الحوار المتمدن - موبايل



في نقد طه حسين(7)

ميثم الجنابي

2017 / 12 / 26
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع


طه حسين وذهنية الاستلاب المعرفي والثقافي

إن حقيقة الاستلاب الأكبر في تفكير وحصيلة آراء طه حسين تقوم أساسا في استلاب الرؤية المنهجية الذي يقترب في بعض جوانبه من حدود الانعدام الذاتي. وقد يكون موقفه من "مستقبل الثقافة" في مصر نموذجا حيا على ذلك، رغم كل الفضائل الكبرى لهذا الكتاب من حيث نياته وغاياته العلنية والمستترة ونمط رؤيته العملية للتربية والتعليم . وذلك لان القضية الجوهرية التي أراد طه حسين التأسيس لها هنا تتعلق بمستقبل الثقافة في مصر، أي أنها الصيغة الوحيدة التي تحتوي على رؤية مستقبلية . وانطلق من مقدمة سليمة تقول، بأننا "نعيش في عصر من اخص ما يوصف به أن الحرية والاستقلال فيه ليسا غاية تقصد إليها الشعوب، وإنما هما وسيلة إلى أغراض أرقى منها وأبقى" . وان الشيء الأهم هو "الحضارة التي تقوم على الثقافة والعلم، والقوة التي تنشأ عن الثقافة والعلم، والثروة التي تنتجها الثقافة والعلم. ولولا إن مصر قصرت طائعة أو كارهة في ذات الثقافة والعلم لما فقدت حريتها، ولما أضاعت استقلالها، ولما احتاجت إلى هذا الجهاد العنيف الشريف لتسترد الحرية وتستعيد الاستقلال" . ومن هذه المقدمة العامة أراد إيجاد الصيغة المثلى لتحقيق ذلك. فوجدها فيما اسماه بضرورة أن "تكون حياتنا الحديثة ملائمة لمجدنا القديم" . واختتم ذلك بفكرة سليمة ودقيقة في الوقت نفسه تؤكد على أن الأسلوب الوحيد لبلوغ كل ذلك هو "بناء التعليم على أساس متين" . وذلك لان تجربة مصر الحديثة تكشف عن أن أهم شخصياتها الفكرية والأدبية قد نشأت وترعرعت وتربت وأنتجت خارج إطار مدارس التربية والتعليم، أو بصورة أدق خارج "دار العلوم" مثل لطفي السيد وهيكل ومصطفى عبد الرازق والعقاد والمازني وكثير غيرهم، أي كل أولئك الذين ساهموا في بلورة "العقل المصري" الحديث . من هنا مهمة البحث عن علاقة تعاون أو صلة جديدة بين الدولة والشعب والمثقف من اجل تمكين المثقفين من أن ينتجوا فيضيفوا إلى الثقافة ويجددوها ويشاركوا في تنمية الثروة الإنسانية. ويهدف هذا التعاون إلى أن تتجاوز الثقافة الوطنية حدود الوطن بحيث يمكن تقديمها للأمم الأخرى التي "قد تحتاج إلى هذا الغذاء المصري". ويتطلب هذا بدوره تحقيق الصلة المنظمة الخصبة المنتجة بين مصر وبين الثقافات الأجنبية على اختلافها وتباين لغاتها ومناهجها. فموقع "مصر وثقلها واقتصادها يجعلها دولة مهمة على صعيد المتوسط والعالم"، إلا أننا حالما ننظر إلى مشاركتها الثقافية فإنها تكاد لا تذكر . وتوصل بأثر ذلك إلى استنتاج مستقبلي دقيق يقول، بان "التقصير في ذات الثقافة خطر على المكانة السياسية والاقتصادية، لان الفوز في السياسة والاقتصاد لا يتأتى للأمم الجاهلة ولا للشعوب الغافلة ولا للدول التي لا تمنح الثقافة من عنايتها إلا حظا يسيرا" .
إن هذه المقدمة العامة والسليمة من حيث الشكل والمحتوى ولحد ما المنطق، سرعان ما تتهاوى في دهاليز التأسيس الفكري لماهية مصر الثقافية، و"العقل المصري"، و"الثقافة المصرية" ونوعيتهما الثقافية.
