الحوار المتمدن - موبايل



التحليل النفسي كحركة وتنظيم

حكمت الحاج

2017 / 12 / 20
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع


ما هو التنظيم السري؟
بحسب موسوعة الويكيبيديا فإن التنظيمات السرية هي جماعات تتخذ طابعا تنظيميا في الغالب ولها اتجاهات سياسية أو دينية يرفضها المجتمع أو القوى السياسية الغالبة لذلك تتخذ من السرية طابعا لها تواجه بها هجوم الضد عليها وتنتج في الغالب كرد فعل للآلية السلطوية والديكتاتورية الشديدة والفساد. وعادة ما يستبعد هذا المصطلح المجموعات السرية، مثل وكالات الاستخبارات أو العصابات المتمردة التي تخفي أنشطتها وعضويتها، ولكنها تحافظ على وجودها العام. والمؤهلات الدقيقة لوضع الصفة على جماعة ما انها مجتمع سري موضع خلاف، ولكن التعاريف تعتمد عموما على درجة اصرار المنظمة على [السرية]، وقد تنطوي على الاحتفاظ بنقل [المعرفة السرية]، والحرمان حول العضوية أو المعرفة من المجموعة، وإنشاء روابط شخصية بين أعضاء المنظمة، واستخدام الطقوس السرية أو الطقوس التي تعزز من تكاتف الأعضاء.
كان" فرويد" قبل عام 1910 قد أتمّ وضع أكبر اكتشافاته الأساسية وعمل على عرضها في عدد من الكتب والأبحاث وقدّمها إلى مجموعة صغيرة من الأطباء وعلماء النفس في "فيينا". ولم تكن نشاطاته تختلف كثيرا عن نشاطات أي عالم آخر، غير أنّ مثل هذا النوع من الفاعلية لم يكن كافيا في نظر "فرويد". فبين عامي 1910 و1914 أزيح الستار عمّا سمي باسم " حركة التحليل النفسي" ولا شك أنّها عبارة لا تبعث على السعادة بالمرّة، ولكنّها عبارة استخدمها الأصدقاء والأعداء على حد السواء.
وكان "فرويد" قبل وقت قصير من تأسيس "الحركة" قد كتب إلى "كارل يونغ" يقول أنّه يأمل في أن يجعل مؤيديه ينضمون في جماعة أكبر تعمل من أجل فكرة عملية، ولقد فكّر في أن تكون "رابطة الأخوة الدولية لفلسفة الأخلاق والثقافة" هي الإطار الذي يستطيع أن ينتظم فيه هو وأتباعه، ولكن سرعان ما حلت محل فكرة "رابطة الأخوية الدولية" فكرة التحليل النفسي في أن تسمى "الرابطة الدولية للتحليل النفسي". لقد تأسّست هذه الرابطة بروح مختلفة تماما عما هو معتاد بالنسبة لنظرية علمية، وكان الأمر قد اقتضى أن تنظم بشكل ديكتاتوري. وقبل انعقاد مؤتمر الرابطة الأول فكر "فرويد" بأن الخطوط العامة للتحليل النفسي لا تفضي إلى المساواة الديمقراطية، ولقد وافق على الإقتراح الذي تقدّم به زميله وتلميذه "فرنشزي" فيما يخصّ تشكيل رابطة دولية لها جمعيات فرعية في البلدان المختلفة وتأكيد الحاجة إلى ضرورة اخضاع كل الأبحاث المكتوبة أو المحاضرات الخاصة بأي محلل نفسي، للموافقة عليها أولاً. وكان للمؤتمر الثاني للتحليل النفسي كل ما يميز المؤتمرات السياسية. ويمكن بسهولة استخلاص أنّ الباعث وراء "فرويد" و"فرنشزي" والآخرين هو التحمس لأناس يقودون حركة شبه دينية تكون لها معتقدات واجتماعات سرية تهاجم وتهادن أكثر من أن يكون لها موقف العلماء المعنيين ببحث موضوعهم. ويمكن إدراك روح سياسية مشابهة بعد هذا بقليل في تعامل "فرويد" مع طبيب نفسي كبير هو "بلويلر". ففي نهاية نفس السنة كتب "فرويد" ما يلي: "إنّني أجد مشقة مع بلويلر. لا أستطيع أن أقول إنّني أريده أن ينضمّ إلينا بأي ثمن نظرا لأنّ "يونغ" فوق كل شيء هو الأقرب إليّ لكني سأضحي بإرادتي من أجل "بلويلر" بأي شيء شرط أن لا يضرّ هذا بقضيتنا".
وبعد السنوات الأولى من الوحدة والانسجام بدأ الشقاق يفرق كبار الحركة وكانت مشاكل الرأي النظري هي التي تثار في الواجهة، ولكنها لم تكن الأسباب الوحيدة، وإلى حد كبير كانت الإنشقاقات والإنقسامات تتعلق بطموح المنشقين لكي يكونوا رؤساء طوائف جديدة ولكنهم متساوون هكذا بالروح السياسية والتعصب لفرويد وأتباعه. وعلى أية حال، فإنّ الشكل الذي اتخذته هذه الإنشقاقات والإنقسامات لم يكن ناجما فحسب عن طبائع "فرويد" وطبيعته التسلطية، بل كان ناجما أيضا عن البناء الذي قامت عليه الحركة. ففي الحركة المنظمة هرميا تكون هذه الوسائل منطقية لقهر العالم من أجل السيطرة والتغيير. إنّها هي نفسها كما هو الشأن في الحركات الدينية والسياسية المتعسفة تلتف حول معتقدية تأليه الزعيم.
