الحوار المتمدن - موبايل



مباحث في الاستخبارات (102) التدقيق الاستخباري

بشير الوندي

2018 / 1 / 3
الارهاب, الحرب والسلام


مباحث في الاستخبارات (102)

التدقيق الاستخباري

بشير الوندي
-------------
مدخل
-------------
التدقيق لغة يعني الضبط , ويعني في التطبيقات الادارية فحص المعدّات والبرامج والأنشطة والإجراءات لتحديد مستوى الفعالية في أداء النظام الإجماليّ , فإدارة التَّدقيق هي الإدارة المسئولة عن مراجعة المستندات للتثبّت من صحَّتها ووفائها بالمطلوب.
ان العمل الاداري في الجهاز الاستخباري هو عمل اداري بحت ومنفصل عن العمل الاستخباري تقريباً وله اجهزته الرقابية الادارية المختصة , الا ان الشق الاستخباري داخل المؤسسة له جهاز تدقيق خاص مهمته التقييم والتطوير وهو الحكم بين اجهزة الجمع واجهزة التحليل .
ان الادارة الصحيحة للجهد الاستخباري تكمن في التدقيق , فالتدقيق هو المحطة الرابعة بمجموع الجهد الاستخباري بعد الخبر والاستخبار والتحليل وهو قد يكون شعبة او مركزاً او دائرة تتكفل بمجموعة مهام أبرزها ادارة الجهد الاستخباري وتدقيقه واعاده النظر فيه وتحديد الأولويات ومراقبته وحصر المتوافر منه والمطلوب توفره .
ويحتاج التدقيق لاشخاص من ذوي الخبرة الطويلة تقع على عواتقهم تدقيق الجهد الاستخباري للارتقاء بمستوياته من خلال اعادة تحديد الاولويات وتقييم المتطلبات .
------------------------------------
مربعات تحديد الاولويات
------------------------------------
يرى رواد علم الادارة كستيفن كوفي وهيرسي انه لابد من تحديد الاولويات ضمن عاملين هما , الاهمية والاستعجال , فعملا مربعاً اسمياه بمربع الاولويات وقسماه الى اربعة ارباع .
وجعلا احد الارباع "غير هام وغير عاجل" ومثاله الاعمال الروتينية التي لايترتب على التهاون بها وتركها اي ضرر , وبالعكس هي اعمال تلهي عن العمل الجاد فاسمياه بمربع الضياع.
وجعلا الربع الثاني "عاجل وغير هام" ومثاله ان يوجّه الموظفون الى اجتماع عاجل ويكتشفون ان الامر غير مهم , او ان يكلف موظف بمهمة عاجلة فيكتشف انها غير مهمة ويمكن تاجيلها , واسمياه بمربع الخداع .
وجعلا ربعاً ثالثاً بعنوان " مهم وعاجل " ومثاله تعرض مبنى للحريق فهي مهمة فورية وهامة ولابد من انجازها فوراً , واسميا هذا المربع بمربع الانجاز .
وجعلا الربع الرابع بمسمى " مهم وغير عاجل " ومثاله التخطيط المستقبلي لتخصيص مبلغ في موازنة العام المقبل لعمل منظومة ضد الحريق متطورة للمبنى الاداري واسميا المربع الرابع بمربع التخطيط او مربع المستقبل.
وقد اعتبر العالمان ان اهم ربع في تلك المربعات هو مربع التخطيط لا مربع الانجاز , لان مربع التخطيط هو الذي يهيء الارضية للانجاز بشكل سلس وسليم ويقلل الخسائر مستقبلاً.
-------------------------------------
مربع الجهد الاستخباري
-------------------------------------
لو اردنا ان نطبق النظرية السابقة , سنكتشف ان الامر شبيه في الاستخبارات مع بعض التغيير في الاصطلاحات , اذ ينقسم الجهد الاستخباري فنياً - وفق مانراه -إلى :
