الحوار المتمدن - موبايل



روسيا والصراع من أجل الشرعية في سوريا

ميثم الجنابي

2018 / 1 / 7
مواضيع وابحاث سياسية


توطئة

لقد انتهت "الجولة الأولى" في الصراع من أجل الشرعية في سوريا بانتصار "محور المقاومة" وبالدعم الروسي السياسي والعسكري المباشر. وشأن كل حرب أهلية ودينية عنيفة ضمن سياق التاريخ السوري الحديث ومنطقة المشرق العربي (العراق خصوصا) لا يمكنها أن تنتهي بجولة واحدة، وذلك لأنها مجرد حلقة في الصراع العالمي المعاصر، وبالأخص بين القوى الساعية للتحرر واكتمال نموها الذاتي بمعايير الشرعية وبين بقايا المراكز الكولونيالية القديمة. وسوف أكتفي هنا بتناول هذه القضية ومستواها الجيوسياسي عبر تناول الدور الروسي شبه الحاسم في هذه القضية، على أمل استكمالها بمقال يتناول "الجولة الثانية" في هذا الصراع تحت عنوان (سوريا والصراع من أجل الشرعية الاجتماعية والوطنية).
***

الصراع من اجل الشرعية

إن الشرعية هي مقدمة ولادة الدولة بالمعنى الدقيق والمعاصر للكلمة. وفيما لو القينا نظرة عامة على واقع الشرعية في العالم العربي الحديث، فإننا نقف أمام حقيقة تقول، بأن الشرعية فيه مازالت في طور المخاض التاريخي للولادة الحديثة. وبالتالي، فإن الشرعية فيه تتسم بالنسبية، بوصفها ظاهرة تاريخية. بمعنى أنها جزء من صيرورة الدولة الحديثة بمعناها الجغرافي السياسي. ومن ثم فهي بحاجة إلى زمن ومعاناة وصراع قد لا يخلو من همجية ودموية لكي تتكامل فيها بصورة تدريجية فكرة الشرعية بشكل عام وشرعية النظام السياسي شكل خاص. ولعل مثال تونس ومصر والعراق وسوريا من بين أكثرها وضوحا، أي في الدولة التي تجري فيها بصورة عنيفة صيرورة الشرعية، ومن ثم صيرورة الدولة الحديثة بالمعنى الدقيق للكلمة. أما الدول العربية الأخرى فإنها في أطوار مختلفة. واغلب البقية الباقية في طور الأجنة الأولية. ومنها ما لم يبلغ هذه الحالة، كما هو الحال بالنسبة لممالك وإمارات الخليج. فهي ليست دولا بالمعنى الدقيق للكلمة، بل تجمعات ومعاشر، الشرعية فيها مازالت للسلطة فقط بوصفها عقدا عائليا أو قبليا محكوما بالعنف البدائي والرشوة الخشنة. أما القانون والشرعية فهي مجرد لوائح وقواعد لتقييد السلوك بالشكل الذي يجعل من قهر الجميع فعلا ملزما للإقرار بشرعية حكم العائلة والقبيلة. وبالتالي لا علاقة لهذه الشرعية بفكرة القانون والحق والشريعة.

الغرب الكولونيالي وفكرة الشرعية

ماذا يعني الصراع من اجل الشرعية بالنسبة للغرب الكولونيالي؟ انه يعني إضفاء صفة "الشرعية" على نزوعها الكولونيالي الجديد. مع انه يتخذ في العقدين الأخيرين، بدأ بغزو العراق وأفغانستان وليبيا واليمن (بأيدي آل سعود) صيغة الكولونيالية التقليدية.
لقد دعم الغرب الكولونيالي على امتداد تاريخه الحديث كل الأنظمة الاستبدادية والمتخلفة والبدائية، وحارب على الدوام كل القوى العاملة من أجل إرساء فكرة الدولة الوطنية والقومية الحديثة، أي الدولة المستقلة بقرارها وإرادتها السياسية الحرة. إن تجارب الغرب الكولونيالي بهذا الصدد، تكشف عن سعيه للحفاظ والإبقاء على حكومات وسلطات وأنظمة سياسية متهرئة وفاسدة، ورؤساء بلا رأس، وزعماء بلا عزيمة، وقيادات قوادة لرغباته. وبالتالي، فإنه لا يريد الشرعية بوصفها قوة بناء الدولة الحديثة ونظامها السياسي المحكوم بفكرة القانون والحقوق الوطنية والقومية. ذلك يعني، انه لا يريد دولة بالمعنى الدقيق والحديث للكلمة.

السياسية الروسية تجاه قضية الشرعية في سوريا

تخلو السياسة الروسية تجاه العالم العربي على امتداد القرن العشرين، أي زمن الصيرورة الحديثة للدولة العربية، من أي نزوع كولونيالي. بل يمكن قول العكس. فقد كانت السياسة الروسية، ما بعد الحرب الامبريالية الأولى، مرتبطة بالانقلاب البلشفي، أي بالاتجاه الداعم للمرة الأولى في التاريخ العالمي، لحق الشعوب في تقرير مصيرها، والدفاع عن استقلالها السياسي والاقتصادي، ودعم منظومة الفكرة الاجتماعية والحرية.
وإذا كانت سياسة الدولة الروسية بعد انحلال الاتحاد السوفيتي قد مرت بأطوار مختلفة ومتناقضة لتاريخها الحديث والمعاصر، فأنها أخذت بالاستتباب النسبي بعد عقدين من "الثورة الليبرالية" في إرساء أسس الفكرة القومية ومصالحها الكونية على قواعد ثقافية وحقوقية من طراز آخر. انه طراز البحث عن توازن واعتدال عقلاني مبني على أساس إرجاع هيبة القانون الدولي والتنوع المتوازن بين الدول.
وبالتالي، فإن المساهمة الروسية في الدفاع عن الدولة السورية ضد الهجمة الشرسة للمراكز الكولونيالية وأذنابها في المنطقة هو عين الدفاع عن الشرعية. وذلك لأن حقيقة الشرعية في الحالة السورية هي الدفاع عن الدولة والأمة، وليس عن النظام السياسي أو قادته.
إن السياسة الروسية تجاه سوريا مبنية على ثلاثة مبادئ كبرى وهي:
• إن الشرعية في سوريا هي شرعية ذاتية، أي ملاصقة لفكرة الدولة ونظامها السياسي.
• إن الشرعية هي نتاج تطور سياسي وإصلاح بنيوي للدولة والأمة والثقافة السياسية،
• إن تجارب التدخل الأجنبي في تغيير النظم السياسية تؤدي إلى تخريب وتدمير الدولة والمجتمع والقيم.

