الحوار المتمدن - موبايل



لهّاية الراعي

كمال عبود

2018 / 1 / 13
الادب والفن


عمّتي - ميجانا -* أخت جدي ، كبيرة السن ، خنادق وجهها عميقة وكثيره ، ربما عدد سني عمرها ... ربّما كل عامٍ يحفر ثلماً في وجهها ، ويُبرِز ندبةً سوداء فوق الجبين، والعمّةُ عزباء لم تتزوج في حياتها تعيش معنا وتقضي صيفها في كرم التين تساعد أمي في الطبخ وتوقد النار تحت القِدرِ الفخاريّة الجميله ، ننام قربها صيفاً مُلتحفين السماء ، نسمع حكاياها وننام ، كلما أفقنا في الليل نراها مستيقظه تجوس بناظريها السماء والنجوم ، تبحث عن ماضٍ أو حلمٍ اضحى - ورواراً *_ وغاب هناك بين النجوم في ليلةٍ بهيجة القمر ، صافيه قلتُ :
عمّتي :جدي يناديك -عليا- والآخرون ينادوك : ميجنا ، مَنْ سمّاكِ - ميجانا - وشو معنى اسمك..؟

تنهّدت العمّةُ بعمقٍ وأخرجتْ زفرةً طويله .. طويله
قالت : تريد حكايةً ... ؟ اسمع إذن :
كنتُ صغيرةً وكنت أُحِب الخراف ، عندما أرى خروفاً يطير قلبي من الفرح ، وأجري خلفه ، أمسكه من قرنيه ، يحاول الهرب ... نتعارك .. أحضنه بقوه ... أضمه الى صدري ... أمسح على ظهره أشمّ رائحة صوفه ... رائحة الصوف تسحرني .. أمشي به الى بركة الماء أغسله مرات عديده حتى ينظف ويبرق صوفه الذي هو بلون الذهب ، وكثيراً ما بكيت أمام امي وأبي كي يشتروا لي خروفاً حتى كان ما اردت واصبح لي صديقاً هو شغلي الشاغل ومالىء أيامي ومنعشها .

في أحد أيام الربيع البديعة والآسره ، خرجت وخروفي إلى حقل بعيد مع جارتنا الكبرى التي ترعى خرافها وتركت خروفي وصرت أتسلّى بقطف الزهور البريّه ، الى أن حطّتْ أمامي عصفورة كبيره ، سحرتني ألوانها وجمالها ، كانت متعددة الالوان ، آخاذةً في كرجها ...تقدمتُ منها فبقيت ثابته ،انحنيت كي أمسكها فطارت وحطّت على قربٍ مني فتقدّمتُ ثانية وهممتُ أن احضنها بكلتي يدي ّ لكنها طارت من جديد وكل مرّة تظهر في طيرانها أكثر روعةً وجمالاً ، ثمّ حطّت على بُعد أمتار قليله فمشيت بحذرٍ شديد ورميت نفسي فوقها لكنّها طارت قبل أن أمسكها ، وفي كل مرّة كان إغراؤها يكبر وأنا أرى بهجة ألوانها ، وهي دائماً تبتعد قليلاً وأنا أقترب وأرمي نفسي فوقها وكل مرّة أقول الآن سأمسك بها ، غابت الشمس ورجعت خائرةً منهكةً من التعب والجوع والعطش ، و.... فقدتُ خروفي .. ضاع ولم أجده وفقدت حلماً كان كبيراً ، هل تعرف ما اسم العصفورة الجميله .... ؟
هي لهّاية الراعي
تجعل الراعي يغيب عن خرافه وتلهيه عن قصده وعمله!


ولكنكِ يا عمّتي ، مّن سمّاكي - ميجانا ...؟
قالت: أنا كنت لهّاية الراعي ، كنتُ أجمل بنات القرية على الإطلاق وأكثرهنّ إثارةً ودلالاً ، وأكثرهنّ إغراءً وإغواءً .... ذاع حسني وصيتي في السهل والجبل يأتي الشاب فيقترب إليّ حتى إذا كاد أن يصل ، ابتعدت عنه قليلا فيقترب بشوق أكثر وألعب معه لعبه لهّاية الراعي حتى يتعب ويرحل ، ثمّ يأتي شابّ آخر ينوي خطبتي فألعب لعبتي معه ، وكلما تعِب أكثر مني كلّما زادت متعتي وأنا مسرورة من رؤية الشباب الوسيمين والاقوياء وهم ينسحبون وتنخفض كبرياؤهم ، وهكذا يا عمتي إلى أن جاء أجمل الشباب وأعلاهم قدراً وخطبَ ودي ، لكنّه عانى أكثر من عشرات الشباب الذين أرهقتهم لعبتي ، اقتنع بأنني ألعب به وبعواطفه ، بعدها صار يجيء في الأماسي ويغني بصوته العذب الرقيق :
ميجنا ويا ميجنا ويا ميجنا .... الكلب أوفى من الغدر في حبّنا
ميجنا وياميجنا ويا ميجنا .... لهاية الراعي اللعينه معنعنا*

وهيك راحو الشباب وراح اسمي الأول وصار اسمي - ميجنا -
*****

قال الراوي يا ساده يا كرام : إنّ حاكماً سمع قصة ميجنا وكان يعرف لهاية الراعي ، أحضر ابنه وأوصاه: عندما تصير حاكماً طبق حكاية لهاية الراعي قال له : كيف ...؟ قال :
كل عشر سنوات اجعل شيئاً للناس تلهيهم عنك
قال: مثلا....؟
قال: أعط كل شخص قصبة صيد وخيط وسناره واجعلهم يصيدون في البحر ، دعهم يتلهون في الصيد ويتقاتلون على أماكن الصيد وبيع السمك ودع البحر يغري اليائسين والبائسين وخاصةً المتمردين منهم بالسفر والرحيل.......
*****
ميجنا* : أغان من التراث الشعبي الجميل
الوروار*: من أجمل الطيور البريه على ساحل المتوسط الشرقي
معنعنا*: مريضه







اخر الافلام

.. كل يوم - يوسف زيدان: اسرائيل عملت شارع باسم ام كلثوم واحنا ه


.. حفل خيري تحت شعار الموسيقى ضد السرطان


.. سابقة من نوعها في تونس.. مهرجان أفلام لتوصيل -صوت المثليين-




.. طلعت زكريا وريم البارودى يكشفان كواليس فيلم حليمو أسطورة الش


.. أحمد عيد يواسى طفل بكى تأثرا بأحداث فيلم خلاويص