الحوار المتمدن - موبايل



في نقد طه حسين(3)

ميثم الجنابي

2017 / 12 / 13
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع


طه حسين- الرواية والحكاية او النقدية المسطحة وتقاليد الحشو واللغو!


لقد تغلغلت الثقافة الشفوية في شرايين الذاكرة الحبيسة لطه حسين. وكانت تحتوي بقدر واحد على مكون وجودي (انطولوجي) وآخر ذهني (ثقافي). الأمر الذي جعل من الثقافة الشفوية أو ما يمكن دعوته بثقافة الحكاية والرواية الأسلوب الأكثر رسوخا في بنيته الذهنية. من هنا كثرة الحشو والتكرار وضعف الحصانة الرزينة في الموقف من المواقف النقدية نفسها. لاسيما وان هذه الصفة لها تقاليدها الخاصة في الثقافة المصرية على امتداد قرون، أي ثقافة التأليف، والجمع، والتصنيف، والشروح، والتعليقات، والحواشي، والحواشي على الحواشي. وهي ثقافة بلغت ذروتها في أوج مراحل الانحطاط "المستنير" في كثرة وتفشي الاهتمام المبالغ فيه والجميل لحد ما بالحكايات والروايات مثل ألف ليلة وليلة، وعنترة، والظاهر بيبرس، والأميرة ذات الهمة، وسيف بن ذي يزن، والهلالية وغيرها.
فقد كانت ثقافة الحكاية والرواية شائعة الانتشار في أزقة القاهرة ومقاهيها منذ القرن الثامن عشر. أنها ساهمت في بلورة الخيوط الخفية للاستعداد الذهني المصري للقبول بالرواية والحكاية على أنها "علم الأوائل" مع ما فيه من هيبة ورهبة خاصة في الضمير الاجتماعي والذوق العام. ونعثر على هذه الظاهرة لحد الآن في انتشار وغلبة "الشخصيات المحاكمة" و"المنبوذة" و"المكفرة" بين الشخصيات المصرية، أي كل أولئك الذين يتلذذون بهذا المصير من اجل الحصول على شهرة لا تفعل في نهاية المطاف إلا على صنع ثقافة الرغبة العجولة بالحصول على رجولة مشهورة وفحولة مقهورة في ميدان المواجهة والعلم! مع أن اغلب الكتب التي جرت "محاكمتها" و"تصفية الحساب" مع شخصياتها لا تتعدى كونها مؤلفات صغيرة ومسطحة بمعايير العلم والمعرفة الدقيقة. لكننا نعثر فيها وفي "مصيرها" ونتائجها بقدر واحد على الصورة الفعلية لضعف وتسطيح الوعي الناقد والمنقود. وهذا بدوره ليس إلا الوجه الآخر لهامشية المعرفة في كل هذا الرصيد المثير للغط والبهرجة المزيفة. ومن الممكن العثور عليه أيضا لحد الآن في النزعة السائدة في الثقافة الصارخة للوعي المسطح كما هو جلي في أغلب ما يسمى بالكتابات "العلمانية" النقدية المنتشرة بين الكتاب المصريين واتباع اليسار التقليدي، كما هو الحال على سبيل المثال لا الحصر في كتابات السيد القمني، وسابقه فرج فوده وكتابات نصر حامد أبو زيد النقدية، على خلاف كتاباته الاكاديمية المتعلقة في ميدان التراث. رغم أن الطابع العادي لهذه الكتابات من حيث مستوى تأسيسها النظري. وذلك لانها تبقى في نهاية المطاف مجرد كتب مدرسية وبالتالي لا تتميز بعمق معرفي ويغلب عليها الحشو المعلوماتي أيضا.