ذلك يعني، إن الشرعية ليست وصفة طبية يعطيها الطبيب الأمريكي لعلاج سوريا، ولا رغبات غريزية لسلطات بدائية لا تفقه معنى الشرعية وغريبة عنها بصورة مطلقة كما هو الحال بالنسبة لممالك وإمارات الخليج التابعة. كل ذلك جعل ويجعل من إشكالية الشرعية في سوريا الحالية إشكالية حياة وموت الدولة والأمة. وذلك لأنه لا معنى للحديث عن شرعية وعدم شرعية إنقاذ الغريق، عندما نحكم على القيم بمعايير العقل وليس بمعايير الحنابلة. فالحنابلة تنابلة في العقل وجهابذة في نقيضه. من هنا يمكن أن نفهم دوافع الدعم الروسي للدولة السورية بوصفها سياسة الدفاع عن الشرعية الحقيقية. بعبارة أخرى، إن دخول روسيا الحرب إلى جانب الدولة السورية هي سياسة مركبة مرتبطة بالحالة الروسية ودورها العالمي الجديد وطبيعة إدراكها للصراع الحالي في المشرق العربي. بمعنى أنها ليست شخصية ولا عابرة. بل مرتبطة بمرجعيات الفكرة السياسية والإستراتيجية للدولة الروسية. من هنا يمكن فهم معنى التشديد الروسي على فكرة أولوية الدولة. وعندما تقول روسيا، بأن القضية الجوهرية هي قضية الدولة السورية وليست قضية الأسد أو الرئاسة، فأنها تستجيب بذلك لتراثها وعقيدتها السياسية والثقافية من جهة، ولإدراكها طبيعة الترابط بين شخصية الأسد في النظام السياسي الحالي وبين فكرة الدولة السورية ووحدتها واستقلالها.
إن المشرق بشكل عام والعربي بشكل خاص (والروس يطلقون على المشرق العربي عبارة المشرق الأدنى أي الأقرب وليس الأقصى أو الأوسط) هو الأدنى والأقرب للدولة الروسية. وأن استقراره السياسي يستجيب أيضا لمصالحها القومية. انطلاقا من ذلك، فإن الاستقرار في سوريا هو المقدمة الضرورية لاستقرار المنطقة ومن ثم إرساء أسس الشرعية عبر الحوار السياسي والمساومات العقلانية وليس السلاح والعنف والإرهاب.

شرعية الحرب والمستقبل السوري

إن إحدى مفارقات الصراع الحالي في سوريا يقوم في ترابط فكرة الدولة والنظام السياسي. بحيث تجعل منهما كلا واحدا، وذلك بأثر توسع وتعمق الصراع داخل سوريا وخارجها. لقد أدى هذا الصراع إلى المواجهة بين قوى الدولة والأمة وقوى المراكز الكولونيالية وأدواتها في المنطقة. الأمر الذي جعل ويجعل من المساومة السياسية العقلانية امرأ مستحيلا بينها. وإن المساومة الوحيدة العقلانية هي بين السلطة والمجتمع عبر إعادة إرساء أسس جديدة للعقد الاجتماعي والسياسي. وهي مهمة ملازمة وتتجذر في مجرى تصفية الحساب مع جميع القوى التي ناهضت الدولة السورية العداء العلني المستتر. فقد بلغ الصراع من حيث مقدماته وغاياته ووسائله والقوى القائمة خلفه حدا لا يمكن حسمه إلا بالقوة.
إن القوة هي أسلوب تطهير المجتمع والدولة والنخب ومن ثم إرساء الرؤية المستقبلية لنظام اجتماعي محكوم بالقانون وفكرة المواطنة الدستورية. بمعنى ضرورة سحق القوى الهمجية الداخلية وتطهير الأرض السورية منها بصورة تاريخية، أي إعدامها التام. وفي مجرى ذلك فقط يمكن أن تتراكم حقيقة البدائل المستقبلية للدولة والأمة في سوريا عبر إعادة بناء مركزية الدولة على أسس اجتماعية تسودها فكرة السلم والعدالة، وأسس اقتصادية محكومة بفكرة التطور العلمي والصناعي والإنتاجي، وأسس وطنية محكومة بفكرة الشام الثقافية، وقومية مستنيرة بفكرة توحيد المشرق العربي.
***








اخر الافلام

.. إيران والتحذيرات الأوروبية من خطورة السياسة الأميركية


.. الحصاد- إيران.. خلاف أميركي أوروبي


.. الحصاد- سيناء.. هدم يثير الهواجس




.. الحصاد- التيار الصدري.. رسائل للسعودية وإيران


.. بلا حدود-سعاد عبد الرحيم المرشحة لرئاسة بلدية العاصمة التونس