الحوار المتمدن - موبايل



تأملات في ألوجود وألدين - ألجزء ألأول

كامل علي

2018 / 1 / 13
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني


ألفهرس:
1. ألمقدمة
2. ألعدالة ألإلهية
3. ألشك وأليقين
4. عبادة ألأموات
5. النظام الإحيائي
6. سحر التماثل
7. سحر الطقس
8. السحر في القرآن
9. ألتصور ألديني
10. ألتصور ألعلمي
11. ألجينة الفتاكة وملك الموت
12. تطور وإنتشار الأديان ونظرية الميمات
13. تكهنات بيولوجية لعام 2050 م
14. شكوك ألتكوينيين حول نظرية التطور الدارويني
15. دين ألإنسان وألألوهية
16. ألأرض ألأم
17. ألإله ألبعيد
18. ألغطس في ألمياه في أساطير ألتكوين
19. تانجري (ألإله - ألسماء)
20. تجليات كونية... شمس، قمر وأحجار
21. ألتجربة ألدينية للحياة
22. الملاحدة البدائيون
23. مصادر ألدين
24. المعبودات الدينية
25. طرائق الدين
26. مهمة الدين الخلقية
27. الموت والحياة والخلود
28. ألموت
29. المقدس والمدنس - تقديس المكان
30. لماذا نقد ألأديان ألإبراهيمية؟
31. هل ألأديان عالمية؟
32. بدايات ألأخروية في ألدين أليهودي
33. ألأسينيون في قمران
34. يهودي غامض - يسوع ألناصري
35. قراءة آرامية وسريانية للقرآن
36. بدايات ألإسلام
37. ألرواية ألسريانية للفتوحات ألإسلامية
38. قصّة إيمان أبو بكر ألصدّيق
39. هل كان بعض الصحابة والتابعين لمحمّد يعلمون أنّ القرآن من تأليف محمّد؟
40. حوار صحفي مع ألخالق
41. حوار صحفي مع ألشيطان
42. حوار مع قاريء حول كتاب ثورة ألشك
43. مسنجر بين الجنّة وجهنّم
44. سبارتكوس
45. وظائف الملائكة
46. اسألوا اهل الذكر إنْ كنتم لا تعلمون
47. ألإعجازات ألعلمية ألجديدة للقرآن وألسنة
48. تأملات في آيات ألقرآن
49. لغة ألقرآن
50. بلاغة ألقرآن
51. ألسجع في ألقرآن
52. ألتناقضات في ألقرآن
53. ألأدلة على بشرية ألقرآن
54. مقارنة بين مباديء حقوق الإنسان ومباديء الدين الإسلامي
55. ألتصوف وألنبوة
























1
ألمقدمة

" إنّ كل ما في ألكون من جمال لا يستطيع أنْ يكون غفرانا أو إعتذاراً عن أية دمامة يعاني منها أي إنسان، لأنّ ذلك ألجمال لن يستطيع أنْ يجعل دميما واحدا يُشفى من دمامته، أو من شعوره بها، وأنْ يكون عزاءً أو تعويضاً عنها "..... عبدالله ألقصيمي.

يدّعي ألمؤمنون بألأديان ألأبراهيمية (أليهودية وألمسيحية وألإسلام) أنّ هذا الكون الفسيح وما فيه من الكائنات لا يمكن انْ يوجد بهذا النظام الرائع بدون وجود خالق له وأنّ كل ذرّة في هذا الكون العجيب تنطق ولسان حالها تقول هذا من إبداع خالق، ولكنّ التساؤل الّذي يرد على عقل الانسان هو: إذا كان خالق كرتنا الارضية والكون مُبدِع وقادر على كلِّ شيء، فلِمَ خَلقَ الكوارث الطبيعية كالبراكين والاعاصير والتسونامي والزلازل، ولِمَ خَلَقَ ذوي العاهات؟ ولِمَ يموت الاطفال الرُضّع والصبيان والصبايا بعمر الزهور؟ ولِمَ خلق الله الجراثيم والفيروسات ومرض السرطان؟ هل هناك خطأ في التصميم؟ امْ ماذا؟
المؤمن سيجيبك على هذه التساؤلات بعبارة: (لحكمة يعلمها الله)، او ببعض عبارات التسلّي: (كلّما اشتّدَ مُعاناة المريض قلّت ذنوبه). او (الله يبتلينا ليمتحن ايماننا) ولكن لِمَ يمتحننا إذا كانت كلُّ الامور تجري حسب مشيئته، وإذا كان كلّ شيء مكتوبا مِن البداية في لوح محفوظ؟.
إذا كان ألكون مخلوقا من قبل إله بنظام بديع فلم تنفجر ألنجوم؟ وإذا كان ألكون بنجومه وكواكبه ومجراته مخلوقا من أجل سواد عيون ألإنسان ولا يستطيع ألإنسان الوصول إلى معظمها وإستخدامها لفائدته فلم هذا ألإسراف في ألخلق؟
يقول محمد في قرآنه (لقد خلقنا ألإنسان في أحسن تقويم).... سورة ألتين / 4 ، هل هذا أحسن ما يقدر عليه ألله؟
يقول ألمتصوف مالك بن دينار إحتجاجا على أحسن ألتقويم :
" وددت لو أن رزقي حصاة أمصها.... فقد مللت من كثرة ألتردد على ألخلاء " وهذا أحسن نقد للتصميم الذكي، فلو كان الامر بيد المتصوفة لأنشأوا خلقا آخر.
ما ألحكمة من خلق إنسان ذو عاهة، إذا كانت ألحكمة من ذلك ألإبتلاء وألإمتحان فالعذر أقبح من ألذنب.
يقولون بأن هناك غاية من خلق كل ألكائنات ألحية من نبات وحيوان وإنسان، ولا يستطيع ألإنسان أن يمنع نفسه من ألتساؤل، ما ألغاية من خلق ألصرصار؟ بإعتقادي لا يوجد أية فائدة للإنسان من خلق ألصرصار، ولكن ألمسلمون ألّفوا تبريرا حتى لخلق ألصرصار، وإليكم هذا ألتبرير ألطريف:
" يُحكى أنّ درويشا كان يستحم في ألحمام فلاحظ صرصارا أمامه فتقزز من منظره ورفع يده إلى ألسماء مخاطبا ربّه: لم خلقت هذا ألصرصار يا إلهي؟ مرت ألأيام وألشهور وتمرض ألدرويش مرضا مزمنا لم ينفع في علاجه جميع ألأدوية بالرغم من مراجعته لجميع من يعرفه من ألحكماء.
سمع ألدرويش بصيت حكيم في بلدة مجاورة فسافر لطلب ألشفاء منه، وبعد أن فحص ألحكيم ألدرويش قال له:
" لا يوجد علاج لمرضك إلا علاج وحيد وهو أن تلقي بسبعة صراصر في إناء فيه ماء مغلي ثمّ تشربه بعد تبريده ".
طبّق ألدرويش مشورة الحكيم، فشفي بعد عدة أيام من مرضه ألمزمن، فرفع يده إلى ألسماء وقال: أستغفرك يا ربي، ولن أتدخل في شئونك وخلقك مرة أخرى ".
ألمغزى من هذه ألحكاية الطريفة هو أنّ درويشنا كسر القاعدة فنال عقابه،فمحمد ذكر في قرآنه: ( يا أيها ألذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تُبد لكم تسؤكم ) ...... ألمائدة / 101 .
" لقد صمتت ألآلهة ألمحولة للأشياء، وتخلت عن حكمتها وقوتها ألمذخورة في ألطبيعة، وفي كل شيء. لقد ماتت في عقل ألإنسان ألمتحضر وعلمه، وإن كانت لم تعش يوما واحدا في رغباته، أو في أخلاقه وسلوكه، أو في سلوك أو في رغبات أحد من ألناس، حتى ولا في سلوك أو ضمائر أولئك ألذين كانوا يخشون على كبرياء إيمانهم وعلى أربابهم من ألموت غضبا وغيرة وبكاء لو أنّهم جرؤوا على إتهام ألذباب أو ألفئران بالقذارة أو ألأذى، أو بنقل ألأوبئة ومضايقة ألإنسان، أو بأنّه لا يمكن أن يكون خلقها أبلغ ألقصائد وألصلوات وألفنون في تمجيد ألكون وألإله، والثناء على حكمته ورحمته وعشقه للإنسان.
حتى ولا في سلوك أو ضمائر أولئك ألذين يصدقون بكل حماس أنّ الحشرات هي أفضل وأكبر هدايا مغازلة بين ألإله ألعاشق وبين ألبشر ألمعشوقين ألهاربين من عاشقهم ألعظيم الذي يغازل حبه بإهداء الفئران وألآلام وألأمراض ألمستعصية إليه.


2
ألعدالة ألإلهية

" لو كنت إلها لوجدت في الأعمى الذي يحاول أن يبصر طريقه بعصاه إحتجاجا عليّ أقوى وأقسى من أن تتجمع كل لغات العالم وبلاغاته وأفكاره لتتحول إلى إحتجاج واحد دائم مركز يصوغه كل ما في التاريخ والكون من غضب ضدي " .... عبدألله ألقصيمي.



هل توجد عدالة في الارض؟ سؤال حيّرَ عقل الانسان منذ القِدَم.
حسب ألأديان فإنّ ألله خلق الناس متفاوتين في العقل والثراء والبيئة الاجتماعية الّتي يعيشون فيها، كما أنَّ بعض البشر يُخلقون بعاهات عقليّة او جسديّة، لذا يرِدُ على عقل الانسان تساؤل مُلِحٌّ: أين العدالة في هذا النظام؟
لحل هذه المعضلة تَعِد الشريعة الاسلامية المؤمنين المظلومين في الحياة الدنيا كالفقراء والمصابين بالعاهات البدنية بالتعويض في الآخرة عن الظلم الّذي لحِقَ بهم ، ففي حديث روي عن النبّي محمد أنَّه وصف مشاهداته اثناء الاسراء والمعراج فقال بأنَّ غالبية اهل الجنّة من الفقراء، وقد ذكرَ الشيخ القرضاوي على محطة الجزيرة حديثا نبويا حول البلهاء: (البلهاء غالبية اهل الجنّة)، ومهما يكن صحّة هذه الاحاديث المنسوبة الى النبّي محمّد فإنَّ الشريعة الاسلامية تعد المظلومين بالتعويض في الآخرة.
بعض الشعوب توصَّلت الى حل لهذه المعضلة الفكرية بايجاد فكرة تناسخ الارواح فهم يؤمنون بأنَّ روح الانسان الميّت يعود الى الارض ويدخل في جسم أنسان آخر وتتكرر هذه العملية عدّة مرات.

فكره تناسخ الارواح بدأت فى الشرق الاقصى وخاصة فى العقيدة البوذية والهندوسية التى تؤمن بأن الروح تعود في اشكال اخرى او كمجرد روح بذاتها غير ظاهرة في جسد مرئي واذا حصرنا عدد هذه الفئات التى تضم الملايين من الهندوس والبوذيين فسندرك ان هذه الافكار موجودة فى عالمنا بشكل لا يمكن تجاهله وفكرة التناسخ مضمونها ان الروح بعد وفاة الجسد لا تنتهي وإنما تعود لتعيش في اجساد واماكن وازمنة مختلفة عن تلك التي عاشت فيها من قبل، لذا تشعر الروح فى حياتها الثانية بحنين جارف لمكان لم تره في حياتها من قبل او لاشخاص لم تلتق بهم البتّة.

ألإختلاف هي سنة ألطبيعة، إنّ إختلافنا في بصمات أصابعنا، ووزن أجسامنا، ومقاييس أبعادها وفي قوة الرؤية والسمع، وضعفهما لا يعني أن نتقاتل، أو نتشاتم، أو نتعادى، فكذلك إختلافنا في العقول، والظروف، والتاريخ، والإستجابات الذاتية الذي يعني أننا لا بد أن نختلف في تحديد صفات أوثاننا، وفي أساليب صلواتنا وفي إختيارنا لحماقاتنا ألسماوية والمذهبية – لا يعني أو لا ينبغي أن يعني أن نتقاتل أو نتباغض، أو نتعادى.


توجد قصة مثيرة، وقد تكون غريبة جداً في تقدير كثير من الناس، وقد تُروى للتدليل على قيمة الإختلاف، وعلى ما له من معنى في منطق ألإله وسلوكه، أو في سلوك الطبيعة ومنطقها، أو في تفسير المفسرين للإله والطبيعة.
روى الراوون أو تخيل القصاصون أنّ أبا لهب – ذلك الشريف القرشي الذي رفض الإيمان بالنبي فهجاه القرآن هو وزوجته في سورة ألمسد المشهورة " تبت يدا أبي لهب وتب * ما أغنى عنه ماله وما كسب * سيصلى نارا ذات لهب * وإمرأته حمالة ألحطب * في جيدها حبل من مسد * " – أستطاع بعد أن مات باسلوب من الأساليب التسلل أن يلقى الله وأن يدخل معه أو ضده في حوار، فيه كل الإثارة والغرابة والقوة والجسارة في مكان تموت فيه كل الجسارات وتصمت كل الكلمات ويهون فيه كل العقل والشموخ.
وقد جرى الحوار بينهما خاطفا عاصفا منتصرا منهزما، كمعركة كونية رهيبة تقع بين الشمس والأرض.
قال أبو لهب:
يا ألهي لماذا اخترت محمداً نبياً ولم تخترني أنا نبيا، ولست أفهم، أنّ في هذا نقضا لحكمتك، أو إستعلاء على قدرتك؟ فرد الله قائلا:
لقد اخترت محمداً لأنّ فيه مزايا ليست فيك، قال أبو لهب:
لقد أجبت بما كنت أرجو وأتوقع أن تجيب به، إذن لقد وقعت أيها الإله العظيم في المأزق الذي أردته لك أو أردته أنت لنفسك. فمن الذي أعطى محمداً تلك المزايا التي جعلتَ منها أيها الكائن العادل سببا لإختياره؟ أليس الذي اعطاه إياها هو أنت يا إلهي الكبير؟
إذن لقد أعطيت محمدا مزية، ثم جزيته عليها بالنبوة، ثم جزيته على النبوة بأن فضلته على العالمين، أما أنا فقد حرمتني من تلك المزية ثم عاقبتني على حرمانك لي بحرمان آخر، أي بأن منعت عني النبوة، وجعلتني كافرا، ثم جعلتني من أهل ألنار.
إنّ إختيار محمد لهذه المحاباة المبتدئة ظلم بقدر ما إختياري لهذا الظلم المبتديء ظلم.
تقول القصة:
وهنا ازداد صوت أبي لهب وحماسه ارتفاعا وفحيحا وحشرجة صاعقة، بينما غمرت الإله الإبتسامات التي فيها كل تعبيرات الشعور بالإقتناع والتواضع والإستحسان والحرج الباحث عن اي اسلوب من أساليب الإستغفار والتراجع الزاخر بالحياء الطيب النبيل.
وقد قال بعد الإفاقة من الصدمة الهائلة بلغة فيها من النبل ما جعل الشموس ترتجف رهبة وحبا وحياء، وفي بعض الروايات أنّ الدموع هنا قد تسللت من قلبه إلى عينيه إلى خديه حتى لقد شعر أبو لهب بالرثاء والإشفاق على خصمه، وبأنّه قد قسا عليه كثيراً:
اسمع يابني، اسمع يا أبا لهب:
لقد صنعتك وصنعت محمدا وصنعت مبتدئا فضائلكما ورذائلكما بلا اي سبب منكما أو فيكما، وقد صنعتكما مختلفين لأنّ الإختلاف غرض من أغراضي وتدبير من تدابيري وضرورة من ضروراتي، فالإختلاف بينكما ليس عقوبة لأحدكما، وتفضيلا للآخر.
لقد خلقت الجنة والنار والحقول المثمرة والصحارى والنهر والبركان والاسد والفأرة، فهل أثيب هذا لأنّي خلقته أفضل وأعاقب ذاك لأنّي خلقته أسوأ أو أقل؟ بل العدل والمنطق أن أفعل العكس، فالذي خلقته أقل مزايا يستحق عطفي وجزائي أكثر من الذي خلقته أفضل أو اقوى أو أعظم مزايا لأنّي قد ضحيت به وقبل التضحية بفدائية صابرة.
فأنت إذن يا أبا لهب جدير بأن تنال من الثواب والإعجاب لدي أكثر مما يجب أن ينال محمد، لأنّ حكمتي قد ضحت بك واختارت أن تجعل منك فدائيا يتعذب لكي يكون عذابه متمما لمنطقي في هذا الكون.
أي ابا لهب، أيها الصديق:
إنّي لن أعذب أحدا لأنّي جعلته مختلفا عن الآخرين أو مخالفا لهم. كما انّي لن اعذبك لأنّي لم اهبك المزايا التي حابيت به محمداً، بل لن أسوي بينكما في المكان عندي، بل سيكون مكانك أعلى وأجمل لأنّك قد تعذبت وظُلِمت في سبيلي، في سبيل تحقيقي لذاتي، فمن العدل أن تنال التعويض.
أما محمد فلم يتعذب عذابك في سبيلي، بل لقد نال المجد والتفضيل بلا سبب منه أو فيه، بل بإرادتي التي لا سبب لها غير إرادتي.
وهنا ضجت الملائكة قائلين: كلا، كلا أيها الرب الطيب، إنّ هذا سيغري بالفساد ويجعل الناس يرفضون الإيمان والإستقامة، إذ لا شيء حينئذٍ يخافونه أو يرجونه بالإستقامة والإيمان.
فرد الله عليهم قائلا – وكأنّه يفشي سره لأول مرة في التاريخ:
أي ملائكتي ومستشاري عرشي الطيبين، وهل الناس يؤمنون أو يفعلون الفضيلة خوفا من العذاب أو بحثا عن الثواب – أو هل يكفرون أو يفسقون رفضا للثواب أو جهلا أو إنكارا للإيمان به؟ إنّ الناس يفعلون هذا أو هذا بحثا عن التلاؤم مع أنفسهم ومع ظروفهم، وخضوعا لظروفهم.
إنّ الإيمان بالعقاب والثواب لن يصنع الناس، وإنّ إنكار الثواب والعقاب لن يهدم الناس، إنّ الناس يفعلون الشيء أو نقيضه كما يحبون ويبغضون، إنّ تصرفاتهم ضرورات أو إستجابات ذاتية.
من المحتوم أن يمل الله الإمتداح المنافق الدائم، وأن يسعد بالحوار ضده، ولعل الذين يمارسون هذا الحوار هم أقرب إلى قلبه من جميع الراكعين بأعضائهم وأفكارهم تحت قدميه.
ليست جميع الاشياء إلا حواراً مستمراً ضد السلوك الآلهي، فكل العبث والآلام والمظالم والأخطاء والتفاهات التي يعيشها كل شيء حوار مستمر ضد هذا السلوك ولكن بلغة أخرى غير لغات الإنسان.
إنّ المريض والبليد والتافه والظالم والمظلوم هم أكثر حواراً ضد منطق الإله وأخلاقه من جميع الزنادقة، بل أكثر حواراً ومعارضة للإله من إبليس الذي رفض السجود حينما أمره الله به!



3
ألشك وأليقين

" إنّ أليقين بحث عن الخضوع لا عن الفضيلة أو الحقيقة، لقد كان اليقين دائما بحثا عن القيد لا عن الرب الطيب "....عبدالله القصيمي ".


