الحوار المتمدن - موبايل



كنيسة الروم الأرثوذكس بالقدس نشات وتطورت برعاية عربية

سعيد مضيه

2018 / 1 / 13
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات


في الحضن العربي نشات الكنيسة الأرثوذكسية في القدس وتثبتت دعائمها وتطور نفوذها. قدم المؤرخون العديد من الشواهد على الوجود العربي بفلسطين لقرون عديدة قبل ظهور المسيحية. تعرف الكنيسة في القدسً بكنيسة الروم الأرثوذكس، ويعتبرها المسيحيون الأرثوذكس الكنيسة المسيحية الأم، فهي الكنيسة الأولى في التاريخ والتي أسست في مدينة إيليا يوم العنصرة مع حلول الروح القدس على تلاميذ المسيح، وذلك بحسب القصة المذكورة في الكتاب المقدس (أعمال 2: 1- 41). ومن هذا الموقع انتشرت تعاليم المسيح إلى بقاع العالم. يقترن تاريخ الكنيسة بتاريخ العرب في فلسطين. إذ بعكس ما تتناقله التأرخة الاستشراقية ابتدأ الوجود العربي في فلسطين قبل الفتح العربي الإسلامي بآلاف السنين.
لمحة تاريخية
فقد ذكر المؤرخ سترابو، صاحب الموسوعة التي تضمنت تواريخ الشعوب التي تعرّف عليها في رحلاته عبر الامبراطورية الرومانية، أنّ العرب سكنوا الأجزاء الغربية من فلسطين قروناً قبل الميلاد. عاش هذا المؤرخ ما بين 63 قبل الميلاد وحتى العشرين بعد الميلاد؛ ولم تعرف موسوعته إلا في عصر النهضة. ذكر أيضا أن بادية شرقي الأردن نبطية عربية تمتد من الفرات حتى البحر الأحمر.
ويقول جون سبنسر ترمنغهام، المؤرخ البريطاني في كتابه "المسيحية بين العرب في العصور السابقة للإسلام"، إنّ الجموع التي كانت تحتشد حول السيد المسيح وهو يبشر كانوا عرباً، وإنّ أول المهتدين خارج نطاق الرسل الأوائل كانوا عرباً كذلكً". ." قبل الإصلاح اعتبرت فلسطين الوطن المقدس الذي أورثه المسيح لأبناء المسيحية ، ولم تكن القدس توصف بأنها صهيون اليهودية ، بل مدينة العهد الجديد المقدسة " (ريجينا الشريف:21 الصهيونية غير اليهوديةـ ترجمة أحمد عبدالله عبد العزيز / عالم المعرفة عدد 96 ،1985) .
ونقل الأكاديمي بجامعة تل أبيب شلومو ساند، عن مقالة كتبها إبراهيم بولاك، وهو صهيوني مؤسس قسم تاريخ الشرق الأوسط بجامعة تل أبيب، ذكر فيها "على مدار مئات وآلاف السنين لم تكن هناك تقريبا مجموعة سكانية في العالم ، خاصة في ممر ضيق كالبقعة بين نهر الأردن والبحر المتوسط، إلا واندمجت مع جيرانها، مع محتليها أو الخاضعين لاحتلالها. أتى على المنطقة في مراحل تاريخية مختلفة يونانيون وفرس وعرب ومصريون وصليبيون، وجميع هؤلاء اندمجوا أو ذابوا دائما في السكان المحليين. افترض بولاك ان احتمال تأسلم اليهودائيين(تحولهم الى المسيحية اولا ثم الإسلام) كبير للغاية. وبالتالي كان هناك تواصل ديمغرافي في الوجود المستمر والطويل ل ‘فلاحي البلاد’ منذ الزمن القديم وحتى الآن...". يمضي ساند إلى التأكيد ان "كل ما لم ترغب فيه الصهيونية حذف ببساطة من كتب التاريخ. ومن هنا لم تهب أي هيئة بحثية ولا جامعة إسرائيلية لمساعدة بولاك" ( شلومو ساند: اختراع الشعب اليهودي-ص 238).