بعبارة أخرى، إننا نقف أمام نماذج لا حياة فيها بالمعنى الدقيق للكلمة ولا حداثة، وذلك لان حقيقتها أو مضمونها اقرب إلى أساليب الدغدغة الحية والمشاكسة لحد ما لمشاعر العوام المبهورة بكل ما هو مسطح و"غريب". وليس مصادفة أن تلاقي هذا الاستحسان المشبوب بالزعيق والتصفيق بين أنصاف المتعلمين وأشباه المثقفين من ممثلي "اليسار" و"العلمانية"، أي أطراف وهامش المسار الفعلي للمعرفة العميقة والوعي النقدي الفعلي.
إن الرؤية النقدية لطه حسين في اغلبها نقدية بهرجة ومحكومة بتقاليد الحكاية والرواية. الأمر الذي يعطي لي إمكانية الحكم على شخصيته، باعتبارها شخصية حكواتية تقريرية خطابية. من هنا انتشار وغلبة السرد والسرديات فيها. كما انه سر بقاءها العائم على سطح الوعي العادي، واستمرار بقاءها مصدرا للرؤية الكسولة والعقول المكسورة أمام مهمة المواجهة الحية والتحدي الفعلي لإشكاليات المعرفة والحقيقة كما هي من جهة، وفي ميدان التراث من جهة أخرى، أي مواجهة إشكاليات المعاصرة بمختلف ميادينها ومستوياتها.
إن اغلب ما كتبه طه حسين من مؤلفات يتصف بغلبة الرواية والحكاية والعرض والاستعراض الممزوج برؤية تسعى لتمحيص بعض الأخبار وتدقيق بعض الأحكام إضافة إلى محاولة تحقيق بعض المفاهيم بطريقة عقلية ونقدية كما هو الحال على سبيل المثال في الموقف من السبئية وشخصية ابن السوداء (عبد الله بن سبأ) وأمثالها في (الفتنة الكبرى)، بمعنى النظر إليها باعتبارها شخصية مخترعة بأثر الجدل والتشويه بين "أهل الجماعة" والشيعة، كما يقول طه حسين . بل لا يخلو من غلبة الحكاية والرواية والتسطيح المعرفي أيضا حتى أشهر كتبه العلمية مثل كتبه عن أبي العلاء المعري بما في ذلك كتاب (المعري في سجنه) . ولم يكن ذلك معزولا عن الحقيقة القائلة، بأن الكتابة النثرية عن الشعر لا قيمة لها في الأغلب ما لم يجري تجاوز الشعر أو ما لم يجر دمجه في منظومة لها همومها الكبرى، أي مندمجة في نسيج الرؤية النقدية والعلمية المستقبلية. أما عند طه حسين فإنها مجرد حكاية ورواية وذكرى ومقارنة شخصية. من هنا تفككها وطيرانها الخفيف في أجواء الأحاديث واللغو. وينطبق هذا أيضا على محاولته الغوص في أعماق النفس المضطربة لأبي العلاء. بمعنى اتسامها بالطابع الوصفي الخارجي. وذلك لأنها ظلت محكومة بذكرى وتصور وحكم وتقرير ومقارنة وإسهاب ضعيف وتكرار عنيف من اجل الرجوع إلى فكرة بسيطة أو تقرير لأشياء معروفة ومعلومة ومشهورة. الأمر الذي جعل منها، كما هو الحال بالنسبة لأغلب كتاباته بهذا الصدد أشبه ما تكون بغوص في بركة صغيرة!
ومع انه أشار في أكثر من مرة إلى انه يكره أنصاف الحقائق، ويؤثر العلم والتاريخ على كل شيئا آخر ، فان ذلك لا يغير من الحقيقة القائلة بان أقواله هذه هي مجرد تقرير شخصي. خصوصا إذا أخذنا بنظر الاعتبار أن اغلب ما كتبه من كتب علمية ومشهورة كانت في بدايتها، كما أشار في جميع "المقدمات" التي كتبها لهذه الكتب، من اجل "التسلية" و"القضاء على الوقت" و"التلهية" و"الاستمتاع". كما نعثر عليها أيضا في كثرة العبارات المنتشرة فيها، التي تعكس ما يمكن دعوته بسيادة "فرضيات" الخيال التائه أو المتشبه بولع الحكاية والرواية، مثل "لا اعرف إن كان..." و"من يدري.." و"لعل الأمر كان...".