عشر سنوات من مرحلة الشباب مرت وأنا مؤمن بالدين الإسلامي إيمانا يقينيا راسخا، أديت خلالها ألصلوات في أوقاتها وصُمتُ شهر رمضان كل سنة وآمنت بأنّ ألإسلام دين ودولة وأنّ ألحاكمية لله، ولكني لم استطع أن أمنع نفسي عن ألشك في بعض عقائد وتشريعات ألدين وبدأت أتساءل وألسؤال كان يتبعه سؤال آخر، فزادت شكوكي وفي ألنهاية أدت إلى إنقلاب فكري وتزعزعَ إيماني، فبدأت أصارح بعض ألأصدقاء ألموثوقين بشكوكي، ثم قررت أن أكتب كل ما يجول في عقلي من ألشكوك.
نشرت أول كتاب لي في ألمواقع ألألكترونية بعنوان " ثورة ألشك " تناولت في هذا ألكتاب معظم ألشكوك التي راودت عقلي في تلك ألمرحلة حول ألأديان وبألاخص ألدين ألإسلامي.
في مؤلفه ألرائع " هذا الكون ما ضميره؟ " يقول عبدالله القصيمي:
" إنّ كائنا ما غير الإنسان لا يمكن أن يشك، وإنّه لشيء مثير أن يوجد شاك أو شكاك في المجتمعات المتخلفة أو المغلقة، إنّ جميع ما لدى أمثال هذه المجتمعات من عقائد وآلهة وقبور ونقائص وتفاهات وآلام يتحول إلى نوع من الأزياء العقلية والتاريخية والأخلاقية التي يخضعون لها جميعا كما تخضع الطبيعة لقوانينها، ويتتابعون عليها، كما تتباع قطع الحجارة المقذوف بها إلى أعماق بئر .
في حديث مشهور للنبي محمد أنّه قال: ( نحن أولى بألشك من إبراهيم) .
ألنبي إبراهيم وحسب ما جاء في ألقرآن شكّ في قدرة ألله على إحياء ألموتى وطلب من ألله أليقين. تناولت هذه ألأسطورة في كتابي ( ثورة ألشك )، تقول ألأسطورة:
كان نمرود وشعبه يعبدون آلهة عديدة وكان لكل إله تمثال، وتذكر القصّة الدينية بانّ ابراهيم لَمْ يَعقِلْ بانْ يكون ربّه هذه التماثيل وبدأ عقله بالبحث عن الإله الحقيقي وأول ما فكّرَ به هو أنَّ الإله هو نجوم السماء ثمّ أستبعد هذه الفكرة لإفول النجوم في النهار ثمّ فكّرَ بانَّ الشمس هو الإله لإنّه اكبر من النجوم ونلاحظ هنا بان بعض النجوم في كوننا الشاسع هي اكبر من شمسنا ولكن علم الفلك لم يكن متقدما في عصر ابراهيم لكي يدرك هذه الحقيقة بالرغم من كونه نبيّا.
بعد ان شاهد ابراهيم مغيب الشمس أستبعد هذه الفكرة ايضا لإن الله لايمكن أن يغيب عند قدوم الليل.
بعد هذا البحث الدؤوب عن الإله ونتيجة للتفكير العميق توصّلَ إلى نتيجة مفادها أنَّ الله هو خالق كلَّ شيء ويجب أن يكون أحدا ويستحق من البشر أن يكون المعبود الوحيد. بعد إستقرار هذا الإعتقاد في مخيّلة ابراهيم خاطب الرب وطلب منه الهداية واليقين. بعد التكلّم مع الرب لم تمحى جميع الشكوك من عقله وخاصة موضوع إحياء الموتى في يوم القيامة من قبل الرب، فطلب من الرب دليلا على قدرته ( وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحيي الموتى قال اوَ لَمْ تُؤمِنْ قال بلى ولكن ليطمئنَّ قلبي قال فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك ثم أجعل على كل جبل منهن جزءا ثم أدعهن يأتينك سعيا وأعلم أنّ ألله عزيز حكيم )..... سورة البقرة... الاية 260.
طلب الرب من إبراهيم أن يٌقطِّع عددا من الطيور إلى اشلاء وينشرها على قمم عدة جبال ففعل، ثمّ أعاد الرب الطيور إلى حالتهم السابقة وأمرهم أن يطيروا إلى مكان وجود ابراهيم.
إنّ طلب إبراهيم نوع من التحدي للإله، أو أسلوب من أساليب مطالبة ألإله بأن يدلل على نفسه. ولم ينكر الإله هذا التحدي أو هذه المطالبة بالتدليل على النفس، بل وجد أنّ هذا شيء مشروع، وذهب يجاوب على التحدي إن كان الموقف تحديا، وعلى المطالبة بالدليل إن كان الموقف موقف مطالبة بالدليل. ولم يقل الله لإبراهيم " أخسأ أيها الزنديق أو أيها المرتاب، إنّ عليك أن تؤمن وتقتنع فقط وإلا قذفت بك إلى أعماق الجحيم ".
إذن فالذي لا يطمئن قلبه بالإيمان مثل إبراهيم ويذهب يطالب بما يعطي الإطمئنان مثل فعل إبراهيم لا يكون رديئا أو مخطئا في حكم القرآن. وإذا لم يجد من يصنع له برهان اليقين مثلما صنع الإله لإبراهيم فظل غير مقتنع ولا مطمئن القلب لم يصح الإنكار عليه ولا إتهامه بالضلال والخطأ.
إنّ الشك – على نحو آخر – نوع من الجبرية الفكرية، فهو يهاجم صاحبه ولا يستشيره، يهاجمه مهما حاول إبعاده والهرب منه والإستعانة بكل الآلهة والقديسين والتعاويذ الدينية والروحية للنجاة منه.
كنت عندما يهاجمني الشك أستعين وألوذ بالمعوذتين ( سورتي ألفلق والناس ) ، ولكن هيهات. إنّ الناس يصابون بالشك إصابة، ولا يجيء إليهم بالدعوة أو الرغبة أو الحب أو بقانون الصداقة.
إنّ الشك أحيانا عِلمٌ بما قد كان وتفوق عليه، فالشاك في هذه الحالة يعلم ما يعلمه الموقنون ويزيد عليهم أنّه يعلم أشياء أخرى جعلته يشك فيما يعلم، والموقنون لا يشكون لأنّهم لا يعلمون هذه الأشياء الأخرى.
إذن فالكثير من الشكوك هي أقوى من اليقين.
إنّ من اقوى القيود على التقدم الإنساني هي المعارف المنتهية، ولأنّ المعارف اللاهوتية معارف منتهية كانت دوما نوعا من القيود القوية على التطور والنمو، وكانت دائما إستهلاكا في حساب البشر وفي حياتهم ولم تكن في وقت من الاوقات إعطاء أو إنتاجا للحياة.
قد يُقال هنا:
أنّه لابد من اليقين إذا لم يكن بد من العمل والبحث عن الإنتصار، إذ إننا لن نعمل أو نعمل أعمالا قوية أو لن نكون أقوياء في عملنا ما لم نصدر عن يقين. وهذا اشتراط قد يبدو قويا ومفهوما جدا، ولكنه مع ذلك ليس إلا وهما.
إنّ الناس لا يعملون لأنّهم يعلمون بل لأنّهم يريدون، ولا يريدون لأنّهم يعلمون بل لأنّهم يحتاجون ويحيون. ليس الذي يدفع الناس إلى الأمر تيقنهم له، بل رغبتهم فيهأ أو إضطرارهم أو ظروفهم المختلفة أو كونهم أحياء، كالحيوانات والحشرات التي تندفع إلى الاشياء دون أن تعلم أو تستيقن شيئا.
إنّ الذي يقع في ظروف تدفعه إلى أن يعمل وإن لم يعرف أو يستيقن شيئا عن النتيجة أو عن قيمة ما يعمل، بل إنّ كل الناس يعملون ضد يقينهم.
لقد جاء في إحتجاج ألإنسان ضد الآلهة والكون والناس ونفسه هذه الكلمات:
" العالِم يشك، والجاهل يستيقن، والعاقل يتروى ".
كلمات كأنّها التسفيه الدائم العنيف للآلهة والطغاة والمذاهب والمعلمين المتعاقبين على التاريخ ألذين يسحقون الشك ويُعلِمون اليقين ".
العِلم شك، والجهل يقين، والعقل تدبير. إذن أكثر الناس يقينا هم الجهال، وأكثرهم شكا هم العلماء، واكثرهم ترويا هم العقلاء. وليس العاقل هو ألعالِم ولكن كلاهما يشك، وكلاهما لا يستيقن في تعامله مع الآلهة والطبيعة والناس والمذاهب والعقائد.
إنّ الشك بحث عن أسباب التسامح والحب والإعتذار عن الآخرين.
إنّه بحث عن أسباب ألعدل.
إنّه بحث عن الأسباب المسقطة أو المضعفة للتعصب والبغضاء.


4
عبادة ألأموات

" يجيئون لهدم الوثنية فيصبحون أقوى ألأوثان " .... عبدالله القصيمي.

عبادة الأسلاف طريقة ظهرت عند الشعوب البدائية القديمة، تقوم على تبجيل واحترام أفراد العائلة لأسلافهم الموتى. ويعتقد الكثير من الشعوب البدائية والقديمة أن أرواح الموتى يمكن أن تتوسل إلى الآلهة لمباركة أقربائهم الأحياء. لقد عبد اليونان القدماء والرومان أسلافهم، وكانت عبادة الأسلاف أمرًا شائعًا في الصين قبل أن يتسلَّم الشيوعيون زمام الأمور. ولا تزال هذه العبادة شائعة في الهند، واليابان، وأجزاء من إفريقيا.
في الصين نصبت العائلات أعمدة منحوتة صغيرة تُسمَّى ألواح الأسلاف. وتركع العائلة أمام اللوح وتحرق بعض الأوراق أو البخور.
إنّ التحرر من الأمس ومن المقابر مشكلة راسخة في حياة أغلب البشر، والبشر لا يقدرون أو يريدون أن يصنعوا غدهم بكل إحتمالاته وإحتمالاتهم إلا بمقدار ما يستطيعون أن يتحرروا من سلطان أمسهم وتعاليم موتاهم.
كل المجتمعات تناضل للإنتصار على أعدائها وتحرير بلادها وحياتها من كل غاز ومهدِد ومعوِق ولكنها لا تناضل ولا تريد أن تناضل بنفس هذا المستوى والشمول للإنتصار على تعاليم الموتى وعلى حكمهم لعقولها ونظمها وخطاها.
معظم ألمسلمين يقدسون محمد وبعض الصحابة كعمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب أكثر من تقديسهم لله والعراقي عندما يغضب يسب ألله بلا وجل ولكنه يتجنب مسبة محمد أو علي أو عمر، وعندما يحلف معظم منتسبوا المذهب الشيعي فإنّهم لا يحلفون بالله بل بالعباس أبو رأس الحار (عباس بن علي بن أبي طالب أخا ألحسين ) لأنّهم يعتقدون بأنّه سيؤذي ألحالف كذبا ( عباس يشوّر عبارة شائعة بين العراقيين بمعنى ينتقم أو يؤذي، ويعتقد العراقيون أنّ اليمين الكاذب "بالعباس" لم يتأخر اثره ولم يتباطئ رده على الكاذب فأثره يكون معجلا وسريعا، ومن هنا سمي "بالحار" وهي لفظة يستعملها اهل العرف العراقي للسرعة في الطلب والانجاز).
وأبرز مثال على تقديس ألمسلمين لمحمد ما حدث من غليان وهمجية بعد نشر الرسوم الكاريكاتورية المسيئة لمحمد.
حول تقديس الصحابة وتأثيرهم في نشوب النزاعات المذهبية ،يذكر الدكتور علي ألوردي في كتابه مهزلة ألعقل ألبشري هذه ألخاطرة:
" كنت في امريكا ونشب نزاع عنيف بين المسلمين عن علي وعمر وكانت الأعصاب متوترة والضغائن منبوشة فسألني الأمريكي عن علي وعمر، هل يتنافسان الآن على الرئاسة عندكم كما تنافس ترومين وديوي عندنا؟ فقلت: إنهم كانوا في الحجاز قبل 1300سنة والنزاع الحالي حول أيهم أحق بالخلافة، فضحك الأمريكي من هذا الجواب حتى كاد أن يستلقي على قفاه، وضحكت معه ضحكاً فيه معنى البكاء، وشر البلية ما يضحك " .
إنّ التحرر من شيء يهب الحافز والقدرة معا على التحرر الكامل إن كان يوجد تحرر كامل، أما من ألقوا بحرياتهم وكرامتهم في التراب، بين رفات الموتى بحثا عن تعاليمهم، متعبدين لها ولهم، فما أهون عليهم أن يفقدوا كل حرياتهم وكرامتهم دون أن ينتحروا أو يبكوا أو يحزنوا أو يشعروا أنّهم قد فقدوا شيئا يجب ألا يفقدوه.
فالعبودية خليط من العادة والعجز والتقليد والضرورة.
إنَّ ألعبودية ترسخت في لاوعي ألبشرية منذ طفولة ألعقل ألبشري، فإذا تمعنّا في ألعلاقة بين ألإنسان وألله في معظم ألأديان نراه كعلاقة ألسيّد بألعبد ففي سورة ألذاريات ألآيات 55 و 56 و57 نقرأ (( وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ* وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ*مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ* )) ولكن هل يحتاج ألله إلى عبادتنا أو عبوديتنا له؟ ألجواب طبعا لا، فحسب المنطق فإنَّ الله لو كان محتاجا الى شيء حتّى لو كان هذا ألشيء عبوديتنا له فسيفقد خاصيّة الغنى ( الله غني عن العالمين.....حسب القرآن) .
إنَّ ألعبودية ألّتي ترسّخت في لاشعورنا بسبب ألأديان جعلت منّا خرافا في قطيع يسوقه ألحاكم وبألأخص ألحاكم ألديكتاتوري أينما يشاء وكيفما يشاء ( أطيعوا ألله والرسول وأُولي ألأمر منكم )....ألآية ألقرآنية.
فالشعب ألعراقي ساقه صدّام حسين وقيادة حزب ألبعث لفترة خمس وثلاثون عاما إلى حتفه بمغامراته ألطائشة.
وأليوم ومنذ ثلاثة عشر من السنين يسوق ألمحتلّون ألأمريكان وصنائعهم من قادة ألأحزاب ألطائفية ألشيعية وألسنية وألأحزاب ألقومية ألعنصرية هذا ألشعب ألمُبتلى ألى ألهاوية ويسرقون خيراته في وضح النهار والفساد أستشرى في ألبلد حتّى أصبحنا في رأس قائمة الدول الفاسدة في ألعالم.
ألتساؤل ألّذي يلحّ على عقل ألإنسان لِمَ لا يثور ألشعب ألعراقي على مستعبديهم؟ ولِمَ يتحمّلون هذه ألنوائب وألفساد وسرقة ثرواتهم أمام أعينهم؟
حسب أعتقادي ألسبب ألرئيسي هو فقدان ألشعب للروحية وألعزم ألّذي كان يتحلّى به ألعبد سبارتكوس وزملائه عندما ثاروا على ديكتاتورية ألأمبراطورية ألرومانية، وبسبب ترسُّخ ألعبودية في لاشعور ألإنسان ألمَتدَيِّن منذ أبتكار ألأديان مِن قبل ألسياسيين وألأنبياء ألسياسيين.


5
النظام الإحيائي

" بالإرتكاز على تعاقب التصورات الثلاثة للعالم ((التصور الإحيائي (الميتولوجي)، والتصور الديني، و ألتصور العلمي)) يُقال أنّ الإحيائية نفسها، بدون أن تكون بعدُ ديناً، تشتمل على الشروط المسبقة لكل الديانات التي سترى النور لاحقا ".... جيمس جورج فريزر.

البشرية عرفت في مسار الزمن، ثلاثة أنظمة عقلية على التوالي، ثلاث تصورات كبرى للعالم:
التصور الإحيائي (الميتولوجي)، والتصور الديني، و ألتصور العلمي. وربما كانت الإحيائية بين جميع هذه الأنظمة أكثرها منطقية وشمولا، النظام الذي يفسر ماهية العالم، بدون أن يترك شيئا قيد الخفاء. والحال أنّ هذا التصور الاول للعالم من قبل البشرية هو بمثابة نظرية سيكولوجية. ولكننا نجاوز هدفنا لو أردنا أن نبين ما بقي قائما من هذه النظرية في حياتنا المعاصرة، سواء أفي شكل منحط هو شكل التطيّر والإيمان بالمعتقدات الباطلة، أم كمضمون حي للغتنا ومعتقداتنا وفلسفتنا.
إنّ الإحيائية نظام عقلي: فهي لا تفسر هذه الظاهرة الجزئية أو تلك فحسب، بل تُفسح المجال أيضا لتصور العالم على أنّه كل واحد وسيع، بدءا من نقطة بعينها.
بالإرتكاز على تعاقب التصورات الثلاثة للعالم يُقال أنّ الإحيائية نفسها، بدون أن تكون بعدُ ديناً، تشتمل على الشروط المسبقة لكل الديانات التي سترى النور لاحقا. ومن الواضح كذلك أنّ الأسطورة تستند إلى عناصر إحيائية، لكن تفاصيل العلاقات القائمة بين الأسطورة والإحيائية لم تُوضح بعد في نقاطها الأساسية.
إنّ الإحيائية، بالمعنى الضيق للكلمة، نظرية التصورات المتصلة بالنفس، وبالمعنى الواسع لهذه أللفظة فهي " نظرية الكائنات الروحية بصفة عامة ". وهناك أيضا ضرب آخر من الإحيائية يُمكن تمييزه بأنّه مذهب حيوية الطبيعة التي نرى نحن أنّها هامدة لا حياة فيها، وبه يرتبط الإعتقاد بروحية الحيوان وبقوة المانا ( قوى الطبيعة مجسدة).
إنّ ما أستدعى إبتداع جميع هذه المصطلحات المعرّفة المستفادة بالكيفية الغريبة للغاية التي كانت الشعوب البدائية المعروفة، البائدة أو التي لا تزال موجودة، تتصور بها الطبيعة والعالم. فالعالم يُعمره بحسب هذا التصور عدد غفير من الكائنات الروحية، المضمرة لنية النفع أو الأذى حيال البشر الذين يعزون إلى هذه الأرواح وهؤلاء الجنيين علة كل ما يحدث في الطبيعة ويعتقدون أنّ هذه الكائنات لا تبعث الحياة في الحيوانات والنباتات فحسب، بل كذلك حتى في الاشياء الجامدة الهامدة في الظاهر.
وثمة عنصر ثالث، وربما كان الأهم في " فلسفة الطبيعة " هذه، ولكنه لا يسترعي إنتباهنا كثيرا لأنّه مألوف عندنا، على الرغم من أننا نكاد لا نسلم بوجود الأرواح وعلى الرغم من أننا نفسر اليوم السيرورات الطبيعية بعمل قوي فيزيقية غير شخصية. فالبدائيون يؤمنون ب " إحياء " من النوع نفسه للكائنات البشرية.
وفي تصورهم أنّ الأشخاص البشريين يحتوون على نفوس تستطيع أن تغادر مقامها لتحل في أشخاص آخرين، وهذه النفوس هي مصادر الأنشطة الروحية، وهي مستقلة إلى حد ما عن " الأجسام ". وفي الأزمنة الأولى كان الناس يتصورون النفوس مشابهة غاية الشبه للأفراد ولم يٌقيض لها إلا بعد تطور طويل الأمد أن تتجرد من كل عنصر مادي لتكتسب درجة رفيعة جدا من " الروحنة ".
يميل أكثر الباحثين الى الأفتراض بأنّ تلك التصورات المتصلة بالنفوس تؤلف النواة البدائية للنظام الإحيائي، وبأنّ الأرواح لا تناظر سوى النفوس التي صارت مستقلة، وبأنّ نفوس الحيوانات والنباتات والأشياء تُتصور على أنّها مشابهة للنفوس البشرية.
كيف أمكن لهذه التصورات الثنوية المسرفة التي على أساسها يقوم النظام الإحيائي أن تتشكل لدى البدائيين ؟ من المفترض أنّ ذلك تم على أساس الملاحظات المستخلصة من مراقبة ظاهرات النوم ( والحلم ) والموت المشابه له غاية الشبه، وكذلك في أعقاب الجهود المبذولة لتفسير هذه الظاهرات المألوفة غاية الألفة لدى الفرد.
ولابد أنّ مشكلة الموت هي التي قدمت بصورة رئيسية نقطة الإنطلاق لتلك النظرية. ففي نظر البدائي كان دوام الحياة، أو الخلود شيئا طبيعيا تماما. ولم يتكون تصور الموت إلا في زمن آجل، ولم يقبل به البشر إلا بتردد، أما الدور الذي أمكن أن تلعبه في إنشاء النظريات الإحيائية مشاهدات وتجارب أخرى، ومنها على سبيل المثال تلك التي تتصل بالصور التي تظهر في الأحلام، وبالظلال، وبالصور المنعكسة على المرايا، الخ، فقد دارت حوله مناقشات كثيرة لم تثمر حتى الآن عن نتيجة إيجابية.
وأما أن يكون البدائي أستجاب لتأثير الظاهرات التي فرضت نفسها على تفكيره بتكوين تصوراته تلك عن النفوس، فهذه واقعة وجدها الباحثون طبيعية تماما وأبعد ما تكون عن الألغاز. وقد قال فلهلم فونت في مؤلفه ( ألأسطورة والدين ) بهذا الخصوص أنّ التصورات واحدة عن النفوس تُلتقى لدى الشعوب الأكثر إختلافا وفي العصور الأكثر تنوعا، وإنّ هذه التصورات " هي الحصيلة السيكولوجية المحتومة للوعي المبدع للأساطير وإنّ الإحيائية البدائية ينبغي أن تُعد تعبيرا روحيا عن الحالة الطبيعية للبشرية، بقدر ما يمكن لهذه الحالة أن تقع تحت ملاحظتنا ".
وكان هيوم قد كتب في مؤلفه (التاريخ الطبيعي للدين) يقول في تبريره إحياء ما لا حياة فيه: " يُوجد في البشرية ميل عام إلى تصور سائر الكائنات الأخرى على أنّها مشابهة للإنسان وعلى عزو جميع الصفات المألوفة لدى الإنسان والتي هو على وعي باطن بها إلى الاشياء ".
إنّه من الخطأ الإعتقاد بأنّ البشر ما دفعهم إلى إبتداع أنظمتهم الكونية الاولى سوى الفضول النظري وحده والظمأ إلى المعرفة وحده. فالحاجة العملية إلى إخضاع العالم لابد أن تكون لعبت دورا في هذه الجهود. لذا لن يُدهشنا أن نعلم أنّ للنظام الإحيائي لازمة لا تنفصل عنه، وتتمثل على وجه التعيين في نظام من الإرشادات المتعلقة بالكيفية التي ينبغي أن يتصرف بها الإنسان كيما يسيطر على البشر والحيوانات والاشياء.
يرى س . رايناخ في مؤلفه (العبادات والاساطير والديانات) أنّ نظام الإرشادات هذا هو نظام القواعد السلوكية المعروف بأسم " السحر والرقية " وهو بمثابة الإستراتجية للإحيائية.
هل نستطيع أن نقيم تمييزا مبدئيا بين الرقية والسحر ؟ أجل، فالرقية تتبدى عندئذ على أنّها في جوهرها فن التأثير على الأرواح، عن طريق معاملتها كما يُعامل الناس في شروط مماثلة، أي بتسكين روعها ومصالحتها وإنتزاع عطفها وترهيبها وتجريدها من قوتها وإخضاعها لإرادة الراقي، وكل ذلك بالوسائل التي ثبت نجعها وفعاليتها في العلاقات مع البشر الأحياء.
لكن السحر شيء مختلف : فهو يضرب صفحا، في الحقيقة عن الأرواح ويعتمد، لا الطريقة السيكولوجية المعتادة بل طرائق خاصة. ومن السهل أن ندرك أنّ السحر يؤلف الجزء الأكثر بدائية وأهمية من التقنية الإحيائية، لأنّه يُدخل في عداد الوسائل المستخدمة للتأثير على الأرواح طرائق سحرية أيضا، فإخافة الروح بالضوضاء والصراخ وسيلة من وسائل الرقية الخالصة، لكن ممارسة الضغط عليه، بالإستحواذ على إسمه تعني إستخدام طريقة سحرية في مواجهته.
ويجد السحر تطبيقه ايضا في الحالات التي لا تكون فيها روحنة الطبيعة قد أُنجزت.
المفروض بالسحر أن يفيد في غايات بالغة التنوع : إخضاع ظاهرات الطبيعة لمشيئة الإنسان، حماية الفرد من الاعداء وألأخطار، وتزويده بالقدرة على إلحاق الأذى بأعدائه. لكن المبدأ الذي يستند إليه الفعل السحري، أو بالاحرى مبدأ السحر من الممكن صوغه صياغة واضحة ودقيقة بالإعتماد على تعريف إ . ب . تايلور وهي :
" أخذ علاقة وهمية بطريق الخطأ محل علاقة فعلية ".
إنّ واحدة من أكثر الطرق السحرية إستخداما لإنزال الأذى بعدو من الأعداء صنع صورته أو تمثاله من مواد شتى. ومن الممكن ايضا " تقرير " أنّ هذا الشيء أو ذاك سيمثل صورته. وكل الأذى ألذي ينزل بهذه الصورة يصيب أيضا النموذج المبغوض، ويكفي أن يُتلف جزء ما من الصورة حتى يمرض الجزء المقابل لها في جسم النموذج. وبدلا من إستخدام هذه التقنية السحرية في تلبية مآرب العداوة الخاصة، يُمكن أن توضع في خدمة الورع والتقوى لحماية الآلهة من ألجن والعفاريت الشريريين وكمثال على ذلك نذكر واحدة من أساطير الحضارة المصرية القديمة:
" في كل ليلة، وحينما يؤوب إله الشمس رع إلى مقامه في الغرب المضطرم، يتحتم عليه أن يخوض صراعا مسعورا ضد جيش من العفاريت الذين ينقضون عليه بقيادة آبيبي، عدوه اللدود. كان يصارعهم طيلة الليل، وكثيرا ما تكون قوى الظلام على قدر كافٍ من القوة لتطلق، حتى في أثناء النهار، سحبا داكنة يدلهم لها أديم السماء الأزرق، فتشل رع عن إرسال نوره.
ولمؤازرة الإله كان يُقام الطقس الإحتفالي التالي في معبده في طيبة في كل مطلع شمس: يصنعون من الشمع صورة لعدوه آبيبي، ألذي يُعطونه شكل تمساح قبيح أو شكل ثعبان ذي عقد كثيرة التعداد، ويكتبون بالحبر أسم العفريت فوق الصورة. ثم تُوضع هذه الصورة بعد إحاطتها بشعر أسود في غمد من البردي يُنقش فوقه الأسم نفسه، ثم ييصق الكاهن فوق الغمد ويشطبه بسكين من الصوان ويرمي به أرضا، ثم يدوس عليه بقدمه اليسرى، ويختتم الإحتفال بإحراق الصورة على نار تُقات بالنباتات.
فإذا ما هلك آبيبي، هلك في إثره العفاريت قاطبة. وإحتفال القداس هذا، ألذي تُلقى فيه بعض الخطب، كان يٌقام لا صباحا وظهرا ومساء فحسب، بل كان من الممكن أيضا أن يُكرر في أية ساعة من ساعات اليوم حينما تعصف العاصفة أو حينما يهطل المطر مدرارا أوحينما تحجب وجه السماء سحب سود. كما لو أنّ هذا القصاص أُنزل بهم مباشرة، فكانوا يولون الادبار، ويُعقد إزار النصر من جديد لإله ألشمس ".
إنّ حظر التوراة والحظر الوارد في أحاديث نبي الإسلام محمد بن عبدألله رسم صورة أي كائن حي، لم يُمله تحيز مبدئي ضد الفنون التشكيلية، وأنّما كان هدفه الوحيد صرف الناس عن السحر والشرك ألذي كانت الديانتان العبرية والإسلامية تشجبانهما شجبا شديدا.
الأحاديث النبوية حول تحريم التصوير في الإسلام :
النص الأول: روى البخاري ومسلم عن عائشة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "أشدّ الناس عذاباً يوم القيامة الذين يُضاهئون بخلق الله".
النص الثاني: روى البخاري ومسلم وأصحاب السنن أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن اصحاب هذه الصور يُعذبون يوم القيامة، يقال لهم: أحيو ما خلقتم".
النص الثالث: روى البخاري ومسلم وأحمد عن أبي زُرعة قال: "دخلتُ مع أبي هريرة دار مروان بن الحكم، فرأى فيها تصاوير وهي تُبنى، فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: قال الله عزّ وجلّ: "ومن أظلم ممّن ذهب يخلق كخلقي، فليخلقوا ذرّة، أو فليخلقوا حبة، أو فليخلقوا شعيرة".
النص الرابع: روى البخاري ومسلم والنسائي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رجلاً قال له: إني أصوّر هذه الصور فأفْتني فيها، فقال له: ادن مني فدنا، ثم قال: ادن مني فدنا، حتى وضع يده على رأسه وقال: إنبئك بما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم، سمعته يقول: "كلّ مصوّر في النار، يُجعل له بكل صورة صوّرها نفس فيعذبه في جهنم".
قال ابن عباس: (فإن كنت لا بدّ فاعلاً فصوّر الشجر، وما لا روح فيه).
النص الخامس: روى الشيخان وأصحاب السنن عن عائشة رضي الله عنها أنها اشترت نمرقة فيها تصاوير، فلما رآها النبي صلى الله عليه وسلم قام على الباب فلم يدخل، قالت: فعرفت في وجهه الكراهية، فقلت يا رسول الله: أتوب إلى الله ورسوله ماذا أذنبت؟ فقال: ما بال هذه النمرقة؟ قلت: اشتريتها لك لتقعد عليها وتَوَسّدها، فقال: إن أصحاب هذه الصور يعذبون يوم القيامة، فيقال لهم: أحيوا ما خلقتم، وقال: إنّ البيت الذي فيه الصور لا تدخله الملائكة.
النص السادس: روى مسلم في صحيحه عن أبي الهياج الأسدي قال: قال لي عليّ رضي الله عنه: (ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ألاّ تدع صورة إلا طمستها، ولا قبراً مشرفاً إلاّ سويته).
النص السابع: (روى الستة عن عائشة رضي الله عنها قالت: خرج النبي صلى الله عليه وسلم في غزاة فأخذت نمطاً فسترته على الباب، فلما قدم ورأى النمط عرفت الكراهة في وجهه، فجذبه حتى هتكه وقال: «إنّ الله لم يأمرنا أن نكسوا الحجارة والطين!!» قالت عائشة: فقطعت منه وسادتين وحشوتهما ليفاً، فلم يعب ذلك عليّ).
النص الثامن: روى الشيخان والنسائي عن عائشة رضي الله عنها قالت: لما اشتكى النبي صلى الله عليه وسلم ذكر بعضُ نسائه كنيسةً يقال لها (مارية) وكانت أم سلمة، وأم حبيبة أتتا أرض الحبشة، فذكرتا من حسنها وتصاوير فيها، فرفع صلى الله عليه وسلم رأسه فقال: "أولئك إذا مات فيهم الرجلُ الصالحُ، بنوا على قبره مسجداً، ثمّ صوّروا فيه تلك الصور، أولئك شرارُ خلق الله".
يظهر لنا من النصوص النبوية السابقة، أنّ العلة في تحريم التماثيل والصور، هي (المضاهاة) والمشابهة لخلق الله، كما أن الحكمة أيضاً في تحريم التصوير هي: البعد عن مظاهر الوثنية، وحماية العقيدة من الشرك، وعبادة الأصنام.