لقد ربط طه حسين ماهية مصر الثقافية بقضية موقع مصر بين "الشرق والغرب". بمعنى انه انطلق من قضية تاريخية ملموسة وعابرة لحد ما، بوصفها الجوهر المحدد لماهية مصر الثقافية. ومنها حاول إرساء أسس ما اسماه بالمستقبل الثقافي لمصر. بمعنى انه أراد أن يجعل من ماهية مصر الثقافية قضية فكرية قائمة بحد ذاتها رغم كونها قضية سياسية آنذاك بالدرجة الأولى. وعوضا عن أن يجعلها جزء من معترك الوعي المصري والعربي من اجل استكمال مهمة النهضة الثقافية القومية، فانه أرجعها أو ادخلها في دهاليز الاستلاب الفكري والثقافي عبر إثارة قضية ما إذا كانت مصر من الشرق أم من الغرب؟ بل اعتبره السؤال الأكبر. وأشار إلى ذلك بوضوح، إلى أن المقصود بالشرق والغرب ليس البعد الجغرافي، بل الثقافي . مما حدد بدوره المنطلق الخاطئ في موقفه القائل، بان "هناك نوعان من الثقافة يختلفان اشد الاختلاف- الثقافة الشرقية والثقافة الغربية" (الأوربية) . بمعنى سيره ضمن سياق الفكرة الاورومركزية المغلقة آنذاك القائلة باختلاف وليس تنوع الثقافات. بل ورفع ذلك، متتبعا اثر ومسار الاورومركزية المتعصبة، إلى مصاف التناقض أو التضاد أو الصراع الأبدي! وليس مصادفة أن نراه يزدري الفكرة القائلة "بشرقية" مصر ويستغرب ظهور التيارات أو الجمعيات الداعية للوحدة الشرقية أو مختلف أشكال التعاون بينها. وكتب بهذا الصدد يقول، بأنه يستغرب ولا يستطيع فهم واستساغة ما يدعوه بالخطأ الشنيع والوهم الغريب عن المصريين المعاصرين الذين يعتبرون أنفسهم شرقيين (أي أنهم اقرب إلى الهندي والصيني والياباني) منهم إلى الأوربي(اليوناني والفرنسي والايطالي). بحيث نرى ظهور جمعية "الرابطة الشرقية" . واستكمل ذلك بتقرير يقيني عن أن ما قاله كبلنج عن أن الشرق شرق والغرب غرب لا ينطبق على مصر. كما لا ينبغي أن "يفهم المصري الكلمة التي قالها الخديوي إسماعيل من أن مصر جزء من أوربا للمديح أو المفاخرة، بل هي كذلك، بمعنى أن مصر "كانت دائما جزء من أوربا في كل ما يتصل بالحياة العقلية والثقافية، على اختلاف فروعها وألوانها" .
وحاول تأسيس هذا التقرير المتيقن بمعطيات مثل أن علاقة مصر لم تتجاوز بهذا "الشرق" غير ما ندعوه الآن بفلسطين والشام والعراق، أي الشرق الواقع في حوض البحر الأبيض المتوسط . وأن الأساطير المصرية تحدثنا عن أن آلهتهم تجاوزت الحدود المصرية، وان مصر كانت في تلك العصور قوة أساسية من قوى التوازن السياسي والاقتصادي . وانه لا معنى للفصل بين مصر و"الحضارة الإيجية القديمة. ومصر والحضارة اليونانية في عصور ازدهارها حتى عصر الاسكندر المقدوني . وأن اليونانيون القدماء كانوا يتشرفون بتأثير مصر. وكانوا يعتبرون أنفسهم تلاميذ للمصرين القدماء. ولم تكن مصر هي الوحيدة التي أثرت في اليونان، بل وشاركها "الشرق القريب" ، إذ يعترف اليونانيون بالفضل للكلدانيين وغيرهم من الشعوب الآسيوية التي تأثرت بالبحر الأبيض المتوسط.
وبغض النظر عن سطحية هذه التقارير العامة إلا أنها تعكس منطق الرؤية الثقافية المقلوبة لطه حسين، أي في طبيعة ونوعية استلابه المنهجي والتاريخي والفكري. الأمر الذي جعل من اجتهاده بهذا الصدد شيئا اقرب إلى الرغبة المجردة من تاريخ علاقة "الشرق بالغرب" ومصر بأوربا بالمعنى التاريخي القديم والمرحلة العربية الإسلامية والمرحلة الحديثة والمعاصرة. فالخطاب الفكري هنا خاضع بصورة غير مباشرة للرؤية السياسية والرغبة الشخصية. ومن ثم فهو خطاب أيديولوجي صرف. ونعثر على صدى هذه الرؤية بصورة وأشكال وأنغام متنوعة ليست في كلها سوى شكل من أشكال الاستلاب أو التقليد أو المزج بينهما مع قلة قليلة من الانتباه النقدي لمزالقها الخطرة.
ينطلق طه حسين من تأييده لفكرة الخديوي إسماعيل من أن مصر جزء من أوربا. ويعلل ذلك في انتشار البخار والكهرباء والبرق والوزارة والنواب والمدارس والمسارح والأندية وما شابه ذلك. وبما أنها كلها "جزء مادي من أوربا أو جزء ظاهر من أوربا الظاهرة"، فان ذلك يعني أن مصر جزء من أوربا. ليس ذلك فحسب، بل أن حياتنا والراقية منها هي أوربية، كما يقول طه حسين. و"أن المثل الأعلى للمصري في حياته المادية إنما هو المثل الأعلى للأوربي في حياته المادية. وليس هناك قوة في الأرض تستطيع أن تردنا عن أن نستمتع بالحياة على النحو الذي يستمتع بها عليه الأوربيون" . وضع هذه المقدمة فيما اسماه بمقياس الرقي في حياة الأفراد والأمم. بحيث جعله ذلك يقول، بان مقياس رقي الأفراد والجماعات في الحياة المادية إنما هو حظنا من الأخذ بأسباب الحياة المادية الأوربية. وكل ما هو موجود عندنا أوربي الأصل بما في ذلك نظام الحكم السياسي . مما يدل بدوره على أن "إننا في هذا العصر الحديث نريد أن نتصل بأوربا اتصالا يزداد قوة يوما بعد يوم حتى نصبح جزءا منها لفظا ومعنى وحقيقة وشكلا" .