وفيما لو جرى إهمال هذه الجانب، فان اغلب ما سطره بهذا الصدد كان اقرب إلى أنصاف الحقائق واجتزاء للتاريخ بالمعنى الدقيق لهذه الكلمة. وذلك لأنه لم يتعامل مع التاريخ بمعايير وعي الذات وبدائل المستقبل، كما أن حقائق العلم تبقى سائبة ضمن سياق المزاج الأدبي والذوق الفني للعبارة والمعنى. وبالتالي لا علاقة لها بتأسيس الرؤية التاريخية ولا تراكمها العلمي النوعي في الفكرة. فنراه يتكلم عن إقامة "أبو العلاء في سجنه الفلسفي هذا نحو خمسين عاما" . والقضية هنا ليست فقط في أن الفلسفة لا تصنع سجنا، بل وأن البحث عن "سجن فلسفي" أو اكتشافه في أبي العلاء من خلال البحث في أبي العلاء لا أساس فيه أو له. ولا يغير من ذلك شيئا كون طه حسين كان يقصد بكلمة السجن سجن الجسد (بفعل آفة العمى) وحرية الروح بفضل الأولى. وذلك لأنهما كلاهما بديهة! كما نعثر على ذلك في موقفه من المتنبئ وبشار بن برد (في معرض المقارنة بابي العلاء)، وبالأخص في إشارته إلى انه يحب ويكره فيهما أشياء. ووجد في المتنبي مغامرا طلب ما لم يخلق له ! في حين أن النظرة العلمية الدقيقة وما يترتب عليها في ميدان الرؤية الأدبية عادة ما تتجنب المقارنة بمعايير الأخلاق خصوصا حالما يجري انتزاعها عن قيم المرحلة وأنماطها ومرجعياتها الكبرى. والشيء نفسه ينطبق على موقفه من أن بشار بن برد أثار الإعجاب لكن إبداعه لا قيمة له بالنسبة للأخلاق والعقول، بل هو اشد إساءة !! أما مثال المتنبي فلا يحتذى به بالنسبة لتقويم العقل والأخلاق! انه نموذج الغرور ! وكلا الحكمان تائهان في مزالق الأخلاق المجردة أو بصورة أدق الأخلاق الظاهرية والتقليدية. إذ لا يرى طه حسين البعد الدفين والأعمق والأصدق والأكثر حقيقة في مواقفهما وسلوكهما وشخصيتهما بوصفها نماذج متنوعة للحرية والتحرر والخروج على المألوف وجوهرية الأنا والفردية المبدعة. وان الشخصية المبدعة الكبرى لا ينبغي حصرها بمعايير "الأخلاق العامة" وذلك لان الفضيلة والرذيلة فيها كلا واحدا.
وعموما يمكننا القول، بان قيمة هذا العمل وما سبقه وتلاه عن أبي العلاء المعري هو نتاج لإدراك قيمة وأهمية هذا الرجل على مستوى الحياة الشخصية والفكرية وإبداعه العقلي والروحي والفني. وما عدا ذلك فحكاية ورواية. وهو النقص الجوهري الذي لازم اغلب كتابات وروايات طه حسين. بمعنى أنها لا تؤسس لفكر ولا تخلص إلى نتيجة ولا تقوّم رؤية بالمعنى الدقيق. فاستعمال كلمة فتنة على سبيل المثال في تفسير التاريخ (الإسلامي الأول وصراعه الداخلي) انطلاقا منها لا ينم عن رؤية تاريخية. كما أنها تفتقد إلى أي بعد فلسفي قادر على التأسيس للقيم والمفاهيم والوعي الذاتي القومي. وليس مصادفة أن ينتهي كتابه عن تاريخ الفتنة بفكرة تقول، بان كل ما جري ويجري يمتلك حكمة أقامها الله في وجود الأشياء وانه بالغ أمره فيها ! إذ ينتهك هذا الاستنتاج اللاهوتي (اليقيني) كل معنى