6
سحر التماثل

"إذا كان سحر التماثل، أي العمل من خلال الدمى والصور يُمارس عادة لتحقيق هدف شرير وهو التخلص من المشاكسين فإنّه أُستخدم ايضا ليحقق نوايا طيبة مثل مساعدة الاخرين، أي أنّه أُستعمل لتسهيل عملية الولادة وفي مساعدة العاقر على الإنجاب".... جيمس جورج فريزر.

إذا حللنا مباديء الفكر التي يقوم عليها الساحر وجدنا أنّها تنقسم إلى نوعين : ألأول أنّ المنتشابهات تولد المتشابهات أيضا أو أنّ تأثيرا معينا يشبه مسببه، والثاني هو أنّ الأشياء التي يتصل بعضها ببعض يبقى تأثيرها المتبادل مستمرا من بعيد بعد إنقطاع الإتصال المادي بينهما.
ويُطلق على المبدأ الأول أسم قانون التشابه، وعلى الثاني أسم قانون الأتصال أو التجاور، فمن القانون الأول اي قانون التشابه، يستنتج الساحر أنّ بإستطاعته أن يُحدث التأثير الذي يريد من خلال محاكاته وحسب. ومن الثاني يستنتج أنّ ما يفعله بجسم مادي سيحدث التأثير ذاته في الشخص الذي كان الجسم على إتصال به في السابق سواء أكان جزءاً من جسمه أم لا.
السحر نظام زائف من القوانين الطبيعية ودليل خاطيء للتعامل، إنّه علم زائف وفن مبتسر، فإذا نظرنا إليه على أنّه نظام من القوانين الطبيعية، أي بيان بالقواعد التي تحدد تتابع الأحداث في العالم، أمكننا تسميته بالسحر النظري، أما إذا نظرنا إليه على أنّه مجموعة من المباديء التي يطبقها البشر بهدف تحقيق أهدافهم، أمكننا تسميته بالسحر العملي، وفي الوقت ذاته لابد من أن نأخذ في الحسبان أنّ الساحر البدائي لا يعرف من السحر إلا الجانب العملي منه :
فهو لا يقوم بتحليل العمليات العقلية التي تقوم عليها ممارساته ولا يفكر على الإطلاق بالمباديء المجردة التي تدخل في أعماله، فالمنطق بالنسبة إليه، كما هي الحال بالنسبة إلى معظم الرجال، كامن وليس صريحا، فهو يفكر بالطريقة نفسها التي يهضم بها طعامه أي في جهل مطبق بالعمليات الفكرية والفيزيائية الضرورية لهذه العملية أو تلك.
وبإختصار، فإنّ السحر عنده فن على الدوام، وليس علما على الإطلاق، وفكرة العلم في حد ذاتها لا وجود لها في عقله المتخلف.
إنّ المبدأين الكبيرين ما هما إلا تطبيقين مختلفين خاطئين لترابط الأفكار، فالأول هو الترابط بالتماثل، والثاني الترابط بالتجاور.
فالأول يُخطيء في إفتراضه أنّ الأشياء التي تشبه بعضها بعضا متماثلة، في حين أنّ الثاني يُخطي حين يفترض أنّ الأشياء التي كان بعضها متصل ببعض تبقى على إتصال دائم، فسلسلتا التفكير كلتاهما بدائية ومغرقة في البساطة في واقع الامر، ولا يمكن أن يكون الأمر عكس ذلك، على إعتبار أنّهما معروفان بالشكل المادي المحسوس، لا بالشكل المجرد بالنسبة إلى الذكاء الفطري لا عند البدائيين وحسب، بل عند الجهلة والبلهاء في كل مكان.
ويفترض كلا فرعي السحر أنّ الأشياء يؤثر بعضها في بعض من بعيد من خلال تناغم سري، فالنبض ينتقل من واحد إلى الآخر من خلال ما يمكننا أن نتصور أنّه نوع من الاثير غير المرئي ألذي يفترضه العلم لهدف مماثل تماما، ألا وهو تفسير تأثير بعض الأشياء ببعضها ماديا عبر فضاء يُخيل إلينا أنّه فارغ.
ولعل أكثر التطبيقات المعروفة لدينا للمبدأ الذي ينص على أنّ المتشابهات تولد المتشابهات هي محاولة الكثيرين في مختلف العصور إلحاق الأذى بالعدو أو القضاء عليه من خلال أذية صورته أو تدميرها، إعتقادا منهم أنّ الرجل يتألم كما تتألم الصورة، وأنّه حين تتعرض صورة الرجل للتلف فإنّه يفارق الحياة بالتأكيد.
وهكذا نسمع بأنّ الهنود في أمريكا الشمالية يعتقدون أنّه من خلال رسم صورة شخص في الرمال أو الرماد أو الصلصال، أو من خلال إفتراض شيء معين أنّه جسمه ثم طعنه بعصا حادة أو إلحاق أذية أخرى به فإنّهم يلحقون أذية مماثلة بالشخص الذي يمثله، فعلى سبيل المثال إذا أراد أحد الهنود من قبيلة أوهيبواي " من أكبر قبائل الهنود الحمر سكان أمريكا الأصليين في شمال المكسيك " إلحاق الضرر بأحدهم، صنع دمية خشبية صغيرة لعدوه ثم غرز أبرة في رأسها أو قلبها، أو أصابها بسهم لإعتقاده أنّ عدوه سيشعر بألم حاد في جسده في مكان غرز الأبرة في الدمية أو أصابتها بالسهم.
أما إذا كان يريد أن يقتل عدوه لجأ إلى إحراق الدمية أو دفنها في الرمال وهو يتمتم بكلمات معينة. أما هنود البيرو فيصنعون صورا من الدهون الممزوجة بالحبوب لتمثل الشخص الذي يكرهونه أو يخشونه ثم يحرقون الدمية في الطريق الذي يتوقع من الضحية المطلوبة أن تمر فيه، وهذا ما يدعونه بإحراق روحه.
من بقايا هذه الممارسات السحرية التماثلية في عصرنا إحراق الجماهير الغاضبة في التظاهرات لدمية تُمثل ملك أو رئيس جمهورية أو زعيم سياسي أساء إلى جماهير شعب أو أحتل بلدهم كما حصل في العراق بعد إحتلال ألولايات المتحدة الامريكية حيث أحرقت الجماهير المتظاهرة دمية تمثل الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش.
وفي نفس السياق يقوم بعض المتظاهرين بإحراق علم بلد معادي من أجل إلحاق ألأذى بالبلد من خلال رمزه.
من ضمن مناسك الحج في الأسلام يقوم الحجاج في اليوم الرابع: (أول أيام التشريق ، ثاني أيام النحر) في مِنى برمي الجمرات الثلاث في هذا اليوم, وحسب السنّة النبوية يكون البدأ بالجمرة الصغرى, ثم الوسطى, ثم الكبرى (العقبة)، يرمي الحاج بسبع حصيات على أنصاب تُمثل الشياطين، والحكمة في ذلك إهانة الشيطان وإذلاله وإرغامه وإظهار مخالفته، إنّ هذه المناسك هي من بقايا الممارسات السحرية التماثلية.فبالرغم من أنّ الدين مرحلة تالية للسحر نلاحظ بعض التداخل بين المرحلتين، وسنتناول بالتفصيل هذا التداخل في مقالة قادمة بعنوان " السحر في القرآن ".
إذا كان سحر التماثل، أي العمل من خلال الدمى والصور يُمارس عادة لتحقيق هدف شرير وهو التخلص من المشاكسين فإنّه أُستخدم ايضا ليحقق نوايا طيبة مثل مساعدة الاخرين، أي أنّه أُستعمل لتسهيل عملية الولادة وفي مساعدة العاقر على الإنجاب.
وهكذا نرى في أنّ العاقر في قبيلة الباتك " مجموعة عرقية تسكن المرتفعات شمالي سومطرة بإندونيسيا " التي ترغب في الإنجاب تصنع دمية من الخشب على هيئة طفل وتحتضنها إعتقادا منها أنّ هذا سيحقق رغبتها.
أدى مبدا التخيّل ذاته المحبب لدى الأطفال بشعوب أخرى إلى إستخدام تمثيل الولادة كشكل من أشكال التبني، وحتى كوسيلة لإرجاع الموتى إلى الحياة، فإذا تظاهرت بأنّك رُزقت بمولود ذكر، و حتى برجل له لحية ليس في عروقه نقطة دم واحدة من دمك، كان ذلك الولد أو الرجل في نظر الفلسفة والقانون البدائيين أبنك فعليا مهما كانت الأهداف والنوايا.
وهكذا يخبرنا ديودوروس أنّ زيوس " يُلقَّب عند الإغريق بـ أب الآلهة والبشر" حين أقنع زوجته الغيورة هيرا بتبني هيركليس أستلقت في السرير وضمت بطلها الضخم إلى صدرها، ثم دفعت به تحت ملابسها وتركته يسقط على الأرض لتحاكي الولادة الحقيقية، ويضيف المؤرخ أنّ البرابرة في زمانه كانوا يتبعون طريقة تبني الأطفال ذاتها.
أما اليوم فيقال إنّها ما زالت تتبع في بلغاريا وعند ألأتراك البوسنيين، فالمرأة التي ترغب في تبني طفل تاخذه وتسحبه أو تدفعه من تحت ملابسها، بعد ذلك يُعد ذلك الطفل كما لو كان طفلها الحقيقي ويرث كامل أملاك ابويه بالتبني.
ولسحر التماثل دور كبير في الإجراءات التي يتخذها الصيادون للحصول على صيد وفير، فبحسب أنّ المتشابهات تولد المتشابهات يقوم الصياد وأصدقاؤه بكثير من الأفعال التي تحاكي النتيجة التي يسعى لتحقيقها، لكنهم من ناحية أخرى يحرصون عل الإبتعاد عن كثير من الأشياء الاخرى لانّها تشبه إلى حد ما اشياء تجلب الهلاك.
ولا يقتصر نظام سحر التماثل على المباديء الإيجابية وحسب، بل يضم أيضا عددا كبيرا جدا من المباديء السلبية، اي النواهي، فهو لا يأمرك بالواجبات، بل يحدد لك النواهي، فالمباديء الإيجابية هي ممارسة السحر، واما السلبية فهي النواهي، فعقيدة النواهي بأكملها، أو جزء منها تبدو في واقع الامر تطبيقا خاصا من السحر التماثلي بقاعدتيه الكبيرتين وهما التشابه والإتصال.
إنّ هذه المباديء السلبية التي نسميها النواهي لا تقل عبثية وسخفا عن المباديء الإيجابية التي ندعوها بالشعوذة، فالامران يمثلان طرفين أو قطبين لفكرة خاطئة مدمرة واحدة.



7
سحر الطقس

"من أهم الأشياء التي تناط بالساحر لمنفعة القبيلة التحكم بالطقس وضمان هطول كميات وافرة من الامطار".... جيمس جورج فريزر.

من أهم الأشياء الخاصة بالمنفعة العامة التي يمكن إستخدام الساحر من أجل تحقيقها توفير كميات مناسبة من الطعام، فكل العاملين في تأمين الطعام البشري مثل صيادي البر والبحر، والفلاحين يلجؤون إلى أعمال السحر لتحقيق مختلف غاياتهم، لكنهم يفعلون ذلك لمنفعتهم ومنفعة أهليهم الخاصة كأفراد لا كعمال يعملون لتحقيق الصالح العام.
لكن الأمر يختلف حين يقوم السحرة المحترفون بتأدية طقوس السحر بدلا من الصيادين والمزارعين أنفسهم، ففي المجتمعات البدائية حيث تكون وحدة العمل هي القاعدة، وتصنيف المجتمع في طبقات مختلفة لم يبدأ بعد، يقوم كل من الرجال بدور الساحر، فيتمتم بالتعويذات والتراتيل أملاً في جلب الخير له والأذى لأعدائه.
لكن عجز الوسائل التي أتبعها معظم هؤلاء السحرة عن تحقيق أهدافهم يجب ألا يمنعنا من رؤية الاهمية البالغة للمؤسسة ذاتها، فهنا جماعة من الرجال تم إعفاؤهم على الأقل في المراحل البدائية الاولى من ممارسة العمل اليدوي الشاق لكسب قوتهم، ولم يُسمح لهم بالبحث في أساليب الطبيعة السرية فحسب، بل كان هذا متوقعا منهم ويلقون التشجيع على ممارسته، فقد كان من واجبهم وصلب إهتمامهم في الوقت ذاته أن يعرفوا أكثر من غيرهم، وأن يكونوا على إطلاع بكل ما يساعد الإنسان في صراعه المرير مع الطبيعة، ويخفف معاناته ويطيل عمره.
فخصائص الأدوية والمعادن، وأسباب المطر والجفاف والرعد والبرق وتقلبات الفصول وأطوار القمر وحركة الشمس اليومية والسنوية وحركات النجوم وسر الحياة وسر الموت، كل هذه الأشياء أثارت بكل تأكيد فضول هؤلاء الفلاسفة الأوائل وحفزتهم للعثور على حلول للمشكلات التي كانت بلا ريب تلقيها عليهم طلبات زبائنهم الملحة بأكثر صورها العملية.
فالزبائن لم يكونوا ينتظرون منهم فهم عمليات الطبيعة الهائلة وحسب، بل تنظيمها والتحكم بها أيضا لمنفعة الإنسان، وما كان بالإمكان تجنب فشل محاولاتهم الأولى، فالإقتراب البطيء غير المتناهي من الحقيقة ينطوي على الإستمرار في وضع الفرضيات وإختبارها وقبول تلك التي بدا آنذاك تتفق مع الوقائع ورفض الفرضيات الأخرى.
فالآراء حول مسببات الطبيعة التي حملها الساحر البدائي تبدو لنا اليوم بلا شك خاطئة وسخيفة لكنها كانت في أيامها فرضيات مشروعة، مع أنّها لم تثبت نجاحها في إختبار التجربة العملية. كانت السخرية واللوم الجزاء الأوفى لا لأولئك الذين وضعوا تلك النظريات البدائية، بل لأولئك الذين أصروا على التمسك بها بعد ظهور نظريات أفضل منها.
ومن المؤكد أنّ أولئك المشعوذين البدائيين كانوا أكثر الناس حرصا على البحث عن الحقيقة، فالظهور بمظهر العارف الخبير على الأقل كان في مقدمة الأولويات، فخطأ واحد قد يكلفهم حياتهم، وهذا دون شك حملهم على ممارسة الدجل بهدف إخفاء جهلهم، لكن هذا زودهم أيضا باقوى دافع لإستبدال المعرفة المزيفة بالمعرفة الحقيقية، لإنّك إذا أردت التظاهر بمعرفة شيء، فإنّ أفضل طريقة على الإطلاق هي أن تعرفه بالفعل.
فمهما كان رفضنا لخداع السحرة عادلا، وشجبنا للخداع الذي مارسوه على البشرية مبرراً، فإنّ المؤسسة الأصلية لهذه الفئة من الرجال عادت على البشرية بخير غير محدود، فهي لم تكن الأصل الذي أنحدر منه الأطباء والجراحون وحسب، بل الباحثون والمكتشفون في كل فرع من فروع العلوم الطبيعية، فالسحرة بادروا إلى العمل الذي حوّلَه خلفاؤهم منذ ذلك التاريخ إلى مسائل مفيدة وعظيمة في العصور اللاحقة.
أما إذا كانت البدايات هزيلة وضعيفة فهذا بسبب المصاعب الحتمية التي بالطريق إلى المعرفة، لا بسبب العجز الطبيعي أو الدجل المتعمد عند أولئك الرجال أنفسهم.
ومن أهم الأشياء التي تناط بالساحر لمنفعة القبيلة التحكم بالطقس وضمان هطول كميات وافرة من الامطار، فالماء عصب الحياة وكميته تعتمد في معظم البلدان على زخات المطر، فبدون المطر تذبل النباتات ويعاني الإنسان والحيوان من العذاب ومن ثم الموت. لذا كان ساحر المطر في المجتمعات المتخلفة شخصية بالغة الأهمية، وكانت هناك فئة خاصة من السحرة متخصصة في التحكم بكميات الأمطار التي تجود بها السماء.
أما الأساليب التي يحاول بها السحرة ممارسة عملهم فتقوم عادة وليس دائما على مبدأ سحر التماثل، فإذا أرادوا الإستمطار رشوا الماء مقلدين السحب، أما إذا أرادوا إيقاف المطر وجلب الجفاف، أبتعدوا عن الماء ولجؤوا إلى الدفء والنار بهدف تجفيف الرطوبة الزائدة، ولا تقتصر هذه المحاولات على السكان العراة في المناطق الحارة الرطبة مثل أواسط أستراليا وبعض الأجزاء الشرقية والجنوبية من أفريقيا حيث تضرب الشمس بأشعتها اللاهبة الأرض العطشى والمتشققة من الماء والسماء الزرقاء الصافية على مدى أشهر طويلة من السنة، فهؤلاء معروفون أو كانوا معروفين لدى الناس المتحضرين ظاهريا في مناخ أوربا الرطب ايضاً.
فعلى سبيل المثال في قرية على مقربة من دوربات في روسيا يعتلي ثلاثة من الرجال أشجار التنوب في خميلة قديمة مقدسة عند إنحباس المطر، فيضرب أحده بمطرقة على إبريق معدني أو وعاء صغير مقلدا الرعد، والثاني يضرب عود نار بآخر ليتطاير الشرر مقلدا البرق، وأما الثالث، وأسمه " ساحر المطر " فيحمل بضعة أغصان يرش بها الماء من وعاء على جميع الأطراف.
وللإستسقاء، ولوضع نهاية للجفاف، تتوجه النسوة والفتيات في بلوسكا ليلا إلى حدود القرية وهن عاريات فيسكبن الماء على الأرض.
ويصف المقريزي، المؤرخ العربي، طريقة لإيقاف المطر يُقال إنّها أُستخدمت في قبيلة بدوية أسمها القمر في حضرموت حيث يقطعون غصنا من شجرة معينة في الصحراء ويضرمون به النار ثم يرشون الغصن المشتعل بالماء، بعد ذلك تخف حدة المطر تماما مثلما يختفي الماء حين يسقط على الغصن المتوهج.
بعض الأنجميين في ماينبور " ولاية هندية شمالية تقع على الحدود مع ميانمار " يقومون بإحتفال مشابه إلى حد ما لتحقيق الهدف المعاكس، أي لإنتاج المطر، فزعيم القرية يضع غصنا مشتعلا على قبر رجل مات محترقا ثم يطفيء الغصن بالماء وهو يدعو بنزول المطر، وهنا يتعزز إطفاء النار بالماء وهو تقليد للمطر بتأثير الميت الذي سيكون حريصا على هطول المطر لتبريد جسمه المحترق وتخفيف آلامه لأنّه مات محترقا.
وهذه الممارسة سحرية فيما عدا الدعاء فيها فهي ممارسة دينية، وكمثال آخر على تداخل السحر والدين نجده في صلاة الإستسقاءالذي يمارسه المسلمون.
ويتم في صلاة الإستسقاء طلب السقي من الله للبلاد والعباد بالصلاة و الدعاء والاستغفار، وهي مشروعة بسنة ألنبي محمد، فعند قلة الأمطار وانحباسها ،فلا بد للناس أن يستغفروا الله، تصديقا للآيات 10-12 من سورة نوح: " فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا . يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا . وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا".

وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اَللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: ( خَرَجَ سُلَيْمَانُ عَلَيْهِ اَلسَّلَامُ يَسْتَسْقِي, فَرَأَى نَمْلَةً مُسْتَلْقِيَةً عَلَى ظَهْرِهَا رَافِعَةً قَوَائِمَهَا إِلَى اَلسَّمَاءِ تَقُولُ: اَللَّهُمَّ إِنَّا خَلْقٌ مِنْ خَلْقِكَ, لَيْسَ بِنَا غِنًى عَنْ سُقْيَاكَ, فَقَالَ: ارْجِعُوا لَقَدْ سُقِيتُمْ بِدَعْوَةِ غَيْرِكُمْ ) رَوَاهُ أَحْمَدُ وَصَحَّحَهُ اَلْحَاكِمُ، أي أنّ سليمان قال للنملة: عودوا إلى مسكنكم ولا داعي لدعاء الله فقد انزل الله المطر بدعائي.
أنّ الغرض من صلاة الإستسقاء هو لتسهيل السيطرة بهذه الصلاة على عقول الناس وتدجينها بأن عدم نزول مطر هو بسبب الذنوب وهكذا حتى يتمكن رجل الدين من السيطرة على عقول الناس، ويستمر المؤمن بالإحساس بالذنب.



8
السحر في القرآن

" وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ".... الآية 102 من سورة البقرة.


يوجد تداخل بين التصورات البشرية الثلاث (التصور الإحيائي "الميتولوجي"، والتصور الديني، و ألتصور العلمي) فالتقسيم المذكور اعلاه ليس حديا أي إما أبيض أو أسود، بل نجد بين هذه المراحل مناطق رمادية أيضا، فعند الإنتقال من الطور السحري (ألإحيائي أو الميتولوجي) إلى الطور الديني نلاحظ هذا التداخل وكذلك فعند الإنتقال من الطور الديني إلى الطور العلمي سنجد ايضا تداخلا بين الدين والعلم، ومن أمثلة ذلك الدين الرائيلي ألتي هي محاولة للتزاوج بين الدين والعلم، وهناك محاولات بائسة لتأويل بعض آيات القرآن وربطها بالإكتشافات العلمية من قبل جماعة ألإعجاز العلمي في القرآن.
في هذا الجزء من البحث سنتطرق إلى موضوع السحر في القرآن كمثال للتداخل بين السحر والدين، وطبعا التداخل واقع بين السحر والدين اليهودي والمسيحي أيضا.
تناولنا كيفية ظهور السحر وتطبيقاته عند الكلام عن التصور الإحيائي (الميتولوجي) وذكرنا أنّ الساحر هو الشخصية المحورية في ذلك التصور، أما الشخصية المحورية في التصور الديني فهو الكاهن أو ألنبي ألذي يدعي بأنّ له إتصال بإله يتلقى عنه الوحي مباشرة أو عن طريق ملاك في حالة النبي وبعض الكهنة، أوشيطان أو تابع من الجن في حالة كهنة آخرين.
عندما تصوّر البشر أن القوى الخارقة للطبيعة لها أثرها في حياة الإنسان عند كل منعطف في الطريق، أصبحت قوة رجال الدين مساوية لقوة الدولة، واصبح الكاهن أو القسيس او النّبي منذ أقدم العصور إلى أحدثها ينافس الجندي المقاتل في سيادة الناس والإمساك بزمامهم، حتى لقد راح الفريقان يتناوبان ذلك، وحسبنا في التمثيل لذلك أن نسوق مصر، ودولة اليهود وأوروبا في العصور الوسطى كأمثلة.
إن الكاهن او القسيس او النّبي لم يخلق الدين خلقاً، لكنه أستخدمه لأغراضه فقط، كما يستخدم السياسي ما للإنسان من دوافع فطرية وعادات؛ فلم تنشأ العقيدة الدينية عن تلفيقات أو ألاعيب كهنوتية، إنما نشأت عن فطرة الإنسان بما فيها من تساؤل لا ينقطع وخوف من الموت وقلق وأمل وشعور بالعزلة؛ نعم إنّ الكاهن او القسيس او النّبي قد أضرّ الناس بإبقائه على الخرافة وباحتكاره لضروب معينة من المعرفة، لكنه مع ذلك عمل على حصر الخرافة في نطاق ضيق، وكثيراً ما كان يحمل الناس على إهمال شأنها، وهو الذي لقّن الناس بداية التعليم والتهذيب، وكان بمثابة المستودع وأداة التوصيل بالنسبة للتراث الثقافي الإنساني المتزايد؛ وكان عزاء للضعيف في استغلال القوي له استغلالاً لم يكن منه محيص؛ كما أصبح الفعل الفعّال الّذي أعان الدين على تغذية الفنون، وتدعيم بناء الأخلاق الإنسانية المترنح وبدعم من القوى العليا؛ فلو لم يجد الناس بينهم كاهناً او قسيسا او نبيّا لخلقوه لأنفسهم خلقاً.
عندما جاهر النبي محمد بدعوته أتهمه قومه بالكهانة والسحر وقالوا بأنّه شاعر مجنون. وكان الناس من قديم الزمان يعتقدون بوجود ارواح غير مرئية، منها طيبة ويستنجدونها ويرجون خيرها، ومنها خبيثة يخافونها ويتقون شرّها. وكذلك العرب كانوا في جاهليتهم يعتقدون بوجود هذه الارواح، ويسمّون الطيبة بالملائكة، ويسمّون الخبيثة منها بالجن والشياطين، وعقيدتهم هذه مشهورة لا تحتاج الى اقامة الدلائل ولا الى ايراد الشواهد، والقرآن اصدق شاهد بها، وقد تفرّع من اعتقادهم بالكهانة، فكان لهم كهّان، وكان الكاهن يخبرهم بالمغيّبات، وكانوا يعتقدون أنّ لكل كاهن تابعا من الجن ياتيه بالخبر من السماء.
فلمّا قام محمّد بدعوتهم الى الاسلام، وهو يريد ان يجمعهم على كلمة واحدة، وينهض بهم نهضة عالميّة كبرى، رأى من اللازم الضروري لنجاح الدعوة ان يُبطل الكهانة، ويجعل خبر السماء مقصورا على الوحي الذي ياتيه به جبريل، لكيلا تقبل العرب إلّا منه ولا تسمع إلّا له.
ولاجل إبطال الكهانة اغلق محمّد ابواب السماء في وجوه الشياطين وملأها حرسا شديدا من الملائكة، وجعل هذه الشهب المتساقطة في الجو رجوما للشياطين تردّهم عن استراق السمع، واخذ الاخبار السماويّة كما هو مذكور في القرآن.
ذُكِرَ السحر في القرآن في الآية 102 من سورة البقرة (( وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ )).
نستنتج من الآية 102 من سورة البقرة أنّ محمدا كان يعتقد بأنّ الشياطين هم الذين كانوا يعلمون الناس السحر وأنّ مصدر ألسحر هما الملكان هاروت وماروت أللذان أرسلهما ألله ألى بابل لتعليم البشر السحر.
ورد في تفسير أبن كثيرحول الآية 102 من سورة البقرة مايلي : " قال الإمام أحمد بن حنبل ، رحمه الله ، في مسنده : حدثنا يحيى بن [ أبي ] بكير ، حدثنا زهير بن محمد ، عن موسى بن جبير ، عن نافع ، عن عبد الله بن عمر : أنه سمع نبي الله صلى الله عليه وسلم يقول : " إن آدم عليه السلام لما أهبطه الله إلى الأرض قالت الملائكة : أي رب ( أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون ) [ البقرة : 30 ] ، قالوا : ربنا ، نحن أطوع لك من بني آدم . قال الله تعالى للملائكة : هلموا ملكين من الملائكة حتى نهبطهما إلى الأرض ، فننظر كيف يعملان ؟ قالوا : بربنا ، هاروت وماروت . فأهبطا إلى الأرض ومثلت لهما الزهرة امرأة من أحسن البشر ، فجاءتهما ، فسألاها نفسها . فقالت : لا والله حتى تتكلما بهذه الكلمة من الإشراك . فقالا : والله لا نشرك بالله شيئا أبدا . فذهبت عنهما ثم رجعت بصبي تحمله ، فسألاها نفسها . فقالت : لا والله حتى تقتلا هذا الصبي . فقالا لا والله لا نقتله أبدا . ثم ذهبت فرجعت بقدح خمر تحمله ، فسألاها نفسها . فقالت : لا والله حتى تشربا هذا الخمر . فشربا فسكرا ، فوقعا عليها ، وقتلا الصبي . فلما أفاقا قالت المرأة : والله ما تركتما شيئا أبيتماه علي إلا قد فعلتماه حين سكرتما . فخيرا بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة ، فاختارا عذاب الدنيا " .... انتهى.
إنّ أصل أسطورة هاروت و ماروت فارسية، فهاروت و ماروت أسماء زرادشتية , يلفظان " هاروفتات و امارتات ، و قد وصلت الينا بعد التعديل على الاسمين كُلاً حسب لغته الدارجة ذاك الزمن، فقد ذُكرت هذه الأسطورة و الملاكين في التلمود بإسم " عزازيل و شمحازي "وانهما هبطا الى الارض بعد ان ركبت فيهما الشهوة، واشتهى احدهما فتاة اسمها اسطير، " وهي افروديت ايضاً في اساطير اليونان و عشتار في الاساطير البابلية " ، ووعدته باعطاء نفسها له إن علّمها الاسم الأعظم الذي يُصعد به الى السماء .. فعلّمها , فخالفت وعدها وتعففت .. فرفعت إلى السماء ووضعها الإله بين النجوم مكافأة لها.
وقد ذكر أبو الطيب محمد صديق خان بن حسن بن علي ابن لطف الله الحسيني البخاري القِنَّوجي (المتوفى: 1307هـ) قي كتابه فتحُ البيان في مقاصد القرآن، أنّ هاروت وماروت اسمان أعجميان لا ينصرفان وهما سريانيان.
ووردت قصة هاروت وماروت في القصص الهاجادية والأبوكريفا التي اقتبسها محمد شفهياً عن غير قصد، ظاناً أنها توراتية المنشأ.
ففي كتاب أساطير اليهود والذي جمعه لويس جينزبرج عام 1909 وضم فيه القصص الهاجادية المبعثرة هنا وهناك في الكتب وتحت عنوان (عقاب الملائكة الساقطين) The Punishment of the Fallen Angels كتب مايلي :
" عندما بدأ جيل الطوفان بممارسة الوثنية، حزن الرب بعمق، فنهض الملاكان شمحازي وعزازيل، وقالا: " يا رب العالم، لقد حدث ما توقعناه عندما خُلِقَ العالمُ والإنسان، قائلين: ما هو الإنسان حتى تذكره [المزمور 8: 4] ،فقال الربُّ: "وماذا سيحل بالعالم الآنَ دون الإنسان؟" وعندئذٍ قال الملاكان: "سوف نشغله نحن." فقال الربُّ: "إنني مدركٌ تماماً للعالم، وأعلم أنكم إن سكنتم الأرضَ، سيسيطر عليكم الميلُ الشرير، وستكونون أكثرَ ظلماً من أيِّ إنسانٍ." فجادل الملاكان: "امنحنا فقط إذناً بالسكن بين البشر، وسترى كيف سنقدس اسمك." فخضع الربُّ لرغبتهم، قائلاً: "اهبطا وامكثا بين البشر".
عندما جاء الملاكان إلى الأرض، ونظرا بناتِ البشر في كل نعمتهن وجمالهن، لم يستطيعا مقاومة عاطفتيهما. رأى شمحازي عذراءَ تدعى إستِهَر، وفقد قلبه لها. وعدته أن تسلمه نفسَها إن علمها أولاً الاسم الفائق الوصف. الذي به يُصْعِد نفسَه إلى السماء. فوافق على شرطها. لكنها ما أن علمته، نطقت الاسمَ، وأصعدت نفسَها إلى السماء، دون تنفيذ وعدها للملاك. فقال الربُ: "لأنها قد حفظت نفسها بعيداً عن الخطيئة، سنضعها بين النجوم السبع، لكي لا ينساها البشرُ." ووُضِعَتْ في كوكبة الثريا.
رغم ذلك لم يرتدع شمحازي وعزازيل عن الدخول في علاقات مع بنات البشر، ولأول ابنين وُلِدا. بدأَ عزازيل في اختراع الحليِّ والجواهر التي بها تغوي النساءُ الرجالَ. لذا أرسلَ الربُّ ميطاطرون ليخبرَ شمحازي أنه قد قرر أن يدمر العالم ويجلب عليه طوفاناً. شرع الملاكُ الساقط في النحيب والحزن على مصير العالم ومصير ابنيه: "إذا انهارَ العالمُ، فماذا سيكون لديهما للأكل، هما اللذان يحتاجان يومياً آلاف الجمال، وآلاف الأحصنة، وآلاف العجول؟ ".
وورد السحر في سورة الفلق من القرآن " قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (1) مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ (2) وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ (3) وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ (4) وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ 5 ".
في تفسير الآية 4 من سورة الفلق يذكر المفسّر ابن كثير ما يلي:
" قَالَ الْبُخَارِيّ فِي كِتَاب الطِّبّ مِنْ صَحِيحه : حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد قَالَ سَمِعْت سُفْيَان بْن عُيَيْنَة يَقُول أَوَّل مَنْ حَدَّثَنَا بِهِ اِبْن جُرَيْج يَقُول حَدَّثَنِي آلُ عُرْوَة عَنْ عُرْوَة فَسَأَلْت هِشَامًا عَنْهُ فَحَدَّثَنَا عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَة قَالَتْ كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُحِرَ حَتَّى كَانَ يَرَى أَنَّهُ يَأْتِي النِّسَاء وَلَا يَأْتِيهِنَّ قَالَ سُفْيَان وَهَذَا أَشَدّ مَا يَكُون مِنْ السِّحْر إِذَا كَانَ كَذَا فَقَالَ " يَا عَائِشَة أَعَلِمْت أَنَّ اللَّه قَدْ أَفْتَانِي فِيمَا اِسْتَفْتَيْته فِيهِ ؟ أَتَانِي رَجُلَانِ فَقَعَدَ أَحَدهمَا عِنْد رَأْسِي وَالْآخَر عِنْد رِجْلِي فَقَالَ الَّذِي عِنْد رَأْسِي لِلْآخَرِ مَا بَال الرَّجُل ؟ قَالَ مَطْبُوب . قَالَ وَمَنْ طَبَّهُ ؟ قَالَ لَبِيد بْن أَعْصَم رَجُل مِنْ بَنِي زُرَيْق حَلِيف الْيَهُود كَانَ مُنَافِقًا وَقَالَ وَفِيمَ ؟ قَالَ فِي مُشْط وَمُشَاطَة . وَقَالَ وَأَيْنَ ؟ قَالَ فِي جُفّ طَلْعَة ذَكَر تَحْت رَاعُوفَة فِي بِئْر ذَرْوَان " قَالَتْ فَأَتَى الْبِئْر حَتَّى اِسْتَخْرَجَهُ فَقَالَ" هَذِهِ الْبِئْر الَّتِي أُرِيتهَا وَكَأَنَّ مَاءَهَا نُقَاعَة الْحِنَّاء وَكَأَنَّ نَخْلهَا رُءُوس الشَّيَاطِين " قَالَ فَاسْتُخْرِجَ فَقُلْت أَفَلَا تَنَشَّرْتَ ؟ فَقَالَ " أَمَّا اللَّه فَقَدْ شَفَانِي وَأَكْرَه أَنْ أُثِير عَلَى أَحَد مِنْ النَّاس شَرًّا ".
حسب الروايات الإسلامية فإنّ أبن مسعود كان يرفض إدراج المعوذتين ( سورة الفلق وسورة الناس ) في القرآن لأنّهما من ألأدعية وليستا من الوحي وبالرغم من ذلك تم إدراجهما عند جمع عثمان بن عفان ألقرآن.

9
ألتصور ألديني

" إنّ الدين هو التعبير الجمعي عن الخبرة الدينية الفردية، التي تم ترشيدها من خلال قوالب فكرية وطقسية وأدبية ثابتة، تتمتع بطاقة إيحائية عالية بالنسبة للجماعة ".... فراس ألسواح.

