، بعد وصوله إلى البيت الأبيض وزيارته إلى الرياض والصفقة الإقتصادية التى حصل عليها في السعودية ، بدأت مؤشرات تظهر عبر متحدثين البيت الأبيض ، أقرب إلى الانفكاك من تحقيق رئيسهم لوَعْده ، وأعتبرها اليهود طعنة عميقة في التوقيت ، وبالتّالي ، إضطرهم إلى إخراج ورقة التعامل مع الروس ، مازال حتى الآن ، حجم التعامل غير واضح ، هل اقتصر التدخل ، فقط ، على عملية الانتخابات ، أم هناك علاقة عتيقة وعميقة ، بالتأكيد ، قد يتسأل المرء ، الرئيس ترمب ليس الوحيد الذي مارس اللوبي اليهودي ، ضغوط عليه ، لكن الفارق بين ترمب والآخرين ، قضية الاستعانة بقوة ، هي مصنفة في عقيدة الأمن القومي ، بالعدو ، وهذا الأمر ، لا يقتصر على خروجه من البيت الأبيض أو محاكمته ، بل ، سيعرض إمبراطورية ترمب المالية والاقتصادية ، المغادرة من النادي الاقتصادي العالمي ، كضو .

يخال للوهلة الأولى ، أن مسألة نقل السفارة ، بالقرار الغريب ، كما يشير له الواقع ، بالفعل ، هناك استهجان واسع ، عربي إسلامي وحتى غربي ، أقل بدرجات ، على الرغم ، أن أرض الواقع ، إسرائيل تمارس شعائرها السياسية والبروتوكولية والدينية في المدينة ، بالإضافة ، لممارساتها العنصرية اتجاه أهل المدينة ، لكن ، يبقى السؤال ، كيف تطور القرار ، منذ عام 1985 م ، إلى يومنا هذا ، بل ، توازى القرار مع سلسلة مراحل ، تطلبت تحقيقها ، لكي ، تستطيع إدارة ترمب المجاهرة به ، دون أن تشعر بقلق على مصالحها ، في ذات الوقت ، هناك شعور إسرائيلي عارم ، بأن الوقت مناسب للغاية ، تماماً ، كتلك الأيام التى قررت خوض حرب 1967 م ، بالطبع ، مبنية على معلومات دقيقة ، بأن الفرصة مواتية ونادرة .

منذ الربيع العربي ، قبلها ببضعة خطوات ، ليست ببعيدة ، سجل الإقتصاد الأوروبي والأمريكي إهتزاز ، أصاب ركائزه وتزامن ذلك ، مع إرتفاع جنوني للنفط ، ظهرت رخاوة غير معهودة لدى الدّول ، وبدأت تطل من داخلها حلقات متواصلة ، ترغب بالانفكاك ، فباتت أوروبا مهددة بالتفكيك ، الذي جعل سقف سياساتها الخارجية ، متواضعة ، بالكاد تسمع اعتراض هنا أو صوت هناك ، في المقابل ، تغاضوا وشجعوا الأمريكان والإسرائيليون ، لما جري في كل من سوريا والعراق ، الذي سمح تشكيل بقعة ، أصدرت عمليّات بالغة التأثير في أوروبا وتركيا ، وبالتالي ، جعل من تركيا وأوروبا ، التفكير مائة مرة ، قبل النطق حول قضايا خارجية ، وهنا ، نجد أن الغضب الدولي والإسلامي والعربي ، في جوهره ، ليس كما يظن البعض أو كما الغاضبين ، ظنوا أنهم غاضبون ، من أجل قرار النقل أو الإعتراف بالقدس ، كعاصمة لإسرائيل أو بالأحرى ، كعاصمة لليهود ، لا تقبل التقسيم ، بل ، يحمل التوقيت وتنفيذ القرار ، مؤشر عميق حول التعامل القادم مع دول العالم ، كأن اليهود العالم ، يضعون جميع قدراتهم ، على طاولة مجلس الأمن ، ويقولون للعالم ، نحن نمتلك خيوط المال والاقتصاد ، وبالتالي ، القدس لنا ، ومادامت المجتمعات تعيش على الاقتصاد وحده ، الجميع سيرضخ لأفعالهم ، في المقابل ، هناك إلى ذلك ، حقيقة راسخة ، خلاصتها ، بأن الجغرافيا العربية ومحيطها ، التركي والإيراني ، تبقى تحمل خصوصيّة مختلفة ، يبدو كما أرجح ، أن القادم ، لا ينطبق على السلطة الفلسطينية ، فقط ، بل ، سيشمل المنطقة بأكملها ، لأن اسرائيل ، تعتبرها محيطها الأقرب والأعمق ، وترغب بإزالة جميع المقلقات التى ممكن أن تشكل تهديد لها في المستقبل ، القريب أو الأبعد ، بل ، الواقع يشير ، بأن اليهود إستطاعوا انتزاع فكرة الأرض المقدسة من الذهنية الغربية ، لصالح اليهودي والتفرد وحده بها ، بينما ، في محيطهم ، يَعْملون على انتزاع القدرة والطاقة والتجمع ، لأنهم يعوا ، أن انتزاع الفكرة ، غير واردة ، بل ، خارج نطاق مستويات قدرتهم ، لهذا ، شاركوا الإستعمار في إنشاء دول إقليمية وأخرى ، أصغر ، فاقدة للطاقة والندية على مستوى الدولي ، وعلى الأتم جهوزية في مواجهة بعضها البعض تحت عناوين ثلاثة ، القومية والمذهبية والصراع على السلطة ، وغيروا قواعد اللعبة ، عن طريق إبادات متوالية للنهضوين العرب ، ابتداء من الشريف الحسين ، مروراً بمشروع الملك فيصل وبالتوازي مع عبدالناصر وأخيراً صدام حسين ، وأتاحوا للأقليات في الإقليم ، إعادة صياغة مشروع النهضة ، على أساس عمليات جراحية عميقة للشخصية العربية .