إن هذه الدعوة للتماهي التام بين المصري والأوربي في ظل انعدام مقوماتها ومقدماتها وأسسها وتقاليدها، لا تصنع في نهاية المطاف غير أوهام التقليد الأجوف رغم الدعوة المتناثرة هناك وهناك عن الأصالة والخصوصية، كما هو جلي في بعض استدراكاته مثل القول، بان الدعوة للاوربة لا تعني "أن نكون صورة طبق الأصل" فهذا أمر لا يدعو إليه عاقل. كما انه لا سبيل إليه . أو استدركه بان مصر ليست جزء من أوربا المتحضرة والمتقدمة والمثقفة . وان هذا "المثل" ما زال بعيدا كل البعد عن التحقق" . وذلك لان هذه المواقف والاستدراكات تبقى في نهاية المطاف موقف واستدراكات جزئية. ومع ذلك فإنها تنسف من حيث الجوهر كل مقدمات هذا التفسير والتأويل والتأسيس. وذلك لان جذر ونسق التفسير والتأويل والتأسيس بقت كما هي، بمعنى العمل من اجل إرساء التقليد على أسس "نقدية"، أي المزواجة والتعايش التعس للرؤية النقدية والاستلاب والثقافي.
ولا يغير من هذه النتيجة الإضافات التي يقدمها بين حين وآخر مثل أن السعي من اجل تقليد الأوربيين في كل شيء يهدف إلى بلوغ العزة القومية والاستقلال الفعلي. فمن يريد جيشا قويا فعليه التمسك بتقاليد الأوربيين. ومن أراد اقتصادا قويا وعلما وما شابه ذلك فعليه بتقليد الأوربيين، كما يقول طه حسين . ومع انه يشدد على أن ما يريد بلوغه هناك أن يكون مقارنة بما بلغته أوربا وأمريكا، إلا أن هذه المقدمة السليمة من الناحية الشكلية تحتوي على تخريب مادي ومعنوي هائل من حيث المضمون. وذلك لان الثقافة كل واحد أو منظومة حية متكاملة تفترض من حيث تطورها وارتقاءها وجود منظومة مرجعيات فعالة وفعالة في رؤيتها المعاصرة والمستقبلية.
بعبارة أخرى، أن الثقافة تتراكم من خلال حل إشكاليات الوجود التاريخي. والتقليد لا يصنع غير هشاشة. أما الهواجس والهموم، بما في ذلك النبيلة، فإنها تتحول إلى وساوس وغيوم تخيم على العقل والوجدان وتسحبهما إلى هوة التقليد والاستلاب. ولعل في تأسيس طه حسين لهذه الهواجس والهموم نموذجا "كلاسيكيا" بهذا الصدد. إذ نراه يؤكد على أن إننا "نريد ألا نلقي الأوربي فنشعر بأن بيننا وبينه من الفروق ما يبيح له الاستعلاء علينا والاستخفاف بنا، وما يضطرنا إلى أن نزدري أنفسنا" . إذ لا فرق جوهري بينا وبين الأوربيين في ميدان العقل. لقد بدؤوا حياتهم الحديثة في القرن الخامس عشر، وأخرنا الترك العثمانيون حتى القرن التاسع عشر . وبالتالي، فان المهمة تقوم في العمل من اجل أن يشعر المصري بأنه قد خلق للعز لا للذلة. وان يمحو من ذهنه ونفسيته بأنه خلق من طينة غير طينة الأوربي. وينطبق ذلك على مزاجهم وعقولهم . ولا خلاف على هذا الخطاب من حيث هواجسه. إلا أن الصيغة النظرية لتأسيسه لا تصنع في الواقع غير نفسية وذهنية الاستلاب، ومن ثم هوة الخلل والعوائق التي لا يمكن تذليها مع مرور الزمن، بل على العكس. تتسع وتزداد كما لو أنها حفرة الموت الأبدية! فالتشّبه من اجل بلوغ الندية لا يصنع في الواقع غير نفسية وذهنية التبعية والانقياد الكسيحة. وضمن هذا السياق يمكن فهم المضمون الفعلي الذي يمكن أن تؤدي إليه فكرة طه حسين القائلة، بضرورة "أن نسير سيرة الأوربيين ونسلك طريقهم لنكون لهم أندادا ولنكون لهم شركاء في الحضارة خيرها وشرها، حلوها ومرها، وما يحب منها وما يكره، وما يحمد منها وما يعاب" . واستكمل ذلك بفكرة الدعوة لبلوغ حالة "أن نتحدث إلى الأوربي فيفهم عنا، وان نشعره بأننا نرى الأشياء كما يراها، ونقوّم الأشياء كمال يقوّمها، ونحكم على الأشياء كما يحكم عليها، نطلب منها كما يطلب ونرفض كما يرفض، وان نكون شركاءه . أما في الواقع، فان هذه الدعوة للندية ليست إلا الوجه الآخر لعقدة النموذج الأمثل والذهنية المستلبة تحت حجاب "الشرق – غرب" المفتعل!