تعريف الدين:
هنالك عدة تعريفات للدين وقد أختلف الباحثون في الأديان حول هذه التعريفات وسنتناول أهم هذه التعريفات:
يقول وليم جيمس في بداية كتابه تنوع الخبرة الدينية : " الدين الذي أعنيه في كتابي هو الأحاسيس والخبرات بنوع من العلاقة، يشعر الفرد بقيامها بينه وبين ما يعتبره إلهيا ".
يقول هربرت سبنسر : " إنّ الأديان على قدر إختلافها في عقائدها المعلنة، تتفق ضمنيا في إيمانها بأنّ وجود الكون هو سر يتطلب التفسير، ولذا فإنّ الدين هو الإعتقاد بالحضور الفائق لشيء غامض وعصي على الفهم ".
ويدور تعريف ماكس موللر (1882-1900)، الفيلسوف ومؤرخ الأديان الألماني، حول الفكرة نفسها فيقول في كتابه نحو علم الدين :
" إنّ الدين هو كدح من أجل تصور ما لا يُمكن تصوره، وقول ما لا يُمكن التعبير عنه، إنّه توق إلى اللانهائي ".
وهناك إتجاه في التعريف يقوم على فكرة الألوهة، يقول م. رافيل في كتابه مقدمة في تاريخ الأديان : " إنّ الدين هو إشتراط الحياة الإنسانية بإحساس الإتصال بين العقل الإنساني وعقل خفي يتحكم بالكون، وما ينجم عن ذلك من شعور بالغبطة ".
ويقول ف. شلرماخر (1768-1834) وهو لاهوتي ودارس اديان : " إنّ الدين هو شعور باللانهائي وإختبار له. وما نعنيه باللانهائي هنا، هو وحدة وتكامل العالم المدرك. وهذه الوحدة لا تواجه الحواس كموضوع، وإنّما تنبي عن نفسها للمشاعر الداخلية. وعندما تنتقل هذه المشاعر إلى حيز التأملات، فإنّها تخلف في الذهن فكرة ألله. وإنّ الخيال الفردي هو الذي يسير بفكرة ألله إما إلى المفارقة والتوحيد، أو نوع غير مشخص للالوهة يتسم بوحدة الوجود ".
ويرى بعض الباحثين، إنّ فكرة الألوهة إذا أُخذت بمدلولها الضيق فإنّها تترك كثيرا من الأديان خارج دائرة التعريف، وهي الأديان التي تضع في بؤرة معتقدها كائنات روحية من مختلف الأنواع، كارواح الموتى والأرواح الحالة في مظاهر الطبيعة المختلفة، والتي لا تنضوي تحت مفهوم الآلهة المعتاد.
من هنا يرى أدوارد تيلور (1832-1917) وهو مؤسس الأنتروبولوجيا في بريطانيا، أنّ التعريف الاشمل ينبغي أن يستبدل مفهوم الآلهة بمفهوم " الكائنات الروحية " الأكثر عمومية. يقول تيلور في كتابه الحضارة البدائية :
" إنّ المتطلب الاول في الدراسة المنهجية لإديان الشعوب البدائية، هو وضع تعريف بدائي للدين. ذلك أنّ التوكيد على الإيمان بكائن أعلى، من شانه أن يُخرج المعتقدات البدائية من دائرة الدين، لأنّ مثل هذا الإيمان هو مرحلة متطورة من الحياة الدينية. من هنا، فإنّ من الافضل أن نضع حدا أدنى لتعريف يقتصر على الإيمان بكائنات روحية ".
والمقصود بالكائنات الروحية عند تيلور، هو كائنات واعية تمتلك قوى وخصائص تفوق ما لدى البشر. ويدخل في عداد هذه الكائنات كل أنواع الأرواح والعفاريت والجن، ألتي تفترض الذهنية البدائية تداخل عالمها بعالم البشر، كما يدخل في عدادها ايضا الآلهة بالمعنى المعتاد للكلمة، فإنّ العلاقة معها تتميز بمحاولة التأثير عليها وإستمالتها للوقوف إلى جانب الإنسان، سواء بالكلمات المناسبة أو الذبائح والتقدمات وما إليها.
وهنا يأتي جيمس فريزر (1854-1941)، الأنتروبولوجي البريطاني المعروف، ليقدم تعريفا مكملا لتعريف تيلور. يقول في كتابه الغصن الذهبي الذي صدر في طبعته المختصرة عام 1922 :
" إنّ صياغة تعريف واحد من شأنه إرضاء كل الآراء المتصارعة حول الدين، هو أمر غير ممكن التحقيق. من هنا فإنّ كل ما يستطيعه الباحث هو أن يحدد بدقة ما يعنيه بكلمة الدين، ثم يعمل على إستخدام هذه الكلمة عبر مؤلفه بالمعنى الذي حدده لها منذ البداية. وعليه فإننا نفهم الدين على أنّه عملية إسترضاء وطلب عون قوى أعلى من الإنسان، يُعتقد أنها تتحكم بالطبيعة والحياة الإنسانية.
وهذه العملية تنضوي على عنصرين، واحد نظري والآخر تطبيق عملي. فهناك أولا الإعتقاد بقوى عليا، يتلوه محاولات لإسترضاء هذه القوى. ولا يصح الدين بغير توفر هذين العنصرين، ذلك أنّ الإعتقاد الذي لا تتلوه ممارسة هو مجرد لاهوت فكري، أما الممارسة المجردة عن أي إعتقاد فليست من الدين في شيء ".
في كتابه الاشكال البدائية للحياة الدينية يوجه أميل دوركهايم، الفيلسوف وعالم الإجتماع الفرنسي (1858-1917) نقدا شديدا للتعريف الذي قدمه فريزر، لأنّه يُقصر الدين على الممارسات التي تتضمن توسلا لكائنات ما ورائية تسمو على الإنسان. ويرى دوركهايم أنّ أمثال هذا التعريف تلقى قبولا في الغرب، بسبب مطابقتها من حيث الاساس لمفهوم الدين المسيحي، ولكنها لا تنطبق على أديان عدة واسعة الإنتشار لا تدور معتقداتها حول أرواح أو آلهة من أي نوع، أو أنّ هذه الكائنات لا تلعب فيها إلا دورا ثانويا جدا. فالبوذية مثلا قد شقت لنفسها طريقا مستقلا عن البراهمانية في الهند، إنطلاقا من رفض فكرة الإله، فهي نظام أخلاقي بدون مشرع، وإيمان بدون إله.
إنّ البوذي غير معني إطلاقا بمن خلق العالم وكيف، وجل همه يتركز في الكدح من أجل التحرر وتخليص روحه من سلسلة التقمصات في عالم لا يحمل إلا الألم والشقاء. وهو في كدحه هذا، لا يستعين باي كائن ما ورائي من اي نوع، بل يعتمد على قواه الذاتية وحدها,
أما الآلهة، فليست، في حال وجودها، إلا كائنات أقدر من الإنسان على التحكم في عالم المادة، ولكنها أسيرة مثله في عالم بائس عليها أن يُخلّص نفسها منه.
إنطلاقا من هذا النقد، يرى دوركهايم أنّ أي تعريف للدين يجب أن ينطبق على جميع الديانات، من اكثرها بدائية إلى أكثرها تطورا وتعقيدا.
وبناءً على ذلك يصوغ إميل دوركهايم التعريف التالي :
" الدين هو نظام متسق من المعتقدات والمماراسات التي تدور حول موضوعات مقدسة يجري عزلها عن الوسط الدنيوي وتحاط بشتى أنواع التحريم. وهذه المعتقدات والممارسات تجمع كل المؤمنين والعاملين بها في جماعة معنوية واحدة تدعى الكنيسة ".

تتبدى الظاهرة الدينية في ثلاثة أشكال يُمكن وصفها، إما بالمراقبة المباشرة أو بالإستماع إلى شهادات الأفراد عن خبراتهم الشخصية. وهذه الأشكال هي :
1. الدين الفردي: في قاع الظاهرة الدينية، هنالك خبرة فردية يعانيها الانسان في اعماق نفسه وبمعزل عن تجارب الآخرين. فإذا كان لكل بناء سامق اساس يقوم عليه، فإنّ بناء الدين إنّما يقوم على هذا النوع من الخبرة الدينية الفردية.
2. الدين الجمعي: تتخذ الظاهرة الدينية سمتها الجمعية عندما يأخذ الافراد بنقل خبراتهم المنعزلة الى بعضهم بعضا، في محاولة لتحقيق المشاركة والتعبير عن التجارب الخاصة في تجربة عامة، وذلك باستخدام مجازات من واقع اللغة، وخلق رموز تستقطب الانفعالات الدينية المتفرقة في حالة انفعالية مشتركة، وهذا ما يقود الى تكوين المعتقد، وهو حجر الاساس الذي يقوم عليه الدين الجمعي ( إضافة الى الطقس والاسطورة ). فهنا تتعاون عقول الجماعة، بل وعقول اجيال متلاحقة ضمن هذه الجماعة، على وضع صيغة مرشّدة لتجربتها ويمكن مقارنة العلاقة بين الدين الفردي والدين الجمعي بالعلاقة بين الفرد والمجتمع.
3. المؤسسة الدينية: يختلط مفهوم الدين اليوم بفكرتنا عن المؤسسة الدينية وموقفنا منها، الى درجة تبعث على التشويش، وتؤدي الى نتائج مفجعة في بعض الاحيان.
تعتمد المؤسسة الدينية على تفسير الدين وعلى تسييس الدين واستخدامه اداة ضغط وتسلط، سواء من قبل السلطة الزمنية كالكنيسة الكاثولوكية وعلى رأسها البابا في الفاتيكان، وكالازهر في مصر، وكالحوزة العلمية في النجف وكنظام ولاية الفقيه في الجمهورية الاسلامية في ايران، أمْ من قبل اية شريحة او فئة تجعل من نفسها قيّما على دين الناس ومرجعا اعلى لتفسيره والعمل بموجبه كالسلفية والوهابية والاخوان المسلمين وحزب الدعوة وداعش (ألدولة ألإسلامية) في العراق وسوريا وجميع الاحزاب الدينية بدون استثناء.
فراس السواح في كتابه دين الإنسان يعرّف الدين كما يلي :
" إنّ الدين ألذي أصفه هنا هو التعبير الجمعي عن الخبرة الدينية الفردية، التي تم ترشيدها من خلال قوالب فكرية وطقسية وأدبية ثابتة، تتمتع بطاقة إيحائية عالية بالنسبة للجماعة ".
هذه القوالب التي ترشد الحس الديني وتجعل من الدين ظاهرة جمعية، يُمكن إرجاعها إلى ثلاثة عوامل التي أدعوها بالمكونات الاساسية للدين وهي :
1. ألمعتقد :
هو اول أشكال التعبيرات الجمعية عن الخبرة الدينية الفردية التي خرجت من حيز الإنفعال العاطفي إلى حيز التأمل الذهني.
2. الطقس :
تُولّد الخبرة الدينية المباشرة حالة إنفعالية، قد تصل في شدتها حداً يستدعي القيام بسلوك ما من أجل إعادة التوازن إلى النفس والجسد اللذين غيرت التجربة من حالتهما الإعتيادية. ولعل الإيقاع الموسيقي والرقص الحر كانا من أول اشكال هذا السلوك الإندفاعي الذي تحول تدريجيا إلى طقس مقنن.
كانت الصلاة في المعابد وإنشاد التراتيل فيها هي النموذج الأكثر شيوعاً للطقس المنظم، فإنّ لنا في حلقات الصوفية وما يؤدى فيها من موسيقى إيقاعية ورقص وتواجد، خير مثال على الطقس الحر الذي لا يرتبط بالمعتقدات الجمعية المؤسسة، بل بالخبرة الدينية العميق المباشرة.
3. الاسطورة :
هي حكاية مقدسة مؤيدة بسلطان ذاتي. والسلطان الذاتي للأسطورة هنا لا يأتي من اية عوامل خارجة عنها، بل من اسلوب صياغتها وطريقة مخاطبتها للجوانب الإنفعالية وغير العقلانية في الإنسان.
تنشأ الأسطورة عن المعتقد الديني، وتكون أمتدادا طبيعيا له، فهي تعمل على توضيحه وإغنائه، وتثبته في صيغة تساعد على حفظه وعلى تداوله بين الاجيال، كما أنّها تزوده بذلك الجانب الخيالي الذي يربطه إلى العواطف والإنفعالات الإنسانية.
ويبدو أنّ المهمة الأساسية للأسطورة هي تزويد فكرة الالوهة بألوان وظلال حية، خصوصا في المعتقدات التي تقوم على تعدد الآلهة.
أما المكونات الثانوية للدين فهي الأخلاق والشرائع، ففي السياقات التاريخية لأديان الإنسان وضمن ظروف إجتماعية وسياسية معينة، تأتي إلى الدين عناصر لم تكن منه إبتداءً، ولم يكن لها شأن في تأصيل بداياته الأولى.
إنّ علاقة الأخلاق بالدين في المجتمعات التقليدية التي لم تتعقد بناها الإجتماعية والسياسية، تقدم لنا برهانا على أنّ الأصل في الأخلاق إستقلالها عن ألدين.

وأخيرا يذكر فراس السواح أنّ المعتقدات كلها على تنوعها ذات وحدة تتبدى على شكل إحساس بانقسام الوجود إلى مستويين، المستوى الطبيعي والمستوى القدسي، وأن المستوى القدسي يرتبط بالمستوى الطبيعي من خلال قوته السارية، ويؤكد أنّ :
"الدين ليس وهما، والمؤمن ليس واهما في إحساسه بوجود قوة أعظم منه تضم الوجود إلى وحدة متكاملة لأن الخبرة الدينية قد ارتكزت عبر الأزمان على تجربة حقيقية صلبة، وعلى شرط معطى للوجود الإنساني ".
ولكن ما هي هذه القوة السارية في الكون؟
هي الطاقة التي تسري فيه، وفي الإنسان بما أنه مادة.

10
ألتصور ألعلمي

" النظام الذي أسسه العلم مشتق من المراقبة الدؤوبة والدقيقة للظواهر الطبيعية ذاتها فغزارة النتائج التي توصل إليها العلم وصحتها وإمتيازها معدة جيدا لتوحي إلينا بثقة تامة بسلامة أسلوبه ".... جيمس جورج فريزر.

إنّ آخر التصورات البشرية عن العالم هو ألتصور العلمي، ونحن في هذا القرن نعيش ألتداخل بين التصور الديني والتصور العلمي عن العالم، وهنالك صراع بين هذين التصورين والمؤشرات تدل على إنحسار التصور الديني في مقابل إنتشار التصور العلمي عن العالم، ولكن عمليتا ألإنحسار والإنتشار للضدين تسيران ببطء نتيجة لإنتشار الجهل والامية وعقم التعليم في البيت والمدرسة أللذان يتصفان بالتلقين بدلا من غرس العقلانية والتفكير المنطقي.
إنّ كل تقدم كبير في المعرفة وسع أفق النظام وقلص بالتالي أفق الفوضى الظاهرة في العالم. وحتى الآن نحن على إستعداد لتوقع أن يسهم عمل المعرفة الغزيرة في كل مكان في تقليص الفوضى الظاهرة إلى نظام متناغم حتى في المناطق التي يسود فيها الحظ والإرتباك.
فالعقول المنفتحة التي ما زالت تضغط للتقدم نحو حل أعمق أسرار الكون، ترفض الإعتراف بفعالية النظرية الدينية عن الطبيعة، وترجع إلى وجهة النظر القديمة عن السحر من خلال الإفتراض صراحة، وهو ما كان السحر يفترضه تلميحا، بوجود إنتظام صارم في ترتيب الأحداث الطبيعية التي إذا ما راقبناها بعناية أستطعنا التنبؤ بمسارها بكل تأكيد والتصرف تبعا لذلك، وبإختصار، فإنّ العلم حل محل الدين في تفسير الطبيعة.
لكن بينما يشترك العلم في كثير من الحالات مع السحر، إذ إنّ كليهما يعتمد على الإيمان في النظام مبدءاً يكمن وراء الأشياء جميعها، فإنّ النظام الذي يفترض السحر وجوده مسبقا يختلف كثيرا عن النظام الذي يشكل أساس العلم. لكن الإختلاف ينبع بالطبع من إختلاف الطرائق التي أدت إلى التوصل إلى هذين النظامين.
فالنظام الذي يعتمد عليه السحر ليس سوى إمتداد للنظام الذي تقدم فيه الأفكار ذاتها إلى عقولنا، أما النظام الذي أسسه العلم فمشتق من المراقبة الدؤوبة والدقيقة للظواهر الطبيعية ذاتها. فغزارة النتائج التي توصل إليها العلم وصحتها وإمتيازها معدة جيدا لتوحي إلينا بثقة تامة بسلامة أسلوبه.
وهنا على الأقل، وبعد البحث في الظلام هنا وهناك على مدى عصور طويلة، عثر الإنسان على دليل يرشده للخروج من المتاهة، وهو مفتاح ذهبي يفتح كثيرا من الأقفال في خزانة الطبيعة، وليس ثمة مبالغة في القول بأنّ الامل في تحقيق التقدم في الأمور الاخلاقية والفكرية والمادية في المستقبل رهن بحظوظ العلم، وأنّ كل عقبة تعترض الإكتشافات العلمية هي إثم يُرتكب في حق الإنسانية.

إكتشافات علماء الرعيل الاول التي ساهمت في التقدم العلمي وتغيير تصوراتنا عن العالم :
-كان نيكولاس كوبرنيكوس أحد أعظم علماء عصره، ويعتبر أول من صاغ نظرية مركزية الشمس وكون الأرض جرماً يدور في فلكها في كتابه "حول دوران الأجرام السماوية". وهو مطور نظرية دوران الأرض، ويعتبر مؤسس علم الفلك الحديث الذي ينتمي لعصر النهضة الأوروبية - 1400 إلى 1600 ميلادية.
- اعتنق العالم جوردانو برونو نظرية كوبرنيكوس عن دوران الأرض على الرغم من انها كانت محرمة من قبل رجال الدين آنذاك، وذهب إلى أبعد منها بوضعه فرضية أنّ النظام واحد من مجموعة نظم تغطى الكون في صورة نجوم وألوهية ولانهائية الكون. كما افترضت نظريته إن كل من النظم النجمية الأخرى تشتمل على كواكب ومخلوقات عاقلة آخرى، ولذلك تم نفيه ولكنه قام بالعودة بعد وفاة البابا سيكاستاس الخامس وبدأ في تنظيم المحاضرات فلاحقوه وقبضوا عليه ثم سجنوه لمدة ثماني سنوات. وبعدئذ قطعوا لسانه وأحرقوه بتهمة الكفر. ولكن بعد وفاته شعر الباحثون بقيمة علومه وأبحاثه وإعتبروه شهيداَ للعلم، وتعبيرا من الكنيسة عن الندم قاموا بنحت تمثال له وهو يقف بعزة وشموخ.
-العالم جاليلو جاليلي نشر نظرية كوبرنيكوس ودافع عنها بقوة على أسس فيزيائية، فقام أولاً بإثبات خطأ نظرية أرسطو حول الحركة، وقام بذلك عن طريق الملاحظة والتجربة، بسبب آراء جاليلو عقدت محاكمة من قبل محاكم التفتيش الرومانية سنة 1632. واتهم غاليليو بالاشتباه بالهرطقة وحكم عليه بالسجن لإرضاء خصومه الثائرين، وفي اليوم التالي خف الحكم إلى الإقامة الجبرية. وتم منعه من مناقشة تلك الموضوعات، وأعلنت المحكمة بأن كتاباته ممنوعة.
-نشر العالم تشارلس داروين كتابه أصل الانواع وكتابه نشأة الإنسان والإنتقاء الجنسي ألمتضمنتان لنظرية تطور الكائنات الحية بالإنتخاب من خلية وحيدة إلى ملايين ألأنواع من الكائنات الحية وعلى قمتها ألإنسان كأعلى طور لتطور الثدييات.
نشر هذه النظريات كانت الضربة القاضية للتصور الديني عن العالم وإدعاء ألأديان الإبراهيمية ( اليهودية والمسيحية والإسلام ) خلق أول إنسان (آدم) من قبل خالق بعد نحته من طين ونفخ روحه فيه.
-تبع جهود هؤلاء العلماء جهود أخرى كإكتشافات العالم السير إسحاق نيوتن، وهو عالم إنجليزي يُعد من أبرز العلماء مساهمة في الفيزياء والرياضيات عبر العصور وأحد رموز الثورة العلمية، إنّ كتابه الأصول الرياضية للفلسفة الطبيعية الذي نشر لأول مرة عام 1687، أحتوى على معظم مبادئ الميكانيكا الكلاسيكية. كما قدم نيوتن أيضًا مساهمات هامة في مجال البصريات، وشارك غوتفريد لايبنتز في وضع أسس التفاضل والتكامل.
صاغ نيوتن قوانين الحركة وقانون الجذب العام التي سيطرت على رؤية العلماء للكون المادي للقرون الثلاثة التالية. كما أثبت أن حركة الأجسام على الأرض والأجسام السماوية يمكن وصفها وفق نفس مبادئ الحركة والجاذبية. وعن طريق اشتقاق قوانين كبلر من وصفه الرياضي للجاذبية، أزال نيوتن آخر الشكوك حول صلاحية نظرية مركزية الشمس كنموذج للكون.
-ومن العلماء الذين كان لهم دور في تطوير التصور العلمي عن العالم ،العالم سيجموند فرويد وهو طبيب الأعصاب النمساوي الذي أسس مدرسة التحليل النفسي وعلم النفس الحديث. اشتهر فرويد بنظريات العقل واللاواعي وآلية الدفاع عن القمع وخلق الممارسة السريرية في التحليل النفسي لعلاج الأمراض النفسية عن طريق الحوار بين المريض والمحلل النفسي، له العديد من المؤلفات، ومن أهم كتبه الفلسفية، تفسير الأحلام وقلق في الحضارة ومستقبل وهم وموسى والتوحيد والطوطم والحرام.
-النظرية النسبية للعالم الفذ البرت أينشتاين غيّرت الكثير من المفاهيم بما يتعلق بالمصطلحات الاساسية في الفيزياء: المكان والزمان والكتلة والطاقة. حيث احدثت نقلة نوعية في الفيزياء النظرية وعلم الفلك في القرن العشرين عند نشرها لأول مرة،.
تبع الرعيل الأول من العلماء هؤلاء، إكتشافات وابحاث علماء آخرون في حقول ألبيولوجيا ومن ضمنها علم الجينات وفك الشفرة الجينية، وفي حقل الفيزياء الحديثة تم إكتشاف نظرية الكوانتم وكذلك إكتشافات العلماء في حقول الكيمياء والرياضيات والفلك.

أنّ تاريخ الفكر تحذرنا من الظن أن النظرية العلمية عن العالم كاملة ونهائية بالضرورة لأنّها أفضل ما صيغ حتى الآن. فعلينا أن نتذكر أنّ في قاعدة التعميمات العلمية، أو بلغة التعبير الدارجة، قوانين الطبيعة ما هي إلا فرضيات أُعدت لتفسير التغير الدائم في الأفكار الذي نعظمه نحن من خلال الأشياء الرنانة التي تُطلق على العالم وعلى الكون. وفي نهاية المطاف نرى أنّ السحر والدين والعلم ليست سوى نظريات فكرية.
وبما أنّ العلم حل محل سابقيه فإنّه ذاته ربما يتخلى عن مكانه في المستقبل لصالح فرضية أكمل قد تكون طريقة مختلفة في النظر إلى الظواهر الطبيعية. إنّ تقدم المعرفة عملية لا نهاية لها من التقدم نحو هدف لا يكف عن الإبتعاد عنا. ولا بأس من السعي الذي لا ينتهي لأنّه سيتمخض عن اشياء عظيمة بالرغم من أننا قد لا نستمتع بها. وفي بحار ستسطع نجوم في سماء رحالة المستقبل، اكثر تألقا من النجوم التي تسطع علينا اليوم، ولعل أحلام السحر تتحول في يوم من الأيام إلى حقائق العلوم المستيقظة.
لقد أصبح الإنسان في عصرنا قادرا على التنبؤ بإتجاهات الرياح والسحب المتقلبة وتحكم محدود بها، وتمكن من إكتشاف ألأدوية لكثير من الأمراض وألأوبئة ألتي كانت تقضي عل الجنس البشري بالآلاف كالطاعون والكوليرا والسل، لكن ستبقى يداه الضعيفتان عاجزتين عن إعادة السرعة إلى كوكبنا المتباطيء في مساره الفلكي وعن إعادة الحرارة إلى شمسنا المحتضرة وإلى منع التلوث ألبيئي ألذي يهدد الحياة على كوكبنا، واخيرا قد لا نستطيع منع بعض البشر من وضع نهاية مأساوية لهذا الكوكب بتفجير القنابل النووية التي بحوزتهم أو منعهم من نشر وباء فيروسي يفني البشرية نتيجة لتجارب الأسلحة الجرثومية.
وأخيرا يقارن جيمس جورج فريزر في مؤلفه " دراسة في ألسحر وألدين " خيوط السحر والدين والعلم المختلفة التي تتشابك في تاريخ البشر بالشبكات العنكبوتية التي يغطيها الندى فوق حزمة من ألقصب، فحزمة القصب تمثل التصور السحري (ألإحيائي أو الميتولوجي) عن العالم والشبكات العنكبوتية التي فوقها تمثل التصورالديني عن العالم وقطرات الندى فوق الشبكات العنكبوتية تمثل التصور العلمي عن العالم.