1- جهد استخباري متوفر : ونعني به الامكانات والقدرات المتوافرة فعليا, وهو مايمثل مايمكن أن يكون كقابلية حقيقية دقيقة في جمع المعلومات واذرع الجمع بأنواعها الستة , أي أن الجهاز يجب أن يعرف - بدقة - جهده الاستخباري الممكن والمسيطر عليه , والذي يؤمن تدفق المعلومات بإستمرار من خلال الاذرع , مع خارطة واضحة للمصادر والمخبرين والمتعاونين المتوفرين , وبذلك يعرف الجهاز الاستخباري جيدا موارده وجهده الحقيقيين.
2- جهد استخباري مطلوب : وهو الجهد الاهم والاخطر وبه تتطور الاجهزة الاستخبارية ,وبدونه تعاني تلك الاجهزة من الجمود والمراوحة , فالاهم من الجهد الاستخباري المتوافر ان يتم بناء ادارة مراقبة العمل الاستخباري يعرف الجهاز من خلالها مواطن النقص والخلل والعمل بنظرة مستقبلية مع التهديدات والمخاطر التي ستنجم من خلال استقراءآت ودراسات وتدقيق وبحكم التنبؤ الاستخباري , وعلى اساس ذلك يضع الجهاز برامج لازمة لتطوير الجهد المتوفر ليواكب ويصل إلى قابلية تنفيذ الجهد المطلوب .
فعلى سبيل المثال , اننا كنا نقاتل داعش فوق الأرض بأسلوب الإرهاب العلني , ومنذ أكثر من عام بدأت تراجعات وانكسارات داعش تتكرر , فبنظرة استخبارية نفهم أن داعش ستتجه إلى الإرهاب السري وحرب العصابات والاوكار , ولهذا تقوم الاستخبارات بمراقبة جهدها وتنظم برامجها للتطوير إلى الجهد الاستخباري المطلوب لتوفير كافة المستلزمات لاحتواء التكتيكات الجديدة لداعش ,الامر الذي يعزز الانتصار وبدونه تعود داعش كقوة مؤثرة تزعزع الامن والاستقرار , وهو بالضبط مانعنيه بالتدقيق.
فالجهد المطلوب هو دوماً جهد التطوير وجهد المستقبل , وعلى الاستخبارات أن تكون متقدمة دوماً في فهم الواقع الإقليمي والسياسي والبيئة الداخلية والجغرافيا السياسية ومنغصات الأمن والتحديات والتهديدات والذهاب للتخطيط الإستراتيجي في سبيل إيجاد فهم واضح وتصور , ومن ثم اعداد برنامج لتطوير الجهد الاستخباري المطلوب حسب المتطلبات اللاحقة , فالفارق كبير بين ما نملك من قابليات استخبارية وما نريد أن نصل إليه .
3- جهد استخباري عام : وغالبا مايكون عن الجرائم والتقارير الأمنية اليومية وبناء القوة عند دول الجوار والأمن الداخلي وجميع الاهتمامات غير المستعجلة وغير المهددة , لكنها ضرورية بنسب متفاوتة مريحة, فقد تكون بعض الأهداف ليست ذوات أولوية , ولكن يجب أن يستمر عليها الجهد الاستخباري بتسارع طبيعي معقول وهو مانعني به بالجهد الدوري او الاعتيادي.
4- جهد استخباري خاص : هو الجهد الطارئ او الاني او المستعجل , ويتطور ليكون جهدا مهدفا , وهو مانسميه بالتهديف في الاستخبارات , فعندما تقع كارثة طبيعية او حادثة ما وتحتاج الحكومة إلى تفسير ومعلومات , هنا يكون الجهد سريعاً وطارئاً , ويعتبر عملاً خاصاً لا يمكن التنبؤ به مسبقا , فتقوم الاستخبارات - عند الحاجة - سريعاً بتوجيه الأذرع ومنها المخبرين والعملاء والمصادر إلى مكان الحدث وجمع المعلومات المطلوبة اللازمة.
إذن , بين المتوافر والمطلوب والعام والخاص , هناك نوع من التخطيط والتنقيط (التهديف) , الذي يجب أن يقدم على باقي الأعمال , ويبين دوماً خارطة الأذرع والانتشار , وغالبا ما تبحث أساليب ومناهج التطوير للوصول إلى المطلوب دوماً ووضع باقي الأذرع في خانة العام او المتوفر.
-----------------------------------
اهمية التدقيق الاستخباري
-----------------------------------
ياتي التدقيق بعد دراسة التحليل لفهم المنتج النهائي للمعلومة من خلال المحللين , مما يتيح معرفة النواقص والمتطلبات وتدقيق دورة الاستخبارات والمنتج من المعلومات المحللة .