وليس مصادفة أن تبقى الفكرة التي دافع عنها طه حسين وأراد التأسيس لها عن "مستقبل الثقافة في مصر" من حيث الجوهر كما هي بمعايير التاريخ والنوعية الثقافية، أي بلا ثقافة مستقبلية. والسبب يكمن في أن فكرة "مصر جزء من أوربا" ليست فكرة تاريخية تلقائية، بل عبارة مسطحة وظاهرية للخديوي إسماعيل وثقل تأثير الاورومركزية ، أي لقوى خارجية لا علاقة لها بمستقبل الثقافة في مصر، ولا جذور لها في تلقائية التطور الذاتي. وبغض النظر عن النيات القائمة وراءها والجهد المبذول بهذا الصدد فإنها أبقت على مصر مجرد "جزء" مجزأ يتضاءل مع مرور الزمن. فهي ليست فقط لم تصبح جزء من أوربا بعد مرور قرنين من الزمن، بل وتعمق وتوسع مدى تخلفها بهذا الصدد. ولم يكن ذلك بعدم أخذها بالطريق الأوربي بقدر ما كان يقوم في تعثرها الداخلي الذي لعبت فيه نفسية وذهنية الاستلاب دورها الفاعل.
فقد استمدت نفسية وذهنية الاستلاب مقوماتها "العقلية" من التأسيس النظري الذي حاول طه حسين تقديمه "للعقل المصري". وذلك لان التأسيس لم يجر لماهية "العقل المصري" وعما إذا كان من الممكن الحديث عن عقل وطني (مصري). لكنه يصبح معقولا ضمن سياق ثنائية الشرق – غرب بالصيغة التي بلورتها مرحلة الهيمنة الاورومركزية والاستعداد النهم الأولي في مصر، الآخذ بفتات التنوير المسطح. من هنا أولوية السؤال الذي وضعه طه حسين عما إذا كان العقل المصري شرقي التصور والإدراك والفهم والحكم على الأشياء، أم هو غربي التصور والإدراك والحكم على الأشياء؟ أيهما أيسر على العقل المصري: أن يفهم الرجل الصيني أو الياباني أو أن يفهم الرجل الفرنسي أو الانجليزي؟" . وهو سؤال يتصف بقدر كبير من السذاجة المعرفية، وذلك لأنه يستبدل إشكالية الرقي والانحطاط بإشكالية العقل المفتعلة. وذلك لو أن الصيني والياباني كان آنذاك أكثر تطورا من أوربا ومن ثم أكثر استعمارا وتدخلا لكان يمكن فهمه بصورة سهلة لا تعقيد فيها. وينطبق هذا في الواقع على أية موازنة تتصف بالخلل في الرقي وقوة في التدخل. فقد كان الأوربي يعرف عقلية ونفسية العربي المسلم في حال ارتقائه، تماما كما لم يأخذ العرب المسلمين من أوربا المتخلفة آنذاك شيئا ولم يجدوا ضرورة في أن يكون الفرنسي والانجليزي مفهوما لهما. والسبب أيضا يقوم في كونهما لم يكنا موجودين بوصفهما هويات ثقافية قومية مستقلة أو أوربية أو غربية!
غير أن للاستلاب الثقافي فاعليته الخاصة في إثارة الأسئلة والإجابة عليها. فقد أجاب طه حسين على هذا السؤال عبر الرجوع إلى ما اسماه "بتاريخ العقل المصري منذ أقدم عصوره" ، الذي كان اكبر العقول التي نشأت في هذه الرقعة (بحر الروم) من الأرض سنا، وابلغها أثرا" . وبغض النظر عن هذه المغالطة، بمعنى انه إذا كانت مصر هي الأقدم، فما معنى الرجوع إلى الغرب الأوربي؟
إلا أن الإجابة التالية كان تهدف إلى تأسيس المقدمة اليقينية الأولى والقائلة، بان تاريخ مصر منذ القدم لا يعرف علاقات أو صلات بينها وبين الشرق. وان أقصى ما كان يميز المصريين زمن الفراعنة بهذا الصدد هو هي محاولاتهم لاستكشاف سواحل البحر الأحمر . وأن العقل المصري كان منذ أيام المقدوني متأثرا ومؤثرا في العقل اليوناني. مشاركا له في اغلب إن لم يكن جميع خصاله... بحيث أصبحت مصر يونانية أو كاليونانية... وان مصر تحولت إلى ملجأ الثقافة اليونانية على اختلاف فروعها وألوانها... والإسكندرية كانت مدينة يونانية وليست شرقية.. والفلسفة الإسكندرية نشأت من تلاقح العقل المصري واليوناني..." . ولم يغير ذلك من هذا الواقع بما في ذلك في المرحلة العربية الإسلامية. فقد "تقبلت مصر الإسلام والعرب ولكن ذلك لم يخرجها عن عقليتها الأولى ولم يجعلها امة شرقية، كما يقول طه حسين . تماما كما أن المسيحية التي ظهرت في الشرق وغمرت أوربا لم تجعل من أوربا شرقية(!!) ولم تغير طبيعة العقل الأوربي .