11
ألجينة الفتاكة وملك الموت

" لابد من الأشارة إلى أنّ الجينة التي تتسبب بموت صاحبها تُعرف بأسم " الجينة الفتاكة ". أما الجينة شبه الفتاكة، فلها تأثير موهن بعض الشيء بحيث أنّها تجعل الموت الناجم عن أسباب أخرى مرجحا أكثر".... ريتشارد داوكينز.

لماذا تموت جميع الأحياء ومن ضمنها الإنسان بعد عمر معيّن، أي عندما تهرم الأحياء أو يهرم الإنسان؟
ماذا سيحدث لو أختفى ألموت؟
هل سيتمكن ألإنسان من قهر ألموت في ألمستقبل بإستخدام تقنية ألإستنساخ ونقل ألذاكرة إلى ألنسخة ألجديدة؟
حسب معتقدات ألأديان ألأبراهيمية فإنّ يهوه أو ألرب أو ألله فرض ألموت على ألبشرية نتيجة خطيئة آدم، فبعد أكله من ألشجرة ألمحرمة نزع ألإله من آدم خاصية ألخلود وكتب عليه ألموت بعد فترة، وسواء أقصرت هذه ألفترة أو طالت فألنتيجة الحتمية لن تتغير.
حسب معظم ألمعتقدات ألدينية ألإنسان يتكون من مادة (جسد) وروح فعندما يموت ألإنسان ينفصل ألروح عن ألجسد ولكن ألروح يبقى خالدا لأنّه نفخة من روح ألخالق، وسيتم محاسبة ألإنسان في التراث ألإسلامي يوم القيامة أو يوم ألدينونة بعد إندماج ألروح مرة أخرى مع ألجسد.
في ألتراث ألإسلامي لا يقبض ألله أرواح ألبشر بنفسه وبعبارته ألسحرية (كن فيكون) وإنّما يكلّف ملك ألموت (عزرائيل) للقيام بهذه ألمهمّة، وهنا يحق لنا أن نتسائل:
هل يحتاج ألله ألغني عن ألعالمين وألقدير إلى مساعد للقيام بهذه ألمهمّة؟ أم هي من بنات أفكارنا وتصوراتنا وأوهامنا؟
جاء في بعض الآيات القرءانية أنّ الذي يقبض أرواح الناس ملَك واحد ، كما في الآية : ( قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ ) ... السجدة/11

ولم يثبت في حديث صحيح تسميته بـ "عزرائيل" كما هو مشهور عند كثير من الناس .

وجاء في آيات أخرى أن الناس تتوفاهم ملائكة لا ملَك واحد ، كما في الآية : ( إِنَّ الذين تَوَفَّاهُمُ الملائكة ظالمي أَنْفُسِهِمْ ) ...النساء / 97
وكما في الآية : ( فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الملائكة يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ ) ... محمد /27، وكما في الآية : (حتى إِذَا جَآءَ أَحَدَكُمُ الموت تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لاَ يُفَرِّطُونَ ) ... الأنعام / 61.
والتساؤل هنا : هل المسؤول عن قبض الأرواح ملك واحد أم عدة ملائكة؟
لحل هذا التعارض والتناقض بين الآيات المذكورة ذكر المفسرون بأنّ الموكل بقبض الأرواح ملك واحد ، إلا أن له أعواناً يعملون بأمره ويعينونه على ذلك.
في كتابه الجينة الأنانية يتطرق عالم ألأحياء ريتشارد داوكينز لموضوع الموت، فيقول:
(( ما أود تأكيده هو أنّه من المفضل النظر إلى الوحدة الأساسية للإنتقائية الطبيعية ليس بإعتبارها الفصيلة أو المجموعة أو حتى الفرد، وإنّما الوحدة الصغيرة من المادة الجينية التي تستحق أنْ نسميها الجينة.
إنّ الحجر الأساس في حجتي، كان الإفتراض أنّ الجينات خالدة في حين أنّ الأجساد والوحدات الأخرى الأعلى مستوى تبقى مؤقتة.
والجديرذكره أنّ هذه الفرضية ترتكز على حقيقتين إحداهما تتعلق بالتوالد الجنسي والعبور التبادلي، وترتبط الثانية بفناء الفرد.
وهاتان حقيقتان لا يمكن دحضهما. لكن هذا لا يمنعنا من التساؤل عن اسباب كونهما حقيقتين. لمَ نمارس نحن وغيرنا من آلات البقاء التوالد الجنسي؟ ولمَ تمارس صبغياتنا العبور التبادلي؟ ولمَ لا نعيش إلى ألأبد؟
الواقع أنّ السؤال عن السبب الذي يجعلنا نموت عندما يتقدّم بنا العمر يشكّل سؤالا معقدا.
بالإضافة إلى الأسباب الخاصة، جرى إقتراح عدد من الأسباب العامة، فعلى سبيل المثال، تقول إحدى النظريات إنّ الهرم هو تراكم أخطاء مضرة في النسخ وأشكال أخرى من العطب الجيني تطرأ خلال حياة الفرد. وتتوافر نظرية أخرى تُعزى إلى السير بيتر مدوّر وتشكّل مثالا جيدا عن التفكير التطوري فيما يختص بالإنتقائية الجينية.
فمدوّر يدحض أولا الحجج التقليدية من نوع " المسنون يموتون على سبيل الإيثار تجاه أفراد الفصيلة الأخرى، لأنهم إذا بقوا أحياء عندما يتقدم بهم العمر إلى حد يجعلهم عاجزين عن التوالد، فسيجعلون العالم مزدحما من دون جدوى ". وهذه في الواقع حجّة دائرية كما يقول مدوّر، بإعتبار أنّها تفترض مسبقا ما ينبغي لها إثباته، وتحديدا أنّ الحيوانات التي تهرم تصبح عاجزة عن التوالد. أضف أنّ هذا التفسير ساذج يرتكز على الإنتقائية على أساس المجموعة أو الفصيلة،
الواقع أنّ نظرية مدوّر تعتمد على منطق ذكي ويمكننا عرضها على النحو الآتي:
لقد سبق أنْ تساءلنا عن المزايا العامة لأي جينة "جيدة " وقررنا أنّ " الأنانية " تشكّل إحدى هذه المزايا. لكن ميزة أخرى ستمتلكها الجينات الناجحة تتمثل بالنزعة إلى تأجيل موت آلات البقاء أقله إلى ما بعد التوالد. ولاشك في أنّ عددا من أبناء عمّك وأعمام والديك وأخوالهما قد مات في مرحلة الطفولة، إلا أنّ هذا لم يحدث لأي من أسلافك. فالأسلاف بكل بساطة لا يموتون في الصغر.
لابد من الأشارة إلى أنّ الجينة التي تتسبب بموت صاحبها تُعرف بأسم " الجينة الفتاكة ". أما الجينة شبه الفتاكة، فلها تأثير موهن بعض الشيء بحيث أنّها تجعل الموت الناجم عن أسباب أخرى مرجحا أكثر. وإذ تمارس كل جينة أقصى تأثير ممكن على الأجساد في إحدى مراحل الحياة، لا تشكّل الجينات الفتاكة وشبه الفتاكة إستثناء لهذه القاعدة.
الواقع أنّ الجينات بمعظمها تمارس تأثيراتها خلال الحياة فيما تمارس جينات أخرى تأثيراتها في مرحلة الطفولة، وأخرى في مرحلة البلوغ، وأخرى في منتصف العمر، وأخرى في سن الشيخوخة، " تذكّر أنّ دودة القز والفراشة التي تتحول إليها لاحقا، تمتلكان المجموعة نفسها من الجينات".
ومن الجلي أنّ الجينات الفتاكة ستُستبعد من الجمعية الجينية، إنّما من الجلي أيضا أنّ الجينة الفتاكة ذات التأثير المتأخر ستكون أكثر ثباتا في الجمعية الجينية من الجينة الفتاكة ذات التأثير المبكر. فالجينة الفتاكة في جسد مسنّ قد تبقى ناجحة في الجمعية الجينية، شرط ألا تتجلّى تأثيراتها ألا بعد أنْ يتسنّى الوقت للجسد أقله للتوالد.
وبحسب هذه النظرية إذاً، يشكّل وهن الشيخوخة بكل بساطة نتاجا ثانويا لتراكم الجينات الفتّاكة وشبه الفتّاكة ذات التأثير المتأخر التي سُمح لها بالإنزلاق عبر شبكة الإنتقائية الطبيعية فقط لأنّ تأثيراتها تتجلّى في مرحلة متأخرة.
وعلى هامش هذه المسألة، تتمثل إحدى المزايا الجيدة في هذه النظرية بواقع أنّها تفضي بنا إلى تخمينات مثيرة للإهتمام. فعلى سبيل المثال، تجعلنا هذه النظرية نستنتج أننا، إذا أردنا زيادة المعدّل الوسطي لعمر الإنسان، نستطيع أنْ نفعل ذلك عموما بطريقتين. ألأولى، يمكننا أن نحظر التوالد قبل سن محددة، كالعقد الرابع من العمر مثلا. وبعد مرور بضعة قرون على تطبيق هذه القاعدة، يرتفع الحد الأدنى للعمر إلى الخمسين، وهكذا دواليك. ومن الممكن أنْ نتصور إمكانية إطالة عمر الإنسان بهذه الطريقة على مر قرون عدة. لكنني لا أتصور أنّ أحدا يفكّر جديا في إرساء هذه السياسة.
الثانية، يمكننا أنْ نحاول " خداع " الجينات بحيث تعتقد أنّ الجسد الذي توجد فيه أكثر شبابا مما هو في الحقيقة. وهذا عمليا يعني تحديد التغيرات التي تطرأ مع التقدّم في العمر على البيئة الكيميائية الداخلية للجسد. إنّ أيّاً من هذه التغيرات يمكن أنْ يشكّل " ألإشارات " التي " تحفّز" الجينات الفتاكة ذات التأثيرات ألمتأخرة.
وإذ نحاكي الخصائص الكيميائية السطحية لأي جسد فتي، قد نستطيع الحؤول دون تحفيز الجينات الموهنة ذات التأثيرات المتأخرة )).


12
تطور وإنتشار الأديان ونظرية الميمات

" فكرة نار جهنم هي بكل بساطة فكرة أبدية تتكرر ذاتيا بسبب تأثيرها النفسي العميق. وقد أرتبط هذا الميم بميم ألله لأنّ أحدهما يعزز الآخر ويساعد على بقائه في الجمعية الميمية".... ريتشارد داوكينز.

أعتمدَتْ ألأديان السماوية وألأديان والمعتقدات ألأخرى لترسيخ أفكارها ومعتقداتها على ألايحاء، فألأذان وألصلاة المتكررين لخمس مرّات في اليوم وألذِكْر وألصوم وألحج من وسائل تثبيت العقائد والافكار في عقول ألبشر، إنَّ ألايحاء يحدِث تأثيره بواسطة ألبشر ايضا، فألانسان يستطيع نقل أو ترسيخ أفكاره في عقول ألاخرين بألكلام ألمباشر أو ألكتابة، وحسب المعتقدات ألاسلامية فإنَّ ألشياطين وألجِن لها قابلية ألتأثير على عقول ألنّاس فيسمّى ألايحاء حينئذ بألوسوسة (( قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ* مَلِكِ النَّاسِ* إِلَهِ النَّاسِ* مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ* الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ* مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ* ))..... سورة ألنّاس، ونفهم مِنْ هذه السورة أنَّ ألوسوسة يُمكِن أنْ تَحدُث بواسطة ألإنسان أيضا وهنا يكون العامل الحاسم في تحديد ذلك هو نيَّة ألموسْوِس، فإذا كانت نيّته شريرة فعندئذ تسمّى بألوسوسة.
في مؤلفه الجينة الأنانية يتساءل ريتشارد داوكينز قائلا :
((( هل ثمة أسباب مقنعة تجعلنا نفترض بأنّ جنسنا البشري فريد من نوعه؟ أعتقد بأنّ الجواب هو نعم.
الواقع أنّه يُمكن إختصار معظم ما يُعتبر غير إعتيادي في ما يتعلق بالإنسان، بكلمة واحدة هي "الثقافة" وأشير أنني لا أستخدم هذه ألكلمة بمعناها الصلف وإنّما بالمعنى الذي يعتمده رجل علم. والجدير ذكره في هذا الإطار أنّ الإنتقال الثقافي يشبه الإنتقال الجيني من حيث أنّه قد ينشأ كشكل من أشكال التطور، وإنْ كان مقاوما للتغيير في الأساس.
يبدو أنّ اللغة "تتطور" وفقا لأساليب غير جينية ولإيقاع يفوق بسرعة إنتشاره سرعة التطور الجيني. إنّ جنسنا البشري هو الذي يبين ما يمكن التطور الثقافي تحقيقه فعليا. واللغة ليست سوى مثال من أمثلة كثيرة. فالموضة في الملبس والمأكل، والإحتفالات والأعراف، والفن والعمارة، والهندسة والتكنولوجيا، كلها تتطور تأريخيا بطريقة تبدو أشبه بتطور جيني سريع جدا، علما بأنّ لا علاقة لها على الإطلاق بالتطور الجيني. لكن كما هي الحال في التطور الجيني، قد يحدث التغيير بصورة تدريجية.
كما تنتشر الجينات في الجمعية الجينية عبر القفز من جسد إلى آخر بواسطة الحوينات المنوية أو البيوض، تنتشر الميمات "ألميمات تعبير يطلقه ريتشارد داوكينز على كيانات متضاعفة أو مستنسخة ناقلة للثقافة" في الجمعية الميمية عبر القفز من دماغ إلى آخر بواسطة مسار يمكن تسميته بالمعنى الواسع "التقليد".
وكما أوضح زميلي "أن.كاي. هامفري بإيجاز"، " ينبغي النظر إلى الميمات بإعتبارها بُنى حيّة، ليس على مستوى التشبيه فحسب، إنّما ايضا من الناحية التقنية. فعندما تزرع ميما خصبا في عقلي، تتطفل على دماغي وتحوله إلى وسيلة لنقل الميم تماما كما تتطفل جرثومة على الآلية الجينية للخلية المضيفة.
وهذه ليست مجرد طريقة في الحديث فحسب، فميم الإيمان بالحياة بعد الموت على سبيل المثال، يتحقق ماديا ملايين المرات كبنية في الأجهزة العصبية للأفراد من البشر في جميع أنحاء العالم".
ولنأخذ مثالا فكرة ألله. نحن لا نعرف كيف نشأت هذه الفكرة في الجمعية الميمية. لكنها نشأت على الأرجح عن "تحولات" مستقلة متعددة. إلا أنّها في مختلف الأحوال تبقى فكرة قديمة. لكن كيف يتضاعف هذا الميم؟ هو يتضاعف بالكلمة المكتوبة والمسموعة، متعاونا مع الموسيقى الرائعة والفن الباهر.
والسؤال هو: ما الذي يجعل لهذا الميم هذه القيمة المهمة لجهة البقاء؟ تذكروا أنّ قيمة البقاء هنا لا تعني القيمة بالنسبة إلى الجينة في الجمعية الجينية، وإنّما القيمة بالنسبة إلى الميم في الجمعية الميمية. والمقصود تحديدا السؤال التالي: ما المميز في فكرة ألله الذي يعطي هذه الفكرة الثبات والمقدرة على إختراق البيئة الثقافية؟
الواقع أنّ قيمة البقاء بالنسبة إلى ميم ألله في الجمعية الميمية تنشأ عن الإغراء النفسي المهم الذي تنطوي عليه. فهذا الميم يقترح جوابا مقبولا ظاهريا للأسئلة العميقة والمقلقة بشأن الوجود وهو يقترح أيضا أنّ الظلم في هذا العالم قد يصوّب في الحياة الثانية (الثواب والعقاب في ألآخرة بالنسبة للدين الإسلامي.....كامل علي). "فاليد الخالدة" تؤمّن وسادة لمظاهر قصورنا وتبقى فعالة لأنّها خيالية كما الدواء الغفل الذي يصفه الطبيب.
وهذه بعض الأسباب التي تجعل الأجيال المتعاقبة تنسخ فكرة ألله من الأدمغة الفردية. فالله موجود، سواء أكان ميما يتميز بقيمة مهمة للبقاء، أو قوة يسهل نشرها في البيئة التي تؤمّنها الثقافة البشرية.
والآن نتساءل هل أصبح ميم ألله على سبيل المثال مرتبطا بميمات أخرى، وهل يدعم هذا الإرتباط بقاء كل من الميمات المشاركة؟ ربما يمكننا النظر إلى الكنيسة ببنائها المعماري وطقوسها وقوانينها وتراتيلها وفنونها وتقاليدها المكتوبة بإعتبارها مجموعة ثابتة من الميمات المتعاونة المتكيفة معا.
( كذلك يُمكن إعتبار الجامع بطرازها المعماري وصلوات الجماعة وصلاة الجمعة فيه، والصوم في رمضان والحج مجموعة ثابتة من الميمات المتعاونة المتكيفة معا..... كامل علي ).
وأذكر كمثال خاص على ذلك جانبا في العقيدة أثبت فعاليته في تطبيق القوانين الدينية، أقصد تحديدا التهديد بنار جهنم. فالعديد من الأطفال وحتى بعض الراشدين، يعتقدون أنّهم سيلاقون ألواناً من العذاب بعد الموت إنْ هم لم يخضعوا للأوامر الكهنوتية. ولاشك في أنّ هذه تقنية مقيتة للإقناع سبّبت الكثير من الكرب النفسي خلال العصور الوسطى وحتى في أيامنا هذه.
لكنها في الواقع تقنية شديدة الفعالية. وربما خطط لها متعمدا رجل دين مكيافيلي متمرّس في تقنيات التلقين النفسي العميق. لكنني أشك في أنْ يكون لرجال الدين هذا القدرمن الذكاء. والأرجح أن تكون الميمات غير الواعية قد ضمنت بقاءها بفضل تلك المزايا نفسها للقسوة الزائفة التي تحسن الجينات استعراضها. ففكرة نار جهنم هي بكل بساطة فكرة أبدية تتكرر ذاتيا بسبب تأثيرها النفسي العميق. وقد أرتبط هذا الميم بميم ألله لأنّ أحدهما يعزز الآخر ويساعد على بقائه في الجمعية الميمية.
(ألعقاب في ألجحيم هو ألسبب ألرئيسي لتهافت ألنّاس على ألإيمان بالإسلام، لأنَّ ألعذاب وألرعب ألموصوف في ألقرآن لا يدانيه أفضل أفلام ألرعب ألأمريكية منذ أكتشاف ألسينما، أنظر إلى هذه ألآية (( أَذَٰلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ * إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ *إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ * طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ * فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ * ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ * ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ * ))...سورة ألصّافات ألآية 62- 68، فأصحاب ألجحيم يأكلون مِن شجرة أسمها ألزقّوم وفاكهة هذه ألشجرة تشبه رؤوس ألشياطين.
وكذلك (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ))...سورة ألتحريم 16.
وأخيرا وليس آخرا اقرأ هذه ألآية (( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا ))...سورة ألنساء ألآية 56...... كامل علي).
وأذكر عضوا آخر في مركب الميمات الدينية هو الإيمان. والمقصود بالإيمان الثقة العمياء بصعوبة الإثبات حتى في ظل غياب أي إثبات. والواقع أنّ ميمة الإيمان تضمن خلودها الذاتي عبر الذريعة اللاواعية لإحباط الإستفسار العقلاني.( لقد ورد في ألقرءان حول ذلك ألآية 101 من سورة المائدة (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ ))..... كامل علي).
ولابد من الإشارة إلى أنّ الإيمان الأعمى يبرر أي فعل. فإنْ كان أحد الرجال يؤمن بإله مختلف، أو حتى إنْ كان يعتمد طقوسا مختلفة في عبادة الإله نفسه فقد ينص الإيمان الأعمى على ضرورة موته. ( كمثال على ذلك قتل التكفيريون للمخالفين في الدين والمذهب ...كامل علي)، فلميمات الإيمان الأعمى طرائقها الخاصة للإنتشار. وهذا الواقع ينطبق على الإيمان الوطني والسياسي كما ينطبق على الإيمان الأعمى.
صحيح أنني كنت سلبيا بعض الشيء في ما يتعلق بالميمات، إلا أنّ للميمات أيضا وجهها المرح. فعندما نموت، يمكننا أنْ نخلف وراءنا شيئين هما الجينات والميمات. لقد بُنينا كآلات جينية وأُوجدنا لننقل جيناتنا. لكن هذا الجانب منا سيصبح منسيا بعد ثلاثة أجيال. فأبنك أو حتى أبن حفيدك قد يشبهك، ربما في بعض ملامح الوجه أو في موهبته الموسيقية أو لون شعره. لكن مع مرور كل جيل تتناقص مساهمة جيناتك إلى النصف.
ولن يمر وقت طويل قبل أنْ تصبح النسبة زهيدة جدا. فقد تكون جيناتنا خالدة، لكن مجموعة الجينات التي تشكّل كل واحد منا محكومة بالتلاشي. فلا يُفترض بنا أنْ نبحث عن الخلود في التوالد.
لكن إنْ أنت ساهمت في ثقافة العالم، كأن طورت فكرة جيدة أو ألفت لحنا موسيقيا، أو أبتكرت شمعة إشعال، أو كتبت قصيدة، فقد يبقى إنجازك على حاله حتى بعد مرور وقت طويل على ذوبان جيناتك في الجمعية المشتركة.
فكما لاحظ "دجي. سي. ويليامز"، ربما لا يشتمل عالمنا اليوم على جينة حية أو أثنتين من جينات سقراط، ولكن من يكترث؟ فالمركبات الميمية الخاصة بسقراط وليوناردو وكوبرنيكوس وماركوني لا تزال تنتشر بقوة ))).



13
تكهنات بيولوجية لعام 2050 م

" عندما يجد مخبروا التحري بقعة دم فإنّهم قد يتمكنون من إنشاء صورة كمبيوتر لوجه المشتبه فيه – أو بدلا من ذلك، حيث إنّ الجينات لا تنضج بالسن، فإنّهم قد يتمكنون من إنشاء سلسلة من الوجوه منذ الطفولة حتى الشيخوخة!" .... ريتشارد داوكينز.

