الحوار المتمدن - موبايل



العبودية تجدد نفسها

وليد يوسف عطو

2017 / 12 / 25
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات


(يعكس موقف العرب المسلمين من العبيد نظرة الاحرار الى ذواتهم وعلاقتهم بغيرهم ,فهم (خير امة اخرجت للناس )والاخرون مجلوبون من بلادالكفر ,لاحسب ولا نسب لهم حتى وان اسلموا).
الدكتورة وفاء الدريسي

ان العبيد قد جلبوا الى ارض العرب من بلاد مختلفة ,وباعمار متباينة ,والسنة متباينة واديان متعددة وعادات وتقاليد متنوعة .لذا خضع هؤلاءالى برامج اجتماعية ونفسية لاعدادهم لمهامهم القادمة.منذ لحظة جلب العبيد تبدا رحلة العذاب حيث يسيرون مقيدي الايدي يحملون على ظهورهم قرب الماء واكياس الدقيق .ويقاد بعض الذكور الى مراكز الخصاء .

هنا يسكت المؤرخون عن معاملة النخاسين لهؤلاء الاطفال قبل بيعهم مثلما تقول الدكتورة وفاء الدريسي في كتابها(الجواري والغلمان في الثقافة الاسلامية:مقاربة جندرية ) .ان مهارة النخاس تكمن في قدرته على اختيار (البضاعة )المناسبة من اول وهلة .فما ان يؤسر الطفل حتى يتم تامل ملابسه لمعرفة اوضاعه الاجتماعية تقديرا للثروة التي قد يحصلون عليها في حالة فدائه او معرفة الى من سيتم بيعه ومجالات العمل التي يمكن ان يعمل بها .

يجمع العبيد في زنزانات صغيرة المساحة يحرسهم رجال مكلفون بتعذيب المماليك كحال المعتقلين والسجناء السياسيين في البلادالعربية .يقيدونهم بالسلاسل الثقيلة لحملهم على الدخول في الاسلام وتعلم اللغة العربية ,فاذا مااعتنقوا الاسلام وتمكنوا من التخاطب بالعربية حصل اكثرهم حظا او ذكاء او جمال على مناصب عليا في المجتمع مثل المحاسبين او الوزراء او الموظفين وكلف غيرهم بالاعمال المنزلية .

اما بالنسبة للجواري فالامر يختلف حيث يتم تقسيمهن لحظة وصولهن الى امة وجارية بحسب مقياس الجمال .حتى تحقق الجارية هدفها كان عليها ان تظهر اجمل مافيها وتخفي اقبح مافيها .وان تصرف وقتها نحو النظافة والتبرج للمشتري . وهذا ماجعل ديار النخاسين شبيهة بمصانع اليوم .

لقد جسد الضرب احدى وسائل التعذيب والتاديب المعتمدة ,وقد حفظ لنا بيت الشعر الذي قالته عنان عندما ضربها سيدها بالسوط لرفضها مطارحة شاعر وهي مريضة :
فليت من يضربها ظالما – تيبس يمناه على سوطه
لم يبالي النخاس بحالة الجارية المادية او النفسية ,فهو تاجر رقيق ودواب ,ولا فرق لديه بينهما , ولا بد لكليهما من الترويض ليطيع صاحبه وكلاهما تابع لاحق له في اختيار مصيره.

سلط التاريخ الضؤ على القائمين بخصاء الغلمان قبل بيعهم في الاسواق .يشير التاريخ الاسلامي بكثير من الكذب والتدليس الى ان من يقوم بالخصاء هم من غير المسلمين من النصارى او اليهود لان المؤرخين يجدون حرجا في تسمية المسلمين كاول الخاصين حفظا للضمير الجمعي الاسلامي.

استخدم الخلفاء الخصيان في قصورهم , وهو طقس عبور من وضع اجتماعي الى اخر .واستخدم الصقالبة للخدمة اليومية , في حين اعتبر خصاء الاسود خسارة كبيرة للسيد لان الحبشي متى خصي ثقلت حركته ونشاطه.وقدالبسوا العبيد خاتما اصفر من نحاس رمزا للعبودية فتحول الخاتم من اداة زينة الى اداة تمييز طبقي مذلة .