وبغض النظر عن كل هذه المغالطات في التاريخ وأحداثه وخلل الدقة في اختيار المصطلح والعبارة وخلط المفاهيم (شرقية ومتوسطية وغربية وأوربية ويونانية إضافة إلى خلل البنية الفكرية فيما تتعلق بفكرة التاريخ المصري الخاص والتاريخ الثقافي – المصري – العربي – الإسلامي)، إلا أنها كانت تسير ضمن المغالطة الأكبر عن ثنائية الشرق – غرب الأيديولوجية. ونعثر على ذلك في فكرة طه حسين عن أن "العقل المصري لم يتصل بعقل الشرق الأقصى اتصالا ذا خطر. ولم يعش عيشة سلم وتعاون مع العقل الفارسي، وإنما عاش معه عيشة حرب وخصام" .(!!) وعلى العكس من علاقته بالغرب، فان علاقة "العقل المصري" بالعقل اليوناني (الغربي!) منذ عصره الأول على أساس التعاون والاتفاق، وتبادل مستمر منظم للمنافع في الفن والسياسة والاقتصاد" . وبالتالي، فان "العقل المصري من نشأته لم يتأثر إلا بعقل البحر الأبيض المتوسط" . وفي نهاية المطاف نراه يرجع ذلك إلى عامل الجغرافيا والبيئة. وإذا كان هذا التقرير يرتقي إلى مصاف البديهية والجلاء التام، فان تطويعه في الثنائية الأيديولوجية للشرق – غرب قد جعلت منها معضلة عصية في فهم التاريخ الماضي ومفتاح لغلق المستقبل عبر رهنه بأوهام "عقلية" لا عقل فيها بالمعنى الدقيق للكلمة. إذ ليس استنتاج طه حسين بهذا الصدد عن انه لا مكان للشرق في مصر، بل حوض المتوسط فقط ، سوى الصيغة المسطحة للخلط بين أصول الثقافة الأولى وبين الثقافة بالمعنى الدقيق. والثانية لا علاقة لها بالبيئة لأنها تعمل بقواعد ارتقائها الذاتي وفعل مرجعياتها الخاصة.
إلا أن غياب فكرة المرجعية الذاتية "للعقل المصري" في آراء طه حسين قد أدى إلى استبدالها بهوية عائمة هي "العقل المتوسطي". لكنه "عقل" لا علاقة له بالعقل في آراء طه حسين، أي بالذهنية الثقافية، بقدر ما انه تلاعب بالألفاظ. إذ نعثر في آن واحد على "عقل متوسطي" و"عقل يوناني" و"عقل مصري" و"عقل شرقي" أيضا بوصفه شيئا واحدا. مما أدى ويؤدي بالضرورة إلى تشويش لا طائل تحته بالنسبة لتحديد المفاهيم ونحت العبارة. وذلك لان كل كلمة ومصطلح وعبارة وفكرة تقترب من حالة الزلق المعنوي. من هنا تداخل المفاهيم والأحكام في كل واحد لا يجمعه غير الاضطراب في التقييم والمواقف، مثل القول، بأنه "ليس بين الشعوب التي نشأت حول بحر الروم (المتوسط؟) وتأثرت به فرق عقلي أو ثقافي، وإنما هي ظروف السياسة والاقتصاد تديل من أهل هذا الساحل لأهل ذلك الساحل". وفي مكان لاحق نقرأ ما يلي:"إذا صح أن المسيحية لم تمسخ العقل الأوربي(!)، ولم تخرجه عن يونانيته الموروثة، ولم تجرده عن خصائصه التي جاءته من إقليم البحر المتوسط. فيجب أن يصح إن الإسلام لم يغير (ولماذا لا يمسخ؟) العقل المصري، أو لم يغير عقل الشعوب التي اعتنقته والتي كانت متأثرة بهذا البحر الأبيض المتوسط" . أو العبارة التالية: "إن انتشار الإسلام في الشرق البعيد والشرق الأقصى قد مد سلطان العقل اليوناني وبسطه على بلاد لم يكن قد زارها إلا لماما" . وفي حالة أخرى نقرأ تقييمه القائل، بان الشبه بين الإسلام والنصرانية في ميدان العلاقة بالتراث اليوناني يقوم في أثرها عليهما. فقد "تنصرت الفلسفة وتفلسفت النصرانية"، والشيء نفسه ينطبق على الإسلام حيث "أسلمت الفلسفة اليونانية وتفلسف الإسلام". و"تاريخ الديانتين واحد بالقياس إلى هذه الظاهرة" . والشيء نفسه يمكن قوله عن مصيرهما. فالسيطرة التركية لعبت من الناحية الثقافية نفس الدور الذي لعبه البرابرة في قتل الثقافة اليونانية والرومانية كما يقول طه حسين. إلا أن قيمة مصر ودورها الثقافي يقوم في أنها استطاعت الثبات أمام غارة الترك. أنها "آوت الإسلام وعلومه وحضارته وتراثه المجيد. فما بال قوم ينكرون على مصر حقها في أن تفاخر بأنها حمت العقل الإنساني مرتين، حين آوت فلسفة اليونان وحضارته أكثر من عشرة قرون، وحين آوت الحضارة الإسلامية وحمتها إلى هذا العصر الحديث" .
