الحوار المتمدن - موبايل



* الحرمل

عايد سعيد السراج

2017 / 12 / 26
الادب والفن



* الحرمـــــــل

* سيرة الأب

* عايد سعيد السِراج
كان ذلك في يوم الجمعة بعد عودتك من صلاتها ظهرا ً عندما مت ّ يا أبي .
كنت لوحدي في البيت وأختي الصغيرة , حيث كنت أحُضـّر َ لامتحان الصف التاسع , وكان الجو جميلا ً.
يا لمصادفة موتك يا أبي !
قـَرَعْت َ باب البيت الكبير ففتحت لك الباب وكنت ذاهلا ً , وكأنك كنت تحاكي شيئا ً بعيدا ً أبعد من عالمنا , كنت مهابا ً وجليلا ً ومشيت بخطاك الوئيدة , وَجـِلا بجسدك النوراني , وطهره المعهود , تَعَلّقـْت عيناي بذهولك العجيب , ونظرتك الذاهلة أبدا َ إلى البعيد , عندما تجاوزت شجرة التوت الكبيرة التي نستظل بفيئها , وتكفي الجيران وكل محبي التوت من ثمراتها عندما تدر بثمرها وطعمه اللذيذ الذي لا ينسى .
وبعد أن عبرت الحوش الواسع باتجاه غرف البيت الحجرية وتجاوزت الدرجات الثلاث إلى المصطبة الأسمنتية , كان ذهولك يزداد دون أن تنطق ببنت شفة , فأصابني الذهول انا أيضا ً , وَطَلبت َ مني بإشارة من يدك أن أعْطِنِي ماءا ً , فاسرعت به .
وبعد أن شربت قليلا ً سقطت من يدك طاسة الماء .
وبدأ وجهك يعرق بل يتصبب مطرا ً , وعنقك تتقلص عروقه , دوان أن تنبس ببنت شفة .
مابك يا أبي .. أبي مابك ... لم ترد , وكأنك هناك مع الأفلاك في برزخ الوجد , وأنا أصابني ما أصابك من ذهول واستغراب ورهبة .
فوقعتَ على الأرض بهدوء دون ارتطام , أنت الرجل الطويل الذي يملك جسدا ً رياضيا ً وقعت , بهدوء وقعت وبشخير النائم غفوت إلى عالمك السرمدي , وكنت وحدي .
فهززتك ولم تجب , هززت نفسي وأنا أهزك َ , ولم تجب , كنت أحاكيك همسا ً وحنانا ً , وكان قلبي هو الذي يفهم لغتك الحنونة وطيبتك التي تفوق جميع الآباء .
ماذا بقي لي وأنت كل شيء لي , يا من كنت أبي وصديقي والحنان الذي أستأنس به على شقاء الحياة .
أبي , أبي , ولم تجب , وأنا أيضا ً لم أجب ولم أبك ِ ولكنني عشت عالم السحر الذي كنته يا أبي .
عالمك المجبول من نوارنيته وسلام روحك , ألم تقل لي أن أباك الشيخ سراج صاحب كرامات وهو بعيد عنا في بلاد ( العمق ) في تركيا , لقد تأكدت بعد زيارة قبره الجليل بعد أن طردونا الدواعش من مدينتنا الرقة , حتما أنت لا تعرف أن الدواعش هي فئة مجرمة احتلت المدينة , وبدأت بقطع رؤوس كل من يعارضها وذبحهم كالنعاج , ومدينتك الرقة أضحت خرابا ً بعد أن طرد الأمريكان الدواعش من المدينة ولم تكن حربهم بالسيوف كما هو المعتاد على أيامكم بل بالطائرات والصواريخ , نعم فمدينتك الوادعة قصفوها بالطائرات والصواريخ وهجروا أهلها والبعض منهم لا يزالون تحت أنقاض البنايات , و أقبيتها ميتين َ منذ شهور , لا تضحك يا أبي هذه هي الحقيقة أعرف أنك تتألم وتحزن لهذا ,
نعم يا أبي إنني أحدثك من بلد ٍ أوربي بعيد جدا ً أبعد من تركيا التي تجاورنا بكثير .
هاأنذا ألم ّ أطرافي يا أبي , وأتوادد مع الذات والمحيط , وما زالت تنتابني تلك القشعريرة التي ما فتأت تبارحني منذ تلك الليلة , أنا أًحُيطُ بي كي لا أتناثر وجعا ً مؤلما ً . وجعا ً يتحاوط ُ جسدي , وأصفن به , حتى أنّ رؤوس أصابعي تؤلمني , أسياخ نار ٍ تخرج منها , أما رأسي فلن أحدثك عنه إذ أنه كمحرك قديم يعمل على الديزل , تصرخ بداخله جنيات وسعالي لا يـَخـَفـْنَ الله , حتى أنهن َّ يتقاتلن بداخله بصياح ليلي مخيف , صياح جنيات ٍ , أو قرود ناطة أبدا ً في أغصان أوردته الملتوية المتشابكة , كما هاتفي الذي يرن ّ الآن بإلحاح ٍ مخيف .
سأعتذر منك الآن يا أبي لدقائق لأرى ماذا يريد مني هذا الجهاز الغبي المِلْحَاح وسأعود إليك .
يتبع ....
في 26/12/2017م







اخر الافلام

.. مهرجانات تخلد ثقافة الفلان في غرب أفريقيا


.. باحث سعودي يصمم روبوتا ناطقا باللغة العربية


.. المجالس الرمضانية موروث اجتماعي يجسد ثقافة التواصل




.. فنانون في اليمن يعرضون لوحات تدعو إلى التفاؤل بإحلال السلام


.. تعليق ظافر العابدين على استبعاد ياسمين صبرى واستبدالها بالفن