إنّ ثورة الوراثيات الجزيئية هي واحدة من أعظم أنجازات العلم في القرن العشرين، ويعني هذا أنّها من أعظم ما أنجزه قط الجنس البشري.
أين سنذهب بها إذن – أو أين ستذهب هي بنا – في السنوات الخمسين التالية؟
الوراثيات الآن هي تكنولوجيا معلوماتية خالصة. وهذا على وجه الدقة هو السبب في أنّ الجين المضاد للتجمد يُمكن نسخه من سمكة قطبية وإلصاقه داخل ثمرة طماطم.
- في العام 2050 سنكون قادرين على تحديد تتابعات الجينوم الكامل لأحد الأفراد مقابل 100 جنيه إسترليني بالقيمة الحالية ( حوالي 160 دولار ). وبدلا من مشروع الجينوم البشري، سيكون كل فرد قادرا على تحمّل تكلفة مشروع الجينوم الشخصي الخاص به.

- في العام 2050 سيكون لدى علماء وراثة السكان البيانات النهائية عن التنوع البشري. وسيصبح في ألإمكان إستنباط شجرة لعلاقات أبناء العمومة التي تربط أي شخص في العالم بأي شخص آخر. وهذا أكثر الأحلام جموحا عند علماء التاريخ.
سوف يستخدم هؤلاء العلماء التوزيع الجغرافي للجينات لإعادة بناء الهجرات والغزوات الكبرى عبر القرون، ولمتابعة خط رحلات سفن الفايكنج الطويلة، ولمتابعة القبائل الأمريكية بواسطة جيناتها وهي تهبط من ألاسكا إلى تييرا دلفيجو، ولمتابعة السكسون في مرورهم خلال بريطانيا، ولتوثيق الشتات عند اليهود، بل وحتى لتعيين السلالة الحديثة لسادة حروب النهب مثل جنكيزخان.

- تخبرنا الآن أشعة إكس للصدر عما إذا كان المريض مصابا بسرطان الرئة أو مصابا بالسل. وسيتمكن المرء في 2050 مقابل ثمن صورة أشعة إكس، أن يعرف النص الكامل لكل جين من جيناته. ولن يناول الطبيب لمريضه وصفة طبية يوصى بها لأي شخص متوسط ممن يشكون بشكوى المرض، وإنّما سيناوله وصفة طبية تلائم بالضبط جينوم كل مريض وحده.
ولا ريب أنّ هذا أمر طيّب، ولكن شريط الجينوم الخاص بكل فرد سوف يتنبأ أيضا بدقة منذرا بالنهاية الطبيعية لهذا الفرد. ترى أتكون لدينا الرغبة في معرفة من هذا النوع؟ حتى لو كنا نرغب في ذلك لأنفسنا، هل سنرغب في أن يكون شريط ما لدينا من دنا مقروءا عند الأكتواريين ( خبراء التخمين ) بشركات التأمين، أو عند محامي قضايا إثبات الأبوة، أو عند الحكومات؟ لن يسعد كل فرد بتوقعات من هذا النوع حتى لو كان يعيش في بلد ديموقراطي معتدل. يتطلب الأمر أن نفكر في أنّ شخصا من طراز هتلر قد يظهر في المستقبل ويسيء إستخدام هذه المعرفة.

- إحدى الفوائد الإضافية التي ربما سيكون التأثير الأعظم لها هو في الولايات المتحدة، هي أنّ المعرفة الكاملة لشجرة الحياة ستجعل من الأصعب أن يكون هناك اي شك في حقيقة التطور. وستصبح الحفريات بالمقارنة غير ذات أهمية في المحاجة، ذلك أنّه سيوجد لدينا مئات من الجينات المنفصلة، في عدد كثير من ألأنواع التي بقيت حية يصل مقداره إلى العدد الذي نستطيع أن نتوصل لتحديد تتابعاته، وكلها تعزز ما يسرده كل واحد منها الشجرة الوحيدة الحقيقية للحياة.
- هناك مقولة ترددت كثيرا بما يكفي لأن تصبح مبتذلة، ولكني أفضل أن أقولها ثانية، وهي: أنّ معرفة جينوم أحد الحيوانات ليست أمرا مماثلا لفهم هذا الحيوان. وسوف أتبع نهج سيدني برينر (1)، وأفكر بلغة من ثلاث خطوات، عن تزايد الصعوبة في "حوسبة" أحد الحيوانات من جينومه.
الخطوة الأولى كانت صعبة ولكنها الآن قد تم حلها تماما. وهي خطوة حوسبة تتابعات الأحماض الأمينية في إحدى البروتينات وذلك من تتابع النيوكليوتيدات (2) بأحد الجينات.
والخطوة الثانية هي حوسبة النمط الثلاثي الأبعاد لثنايا أحد البروتينات وذلك عن طريق التتابع ذي البعد الواحد للأحماض الأمينية. يعتقد الفيزيائيون أنّ هذا أمر يُمكن أداؤه من حيث المبدأ، ولكنه صعب، وكثيرا ما يكون من الأسرع أن نصنع البروتين ثم نرى ما يحدث.
والخطوة الثالثة هي أن نحوسب الجنين النامي من جيناته وتفاعلاتها مع بيئتها – وهي بيئة تتكون في معظمها من جينات أخرى. وهذه هي أصعب خطوة، إلا إنّ علم الأجنة (( وخاصة فيما يتعلق بما تفعله جينات "هوكس" (3) والجينات المماثلة )) يتقدم بمعدل سريع بحيث إنّه بحلول 2050 ستكون هذه الخطوة، فيما يُحتمل، قد تم حلها. وبكلمات أخرى فأنا أخمن أنّ عالِم الأجنة في عام 2050 سوف يُغذي أحد الكمبيوترات بجينوم حيوان مجهول، وسيحاكي الكمبيوتر عندها تناميا للجنين يصل عند ذروته التوصيف الكامل للحيوان البالغ.
ولا يُعد هذا في حد ذاته إنجازا مفيدا بوجه خاص، لأنّ الجنين الحقيقي سيظل دائما جهاز حوسبة أرخص من من الجهاز الالكتروني.
ولكن هذه المحاكاة سيكون منها طريقة للدلالة على إكتمال فهمنا للأمر. وستكون هناك تطبيقات معينة لهذه التكنولوجيا لها فوائدها.
وكمثل: عندما يجد مخبروا التحري بقعة دم فإنّهم قد يتمكنون من إنشاء صورة كمبيوتر لوجه المشتبه فيه – أو بدلا من ذلك، حيث إنّ الجينات لا تنضج بالسن، فإنّهم قد يتمكنون من إنشاء سلسلة من الوجوه منذ الطفولة حتى الشيخوخة!

- أعتقد أيضا أنّه بحلول 2050 سوف يصبح حلمي عن "الكتاب الجيني للموتى" واقعا متحققا. يبين لنا الإستدلال الدارويني أنّ جينات أحد الأنواع لابد من أنّ فيها ما يشكّل نوعا من التوصيف للبيئات السلفية التي أستطاعت هذه الجينات أن تبقى موجودة عبرها. فالمستودع الجيني لأحد الأنواع هو الصلصال الذي يتشكل بواسطة الإنتخاب الطبيعي.
وكما أوضحت الأمر في "فك نسيج قوس قزح":

كما تنحت رياح الصحراء جروف الرمال في أشكال خيالية،
وكما تشكل أمواج المحيط الصخور، فإنّ دنا الجمل قد نُحت
بالبقاء في صحارى قديمة، بل وحتى في بحار أكثر قدما،
لينتج عنه الجمال الحديثة. يحدثنا دنا الجمل – لو كنا فحسب
نفهم لغته عن العوالم المتغيرة لأسلاف الجمل. ولو كنا فحسب
نفهم لغة دنا سمك التونة ونجم البحر لوجدنا كلمة "البحر"
مكتوبة في النص. أما الخلد ودود الأرض فهو ينطق
عبارة "ما تحت الأرض".

- أعتقد بحلول 2050 سوف نكون قادرين أن نغذي الكومبيوتر بجينوم حيوان مجهول فيعيد إنشاء شكل الحيوان، بل ويعيد أيضا إنشاء تفاصيل العالم الذي عاش فيه أسلافه ( الذين تم إنتخابهم لينتجوا هذا الحيوان )، وسيتضمن ذلك مفترسي هذا السلف أو فرائسه، وطفيلياته أو من يتطفل هو عليهم، وأماكن إيوائه، بل وحتى آماله ومخافه.

- ماذا عن إستخدام طرائق أكثر مباشرة لإعادة الأسلاف، بأسلوب الحديقة الجوارسية (4)؟ لسوء الحظ سنجد أنّه من غير المرجح أن تكون بقايا دنا المحفوظة في الكهرمان (5) في حالة سليمة ولن يستطيع أي من أبناءنا أو أحفادنا أن يستعيدوها. إلا أنّ من المحتمل أنّه ستوجد طرائق قد تمكننا من إستخدام ما سيكون لدينا حتى قبل 2050 من بنوك المعلومات غزيرة لدنا الذي ما زال باقيا في الحياة، وإنّ كان الكثير من هذه الطرائق هو حتى الآن بعيد عن أحلامنا.
وحاليا يجري بالفعل تنفيذ "جينوم الشمبانزي" ومن المؤمل أن يكتمل في زمن هو جزء صغير لا غير من الزمن الذي أستغرقه الجينوم البشري.
أبدى سيدني برينر ملاحظة عارضة في نهاية آخر إبداع له من التنبؤ الألفي في مؤلفه "البيولوجيا النظرية في الألفية الثالثة"، فطرح الإقتراح المذهل التالي:
عندما نعرف جينوم الشمبانزي بالكامل، فإنّه ينبغي عندها أن يصبح في إمكاننا، بواسطة إستخدام المقارانات البيولوجية الذكية والمعقدة مع الجينوم البشري ( يختلف الجينومان في نسبة مئوية صغيرة جدا لا غير من حيث حروف دنا فيهما )، أن نعيد إنشاء جينوم السلف المشترك بيننا وبين الشمبانزي.
وهذا الحيوان السلف، ألذي يُزعم أنّه "ألحلقة المفقودة"، قد عاش في أفريقيا منذ ما بين 5 ملايين إلى 8 ملايين سنة. وما أن نتقبل هذه الوثبة الفكرية لبرينر، حتى يصبح من المغري لنا أن نتوسع بهذا الإستدلال إلى كل شيء في هذا المجال، ولست ممن يقاومون إغراء كهذا. وعندما يكتمل "مشروع جينوم الحلقة المفقودة"، ستكون الخطوة التالية هي فيما يُحتمل أن نضع هذا الجينوم جنبا ألى جنب مع الجينوم البشري، لنقارنهما القاعدة الواحدة بالاخرى.
وعندما نصل إلى أن نفصل أوجه الإختلاف بين الأثنين ( بالطريقة المتنورة نفسها في علم ألأجنة كما سبق إستخدامها ) فإنّ هذا ينبغي أن ينتج عنه وصف عام تقريبي لما يكونه الأسترالو بيثيكوس، وهو الجنس الذي أصبحت "حفرية لوسي" (6) هي الأيقونة التي تمثله.
وبحلول الوقت الذي نستكمل فيه "مشروع جينوم لوسي" ينبغي أن يكون علم الأجنة عندها قد تقدم ألى مستوى يٌمكننا معه أن نولج الجينوم الذي أعدنا إنشاءه داخل بويضة بشرية لنغرزها في رحم أمرأة، فتولد لوسي جديدة في ضياء يومنا هذا. ولا ريب أنّ هذا سوف ينشأ عنه أمور تُثير القلق أخلاقيا.

الخلاصة:
بجهود علماء الداروينية الحديثة وبتطور علم الجينات زالت ألشكوك التي كان يٌثيرها مناهضوا نظرية ألتطور من التكوينيين ( ألمؤمنون بما ورد في سفر التكوين للتوراة وكذلك في ألقرآن حول خلق ألله للإنسان ". ومن أهم الشكوك التي كان يثيرها المؤمنون بألأديان ألإبراهيمية ( أليهودية والمسيحية والإسلام ) عدم إكتشاف الحلقات المفقودة، ولكن إكتشاف حفريات لإسلافنا كحفرية لوسي (من جنس الأستر بيثيكوس والتي عُثر عليها في شرق أفريقيا ) وكذلك أكتشاف حفرية هومينيد أخرى تُعد هي الأقدم وأسمها "ساحيلانثروبس تشادنسز" نسبة إلى ساحل أفريقيا وتشاد، فندت هذه الشكوك.
مشكلة معظم مناهضي نظرية ألتطور من التكوينيين هو ضحالة إطلاعهم على تفاصيل نظرية التطور الداروينية وما أستجد من إكتشافات لعلماء ألداروينية الحديثة وخاصة في مجال علم ألجينات، فمن الأسئلة الساذجة ألتي يطرحها مناهضوا نظرية ألتطور من التكوينيين هي:
إذا كان الإنسان تطوّر من القرد، لماذا لا نرى القرود الآن تتطوّر إلى بشر؟
البشر والقرود والحمير هم فقط أنسباء متباعدين من الناحية البيولوجية. البشر لم يتطوّروا من القرود بل من جدّ مشترك نطلق عليه اسم “القردة العظمى” لكنه لم يكن لا قرداً ولا بشرياً بالمعنى العلمي للكلمة، وعاش منذ ملايين السنين في الماضي.
في الواقع، خلال السبعة ملايين سنة الماضية تطوّرت العديد من الفصائل الأخرى التي تشبه البشر؛ بعض الأمثلة تشمل هومو آبيليس Homo habilis (الإنسان الماهر)، وهومو أيريكتوس Homo erectus (الإنسان المنتصب) وهومو نياندرثالينسيس (إنسان النيادرتال). كل هذه الفصائل انقرضت خلال فترات مختلفة وبقيت فصيلتنا نحن فقط المعروفة علمياً باسم Sapiens Homo (الإنسان العاقل) لتشارك الكوكب مع بقيّة المخلوقات

الهوامش:
(1) سيدني برينر: عالم فائز بجائزة نوبل.
(2) النيوكليوتيد: وحدة كيميائية في تركيب دنا.
(3) جينات هوكس HOX: جينات في الثدييات تحدد الموقع النسبي للخلايا والأنسجة عل طول المحور الأمامي الخلفي للجنين، فتحدد موضع الفقرات والضلوع والعضلات والجهاز العصبي.... الخ.
(4) الحديقة الجوارسية: فيلم امريكي مشهور من أفلام الخيال العلمي يُعاد فيه تكوين الديناصورات من بقايا دنا الخاص بها.
(5) الكهرمان: راتنج متحجر من الأشجار الصنوبرية المنقرضة في بعض مناطق الغابات الصنوبرية العالمية وتحجرت وتشكلت قبل الآف السنين.
(6) حفرية لوسي: حفرية أنثى إنسان بدائي ( هومينيد ) من جنس الأستر بيثيكوس عُثر عليها في شرق أفريقيا، وأُعتبرت عند إكتشافها من أقدم حفريات الهومينيد. إلا أنّه قد عٌثر مؤخرا على حفرية هومينيد أخرى تُعد هي الأقدم وأسمها "ساحيلانثروبس تشادنسز" نسبة إلى ساحل أفريقيا وتشاد.


14
شكوك ألتكوينيين حول نظرية التطور الدارويني

" التطوّر تغيّر عشوائي زائد انتقاء غير عشوائي”.... ريتشارد داوكنز

- هناك الكثير من الثغرات في السجّلات الأحفورية مما يجعل إثبات نظرية التطوّر مستحيلاً:
في الواقع العكس هو الصحيح. هنالك الكثير من الأحافير الوسيطة. الأركيوبتركس على سبيل المثال هو المثال الأقدم على الطيور الأحفورية التي تمتلك هيكل زواحف وكسوة ريش في نفس الوقت. اليوم هنالك بعض الأدلة على أن بعض الديناصورات كانت تمتلك شعراً وكسوة أيضاً (بعض الديناصورات هو سلف الطيور).
الترابسيد (نوع من الكائنات سابق على الديناصورات) هم الحلقة الوسيطة بين الزواحف والثدييات، التيتكاليك هو نوع منقرض من السمك ذات الزعانف المزدوجة التي تشكّل الحلقة الوسيطة نحو البرمائيات، هنالك الآن على الأقل ست أحافير مرحليّة تظهر تطوّر الحيتان، وفي ما يتعلّق بالبشر هناك على الأقل دزينة من الأحافير المرحليّة منذ تفرّع السلالات البشرية من سلالات القردة العظمى منذ ستة مليون عام.
وبالنظر إلى أنه من النادر أن تتحوّل نبتة أو حيوان ميت إلى مستحجرات أحفورية، من المذهل أن يكون لدينا هذا الكمّ من المستحجرات المتوافرة بين أيدينا. فأولاً على الحيوان أن ينجو من أنياب المفترسين، ثم عليه أن يُدفن في ظروف نادرة جداً لتسمح له بالتحوّل إلى مستحجرة بدل التحلّل، ثم على القوى الجيولوجية أن تخرج تلك المستحجرة بطريقة ما إلى السطح لكي يكون بالإمكان اكتشافها بعد ملايين السنين من قبل حفنة قليلة من علماء الأحفوريّات.

- إذا كان التطور حدث على مدار ملايين السنين، لماذا لا يظهر السجلّ الأحفوري تطوّرات تدريجيّة؟

التغيّرات المفاجئة في السجلّ الأحفوري لا تدلّ على غياب التدرّج بل هي دليل على أطوار التشكّل. الفصائل الحيّة تكون مستقرّة لفترات طويلة وتترك بالتالي الكثير من المستحجرات في الأرض خلال هذه الفترة. التغيّر من فصيلة إلى أخرى يحدث بسرعة نسبياً (بالمقاييس الجيولوجيّة التي تمتدّ لمئات ملايين السنين) في عمليّة معروفة باسم التوازن الدقيق punctuated equilibrium.
فصيلة واحدة يمكن أن تمهّد الطريق لفصيلة أخرى حين تنفصل مجموعة “مؤسَّسة” وتصبح منعزلة عن المجموعة الأساسية. طالما بقيت هذه المجموعة التأسيسيّة صغيرة ومنعزلة، يمكن أن تختبر تغيّر سريع نسبياً (خاصة أن المجموعات الكبيرة مستقرّة من الناحية الجينيّة). التغيّرات الأكثر أهميّة تحصل بسرعة لدرجة أنه لا يوجد سوى القليل من الأحافير لتسجيلها.
لكن ما أن تحصل عمليّة التحوّل إلى فصيلة جديدة، يحافظ الأفراد على ميزاتهم لفترة طويلة، تاركين ورائهم العديد من الأحافير المحفوظة جيداً. بعد ملايين السنين يصبح لدينا سجلّ أحفوري يوثّق المرحلتين، المرحلة الأولى والمرحلة الثانية، لكننا نادراً ما نحصل على مستحجرات من المرحلة الانتقالية بينهما لأن التغيّرات الأساسية تحصل في الفترات القصيرة بين توازن وآخر. وبذلك يوثّق السجّل الأحفوري بشكل أساسي فترات طويلة من الاستقرار وتغيّرات شبه مفاجئة في البنية البيولوجية للكائنات الحيّة.

- لم ير أحد التطوّر يحدث بعينيه:

التطوّر هو علم تاريخي مثبت بواقع أنه هنالك العديد من الأدلّة المستقلّة في ميادين علميّة مختلفة تجتمع عند هذه الخلاصة. البيانات المتوافرة من علوم الجيولوجيا، علم المتحجّرات، علم النبات، علم الحيوان، الجغرافيا البيولوجية، علم التشريح والفيزيولوجيا المقارنة، علم الجينات، البيولوجيا الجزيئيّة، البيولوجيا التطوّرية، علم الأجنّة، الجينات الجماعيّة، تسلسل الجينوم والعديد من العلوم الأخرى كلها تشير إلى خلاصة أن الحياة تطوّرت.
الخلقيون (اللذين يؤمنون بفرضيّة الخلق الدينيّة) يطالبون بـ”دليل أحفوري واحد على التطوّر”، لكن التطوّر لا يُبرهن عليه من خلال مستحجرة واحدة. التطوّر تبرهنه العديد من الأحافير، إلى جانب المقارنات الجينية بين الفصائل، والمقارنات التشريحية والفيزيولوجية بين الكائنات والعديد من الأبحاث العلميّة الأخرى. في الواقع يمكننا أن نرى التطوّر يحدث مخبرياً، خاصة في الكائنات الحية التي تخضع لضغوط بيئية كبيرة وتكون ذات أمد قصير في الحياة ووتيرة سريعة في التكاثر. هكذا حصلنا على معرفتنا حول كيفيّة تطوّر الفيروسات والبكتيريا التي تشكّل جزءً حيوياً جداً من العلوم الطبيّة.

- العلم يزعم بأن التطوّر يحصل بالصدفة والحظّ:

الإنتقاء الطبيعي ليس عشوائياً ولا يعمل عبر الصدفة. الإنتقاء الطبيعي يحافظ على المكتسبات (الفيزيولوجيّة) ويتخلّص من الأخطاء. لكي نفهم ذلك، فلنتخيّل قرداً يعمل على الآلة الطابعة. لكي يقوم القرد بطباعة الحروف الـ 13 الأولى من رواية هاملت بالصدفة، يتطلّب ذلك القيام بـ 2613 محاولة على الأقل من أجل النجاح؛ مجموع هذا الرقم هو مساوٍ لـ 16 ضعف مجموع الثواني منذ ولادة النظام الشمسي حتى اليوم. أما إن كان لدينا القدرة على حفظ الحرف الصحيح والتخلّص من الحرف الخاطىء، كما تفعل عمليّة الانتقاء الطبيعي، يمكن النجاح في ذلك عبر 335 محاولة فقط.
ريتشارد داوكنز يعرّف التطوّر بأنه “تغيّر عشوائي زائد انتقاء غير عشوائي”. الإنتقاء المتراكم للمزايا الأفضل في الفصائل الحيّة هو ما يقود التطوّر. تطوّر العين من بقعة حسّاسة واحدة في خلية يتيمة لتصبح فيما بعد العين المعقّدة المكوّنة من آلاف الخلايا التي نعرفها اليوم لم يحصل بالصدفة بل حصل من خلال آلاف الخطوات الوسيطة التي تراكمت فوق بعضها البعض لأن كل واحدة منها جعلت العين أفضل وأكثر فعاليّة. العديد من هذه الخطوات لا تزال تحصل حولنا في الطبيعة.