وبغض النظر عن كل الالتباسات والمغالطات الكبيرة في هذه الأحكام وتعميمها السريع والمسطح وانعدام الدقة فيها وتبدلها وعدم ثباتها المنهجي وتقلبها المريع، أي البعيد عن الدراسة العميقة والدقيقة لكل ما تتناوله من أحداث ووقائع وقضايا كما لو أنها مسلمات وبديهيات، إلا أنها تبقى في نهاية المطاف طرفة على خلفية التعميم الأوسع لفكرة العقل المتوسطي ودور "العقل المصري" فيه. مع أن هذه العبارة مثيرة للالتباس والغموض والخلل أكثر من غيرها. فإذا لم يكن هناك فرقا "عقليا وثقافيا" بين شعوب البحر المتوسط فلماذا إذن الحديث عن عقل مصري وآخر متوسطي وآخر يوناني وآخر أوربي. وكيف يمكن للعقل الجزئي أن يكون كليا والثقافات المتنوعة واحدة؟ مع أن إلقاء نظر سريعة على كافة مكونات الثقافة "الأوربية" فيما بينها وفي كلها ومقارنتها بالعربية الإسلامية ومكوناتها لندرك الاختلاف الواسع والهائل فيها وبينها. إلا أن الجامع المانع في هذا التشويش يعود لنفسية وذهنية الاستلاب الثقافي التي تجعل من الاختلاف رذيلة. بينما الاختلاف هو ضرورة ملازمة لتنوع التجارب التاريخية الثقافية للأمم. ومن ثم يصبح البحث عن أوهام الوحدة فضيلة مع انه لا فضيلة فيها. إن الفضيلة الوحيدة الكبرى في التاريخ العالمي يقوم في تنوع تجاربه القومية والثقافية، أي تجارب الأمم التاريخية. ولكل منها مقدماته ومصيره وأثره في التاريخ ووعي الذات. أما بالنسبة لطه حسين، فان غياب فكرة وعي الذات القومي والتاريخي والثقافي، قد أدت به إلى الغرام في أوهام العوام المتسرعة حول تعميمات عابرة وتحويلها إلى مسلمات منهجية كبرى، كما نراه في استنتاجه القائل، بأنه لا يوجد عقل أوربي يمتاز عن العقل الشرقي(!) (ويقصد به المصري!). الجوهر واحد ولكنه يختلف باختلاف الظروف. لكنه لا يحدد لنا ماهية هذا العقل. واستمد هذا الاستنتاج المتسرع من مقارنته المتسرعة أو أخذها العجول من فكرة بول فاليري الذي ارجع "العقل الأوربي" إلى ثلاثة مكونات وهي حضارة اليونان وما فيها من فلسفة وأدب وفن، وحضارة الرومان وما فيها من فقه وسياسة، والمسيحية وما فيها من دعوة إلى الخير وحض على الإحسان". وقد نسى هنا طه حسين كالعادة ثبات "العقل الأوربي" من دورها المدمر (الماسخ) ومن ثم انعدام أثرها على هذا العقل. وضع هذا الموقف بالسهولة المعتادة في أساس تقييمه "للعقل الإسلامي" (هناك يجري الحديث عن عقل أوربي، أي قومي وجغرافي وثقافي وليس ديني نصراني، وبالتالي فهي عقول مختلفة). وكتب بهذا الصدد، بأنه فيما لو أخذنا نتائج العقل الإسلامي كلها، فإنها تنحل إلى هذه الآثار الأدبية والفلسفية والفنية (التجربة اليونانية) والى هذه السياسة والفقه (الروماني) والى أن الدين الإسلامي يدعو إلى الخير الإحسان وانه متمم ومصدق للتوراة والإنجيل. ومن هذه المقارنة الفجة وغير المنطقية والبعيدة عن الدراسة الفعلية والجدية والعلمية "للعقل الإسلامي" والثقافة الإسلامية ومكوناتها وصيرورة مرجعياتها الذاتية، استنتج، بأنه "لا يوجد فرقا جوهريا بين العقل الأوربي والمصري" . وبالتالي من غير المعروف ما إذا كان العقل المصري هنا هو العقل العربي الإسلامي أم العقل الأوربي أم المتوسطي أم المصري الخالص. وإذا كانوا كلا واحد متشابها من حيث الجوهر فما معنى الحديث عن كل هذا التنوع والاختلاف. أما في الواقع فان هذه الاستطرادات والتعميميات لم تكن أكثر من اخذ أمور جاهزة مبنية على أساس مناهج مختلفة في تتبع أسس الثقافة الذاتية (الأوربية) بوصفها جزء من عملية وعي الذات الثقافي (الأوربي) واعتبارها قوالب جاهزة يمكن سكب كل التاريخ الذاتي المعقد والهائل للتاريخ العربي الإسلامي وثقافته فيها. وليس هذا بدوره سوى الصيغة الظاهرية لانعدام وعي الذات الثقافي ومناهجه الخاصة.