وفي عرض لكتاب ساند سخر الباحث الأميركي باول أتوود، من أكذوبة لنتنياهو بان اليهود هم بناة اورشليم : "أعلن بنيامين نتنياهو مؤخرا أن ‘الشعب اليهودي كانوا يشيدون القدس قبل ثلاثة آلاف سنة ويقومون الآن بالبناء ... فالقدس ليست مستوطنة’ . لم يكتف برد التزييف، إنما شكك في صلة اليهود بالقدس عبر معظم مراحل التاريخ: "اما التنقيبات الأثرية فتبين أن القدس بناها الوثنيون الذين قدسوا إلههم شاليم واطلقوا على مدينتهم الجديدة ’مكان شاليم‘ . وفي زمن الشروع بتشييد المدينة لم يكن يوجد بشر يمارسون طقوس اليهودية، ونادرا ما حكم اليهود المدينة حقا في أوقات تالية؛ وتعاقبت العهود وخضعت القدس لحكم المصريين والبابليين والأشوريين والفرس واليونان والرومان والعرب والبيزنطيين والكاثوليك الاوروبيين والأتراك والبريطانيين."
يؤكد البروفيسور كيث وايتلام في كتابه "اختلاق إسرائيل القديمة شطب التاريخ الفلسطيني" أن إسرائيل لم تكن سوى لحظة عابرة في مسيرة التاريخ الحضاري لفلسطين القديمة".
الإشارات عديدة على هجرة قبائل سامية من الجزيرة العربية أطلق عليها اسم قبائل عربية، ولا وجود، بالمقابل، لقبائل هاجرت من فلسطين إلى اليمن.
جميع هذه الحقائق أغفلتها النشرات الإعلامية الصادرة عن أقسام الآثار في أميركا وأوروبا وإسرائيل وفي كتيبات هذه المؤسسات المقتصرة على التوراة العبرية الملتزمة بوجهتي النظر الصهيونية والمسيحية الأصولية( المسيحية الصهيونية). وتغفل الدراسات الغربية وثيقة تعود لعام 853 ق.م تتضمن خبر قيام تحالف بين ملك يهودا ، إهاب، وملوك سوريا وفلسطين ضد ملك آشور. تفشي صيغة الوثيقة تباينا من حيث التموضع بين فلسطين وسوريا ومملكة يهودا. احتفظ الأشوريون بوثيقة عن المعركة التي جرت في كركر بسوريا، أجلت زحف الآشوريين، دون أن تهزمهم.
ويذكر الباحث فاضل الربيعي( فلسطين المتخيلة) أن المؤرخ هيرودوس ،الذي جال في المنطقة في القرن الخامس قبل الميلاد، وكتب ملاحظاته لم يسمع ، ومن ثم لم يسجل كلمات تشير إلى أي من "أورشليم" ،"يهوذا" ، "إسرائيل" "السامرة" أو هدم "الهيكل" ولا "السبي"؛ بينما تفيد الوثائق القديمة أن اسم فلسطين ورد ذكره في الكتابات اليونانية والرومانية القديمة
كما تشير الموجودات الأثرية إلى أن الناس قدموا أضحيات لآلهة أخرى غير يهوة. كانت القدس بلدة صغيرة ، هي أفقر وأصغر مما صورتها التوراة . لم تظهر قط كلمة يهودي ، وحيثما ظهرت كانت تعني سكان يهودا، المنطقة المحيطة بالقدس، لكن أي قدس، وفي أي فضاء جغرافي؟
يذكر الباحث يوسف زيدان في مؤلفه (اللاهوت العربي وأصول العنف الديني-ص 85) "في القرن الخامس قبل الميلاد كانت القبائل العربية التي نزحت من قلب الجزيرة، ومن اليمن بعد انهيار السد العظيم، قد استقرت تماما ببلاد الشمال الخضراء ( الشام والعراق) وبجنوب هذه المنطقة الشاسعة المسماة بالهلال الخصيب. وقد بدأ الحضور العربي في هذه البلاد الواسعة ، حسبما ذكر المؤرخون ، منذ أواخر الألف الثالثة قبل الميلاد...." (المرجع -86) بل يؤكد المؤرخون أن اكاد ذاتها هي أصلا بلاد عقاد التي استوطنها النازحون من الجزيرة العربية في الألف الرابع قبل الميلاد، وان العرب الكنعانيين استوطنوا في الألف الثالثة قبل الميلاد سواحل الشام وأسماهم اليونانيون بالفينيقيين، امتزجوا بالآراميين والسريان الذين يرى البعض أنهم أصلا قبائل عربية نزحت من الجزيرة الى ارض الشمال الخضراء..ينقل عن المؤرخ اليوناني القديم ، سترابو، ان جبل لبنان كانت تسكنه في القرن الأول للميلاد قبائل وعشائر عربية" ( نقلا عن ادمون رباط- المسيحيون في الشرق ، ص22).
