الحوار المتمدن - موبايل



خمارة دليلة والزئبق -5-

علي دريوسي

2018 / 1 / 5
الادب والفن


كانت أحاديث وحكايات الزبائن في الخمَّارات بسيطة وحزينة تثير الخوف والشفقة لأنها تحاكي الواقع. وكان يحدث أن يصير جو الخَمَّارة أكثر حَميميّة حين يمر بها أحد رموز الضيعة غير المنتظرين وهو في طريقه إلى الصلاة في النُذُور أو في الذكرى المقامة على بعض الأموات، أو حين يكون في جولته المعتادة في الزقاق والزواريب. ها أنا أبتسم في هذه اللحظة وأنا أتذكر كيف دخل الشيخ رضوان البسندلي برفقة الشيخ أبو يونس وطلب من مدير الخَمَّارة أبي جليلة كأس عرق على عجلٍ. إلا أنَّ المدير قد رفض تحقيق طلبه بحجة أنَّه لا يجلس في خمَّارته هكذا لوجه الله ويبيع بل مقابل.

غضب الشيخ وصرخ بأعلى صوته: "لا تشتروا قطة في كيس قبل أن تروها، ولا العرق في الدمجانة قبل أن تجربوا كأساً منه."
أجابه أبو جليلة: " كل ديك على مزبلته ملك يا شيخ، وأنا الملك هنا."
ردّ الشيخ بامتعاضٍ: "كل راهب على منبره عفيف."
تدّخل أبو يونس وقال: "دعه وشأنه يا رضيوان، لا يمكنك أن تسأل عن ضرطةٍ دافئة من كلبٍ ميت."
ابتسم أبو جليلة وسأل مناكفاً: "لما لا تتوقَّف عن الشرب يا شيخنا وتتفرَّغ للعبادة؟"
أجاب أبو يونس: "شيخنا لا يستطيع الوقوف على ساقٍ واحدة، الكأس هي ساقه الثانية."
قال الشيخ رضوان:"ولما لا تغلق خمَّارتك وتجلس في بيتك وتتمتع بحياتك بعد أن جمعت ما يكفي من المال، بدلاً من الضحك على ذقون الفقراء."
ضحك أبو يونس وقال: "لكل خمَّارة عَوْجاء مالك أعْوَج."
ضحك كل الزبن في الخمَّارة، ضحكا الشيخان بدورهما وغادرا وهما يلعنان ويشتمان بشكلٍ معيب البخلاء والمنافقين وأصحاب الخمَّارات والدكاكين في الضيعة.

وما زلت أذكر أيضاً لقائي الأول مع أبو نضال في خمَّارة دليلة والزئبق. كان يجلس هناك هادئاً لدرجة اِعتقدت معها أنَّ سلوكه وتفكيره في غاية التوازن، ثم لعنت في سري أولئك الذين يتكلمون عن اضطرابات نفسية اِنفصامية يعيشها الرجل، غير أنَّه نهض فجأةً وطالبنا بالصمت مُدّعياّ أنَّ ثمة اِتصال هاتفي مُستَعجِل قد وصله للتو من بلدٍ بعيد من أحد الرفاق القادة الذي يعمل معهم جنباً إلى جنب على مستوى النطاق الأممي. ومع هذا بقي سلوكه في نظري طبيعياً واحترمت رغبته، لكني تفاجأت أكثر حين سمح له صاحب الخَمَّارة بتناول سماعة التلفون رمادي اللون إذ أنَّني لم أسمع صوت أي رنين. رفعها إلى أذنه وبعد عدة ثواني سمعت صوته الواثق الواعد وهو يرعد بالعربية الفصحى:
"أهلاً بك رفيق لينين!"
ثم صمت قليلاً وكأنَّه حقاً يستمع إلى الطرف الآخر. تابع حديثه:
"رغباتك أوامر يا رفيق، سننفذها بحذافيرها، لا تقلق سأخبر الرفاق بخطتك الجديدة."
صمت ثانيةً ونظر إلينا، هزّ رأسه، حرّك يديه بقلقٍ، ثم قال:
"دعنا قليلاً يا رفيق من السياسة، أخبرني: كيف حال الرفيقة ناديجدا؟"
"جميل، جميل، أسعدتني الأخبار."
"إذا كان الرفيق تروتسكي في جوارك أرجو أن تصلني به، لديّ ما أقوله له"!
"بالتوفيق رفيقنا العزيز لينين، رافقتك السلامة."
ثم تتكرّرالإسطوانة:
"أهلاً، أهلاً بالبلشفي الغالي تروتسكي. ما هي الأخبار لديكم؟"
ما أن انتهت المكالمة حتى غادر الدكان تاركاً الندامى يسقطون في واحةٍ من الحيرة والحزن.
*****

هناك تعرّفت على أبو فواز، شاب نحيل الجسد قصير القامة، بوجهٍ مُدوّر وتقاسيم ناعمة، كان في نهاية عقده الثالث، كان يرتدي غالباً طقماً أبيض اللون مع قميص أسود أو طقماً أسود اللون مع قميص أبيض، وكان حذاؤه نظيفاً وأنيقاً يتناسب مع قدميه الصغيرتين، كان يشرب كثيراً، يدخن سجائر البولمول الواحدة من عقب الأخرى، يتكلم قليلاً جداً ولا يسكر. سمعت من صاحب الخمَّارة أنَّه من عائلة غنية وبالتالي فهو من الزبائن الدَّسَمين، وأنَّه يعمل في إحدى المستشفيات الحكومية ولذا يسرقُ كل يوم علبة سبِيرْتُو من قسم الإسعاف، يشربها عادةً في المساء، إذ أنَّ كؤوس العرق لم تعد تفعل فعلها في جسمه، يشاهد مقاطع من أفلام ممنوعة ويخلد للنوم...

وهناك تعرّفت أيضاً على أبو جميل وأبو نزار وآخرين، ولكل منهم حكايته وجاذبيته، لكن شخصية وفيق هي التي لفتت انتباهي أكثر من غيرها بعد أخبرني أنَّه خبير في ميكانيك وكهرباء المصاعد، كان يبدو مختلفاً عن أترابه من سكان المغارة، يجلس في الخمَّارة ومجموعة مفكات براغي لا تفارق جيوب أفروله الأزرق. ولأنني كنت أبحث عن فرصة للتدريب العملي في المجال الميكانيكي وأحتاج للنقود من أجل الحياة الجامعية وددت أن ألتقيه في حالة صحوٍ كي أخبره عن رغبتي بالعمل معه لإكتساب الخبرة العملية.







اخر الافلام

.. هذا الصباح– سوق غرينتش للوحات الفنية والمشغولات اليدوية


.. محمد رغيس من عرض الازياء الى التمثيل


.. نتعرف على قصة طموح المخرج السوري خلدون الحوراني وتوجهه للأعم




.. لقاء مع وزيرة الثقافة وتنمية المعرفة الإماراتية لمناقشة زيار


.. حفل ختام كأس العالم 2018: البرازيلي رونالدينيو والممثل الأمر