ولانجانب الحقيقة اذا قلنا ان المدقق الاستخباري هو الخبير الأعلى من المحلل والذي يزن الجهد ويعرف جدول الانتشار وأين يكمن المتوافر من الجهد وما الذي نحتاجه لنصل للجهد المطلوب.
فوزارة العمل لا تنتظر قراراً حكومياً لتوفير فرص عمل للمستقبل , ووزارة الدفاع ليست بحاجة إلى أوامر للوصول إلى الجهوزية , ووزارة النقل تعرف مقدماً - ضمن خططها - حاجتها المستقبلية , وأيضا وزارة الصحة تعلم ماهي الاحتياجات والطموح وتعرف ماهو المتوفر ,فقبل حلول موسم تغير درجات الحرارة فانها تزيد من إنتاج الأدوية الخاصة بذلك الموسم .
كذلك الحال الاستخبارات , فيجب أن تعرف اتجاهات الوضع السياسي وتتنبأ للمستقبل , فتذهب لإنتاج جهد مطلوب قبل الحاجة له وتفتح أذرع حسب متطلبات العمل.
ان التطوير في الاستخبارات ملاصق لمفهوم التدقيق , لأنه أولا يجب أن يفهم ويدقق القدرات والمتوفر من الجهد , ومن ثم يدرس أولويات الاتجاه الاستخباري وترتيب التهديدات والمخاطر , حتى يستطيع أن يخطط - بمشاركة مركز التحليل ومركز جمع المعلومات - لملاحقة التحديات.
وقد لا نحتاج تجنيد جديد او تفعيل فني جديد من اجل التطوير , بل نحتاج لتصويب بعض النشاط او نقل بعض المصادر إلى أماكن أخرى او توجيه المخبرين , اي بالاستفادة الصحيحة من الموارد وليس بالتوسع والترهل,وكذلك بالتأكد من صحة دوره الاستخبارات وأدوار الجمع وحجم الإنفاق والحاجة للتطوير والتصحيح , وهذا يعني ان التدقيق هو عملية إصلاح ذاتي للاستخبارات.
كما يقوم التدقيق بدور الحكم بين الجمع والتحليل , فهو الذي يقيس الكفاءة والقدرة والاستجابة بين الطرفين , فالجمع جهاز ميداني , والتحليل جهاز مكتبي مفكر , والتدقيق قسم مدقق ومخطط
ففي بعض الاجهزة , ياخذ التدقيق حالة الرقابة على المخرجات المعلوماتية والتحليلية , أي بمثابة مقياس للجودة , فالاجهزة الاستخبارية منتجة للمعلومات وانتاجها يجب أن يخضع إلى مقاسات مشابهة للتقييس والسيطرة وهو دور التدقيق , وهو دور يختلف عما ذكرناه في مبحث ( 14 تقييم الاداء ),فتقييم الاداء هو التقييم الشامل للجهاز الاستخباري واداء الجهاز ضمن الخطط والأهداف المرسومة له , أما التدقيق فهو يختص بالمعلومات وجمع المعلومات والمنتج والمحلل من المعلومات , وأيضا بالجهد المتوفر والمطلوب والعام والخاص.
-------------
خلاصة
-------------
التدقيق الاستخباري له مفهوم اكبر من التدقيق الاداري , فالتدقيق الاداري جهاز رقابي فقط , اما التدقيق الاستخباري فهو رقابي ومعني بحشد الجهود وبالتطوير , وهو يتيح للمؤسسة الاستخبارية ان تكون دائمة الحيوية وتتعامل مع المتغيرات المستقبلية , وبدون ذلك يختل توازن المؤسسة الاستخبارية لاسيما في مجال التعامل مع المعلومات وقد تصاب المؤسسة الاستخبارية بالترهل والجمود جراء عدم وجود جهة تحدد النواقص وتفعّل الموارد وتهيء الجهاز الاستخباري للمخاطر المستقبلية , وهي امراض شائعة في دوائرنا الاستخبارية , والله المستعان.







اخر الافلام

.. واشنطن وموسكو.. إغلاق -السماوات المفتوحة-


.. أكراد سوريا... ومفاوضات الحكم الذاتي


.. لندن.. ومخالب الإرهاب الحادة




.. الاتجاه المعاكس- فض رابعة.. مجزرة دموية أم إنقاذ لمصر؟


.. الحصاد- أفغانستان.. هجمات طالبان أم الحوار؟