لم يكن التمييز العرقي قائما في ذلك الحين، والوصول الى المناصب كان متاحا حسب الموهبة. يذكر زيدان في عرضه التاريخي، "وقد سمح نظام انتخاب الأباطرة من بين قادة الجند في زمن الرومان بوصول عدد من العرب الى منصب الامبراطور ، منهم فيليبوس العربي الذي حكم روما والعصر القديم -244 -249.ميلادية"(المرجع ص87).ففمن الطبيعي اذن أن يتوصل العرب إلى منصب البطريرك في الكنيسة. في العام (451م) اعتبر أسقف أورشليم في مجمع خلقيدونية بطريركاً للمدينة شرعياً ذا صلاحيات بطريركية كاملة، وجاء ترتيب كرسي أورشليم بعد كرسي روما والقسطنطينية والإسكندرية وأنطاكية.
وفي مجتمع نيقية المسكوني(325م)، التقى 318 اسقفا من أنحاء المسكونة ( حوض البحر المتوسط والهلال الخصيب)، وتقرر فيه ما سوف يعرف بقانون الإيمان، الذي تبنته الكنيسة الأرثوذكسية وادخلت عليه تعديلات شكلية طفيفة مع تبدل الأزمنة . لم تسمح قيم العصور القديمة بحرية الأفكار او التسامح مع الأفكار المغايرة؛ فاندلعت صراعات وحصلت تدافعات تخللها العنف بين المعتقدات بصدد طبيعة المسيح. وكانت الفيلسوفة وعالمة الرياضيات، هيباتيا، إحدى ضحايا العنف الديني." دخل العالم كله بعد اغتيال هيباتيا415م، في ظلام دامس لقرابة خمسة قرون، لا نجد خلالها اسما لامعا في أي ميدان علمي، حتى بدأ ظهور العلماء المسلمين في القرن الثالث الهجري( التاسع الميلادي)"(207).
كل انحراف عن الطبيعة المتداخلة للمسيح اعتبر هرطقة تخرج داعيتها من الإيمان . المدانون بالهرطقة " كان اعتقادهم في أنفسهم أنهم مؤمنون أتقياء، يقولون الحق في ما ادى اليه نظرهم في النصوص الإنجيلية، وفقا لعقليتهم، التي كانت تصوغها من قبلهم بعدة قرون ،الثقافة العربية السائدة هناك(117) .
يرجع الباحث زيدان الخلافات بشان تفسير طبيعة المسيح إلى الأصول الثقافية للشعوب التي اعتنقت المسيحية. "السمات الثقافية العامة المميزة لما يمكن ان يسمى العقلية العربية هي سمات ، مهما اختلفت حولها الأحكام والرؤى ،، تمتاز في نهاية الأمر بانها ثقافة عملية (براجماتية ) لا تنزع الى التفلسف النظري العميق ولا تقبل فكرة الامتزاج والتداخل بين الآلهة والبشر، وتعتقد بوجود كائنات وسيطة بين العالمين الإلهي والإنساني كالجن والعفاريت والكهان والأنبياء والملهمين"(87).
بينما "في مصر واليونان سادت منذ القدم ومن قبل المسيحية بقرون طوال من الزمان، ثقافة دينية تعترف بأنصاف الآلهة ، وبالبشر الذين تحدوا الأرباب أو اتحدوا معهم ، فخلدهم الناس شعرا ونثرا وأقاموا لهم المعابد لإظهار التقديس لهم"(87). وبنفوذها حسمت كنيسة الاسكندرية قانون الإيمان الكنسي.
وتأكيدا للقاعدة فإن "الشواهد عديدة على كثافة الحضور العربي في النواحي التي ظهرت فيها اجتهادات لاهوتية ( هرطوقية). مثلا أساقفة أورشليم، كانوا كلهم منذ القرن الرابع الميلادي من العرب. وان الملكة العربية ماوية التي اتسع سلطانها حتى تعدى حدود الدولة البيزنطية في آسيا الوسطى, ووصلت جيوشها الى هناك، اشترطت ، كي تقبل الصلح مع الامبراطور البيزنطي ، أن تنصب على الشام أسقفا بعينه ، هو بطرس العربي. ناهيك عن دعم الملكة العربية الزباء لبولس السميساطي صاحب الاجتهاد الكنسي الهرطوقي"108).