الشك العقلي والنقد المعرفي والبحث العلمي. لكنه في الوقت نفسه نتيجة لما يمكن دعوته بشخصية طه حسين العلمية، التي أفصح عنها الرجل في أماكن وحالات عديدة، لعل أكثرها نموذجية العبارة التي قال فيها مرة عن نفسه ما يلي: "أنا لم أتكلف في هذا الكلام مشقة ولا جهدا. فانا رجل أحب القراءة، وأحب القراءة المختلفة المتنوعة، اقرأ في الأدب العربي القديم والحديث (ونفس الشيء على الأوربي) لكن الهمّ كان عربيا. أنا دوما اسأل نفسي هل موجود هذا في العربية، هل يتلاءم معها، هل تستجيب العربية له، وهل أنا قادر على أن ألائم بينهما" ؟ ومع انه لا يجوز تعميم هذا التقييم على كل ما كتبه إلا انه يعكس بصورة نموذجية الصفة الجوهرية لتي ميزت ولازمت كتاباته منذ البداية حتى النهاية.
وليس مصادفة أن تمتلئ كتاباته بالحشو. ومن الممكن التدليل على ذلك من خلال تناول اغلب كتبه الشهيرة مثل (على هامش السيرة) و(مرآة الإسلام) و(في الأدب الجاهلي) و(تجديد ذكرى أبي العلاء) وغيرها. إذ نعثر في مؤلفه (على هامش السيرة) على كتاب "لم يكتب للعلماء والمؤرخين" كما يقول طه حسين ، أي انه مجرد تأملات سريعة على هامش كتاب وقراءة. وفي أفضل الأحوال هو مجرد استعادة جديدة أو حديثة لنماذج الهوامش. والشيء نفسه يمكن قوله عن الجزء الثاني منه . إذ لا يتعدى كونه مجرد محاولة بائسة لقصص الخيال وذلك لأنها تكلف. ولم يكن هذا الانهماك في السيرة أو استعادتها بالطريقة التي كتب بها طه حسين سوى الوجه الآخر لذوقه المعرفي، أي الحكواتي الروائي. من هنا نراه يسمح لنفسه بالخيال والحكايات المنافية للعقل وما شابه ذلك لان العقل ليس الملجأ الوحيد للمعرفة أو راحة الناس، كما يقول!
لقد أراد جعل قصص السيرة جزء من قصص الرواية بحد ذاتها. وهذا آمر لا بأس به، لكنه موجود ولا جديد فيه. انه لم يصنع حكاية جديدة بل أعاد ما هو موجود منها. ولا يغير من ذلك شيئا إقراره بالحقيقة التاريخية عن الهام السيرة النبوية المؤرخين والقصاص القدماء، ومن ثم إقراره بإمكانية تحويلها إلى مصدر للإلهام الأدبي الحديث . ولا خلاف حول سلامة هذا الموقف، لكنه لا يؤسس لفكرة الإلهام والإبداع. وذلك لان القضية ليست في السيرة أو إمكانية استلهامها، بل في ماهية الإبداع الحديث. فالإبداع الحقيقي محكوم بهمومه الحقيقية، كما أن الإبداع الجديد محكوم بالجدة والتجديد. أما الماضي فهو تجربة قابلة للتأمل. أما (مرآة الإسلام) فهي رواية بسيطة وجيدة لحياة محمد المعروفة والمألوفة ولكن من خلال استعراضها على القرآن. غير أنه استعراض ظاهري ومباشر. والقيمة الوحيدة فيه هو توسيع مدى الرؤية الاجتماعية والعقلية وغيرها من القرآن، كما نعثر عليه في العبارة التالية "القرآن الأشد والأعمق والأكثر قراءة وتقويما للحياة واللسان" . وانه قد "قيل في القرآن ومعجزاته الكثير، إلا أن كل ما قيل لا يستنفذ ما فيه من روعة وجمال وبهاء"، ولعل من بين أهمها هو إعادة خلق العرب خلقة جديدة . أما كتاب (في الأدب الجاهلي) فمدرسي خالص لطلبة السنة الأولى والثانية لكلية الآداب . لكنه لا يخلو من بعض الأفكار السليمة والدقيقة مثل أن الشعر يقاس بما فيه من قوة أدبية وذوق جمالي. وانه وثيق الارتباط بزمانه. وان معاداة القديم باسم الحديث هو غلو يعادل معاداة الأجنبي لأنه أجنبي . كما يدافع فيه عن تقاليد الشعر العربي. وانه شعر غنائي. لا تمثيل ولا قصص فيه . وأن الشعر الغنائي باقي والأخر ذاهب للزوال.