وقد وجد هذا الخلل الجوهري منفذه في النهاية تجاه ماهية الثقافة المصرية. وقد وضعه طه حسين بهيئة سؤال حول ما إذا كانت هناك ثقافة مصرية. وقد أجاب عليه بالإيجاب واعتبر وأول "الصفات المميزة لها أنها تقوم على الوحدة الوطنية وتتصل اتصالا قويا عميقا بنفوسنا المصرية الحديثة كما تصل اتصالا قويا عميقا بنفوسنا المصرية القديمة أيضا" . بعبارة أخرى، إن وجود وماهية وخصوصية الثقافة المصرية تقوم في كونها مصرية، أي تتمتع بخصوصية الوطنية الخالصة. وبغض النظر عن هذه الإجابة هي مجرد تحصيل حاصل، وذلك لأنها تنطبق من حيث الجوهر على كل ثقافة وطنية، إلا أن خصوصيتها تكمن في أولية المصري على العربي، أو الوطني على القومي، أو المحلي على العام، أو الجزئي على الكلي. لهذا نراه يقول، بأنه حتى اللغة العربية ستتخذ في مصر هيئة الأداة المرنة الأنيقة الرشيقة التي لا تنبو عن الذوق ولا تتجافى عن الطبع ولا تكلف قارئها مشقة وجهدا(!!). ولهذا وقف بالضد من أولئك الذين يقولون باشتراك اللغة العربية بين مصر وغيرها من البلاد العربية. فالاشتراك حق "ولكن لمصر مذهبها الخاص في التعبير كما أن لها مذهبها الخاص في التفكير" كما يقول طه حسين. ووجد هذه الخصوصية في تضافر ثلاث عناصر أولية كونت الثقافة المصرية وهي كل من التراث القديم، والتراث العربي الإسلامي، واكتسابها من الحياة الأوربية الحديثة" .
إننا نقف أيضا أمام تحصيل حاصل مبني على أساس إرجاع "الثقافة الخاصة" للمكونات عامة يمكن تطبيقها حذو النعل بالنعل على المغرب وتونس وسوريا والعراق والسودان ولبنان والجزيرة وغيرها. ذلك يعني إننا لا نعثر هنا على تشخيص دقيق لماهية الثقافة المصرية بقدر ما نعثر على تقرير أمور عامة لا علاقة لها بماهية الثقافة كما هي. وقد يكون الشيء الوحيد الذي يمكن تلمسه هنا هو أن المصرية تعطي للعربية هيئة الرشاقة والمرونة والأناقة وما شابه ذلك من كلمات هي مجرد مفردات في العربية نفسها لا علاقة لها بالمصرية والعراقية والشامية وغيرها بقدر ما أنها جزء من تطور الثقافة والإبداع ومستوى المعاناة والهموم والتعبير عنها. والشيء نفسه ينطبق على المخرج النهائي لفكرة طه حسين من أن "الثقافة ليست وطنية خالصة ولا إنسانية خالصة (يقصد عالمية). ولكنها وطنية إنسانية معا، وهي في أكثر الأحيان فردية أيضا" . وهي أيضا عبارة فضفاضة ولا تستقيم مع ما قبلها. ومنها وعليها استنتج الحكم العام القائل، بان "في مصر ثقافة مصرية إنسانية فيها شخصية مصر القديمة الهادئة، وفيها شخصية مصر الباقية الخالدة. وهي في الوقت نفسه إنسانية قادرة على أن تغزو قلوب الناس وعقولهم وتخرجهم من الظلمة إلى النور" .