يورد الباحث عنصر اللغة كسبب للغفلة عن علاقة الهرطقة بعلم الكلام . في الزمن المسيحي كانت منطقة الانتشار الثقافي للعرب الجزيرة والهلال الخصيب تستعمل اللغة العربية للتعامل اليومي لا لغة تدوين. ظهرت أفكار القساوسة العرب وحفظت سجالاتهم باللغتين اللتين استخدمتا للتدوين،، وهما السريانية واليونانية. حتى أن اللاتينية التي انتشرت قبل الإسلام بقرنين في الحوض الغربي للمتوسط لم تكتب بها في تلك الفترة أي مذاهب هرطوقية كبرى تتعلق بطبيعة المسيح . لم تتطور بعد أساليب كتابة اللغة العربية ولم يتم التعبير بها عن الأفكار الكنسية التي طرحها مفكرون هم في الأغلب من أصول عربية .غير أن أسماءهم الكنسية التي اتخذوها مع رسامتهم رهبانا وسيامتهم قساوسة وأساقفة ، قد حجبت أسماءهم الأولى ومنابتهم الثقافية العربية والعقلية التي كانوا يفكرون بها" (199).
واعتلى نسطور كرسي الأسقفية بالعاصمة الامبراطورية سنة 428 م (121). ونظرا لصلته بالامبراطور عمم على الناس مكتوبا يحظر فيه تسمية مريم العذراء بلفظة (تيوتوكوس) أي والدة الإله. قال ان عقلي لا يقبل أن الرب كان طفلا ينظفون له خروجه ؛ المسيح نبي غير إله . وذلك لان الإنسان الذي هو مريم لا يمكن ان يلد الإله. تخلى عنه الامبراطور ودعم كنيسة الاسكندرية لأسباب اقتصادية. انتهي نسطور منفيا في احميم بصعيد مصر ومات مغمورا. أما النسطورية فقد انتشرت نهجا علميا في المجتمعات القديمة وفي العصر الوسيط "امتدت النسطورية حتى حدود الصين وبقيت هناك لعدة قرون.عاش الآباء النساطرة كما عاش شعب كنيستهم مسالمين هادئين مشتغلين بأنواع العلوم، لم يعرف عنهم انهم قادوا حروبا دينية أو تورطوا في منازعات سياسية، إنما المعروف عنهم مشاركتهم في الحضارة العربية- الإسلامية، خاصة في طورها المبكر الذي تمت فيه عملية نقل التراث القديم اليوناني والسرياني.
يقول المؤرخ الدكتور جواد علي ان الإخباريين من العرب والمسلمين لم يتناولوا المناهل السريانية. راجعتُ مخطوطات السريان وتوصلتُ الى ان هناك مخطوط نسطوري تمت ترجمته الى العربية. وقتل العثمانيون المترجم لأن المخطوط تضمن رسالة من الرسول محمد يبدي عطفه على المسيحيين.
لم تدخل المسيحية الرسمية الجزيرة العربية؛ فقد آمن الكِنديون بالطبيعة الواحدة للمسيح، حسب معتقد النساطرة، منذ القرن الأول الميلادي. دخلت المسيحية منطقة نجران ( مملكة كندة ). فقد اعتنقت قبيلة كندة المسيحية، وسيطرت على وسط الجزيرة العربية واعتنقت المسيحية بطون غطفان ومرة. الخطيب قس بن ساعدة الأيادي قبيلته إياد كانت مسيحية، وكان الحارث بن كعب من أشراف العرب؛ ولما فرضت عليهم الجزية رفعها عنهم عمر بن الخطاب. كان امرؤ القيس وعشيرته من النساطرة ، وعلاقة بيزنطة بكندة سياسية.
اشتهر من النساطرة قبل انتشار الإسلام هيبا الترجمان ، بروبا ، أبو القشفري، سلوانس، حنا الجاثليق، شمعون الراهب المعروف بطيبويه(الطبيب)، واشتهر في العهد الإسلامي كثير من العلماء النساطرة النابهين، منهم حنين بن اسحق وابنه اسحق وابن اخته حبيش بن الأعثم،وجبرائيل بن بختيشوع وأسرته الشهيرة الحافلة بنوابع الطباء والمترجمين. فالهرطوقية ارتبطت بالنشاط العلمي .