هذا التحديد لهيئة الغلام والجارية يؤكد ان المجتمع ينتزع عن الامة المخصصة للخدمة ميزات الانوثة اقصاء لها عن مجال الجنسانية ,ويسعى في المقابل الى ابراز مظاهر رجولة العبد الذي اراده السادة ان يكون ساعدهم الامين في مجالات متعددة .
يمكن ان تعد الخيزران محظية المهدي وام ولديه الهادي والمهدي ,وشغب ام المقتدر من اثرى الجواري في التاريخ الاسلامي.لقد قام الغلمان والجواري بعمليات قتل للسادة حيث كان اسلوب التسميم يلائم المراة حرصا منها على الستر والاخفاء والغدر.يتم هذا الفعل دون معرفة القتيل بما سينتظره.
في غرفة النوم يمكن ان تتخلص الجارية من سيدها ,وللخنق عدة طرق من اشهرها وضع الوسادة على الوجه والجلوس عليها , ومنهن من استخدمت القبقاب كوسيلة قتل .

العبودية تجدد نفسها

نجد اليوم تجدداشكال العبودية في مجتمعاتنا حيث اقامت داعش بفتح اسواق للنخاسة ولبيع واغتصاب الصغيرات من الفتيات.ومن اشكال العبودية المعاصرة شبكات البغاء المتعددة الاشكال والمرتبطة بعضها بصالات لعب القمار والكباريهات وبحمامات المساح والسونا .كما ظهرت حاليا تجارة الاعضاء البشرية كقطع غيار مثل الكلى .

كما تم تكريس عبودية عموم الناس الى شيخ الطريقة والعشيرة وللفتوى ولرجل الدين . كما يتم اليوم العبودية للنصوص المقدسة وغير المقدسة .ان العبودية ارتبطت بالذاكرة الجمعية وبالتاريخ وبالهوية وبالموروث العشائري والديني ,لذا يتم الترويج دوما للتراث التقسيمي بحجة تجديد التراث!

اكد ليفي بروفنسال ان اضطلاع القيان بادوار حساسة زمن انحطاط الاندلس كان وخيم العواقب عليها.فالصقالبة الاولين كانوا خرسا لم يتلقوا تدريبا ولا تنشئة , ولا علاقة لهم بالبلاد ولا باهلها .ولكنهم دافعوا عنها باعتبارهم مرتزقة ,ولهذا راعى من جاء بعدهم من الغلمان مصالحهم الشخصية دون مبالاة ببقية الشعب.وكان الاتراك الذين جلبهم المعتصم عجما ,والعجمة تعكس جهلهم بثقافة البلد الذي يعيشون فيه , لذا كثرت تجاوزات الغلمان في عصره ,فاضطر لتغيير عاصمة الخلافة العباسية من بغداد الى سامراء.

ان هؤلاء الغلمان جلبوا اطفالا وعزلوا عن المجتمع في معسكرات خاصة وعاشوا حياتهم سوية حتى سن الشباب ولم يكن يجدوا الامان الا مع بعضهم البعض .مثلت هذه الغربة قطيعة مع المجتمع بخاصة ان هؤلاء الغلمان احتلوا المناصب التي كانت مقتصرة على الاحرار , وهذا ادى الى توليد نقمة الشعب على العبيد .فالعبد يعيش حالة فصام نفسي وسلوكي .

تميزت تصرفات الغلمان وردود افعالهم بالعنف,فكانوا يضربون ويحرضون ,ويلطمون ويركلون ويذبحون الحيوانات والبشر وياكلون لحومهم .ان هذه القسوة تخفي وراءها حقدا ورغبة في الانتقام . ان تجمع افراد طبقة واحدة في مكان واحد من شانه زرع التماسك فيما بينهم والشعور بقوتهم .

نفس الامر يتكرر دوريا ,فاحداث فرهود اليهود في العراق عام 1941واحداث حركة 14 تموز 1958وسيطرة العسكر على السلطة والاحتلال الامريكي للعراق في 9 نيسان 2003 اخرج المارد من القمقم وتحولت مجاميع كبيرة من الناس من العيش تحت العبودية غير المباشرة الى القيام باعمال السرقة والحرق والقتل والاختطاف والسحل .لم يتوانى هؤلاء العبيد نتيجة الهوة بينهم وبين مجتمعاتهم , في بعض الحالات ,على التفريط في البلد الذي يعيشون فيه لمصلحة اعداء البلد .لقد اعترف المعتصم بندمه بالاعتماد على الغلمان الاتراك في حديثه مع صديقه اسحاق بن ابراهيم . وكان هذا الندم دليل عجز وضعف المعتصم وعلامة على الخوف من الغلمان القادرين على قتله.







اخر الافلام

.. الغوطة الشرقية... وهدنة مجلس الأمن المترنحة


.. لأول مرة منذ عام 1948.. كنيسة القيامة تغلق أبوابها


.. فلسطين.. تصريحات للسفير القطري تثير غضب الفلسطينيين




.. -الكويت 2035- رؤية واعدة لتحويل الكويت إلى مركز تجاري وثقافي


.. منتدى الرياض الدولي الإنساني ينطلق برعاية العاهل السعودي