الآن ، الفلسطنيون يقفون مكتوفي الحال ، أمام جملة تجارب ، لم تجلب لهم سوى المراوحة مكانك ، بل ، الأراضي الفلسطينية ، أشبه بالسجين المحكوم عليه ، بالمؤبد، لا يوجد أمامه سوى الانتحار أو تكرار المكرور ، والعرب والقوى الإقليمية والدول الكبرى ، يتمترسون بين سوريا والعراق ، أي أن اليهودي ، يعي بشكل لا يخفيه يقينه ، بأن لا يوجد قوى متفرغة للقدس ، بل الأخطر من ذلك ، إستطاع الإكماش بجميع القوى الإقليمية من خلال التوازن الدولي ، بمعنى أخر ، أي قوة ، تقرر تغير إتجاه المعركة ، سُيرفع عنها الغطاء ، وستنقرض ، لكن ، يبقى قرار ترمب سياسي في مضمونه ، وهنا ، مواجهته ممكنة ، سياسياً ، بالإضافة، للتحركات الشعبية ، من هنا ، أدعو الملك عبدالله الثاني ، ملك الأردن إلى صياغة مشروع مع الرئيس محمود عباس ، من أجل ، إقراره في جمعية الأمم المتحدة ، مضمونه ، الإعتراف بالدولة الفلسطينية كاملة وتحدد عاصمتها القدس الشرقية ، يتم تمريره من الجامعة العربية وثم المنظمة الإسلامية وحركة عدم الإنحياز وصولاً لجمعية الأمم ، من أجل وضع المجتمع الدولي في الزاوية وأمام مسؤولياته ، المصادقة على هكذا قرار ، هو الرد الدبلوماسي الأفضل ، ولتبقى الاحتجاجات فاعلة وضاغطة ، على أقل ، في الوقت الحالي ، حتى تتراجع إدارة ترمب عن القرار .

واقع الحال ، يتطلب إعادة تدوير القائم ، بطريقة تقلل تسارع الإيقاع ، لأن الأطراف ، منقسمون بين الروس والأمريكان ، القوتان تعتبران المشروع الإسرائيلي حق قومي ، مؤخراً ، تحول إلى حق ديني ، لأن ، الصمت الذي خيم على سماء الدنيا ، أثناء تمهيد ترمب ، إعلان القدس إسرائيلية ، يفسر لنا حجم التواطؤ ، بل ، في أحسن حال ، جاء النطق من مناطق قليلة ، خجولاً ، لأن في الأصل ، الدول الكبرى ، لم يحددوا في إعترافهم الأول ، حدود الدولة الإسرائيلية ، بل ، رضخوا إلى التمييع اليهودي ، لكن ، مازالت مصر ، رغم تنوع كوارثها التى تراكمت خلال العقود السابقة ، مازالت خارج القسمة ، وقادرة على التحرك بإتجاه توقيف الانهيار ، مبدئياً ، وذلك بإتخاذ الرئيس السيسي ، قرار ، إنهاء معركة اليمن ، الذي بدروه ، يوفر كامل الجهد في إنهاء الاستنزاف القادم من ليبيا ، وهذا بحد ذاته ، يعيد العربي من تحت الأرض ، غير ذلك ، ستتعمق الصراعات أكثر ، وسيفرض الإسرائيلي في المستقبل ، أجندات أخرى ، ستكون صدمتها ، أكبر وأعمق من القدس . والسلام
كاتب عربي







اخر الافلام

.. لغة التهديد والوعيد والتصعيد تسود الأجواء اليمنية بعد مقتل ا


.. الجزائر.. عهدة خامسة لبوتفليقة بين مناشدة -الأفلان- وخيار ال


.. ترامب: بصمات إيران وراء جميع المشاكل




.. ترامب يصف الاتفاق النووي الإيراني بـ-الكارثة- و-الفظيع- خلال


.. هل تخطط روسيا لتقسيم سوريا خدمة لمصالحها؟