وفي القدس كان معظم الرهبان والأساقفة عرباً، وكان آخرهم البطريرك عطا لله المعروف باسم دوروتاوس الثاني(1505-1534). ونصب قديسا الأسقف يوحنا الدمشقي ، الذي عاش راهبا في فلسطين واعتزل الخليفة الأموي و أسس دير القديس سابا في القرن السابع و لا يزال إلى اليوم، وهو صاحب اقتراح الأيقونة التي تبنتها الكنيسة عام 787 م ونشرتها قيمة روحية معنوية في الكنائس والبيوت. أخذ الرهبان اليونان يتوافدون على القدس بكثرة أيام الدولة العثمانية. بدأت سيطرة رجال الدين اليونان على رئاسة بطريركية القدس في عهد السلطان العثماني سليم الأول. اعتقد السلطان أنه سيتخذ من الكنيسة في القدس عتلة يحرك بها الكنيسة باليونان كي تحافظ على التبعية للحكم العثماني ، وكانت جزءاً من الدولة في ذلك الحين. مركز البطريركية الأرثوذكسية كان في القسطنطينية، وبطاركتها من اليونان، ورويداً رويداً شكّلوا أغلبية الرهبان والأساقفة في القدس وتولوا مقاليد الحكم والسيطرة على البطريركية عام 1534،بدعم وتخطيط من جمعية فرسان القبر المقدس، وهي تتتبع الكنيسة الغربية وعملت على استئناف الحروب الصليبية والاستيلاء على القدس.
في عصر النهضة غدت أوضاع كنيسة الروم الأرثوذكس إحدى القضايا المؤرقة؛ فقد هادنت الكنيسة الأرثوذكسية تعصب العثمانيين واضطهادهم لثقافات الشعوب الخاضعة، ولم تقدم على اختراق ستار ظلامية العصور الخوالي التي رزحت شعوب السلطنة في إسارها المحكم.
من جانب مقابل أقدمت شقيقتها الكنيسة الأرثوذكسية الروسية على إجراءات تنوير ثقافي كان لها أثر بارز على النهضة الثقافية لمناطق من فلسطين وبلاد الشام. تعتبر هذه الكنيسة جزءاً من الكنيسة الأرثوذكسية الشرقية، أكبرها بطريركية موسكو، إذ يبلغ عدد أتباعها 150 مليونا (39%) يقيمون في روسيا، يعيش بالمجمل 76.9 بالمائة من المسيحيين الأرثوذكس في أوروبا الشرقية، حيث يشكلون الغالبية هناك . تأسست الجمعية الأرثوذكسية الروسية عام 1882 لتضطلع بمهام تعليمية بين جمهور الطائفة في فلسطين.افتتحت مدارس ابتدائية ودار للمعلمين بالناصرة ودار للمعلمات في بيت جالا. كان الغرض تهيئة معلمين للمدارس الابتدائية التي تفتحها الجمعية في فلسطين وبلاد الشام. اهتمت المدارس بتدريس اللغة العربية، حيث احجمت مدارس الحكومة العثمانية عن تدريسها نظرا لكون اللغة التركية هي اللغة الرسمية. بسرعة وصل عدد المدارس في منطقتي القدس والجليل 23 مدرسة تدرس أزيد من 1074طالبا وطالبة من بينهم497 تلميذة. ولما نشبت الحرب العالمية الأولى كان عدد المدارس قد تجاوز المائة تعلم فيها أكثر من عشرة آلاف تلميذ وتلميذة، بعضهم سلكوا دربهم في عالم الأدب والنشاط التنويري امثال خليل بيدس وميخائيل نعيمة وبندلي الجوزي وكلثوم عودة وعشرات آخرون.
انفردت المدارس الأرثوذكسية بتدريس تاريخ الأدب العربي، ويقول الأديب الفلسطيني خليل بيدس لم يكن قد قام بين العرب من يكتب تاريخ الأدب العربي، بطريقة جامعة تصلح للتدريس بالمدارس؛ فقد كنا نستعين بترجمة خطية لكتاب وضعه احد المستشرقين الروس ، وكان على كل واحد منا ان ينسخ نسخته بنفسه. واضيف في المدارس مساق فن التربية.