والشيء نفسه يمكن قوله عن كتاب (تجديد ذكري أبي العلاء). بمعنى انه يسير ضمن تقاليد الحكاية والرواية، التي تعيد من حيث الجوهر ما سبق وان ذكره في كتبه السابقة. وحالما ينتقل بين الحين والآخر إلى ميدان الفكر النظري، فانه يقع في زلات وهفوات كبيرة، كما نراه على سبيل المثال لا الحصر في موقفه من التصوف. فما كتبه هنا عن "الفلسفة الصوفية" سطحي وبسيط ولا علاقة له بالعلم وتاريخ الفلسفة والتصوف. وينطبق هذا ليس على الفكرة العامة والمنهج بل والجزئيات، كما هو جلي على سبيل المثال في موقفه من أن جذور التصوف الفلسفية ترتبط بالفلسفة اليونانية وفكرة وحدة الوجود عند الرواقيين . وان التصوف مرتبط بأصول هندية من جهة وبأصول يونانية من جهة أخرى (فكرة الإشراق) . وان ربط هذه الأصول والجذور ببعض مفاهيم الإسلام أدى إلى ظهور التصوف (كالحلاج والجنيد وغيرهم). وأن التصوف اقرب إلى التشيع منه إلى السنة . وانه اتخذ الأباطيل والإباحة ومخالفة الدين والحشيش للوصول إلى الله ، وما شابه ذلك من ترديد لما كان يكتب آنذاك في بعض الأدبيات الأوربية الشائعة الانتشار بعد خلطها بالخرافات الشائعة في العالم الإسلامي آنذاك وبقايا الصدى الصدأ لمراحل الانحطاط!
لم تكن الرواية والحكاية السائدة في أسلوب طه حسين معزولة عن هيمنة نمط الكتابة الاجتماعية. فقد كان هذا النمط من الكتابة هو الغالب عليه بما في ذلك في بحوثه التاريخية والأدبية والتراثية. وقد يكون (حديث الأربعاء) و(حديث المساء) هو من بين أكثر ها شهرة وتمثيلا لهذا النمط. كما نعثر عليه في أفضل ما كتبه مقارنة بأعماله الأخرى، كما هو الحال في سلسلة البحوث والمقالات التي دونها عن أبي العلاء المعري. ففي عناوين (حديث المساء) ، كما هو الحال بالنسبة لأغلب ما كتبه عادة ما تتكون من كلمات مفردة فقط، أي بلا فكرة ولا إشكالية. أنها تعبير عن انطباع وحكاية ورواية، أو بصورة أدق أنها نموذج للكتابة الاجتماعية والسياسية والثقافية العامة، التي يمكنها المساهمة البسيطة في تربية الذهنية الاجتماعية على قيم النقد الايجابي والبناء والحر. وبمجموعها فضيلة دون شك لكنها ليست قادرة على تنظيم الفكر والفكرة. من هنا مراوحتها في المكان. بل حتى فكرة التجديد لأبي العلاء التي ترمي من حيث الإعلان إلى تجديد الرؤية النقدية الحرة والإنسانية والعربية والإسلامية من خلال تجديد الفكرة الفلسفية والأدبية والروحية والأخلاقية والعقلية الإنسانية كما وجدها عند أبي العلاء، لم تتعد في الواقع أسلوب التنوير البسيط. الأمر الذي جعل