الحوار المتمدن - موبايل



في وداع اليساري المشاغب

كاظم الموسوي

2018 / 1 / 3
مواضيع وابحاث سياسية


لم يكن خبر رحيل الصديق الرفيق صلاح عيسى، ( 14تشرين اول/ أكتوبر 1939 في قرية "بشلا" بمحافظة الدقهلية- 25 كانون الاول/ ديسمبر 2017) الكاتب والمؤرخ والصحفي اليساري المعروف بكتاباته العديدة والمتنوعة، ومن بينها ما اختار هو لها عنوان "مشاغبات"، لم يكن هينا وقعه علي. لقد تفاجات به.. أجل.. فقد كان خبرا حزينا ودعت فيه نهاية عام ثقيل الخطى.
تعرفت عليه أواسط السبعينات في بغداد وهو يزورها ضمن وفد ثقافي كبير، والتقينا اكثر من مرة في المحروسة، مصر التي في خاطري، ولاسيما حين شغل تحرير جريدتي "الأهالي"، التي تصدر كلسان حال حزب التجمع اليساري ومن ثم "القاهرة" التي تصدر عن وزارة الثقافة. وكانت الاحاديث والأسئلة والاراء التي نتبادلها، تدور كلها عن قوى اليسار وتطوراتها وعن فلسطين ومركزيتها وعن احلام التغيير وعن احوال قضايا التحرر الوطني في الوطن العربي. وكل مرة يهديني نسخة من اخر مطبوع له أو يتحدث لي عن مشروع جديد، إضافة لمشروعه الدائم الذي أراده وبذل جهودا له عن تاريخ شعبه ووطنه. مرة عرفّني في مكتبه على رفيق قادم من الجنوب العربي ودخلنا في حوار ومشاغبات يسارية سياسية تذكرنا فيها مسيرة نضال طويل سرقت تضحياتها.. وقد يكون من المصادفات الغريبة فعلا، قبل أيام معدودة كنت مع رفيق اخر اتذكره عبر الهاتف، ونحن نتحدث عن المرض والغياب، واقول له عن الراحل يوم زرته وكان قد خرج حديثا من المستشفى بعد أن اكتشف انسداد شرايين له وانقذ منه باعجوبة، كما أنه كتب مقالا عن فقدان رفاق وأصدقاء له تباعا بأن الجرس بدأ يدق انذارا لكل ابناء ذلك الجيل، الذي خاض صعوبات الحياة والنضال والسجون، واثرى بتجارب قاسية مرت عليه وعاشها بصلابة المناضل المشاغب العنيد. ولربما كان هذا سببا للمفاجأة.
وداع الرفيق من بعيد ليس سهلا كخبر رحيله اول سماع له وخصوصا حين تنهال الذكريات، ورغم بعد المسافات تبقى حرارة الوداع ساخنة ودامعة، كما هو الاحساس الممزوج بالدفء الرفاقي، وسلسلة التذكر والتاسي توشح وتعلو على الحزن والوداع. فالفقيد صلاح ليس اسما عابرا في سماء الكتابة والنضال والمعتقلات. كان وسيبقى اسما وعلما فيها وعنها يذكره من حمل مثله جمر الايمان بقضايا الشعب والامة، ودفع الثمن المطلوب او المبالغ فيه في مجتمعاتنا وبلداننا وزمننا راضيا مرضيا. ناقلا كل ما عاشه وتعذب فيه بلغة السهل الممتنع، المتميزة بالعمق والبساطة والفصاحة. ونشرها بكتب ومقالات، مؤرخا وحاكيا ورائدا لاسلوب وصياغة وتعبير وتاليف.
قد لا يضيف جديدا لمعرفة الراحل وتجربته القول بأنه كان يجسد قناعاته في عمله الاعلامي، ليس في كتاباته ومشاغباته وحسب وانما في سلوكه العملي. اذكر اننا تحدثنا عن كاتب من مصر منعت كتاباته عن النشر في أية صحيفة مصرية، فلجأ اليه، وهو يدرك الفرق بينهما سياسيا وايديولوجيا، ولكنه كان واثقا بأن أمله فيه لن يخيب، اذ قدّر فيه شهامة رجل مباديء وصاحب قيم، وتحمل الراحل فعلا المسؤولية وأخذ ينشر له كل ما يصله منه في الجريدة "شبه الرسمية"، وكذلك نشر حلقات متواصلة عن تاريخ حركة سياسية ممنوعة، وغيرها، وكانت سلطات عليا تتصل به وتطلب منه التوقف عن النشر ولم يرضخ لها وواصل النشر والمشاغبات التي احب، واعجبت بها، ورددتها أمامه كصفة ابداع وكفاح يشهد لها، كما حدثني عنها ونحن نقارن بين ما حصل ويحصل في بلداننا وخارجها.