إننا نقف هنا أمام صيغة خطابية عامة لا إشكالية فيها مع أنها وضعت إحدى أهم الإشكاليات، وإجابة لا تحتوي على إجابة تستقيم مع المنطق والعقل التحليلي والرؤية الواقعية والمستقبلية. والقضية هنا ليست فقط في ضبابية فكرة "الشخصية القديمة الهادئة" و"الشخصية الباقية الخالدة"، بل وبدعوى قدرتها على غزو القلوب والعقول بإخراجهم من الظلمة إلى النور! أي إننا نقف أمام خطاب لاهوتي متعال ومتناقض من حيث مقدماته وأساليبه وغاياته. والسبب يكمن أساسا في خلل الرؤية المنهجية واستلاب الإبعاد الثقافية، إضافة إلى ضعف وعي الذات الثقافي العربي. ومع أن طه حسين لم يضع الوطني المصري الجزئي من القومي العربي العام، إلا أن أولوية الوطني والجزئي ظلت سارية المفعول في رؤيته وتقييمه وخطابه الثقافي نفسه. أما القوة الوحيدة التي كانت تدفعه بطاقتها الذاتية صوب توسيع مدى الرؤية القومية الثقافية العامة فهو الاهتمام الرئيسي بالتراث الأدبي العربي. لهذا لم تتخذ الأبعاد الثقافة القومية العامة موقعها في فكره وتفكيره بصورة منهجية، بقدر ما كانت تبرز بين الحين والآخر ضمن سياق الاهتمام الجزئي، أي أنها لم تكن في أفضل الأحوال أما نتاج رؤية نفعية أو وظيفية عملية أو جزء من رؤية مصرية خاصة، كما نراه على سبيل المثال فيما يمكن دعوته بدور مصر الثقافي العربي. فقد انطلق من تقييم عام سليم يقول، بأنه تهيأت لمصر في العصر الحديث ما لو يتوفر لغيرها بهذا الصدد. ولا بأس من أن تتحول إلى ممثل أعلى بهذا الصدد. وان تبذل ما بوسعها وما يتوافق مع كرمها. لكنه وجد في الوقت نفسه بان ما تقوم به بهذا الصدد زهيدا جدا، بل أنها "لم تفعل في سبيل ذلك شيئا" . بل ونراه يرفع تقريرا إلى الوزير من اجل المساهمة في إنشاء مدارس مصرية (عربية) في الشام ولبنان وفلسطين عوضا عما تقوم به الدولة الأجنبية مثل فرنسا وأمريكا . وهنا يتوصل طه حسين إلى فكرة دقيقة تقول بان إهمال التعاون الثقافي بين الدول العربية سوف يؤدي إلى مصاعب سياسية لاحقا . لهذا نراه يدعو إلى تعاون ثقافي "بين الأقطار العربية التي تجمعها وحدة اللغة والدين والمثل الأعلى" . وينطلق في تأسيسه لإمكانية تنفيذ هذه المهمة من انه لا احد في الدول العربية يكره أن تنشأ فيها مدارس مصرية "تحمل إلى أبنائها ثقافة عربية شرقية" و"يحملها إليهم معلمون شرقيون مثلهم يتحدثون بلغتهم ويشاركوهم في الذوق والميل والشعور" . من هنا نراه يتكلم عن "حق مصر" في أن تقوم بإنشاء مدارسا "مصرية في البلاد العربية". ووجد في ذلك احد أسس ومصادر التعاون الثقافي بين الأقطار العربية. على أن يكون العاملون فيها ليس من مصر فقط، وان تبنى مناهج هذه المدارس على أساس تربية التاريخ الوطني والجغرافيا الوطنية لهذه الدول بحيث تربي أجيالا وطنيون لأوطانهم لا لمصر. أنها المهمة المرتبطة بما اسماه طه حسين بما على مصر من حق لجيرانها وشركائها في اللغة والدين والاقتصاد. وحسبها أن تظفر منهم بالحب والمودة والإخاء" . بل ودعا إلى أن تساهم مصر في بناء مدارس في الجزيرة العربية التي لا يستطيع الأجانب الدخول إليها. ولا يكفي أن تبني مدرسة واحدة في مكة وأخرى في المدينة . والغاية من وراء ذلك هو بلوغ ما يدعو طه حسين "بالتعاون على تنظيم الثقافة وتوحيد برامجها بالقياس إلى الأقطار العربية كافة. وبل ونراه يربط ذلك بفكرة عميقة ودقيقة عما يدعوه بحاجة هذه البلاد إلى "توحيد الجهود ما دام مثلها الثقافي الأعلى واحدا". رغم انعدام صياغة دقيقة لهذا "المثل الثقافي الأعلى". والشيء نفسه يمكن نلحظه في موقفه من المهمة التي ينبغي أن تناط بالجامعة المصرية. فقد اعتقد بان مهمتها بهذا الصدد تقوم في تحويلها إلى ميدان "التقاء الثقافات وامتزاجها وصهرها في العقل المصري الذي يسبغها ويتمثلها ويطبعها بعد ذلك شيئا ما بطابعه المصري الخاص. وهو قادر بعد ذلك على أن يذيعها في بلاد الشرق شرقية غربية عربية أوربية بريئة مما يفد الثقافة عادة من التعصب والهوى" .







اخر الافلام

.. الرئيس الفلسطيني محمود عباس يدخل المستشفى للمرة الثالثة خلال


.. المعارضة الفنزويلية تدعو لمقاطعة الانتخابات الرئاسية


.. اتفاق صيني أمريكي على عدم الدخول في حرب تجارية




.. مهرجان كان: نادين لبكي تدعو إلى التحرك من أجل وضع حد لمعاناة


.. وفاة السياسية التونسية مية الجريبي ذات التاريخ النضالي الحاف