اغلقت المدارس الأرثوذكسية مع نشوب الحرب، حيث تحالف العثمانيون مع المحور الألماني.
بتأثير تلك المنجزات تنبهت الحركة الوطنية الأرثوذكسية بفلسطين إلى قصور الكنيسة اليونانية وتقدمت بمطالب اجتماعية وثقافية وسياسية لم تلق القبول لدى إدارة الجمعية ، بل دفعتها للتصدي للحركة. اتخذت الكنيسة اليونانية مواقف معادية للمثقفين الأرثوكس وللحركة الثقافية الفلسطينية عموما.
وناهضت الحركة الوطنية والمثقفين الأرثوذكس بالتحديد، خاصة بعد أن شكلوا تنظيمهم "الحركة الأرثوذكسية"، التي تبنت مطالب على رأسها
* تعريب الكنيسة الأرثوذكسية وتشجيع حركة التنوير الثقافي والاجتماعي المسيحية،
*مساعدة الشبيبة الأرثوذكسية في بناء مستقبلها في فلسطين، تشجيعا لها على عدم الهجرة الى بلاد الاغتراب"،
* الدعوة لحوار الطوائف المسيحية في فلسطين، واستثمار اموال الكنيسة وأملاكها في خدمة الرعية ولمنفعتها ومن أجل تطورها،
* مساهمة الكنيسة في تشييد المدارس وتطوير المناهج التعليمية الأرثوذكسية،
* دعم حركة القومية العربية، وعدم التستر على الدور التركي( والمقصود الإدارة في فلسطين) في تسهيل تمليك الصهيونية لأراضي فلسطين.
كان خليل السكاكيني اول من كتب ينتقد تقصير الكنيسة الأرثوذكسية ، على أثره فرض السنودس عقوبة ضده استقال على أثرها من الكنيسة وراح يجلدها بحملات فكرية ، طالب خلالها بحقوق الفلسطينيين في أملاك الكنيسة، وشكك في جدوى المجلس الملي المختلط، دون التعرض للعلاقة الفلسطينية اليونانية.
في الوقت الراهن يختار بطريرك القدس مجمعٌ مقدسٌ (سينودس)، يضم ثمانية عشر أسقفا كلهم يونانيون. من بينهم يختارون من يرّقى إلى رتبة بطريرك، على أن يكون حاملاً للجنسية الأردنية. ووفقاً للقانون الذي يحكم الكنيسة الأرثوذكسية اليوم، يصادق على هذا الانتخاب كل من الأردن والسلطة الوطنية الفلسطينية، باعتبار أن بطريركية القدس تشمل فلسطين المحتلة في عام1948 و1967 والأراضي الأردنية، وقد جرت العادة أن ترحب اليونان بانتخاب البطريرك باعتباره يحمل جنسيتها، كما أن سلطات الاحتلال الإسرائيلي تحتفظ لنفسها بحق الاعتراف بالبطريرك المنتخب، وهي غالباً ما تستعمل هذا الحق لابتزازه وحمله على تقديم تنازلات. ولاية البطريرك المنتخب تكون مدى الحياة، حيث لا يجوز تنحيته إلا في حال شذوذه عن العقيدة الأرثوذكسية أو إصابته بمرض يمنعه من القيام بواجباته الدينية، أو بتصويت ثلثي المجمع المقدس. البطريرك الحالي، كيريوس ثيوفيلوس الثالث ، وهو البطريرك الأرثوذكسي الـ 141 على كرسي أورشليم.
يرأس الكنيسة الأرثوذكسية اليونانية رئيس أساقفة أثينا، وهي الكنيسة الرسمية في اليونان، وتحظى باحترام الشعب اليوناني، لأنها شاركت في تحرير اليونان من الحكم التركي. يتبع العقيدة الأرثوذكسية قرابة 97 بالمائة من اليونانيين. تعني كلمة أرثوذكس باليونانية مستقيمو العقيدة.







اخر الافلام

.. البنتاغون يحذر انقرة من شن هجوم على حلفائه في سوريا


.. بومبيو


.. مخاوف من خطر طوفان على سكان النيبال وبحيرات إيفرست




.. شاهد: كتل جليدية في لندن للفت الأنظار نحو أزمة الاحتباس الحر


.. التصويت في البرلمان البريطاني على مذكرة حجب الثقة عن تيريزا