الغائب صلاح عيسى لم يتبجح عن ما فعله ووقف أمامه شامخا، كيساري نبيل، عارفا ما تحمله من خلفها من ضغوط ومن مشاحنات سياسية وأمنية صعبة ودقيقة في ظروفها وموقعها وزمكانها، مقاوما كل تحريات او سخط بعض زملاء المهنة أو السلطات. وظل كما هو أمينا لنفسه، صادقا لخياراته، وفيا لاحلامه. لم تغيره تقلبات الأوضاع السياسية ولا المعتقلات والسجون التي تعلم منها الصبر والإبداع وتسجيل الهوامش والحكايات والتباريح وما عجب من شخصيات وأعلام. ظل كإنسان واضح الصورة وشاهد العصر وكاتب المشهد، كما خبره ونقله لزائره او قارئه او دارسه او المعبر عنه وله، بمشاغباته او غضبه او تفاؤله او قناعاته.
في الكلمات التي قيلت في وداعه وعند قبره.. المكان الاخير، أثبت أصحابها ثوابت الفقيد، ومصداقيته في عمله أو في كتاباته او في علاقاته، ورسموا في حزنهم وألمهم صورة اليساري المشاغب النبيل، الشيوعي الوطني القومي جذورا وامتدادا ورسوخا، أعطوه ما كان يعطيه لهم وشخّصوا ما كان عليه وما اراده لهم وللشعب والبلاد والامل في غد اجمل وابهى وافضل، بالرغم من صراع الاجيال وتغيّر الاحوال.
سجل صلاح عيسى في كتاباته ومواقفه ما يخلده ويبقيه رمزا وطنيا يساريا مشاغبا، مؤمنا أن الكاتب لا يموت اذا اخلص في نصوصه من أجل الفقراء والكادحين والمثقفين المواكبين له ولاحلامه في مستقبل مشرق للمحروسة التي احب وكافح ومات فيها.
الكتب، المقالات، المواقف للفقيد..الجورنالجي ..المثقف العضوي.. شهادة حية له ولذكراه العطرة ورصيده التاريخي ..
سنفقده حين نزور مصر، كما يفتقده اليسار وحكايات الوطن.
( الراحل حصل على بكالوريوس في الخدمة الاجتماعية عام 1961 ورأس لمدة خمس سنوات عدداً من الوحدات الاجتماعية بالريف المصري بدأ حياته كاتبا للقصة القصيرة ثم اتجه عام 1962 للكتابة في التاريخ والفكر السياسي والاجتماعي. تفرغ للعمل بالصحافة منذ عام 1972 في جريدة الجمهورية. أسس وشارك في تأسيس وإدارة تحرير عدد من الصحف والمجلات منها؛ الكتاب والثقافة الوطنية والأهالي واليسار والصحفيون، وترأس تحرير جريدة القاهرة، ومجلس ادارتها. اعتقل لأول مرة بسبب آرائه السياسية عام 1966 وتكرر اعتقاله أو القبض عليه أو التحقيق معه أو محاكمته في عدة سنوات ما بين 1968 و1981 وفصل من عمله الصحفي وحوصر اقتصاديا.
أصدر أول كتبه؛ "الثورة العرابية" عام 1979، وصدر له 20 كتابا في التاريخ والفكر السياسي والاجتماعي والأدب منها: تباريج جريج، مثقفون وعسكر، دستور في صندوق القمامة، حكايات من دفتر الوطن، رجال ريا وسكينة، محاكمة فؤاد سراج الدين، البرجوازية المصرية وأسلوب المفاوضة، جنرالات بلا جنود ، ومجموعة شهادات ووثائق في تاريخنا وزماننا، شخصيات لها العجب)







اخر الافلام

.. العالم يحتفي باليوم الدولي للغات الإشارة - الليلة


.. الحصاد- السيسي في نيويورك.. مشاركة وسط أحكام


.. -بلا قيود- مع سعاد عبدالرحيم رئيس بلدية مدينة تونس




.. أزمة دبلوماسية بين الإمارات وإيران


.. ليبرمان: مستمرون بعملياتنا في سوريا