بحوثه بهذا الصدد عادية بمعايير الرؤية العلمية. انه يحاول بلورة رؤية علمية وموثقة عن حياة أبي العلاء وإبداعه، تأثره وتأثيره بالمدارس والثقافة العربية والإسلامية والعالمية كما في تقييم العام القائل، بان "أبو العلاء ثمرة من ثمار عصره، قد عمل في إنضاجها المكان والزمان، والسياسة الاجتماعية، والدين" . بمعنى تقرير أمور عادية. وهو شيء جلي أيضا في كون الكتاب من حيث الجوهر استعراض وتلخيص تاريخي بسيط للحالة السياسية والاجتماعية. وحالما ينتقل إلى ميدان الفكر فانه لا يحتوي إلا على أحكام عامة وغير دقيقة وحشو، مثل موقفه من الفلسفة الإسلامية بأنها دون اليونانية، وأنها مجرد تقليد وما شابه ذلك . بل ويضع فلسفة أبي العلاء المعري ضمن ما اسماه بفلسفة التصوف، بعد إشارته إلى ما اسماه بوجود ثلاثة أنواع من الفلسفة (الخالصة والدينية ويقصد بذلك علم الكلام، وفلسفة المتصوفة ويدرج ضمنها فلسفة أبي العلاء . هذا جهل بالاثنين وعدم دقة في الفكرة والعبارة والرؤية والتقييم.
مع ذلك كان هذه النمط من الكتابة والتفكير شديد التأثير في بيئة كانت تتصف بقدر هائل من الرؤية التقليدية. وفي هذا مأثرتها النسبية. فقد أثارت تلك الظاهرة، رغم عنفوانها وتأثيرها الملهم والمزري أيضا، حفيظة رجال الفكر والفقه وشهية العوام، لما فيها من استثارة متميزة للروح والجسد والعقل والذاكرة. وذلك لما فيها أيضا من مزاوجة بين الرؤية الموضوعية والنقدية من جهة والبقاء ضمن الماضي من جهة أخرى. غير أن الحصيلة المترتبة على هذه الأبحاث لم يكن بإمكانها أن تصنع عقلا موضوعيا ونقديا، وذلك لأنها محكومة بتقاليد الرواية. ومن ثم صعوبة إدراجها من حيث الجوهر في إشكاليات المعاصرة رغم كل دعوتها للعصرية والتجديد. إما القيمة النسبية الوحيدة لها فتكمن في نزوعها الاجتماعي وطابعها التنويري الجزئي والنسبي. وذلك لأنها كانت من حيث مقدماتها المنهجية وأسلوب تفكيرها ومستوى تحليلها وكيفي نقدها تنويرية نقدية وشكوك تنويرية. ومن ثم خلوها مما يمكن دعوته بالتنوير المنهجي. بمعنى طابعها السطحي وقدرتها على إثارة الوعي العادي أي وعي العوام غير الناضج، وغير المتربي بقواعد المعرفة المنظومية ومرجعيات الثقافة القومية والعلمية. وليس مصادفة أن يتحول ديكارت المبسط إلى شخصية محورية أو مصدر لرؤية النقدية لطه حسين. فقد كان هذا النزوع النقدي التنويري مقرونا عنده بالرجوع إلى ديكارت! مع انه لا رجوع إلا بالمعنى الزمني أي التقليدي وليس المعرفي. من هنا تحول النقد والنزعة النقدية إلى ميدان الإثارة والاستثارة مع ما فيها من تنوير محتمل. وهي الصفة التي ميزت عموم تيار عقلانية الشك واليقين والنقد والتطمين.







اخر الافلام

.. داعش يهاجم أكبر قاعدة للتحالف الدولي في سوريا


.. غارات عراقية تقتل قائد جيش الكواسر بداعش


.. عقوبات أمريكية على جيش ميانمار - ستديو الآن




.. زعماء وسياسيون ومسؤولون أمميون يرثون كوفي عنان


.. شاهد : تمثال عارٍ لترامب بزي مهرج