إنّ القطيعة مع "يونغ" قد أدّت بالحركة إلى تأسيس لجنة دولية سرية من سبعة أفراد تضمّ فرويد طبعا، مهمتها أن تراقب مجرى ومسار الحركة وأن تتدخّل حين يطلب منها ذلك. وهذه الفكرة لإنشاء مثل هذه اللجنة هي دليل آخر على الروح السياسية التي إتّخذتها الحركة. ينقل إلينا "آرنست جونز" كاتب سيرة "فرويد" وتلميذه، الرسالة التالية المؤرخة في 6 آب أغسطس 1912 والموجهة إلى "فرنشزي:"ان فكرتك عن إنشاء مجلس سري يتألف من خيرة رجالنا قد أسرت خيالي. هؤلاء سيدعون التطور اللاحق للتحليل النفسي ويدافعون عن القضية ضد الأشخاص والأحداث عندما لا أعود موجودا. أولا وقبل كل شيء اللجنة يجب أن تكون سرية تماما في وجودها وفي أعمالها ومهما يحمل إلينا الزمن القادم فإنّ الرئيس القادم لحركة التحليل النفسي يجب أن يخرج من هذه الدائرة الصغيرة المنتقاة من الرجال الذين لا أزال مستعدّا للثقة بهم برغم خيبات أملي الأخيرة مع الناس."
وبعد عام، اجتمعت اللجنة لأول مرة ككل، وقد احتفل "فرويد" بهذه المناسبة بأن قدّم لكل واحد منهم فصّاً إغريقيا قديما من مجموعته والتي ركبها كل واحد منهم على خاتم ذهبي. وكان "فرويد" نفسه يلبس منذ وقت طويل خاتما من هذا الطراز وعندما أعطى "فرويد" عضوا آخر في اللجنة خاتما مماثلا وذلك بعد عدّة سنوات أصبحت هناك الخواتم السبعة التي تحدّث عنها "ساكس" في كتابه. ولقد كشف "فرويد" بوضوح الروح شبه السياسية للحركة في كتابه "حول تاريخ حركة التحليل النفسي". فقد سرد الإنتصارات المختلفة للحركة في عدة بلدان وأضاف معبّرا عن رضاه عن تقدّم هذه الحركة في أمريكا فقال "ومن الواضح فإنّ مراكز الثقافة القديمة- حيث ظهرت أكبر مقاومة – يجب أن تكون هي الساحة التي تجري عليها المعركة الحاسمة للتحليل النفسي". ويصف فرويد الحاجة إلى زعيم مفترضا أنّ الكثير من الفخاخ المنصوبة لإنسان يتولّى على عاتقه التحليل النفسي يمكن تجنبها إذا كان المرء مستعدّا لأن يبحث عن تسنم موضوع السلطة. ويضيف قائلا أنّه لابد من وجود رؤساء يكون من واجبهم أن يعلنوا أنّ كل هذا اللغو لا شأن له بالتحليل النفسي.
إنّ التحليل النفسي هو علاج للعصاب، وهو في الوقت نفسه نظرية سيكولوجية خاصة لوجود اللاشعور وتجلياته في الأحلام والأعراض المرضية وفي الشخصية وفي كل الإنتاجات الرمزية. وهي حالة غريبة لنظرية علمية تحول نفسها إلى حركة توجهها أساسا لجنة سرية، مع تطهير لأعضائها المنشقين، ومع وجود تنظيمات محلية داخل التنظيم الأكبر العالمي.
والآن، لماذا هذا الدور الفريد والغريب لحركة التحليل النفسي؟
يقول "إريك فروم" صاحب الكتاب الشهير بعنوان "فرويد، حياته وآثاره" إنّ الجواب يكمن جزئيا في تحليل شخصية "فرويد" من حيث علاقته بأمه وأبيه وبأقرانه. لقد كان عالما كبيرا بحق، لكنه مثل "ماركس" الذي كان عالم إجتماع واقتصاد، كان له غرض آخر لم ينجز بعد، غرض آخر لم يكن لدى شخص مثل "داروين" ما يماثله: لقد أراد أن يبدل العالم، وهو تحت قناع المعالج والعالم الطبيب، كان واحدا من مصلحي العالم الكبار".
ربما كان في مستطاع "فرويد" أن يكون زعيما اشتراكيا أو زعيما لحركة ثقافية أو أخلاقية أو دينية أو عنصرية كان في استطاعته أن يكون أيا من هذا ومع ذلك لم يستطع أن يكونه لأنّه بصرف النظر عن رغبته في حل لغز الوجود الإنساني كان لديه شغف علمي متسلط عليه تماما شغف بالعقل البشري فبدأ مهمته كطبيب وكان حساسا وشكاكا جدا في أن يكون زعيما سياسيا ولكن تحت قناع مدرسة علمية حقق حلمه القديم وهو أن يكون "موسى" الذي يرى للبشر أرضهم الموعودة وأن يقهر "الهو" بــــــ "الأنا" والطريق المؤدّي إلى هذا القهر.

حاشية:/
كتاب إريك فروم الوارد ذكره قام بترجمته للعربية مجاهد عبد المنعم مجاهد ونشرته المؤسسة العربية للدراسات والنشر ببيروت.







اخر الافلام

.. اتصال هاتفي| الجيش الليبي يسيطر على -مقر الإرهابيين- في درنة


.. شرح مفصل | تحركات عسكرية حوثية تعكس حجم خسائرهم في صعدة والح


.. دراسة استغرقت 80 عاما تتوصل إلى -سر السعادة-




.. الحرب في سوريا.. مخيم اليرموك


.. ماكرون يستبق لقاء ترمب بدعوته للبقاء ضمن الاتفاق النووي