- فقط يمكن لمصمّم ذكي أن يصنع شيئاً معقداً مثل العين:

بنية العين البشرية تظهر بأنها مصمّمة في الواقع بشكل غير ذكي أبداً. هي مبنيّة بالمقلوب ومعكوسة ويجب على فوتونات الضوء أن تنتقل عبر القرنيّة، العدسة، السائل المائي، شرايين الدم، الخلايا المعقودة، خلايا الأماكرين، الخلايا الأفقيّة والخلايا الثنائية القطبيّة قبل أن تصل إلى المخاريط والأطراف التي تحوّل الإشارات الضوئية إلى نبضات عصبيّة، التي بدورها تذهب إلى القشرة البصرية في مؤخرة الدماغ لتحويلها إلى صورة يمكن لنا فهمها.
إن كنا نريد للرؤية أن تكون ممتازة، لماذا سيقوم مصمّم ذكي ببناء العين بطريقة مقلوبة ومعكوسة ومعقدة كهذه؟ هذا “التصميم” يمكن فهم أسباب وجوده فقط إن كان الانتقاء الطبيعي بنى العين من خلال المواد المتوافرة سابقاً وبالتحديد بناءً على الخلايا الموروثة من الكائنات العضوية السابقة. العين تثبت بأن وجودها تمّ عن طريق التطوّر من بنية سابقة وليس عن طريق التصميم الذكي من الصفر.
- التطوّر هو مجرد نظرية وهي غير مثبتة علمياً:

كل فروع العلوم ترتكز على نظريات ترتكز بدورها على فرضيات قابلة للإختبار وتشرح جزءً كبيراً ومتنوعاً من الحقائق عن العالم. يمكن اعتبار نظرية ما أنها مثبتة أو متينة إن كانت تستطيع التنبؤ بظواهر جديدة يمكن مشاهدتها واختبارها للتأكد من صحّتها. الوقائع التي تتوافر لنا هي المعلومات الأكيدة التي نعرفها عن العالم والنظريات هي الأفكار التي تفسّر وتشرح تلك الوقائع. العقائد والفرائض التي لا يمكن وضعها تحت الاختبار ليست جزءًا من العلم.
نظريّة التطوّر تستوفي كافة شروط العلم الدقيق:
1– هي ترتكز على القوانين الطبيعية.
2– تشرح الوجود وفقاً للقوانين الطبيعية.
3– قابلة للاختبار في عالم الأدلّة التجريبيّة.
4– خلاصاتها مؤقتة وقابلة للتطوّر.
5– يمكن تحدّيها والبرهنة على خلل فيها باستعمال الطريقة العلميّة.
الطريقة الوحيدة لإثبات خطأ نظرية التطوّر هو عبر إيجاد مستحجرات أحفورية لثدييات تعود لنفس الزمن الجيولوجي للتريلوبيات أو إيجاد مستحجرات بشرية تعود لزمن الديناصورات. لم يتم يوماً إيجاد أي أدلة من هذا القبيل وكل السجلّ الأحفوري يظهر بأنه هنالك فصائل مختلفة من الكائنات في كل زمن جيولوجي.

- حسناً، يمكن أن نقبل بتطوّر النباتات والحيوانات لكن ليس البشر. الأدلة حول تطوّر البشر حتى الآن اتضح أنها مزيفة أو غير حقيقيّة:

في سعيهم للتشكيك بنظريّة التطور، يتجاهل الخلقيون كل الأدلة الأحفورية المتوافرة حول السلالات البشرية السابقة وينتقون أمثلة وخدع وأخطاء، معتقدين أنها تظهر العلم بمظهر الضعيف. لكن هذا يدل على سوء فهم هائل لطبيعة العلم الذي يتقدم باستمرار عبر الاستفادة من أخطائه ومن نجاحاته على السواء. القدرة على البناء التراكمي هي الطريقة التي يتقدّم بها العلم. القدرة على تصحيح النظريات التي تتيحها الطريقة العلميّة هي واحدة من أقوى مزايا العلم.
الخدع المزيّفة مثل “رجل بيلتدون” (جمجمة مزيفة صنعها أحد العلماء واعتقدها بعض العلماء لفترة على أنها الرابط المفقود بين البشر والقردة العظمى)، والأخطاء الصادقة مثل “رجل نيبراسكا” (هيكل عظمي لحيوان منقرض اعتقده العلماء في العشرينات على أنه يعود لإحدى السلالات البشرية) تمّ مع الوقت تصحيحها. في الواقع لم يكن الخلقيون هم من فضح هذه الأخطاء بل العلماء هم اللذين قاموا بذلك. الخلقيون اكتفوا بالقراءة عن هذه الأخطاء ثم ادّعوا أنهم اكتشفوها.

- إن كان التطوّر حصل في الماضي فلماذا لا نراه يحصل اليوم؟

التطوّر يحصل على امتداد فترات طويلة جداً من الزمن تمتدّ لعشرات أو مئات ملايين السنين وبالتالي لا يمكن ملاحظة التغيّرات الكبيرة في التركيبة الجينية لأي فصيلة حيّة إلا بعد إنقضاء فترة طويلة جداً تفوق عمر السلالة البشرية نفسها. لكن التطوّر يحصل باستمرار ويمكن مشاهدته في أكثر من مجال؛ التطوّر الذي تعيشه البكتيريا والفيروسات هو مثال سبق وأعطيناه. بالإضافة إلى ذلك هنالك بعض التطوّرات المهمّة التي يمكن ملاحظتها منذ الآن.
هنالك دراسة في جامعة ويسكونسن تظهر بأن حجم الدماغ البشري تقلّص قليلاً خلال الـ 20 ألف عام الأخيرة بمقدار 13,50 سنتمتر مكعب. والعلماء اليوم يتساءلون ما إذا كان ذلك يعني زيادة في كفاءة الدماغ الذي بات يحتاج لوزن أقلّ للقيام بنفس المهمّات المعقدّة، أو ما إذا كان ذلك يعني تقلّصاً في بعض أنواع الذكاء التي لم نعد نحتاج لها مثل تلك التي كنّا نستعملها لصيد الطرائد والهروب من المفترسين في زمن ما قبل التاريخ.

- القانون الثاني للديناميكا الحرارية يبرهن بأن التطوّر مستحيل:

القانون الثاني للديناميكا الحرارية، الذي يقول أن كل نظام فيزيائي يخسر الطاقة باستمرار على شكل حرارة، ينطبق فقط على الأنظمة المغلقة والمنعزلة. بما أن الأرض تحصل على كميّة ثابتة من الطاقة من الشمس، تنخفض الأنتروبيا (الخسارة الحرارية) ويزيد مستوى التعقيد في أشكال الحياة. بالتالي الأرض ليست نظاماً مغلقاً والحياة يمكن أن تتطوّر عليها من دون خرق القوانين الطبيعية. طالما أن الشمس تحترق وترسل إلينا الطاقة، يمكن للحياة أن تزدهر وتتطوّر. حين تتوقّف الشمس عن الاحتراق، تأخذ الانتروبيا مجراها وتموت الحياة على الأرض.


- لا يمكن لنظريّة التطوّر أن تفسّر وجود الأخلاق:

معظم الحيوانات الأساسية تمتلك حدّ أدنى مّما يمكن أن نسميه الشعور الأخلاقي؛ خاصة فصائل الثدييات. القردة، الأسود والغزلان مثلاً كلها تمتلك منظومات سلوكيّة تقوم على مساعدة بعضها البعض وحماية الأضعف في فصيلتها.
بدورنا كبشر، طوّرنا شعور عميق بالخطأ والصواب بهدف زيادة ومكافأة التبادل والتعاون ولمعاقبة الأنانية الزائدة والتصرّفات الفردية على حساب الجماعة؛ هذا الشعور الفطري بالخطأ والصواب يحسّن فرص وأسلوب عيش فصيلتنا،. التطوّر خلق فينا المشاعر الأخلاقية التي تنبّهنا بأن الكذب، الغشّ، الخيانة والسرقة هي أمور خاطئة لأنها تدمّر الثقة في العلاقات الإنسانية التي تعتمد على قول الحقيقة، الصدق والاحترام. لن يكون من الممكن لأي فصيل حيواني أن يعيش من دون حسّ أخلاقي. المجتمعات البشرية مبنيّة على الطبيعة البشرية التي تدرك الخطأ والصواب بالفطرة.


15
دين ألإنسان وألألوهية

" فمن أين جئنا، وأين نقيم، والى أين نحن ذاهبون؟ أيا مَن يعرف "براهمان" نبّئنا مَن ذا أمرَ بنا فإذا نحن هاهنا أحياء.. أهو الزمان أم الطبيعة أم الضرورة أم المصادفة أم عناصر الجو، ذلك الّذي كان سبباً في وجودنا، أم السبب هو من يُسمّى "بوروشا"- الروح الأعلى؟".... أسفار اليوبانشاد.

من فوائد أسفار الفيدا ألهندية لنا أن تعرض علينا الدين وهو في طريق التكوين، فنرى مولده ونموه وموت الآلهة والعقائد، ونرى ذلك بادئين من النزعة الروحانية البدائية حتى نبلغ وحدة الوجود الفلسفية، بادئين بالخرافة في "فيدا أثارفاً" (أي سفر السحر) ومنتهين إلى الوحدانية الجليلة كما ذكرت في أسفار "يوبانشاد".
ألمؤمن بألأديان بعد أن يتخلى عن إيمانه يمر بمرحلة أللادينية ولكنه لا يستطيع أن يتخلى عن إيمانه بوجود إله بسهولة، لذلك نجد بينهم من يؤمن بإله منزه مناقض للإله ألإسلامي أو المسيحي أو أليهودي.
وقسم آخر يكون لا أدريا، واللاادرية توجه فلسفي يقول أنّ القيمة الحقيقية للقضايا الدينية أو الغيبية غير محددة و لا يمكن لأحد تحديدها وانّ قضايا وجود الله أو الذات الإلهية بالنسبة لمعتنقي هذه الفلسفة موضوع غامض كليا ولا يمكن تحديده في الحياة الطبيعية للإنسان. ومن اشهر الفلاسفة اللاادريين الفيلسوف الصيني كونفشيوس.
وبعض أللادينين يكونون ربوبيين وهوإتجاه فلسفي يرى أنّ الخالق خلق الوجود وأعطاه قوانينه ثم تركه تسير حسب النواميس الّتي وضعها .
ألقسم ألأكبر من اللادينيين يتحولون إلى ألإلحاد، وهو الاعتقاد بعدم وجود خالق واعي للكون والمخلوقات حسب الفهم الديني، ويَعتَبِر المُلحدون المادّة والكون ازليا والدين وهما من تخيّل الانسان. يعتبر الملحدون الايمان بوجود الخالق غير مُثبت وانّ التصديق به هو نمط من الايمان الشخصي لا يستند على ادلّة ولهذا يُمكن رفضه بدون دليل. لايوجد تعاند بين الالحاد والدين فالبوذيون يؤمنون بالدين ولكنّهم لا يؤمنون بالاله.
هنالك شريحة من ألناس ومنهم بعض المتصوفة تؤمن بعقيدة وحدة الوجود وهي مذهب فلسفي يقول بأن الله والطبيعة حقيقة واحدة، وأن الله هو الوجود الحق، ويعتبرون الله صورة هذا العالم المخلوق، أما مجموع المظاهر المادية فهي تعلن عن وجود الله دون أن يكون لها وجود قائم بذاته.
وهي فكرة قديمة أعاد إحيائها بعض المتصوفين المسلمين من أمثال: ابن عربي، وابن الفارض وابن سبعين والتلمساني والذين تأثروا بالفلسفة الأفلاطونية المحدثة وفلسفة الرواقيين. وناد بوحدة الوجود بعض فلاسفة الغرب من أمثال سبينوزا وهيغيل.
فلسفة أسفار يوبانشاد:
موضوع أسفار اليوبانشاد هو كلّ السر في هذا العالم الذي عزّ على الإنسان فهمه، "فمن أين جئنا، وأين نقيم، والى أين نحن ذاهبون؟ أيا مَن يعرف "براهمان" نبّئنا مَن ذا أمرَ بنا فإذا نحن هاهنا أحياء.. أهو الزمان أم الطبيعة أم الضرورة أم المصادفة أم عناصر الجو، ذلك الّذي كان سبباً في وجودنا، أم السبب هو من يُسمّى "بوروشا"- الروح الأعلى؟
المقاطع التالية تختصرألعقيدة ألبرهمية:
براهما:
إذا ظنَّ القاتل المخضّب بدماء قتيله أنّه القاتل
أو إذا ظنَّ القتيل أنّه قتيل
فليسا يدريان ما اصطنع من خفي الأساليب
فأحفظها لديَّ، ثمّ أنشرها، ثمّ أُعيدها
البعيد والمنسي هو إليّ قريب
والظل والضوء عندي سواء
والآلهة الخفية تظهر لي
وشهرة الإنسان بخيره أو بشرّه عندي سواء
إنّهم يُخطئون الحساب الّذين يُخرجونني من الحساب
إنّهم إذا طيّروني عن نفوسهم فأنا الجناحان
إنّهم إنْ شكّوا في وجودي فأنا الشكُّ والشاك معاً
وأنا الترنيمة الّتي بها البراهمي يتغنّى.

فراس ألسواح وألقوة السارية :
في مؤلفه الرائع "دين ألإنسان" يذكر فراس السواح أنّ المعتقدات كلها على تنوعها ذات وحدة تتبدى على شكل إحساس بانقسام الوجود إلى مستويين، المستوى الطبيعي والمستوى القدسي، وأن المستوى القدسي يرتبط بالمستوى الطبيعي من خلال قوته السارية، ويؤكد أنّ :
"الدين ليس وهما ، والمؤمن ليس واهما في إحساسه بوجود قوة أعظم منه تضم الوجود إلى وحدة متكاملة. لأن الخبرة الدينية قد ارتكزت عبر الأزمان على تجربة حقيقية صلبة، وعلى شرط معطى للوجود الإنساني ".
ولكن ما هي هذه القوة السارية في الكون؟
هي الطاقة التي تسري فيه، وفي الإنسان بما أنه مادة.
لتوضيح ذلك يختم فراس السواح كتابه ببحث معقد في الفيزياء الحديثة والنظرية الكمية، هدف هذا البحث هو إيجاد صيغة علاقة الإنسان بالكون، حيث يتوصل إلى أن الوعي جزء من المادة غير منفصل عنها، وبالتالي كان الإنسان يشعر ومنذ البداية باتحاده مع الكون، أي مع المادة، وهذا الاتحاد هو القوة السارية التي كان يشعر بها الإنسان القديم.

ويبقى التساؤل ألأزلي وهو:
هل المادة تسبق الوعي أم ألوعي سابق للمادة؟
فإذا آمنّا بأنّ المادة تسبق الوعي نستبعد وجود إله عاقل خلق ألكون.
وإنْ آمنّا بأنّ ألوعي سابق للمادة فهذا يعني بأنّنا نؤمن بوجود إله عاقل خلق ألكون.



16
ألأرض ألأم

" أزحف نحو أمك الارض ".... ألريج فيدا (ألفصل العاشر-18).

إسموهالا (نبي هندي من قبيلة أوماتيا) يرفض ألعمل في ألأرض، يقول "أنت ترتكب إثما عندما تجرح أو تقطع أو تمزق، أو تخدش بألأعمال ألزراعية، ألأرض، أمنا ألمشتركة". ويضيف "أنت تطلب مني أن اقوم بفلاحة ألأرض. هل تريدني أن آخذ سكينا وأغرسها في أحشاء أمي؟
وماذا بعد، عندما أواجه ألموت لن تعيدني إلى رحمها. هل تريدني أن أضربها بألمر وأن أنزع عنها ألحجارة؟ وهل تريدني أن أتوجه إليها، فأقطع وأبتر وأجدع، وأكشط أللحم حتى ألعظم؟
لكني بذلك ألفعل، لن أستطيع ألولوج إلى بدنها من أجل أن تكون لي ولادة ثانية إلى حياة جديدة. تطلب مني أن أجتث ألكلأ وألعلف وأن أبيعها لكي أصير من ألأثرياء، على شاكلة ألبيض. هلا تقول لي كيف أجرؤ على قص شعرها ألطويل؟".
هذه ألكلمات قالها "إسموهالا" في بداية ألقرن العشرين، لكن أصداءها تعود إلى عهد قديم. إنّ ألإنفعال ألذي نشعر به عند سماعها يعود، خصوصا إلى دلالتها، بعفوية وببساطة لا مثيل لهما، على ألصورة ألأولية ألقديمة للأرض- ألأم، والتي نجدها في كل مكان من العالم ألقديم، تحت أشكال وبدائل لا تعد ولا تحصى.
ترى ماذا تقول لنا ألكلمات ألتي أتى على ذكرها النبي الهندي إسموهالا؟
لقد أستنكر ألعمل في الحقول ورفضه، لأنّه أبى أن يجرح جسد أمه. ألحجارة تماثل عظام ألأرض- ألام. كذلك تماثل ألتربة أللحم الذي يكسو جسدها. أمّا ألنبات فهو بمثابة ألشعر وألضفائر.
إنّ تشبيه أعضاء ألجسم بموجودات في ألطبيعة أو بمناطق من ألكون، وألقول بصورة كائن إلهي بحجم إنسان كوني، إنّما نعثر عليها عند شعوب أخرى، وتحت اشكال مختلفة.
يتناول ألأمر، أحيانا عملاقا قديما من ألأوائل يحمل، في ألآن عينه، خصائص ألذكر وألأنثى، أو يتناول، ولو نادرا، فحلا كونيا.
يمكن تقديم تفسير للجمع بين جنس الذكر وألأنثى ولكن صورة ألأرض بوصفها إمرأة وبوصفها أمّا شائع أكثر في ألأساطير، إنّها ألأرض- ألأم ألمعروفة في ديانات ألبلدان الواقعة على سواحل ألبحر ألمتوسط، ألارض ألتي أنجبت ألكائنات كلها.
لم يذكر إسموهالا كيف تمت ولادة البشر من ألأم الارضية. غير أنّ أساطير السكان ألأصليين لأمريكا تشير إلى كيفية حصول تلك الولادة، عند ألبدء في ذلك ألزمان ألقديم. نقول:
عاش أوائل البشر، حقبة من الزمان في أحشاء أمهم: اعني في أعماق ألأرض. هناك في بطن ألأرض كانت لهم حياة نصف بشرية. كانوا، إلى حد ما، أجنة لم تبلغ درجة ألإكتمال ألتام.
بحسب بعض الهنود، كان للأجداد الذين عاشوا تحت الارض، في ماضي الأزمنة، شكل بشري. ويقول بعضهم ألآخر:
كان لهم على ألأغلب، مظهر ألحيوانات.
هنالك أساطير هندية أخرى تتحدث عن زمن قديم كانت فيه ألأرض تلد ألبشر، تماما مثلما تنتج القصب وألاشجار في أيامنا.
وهنالك أعتقاد حظي، فيما مضى، بأنتشار عالمي، يقول أنّ ألبشر هم من مواليد ألأرض، يقال عن ألإنسان في لغات عديدة إنّه " المولود من الارض ".
هنالك إحساس غامض بأرتباط ألمرء بألأرض ألتي ولد فيها، أرتباطا روحيا، صوفيا. إذن ألأمر لايتناول، فقط، عاطفة دنيوية بعيدة عن القداسة، عاطفة حب للوطن أو لبلد ينتمي إليه ألإنسان.
مما لاشك فيه إنّ هذه الذكرى ألغامضة لما قبل ألوجود الراهن الذي عاشه المرء في احضان الارض، كان لها نتائج هامة للغاية. لقد اوجدت عند الإنسان شعورا بالقرابة الكونية مع الوسط المحيط.
عند الممات تنشأ عند المرء رغبة قوية في إعادة لقاء ألارض- ألأم، وفي أن يدفن فيها: اعني في التراب الذي أتى منه، وقد صرنا، الآن على علم بدلالته ألعميقة. من هنا، يتولد الخوف، عند المرء من دفن رفاته في مكان آخر، ومن هنا يتولد الفرح من إعادة إلتحاقه بتراب وطنه عن طريق الدفن: فرح جرى التعبير عنه، احيانا من خلال الكتابات على المدافن ألرومانية منها:
"هنا ولد وهنا رقد" و " رغب في العودة إلى حيث كانت ولادته". هكذا يقتضي ألأنتماء إلى ألارض إنتماء تاما، إتباع دورة كاملة تبدأ مع الولادة وتنتهي مع الوفاة. وعند الممات يكون من الضروري العودة إلى الأم.
تقول ألريج فيدا (ألفصل العاشر-18) : " أزحف نحو أمك الارض ".

ألجدير بألذكر، إضافة للأساطير ألقديمة واساطير وادي ألرافدين فإنّ ألقرآن يذكر بأنّ اصل ألكائنات وألإنسان مخلوق من ألتراب وإلى ألتراب يعود بعد ألموت (مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَىٰ)..... سورة طه، الآية-55 .
إنّ الحقيقة التي كشف عنها "داروين" وألمتعلقة بالظهور ألخاص بألإنسان قد غيرت إلى ألأبد كيف ننظر إلى نوعنا ألحي في ظل ألتاريخ ألطبيعي. وأنتهت إلى ألأبد صلاحيات ألتفسيرات ألخاصة بألثبات لأرسطوطاليس أو ألتأليه (ألإيمان بوجود إله أو آلهة) لتوما ألأكويني، أو ألازدواجية لديكارت (مبدأ أنّ ألإنسان عبارة عن إزدواج روح وجسد لرينيه ديكارت)، وألأسطورة الخاصة بألخلق، التي يتمسك بها ألمتدينون ألمؤمنون بالخلق وألمتعصبون للتوراة، قد تمّ إحلالها بالحقيقة ألخاصة بألنشوء وألأكثر من ذلك فإنّ علم دراسة ألإنسان يعلمنا أنّ المعتقدات وألممارسات ألدينية نفسها قد تطورت منذ ألفجر الخاص بألأنواع البشرية العاقلة، وحتى ألأخلاق والمعنويات والقيم فإنّه يتم ألنظر إليها حاليا في نطاق ألإطار العلمي ألخاص بالتطور الإنساني.







17
ألإله ألبعيد

"ألإله نزام في ألأعلى، وألإنسان في ألأدنى".
ألإله هو إله، وألإنسان هو إنسان
كل في محله، كل في منزله.... نشيد شعوب ألفانج.

إنّ تاريخ ألكائنات ألعليا ذات ألبنية ألسماوية ذو أهمية رئيسية بألنسبة لمن يريد فهم ألتاريخ ألديني للبشرية في مجملها.
إنّ ألآلهة ألسامية ذات ألبنية ألسماوية تهدف إلى زوال ألعقيدة، إنّها تتباعد عن ألبشر وتنعزل في ألسماء وتصبح آلهة مفارقة، فهذه ألآلهة بعد أن خلقت ألكون وألحياة وألإنسان تشعر "كما يقال" بنوع من ألتعب كما لو أنّ ألمشروع ألضخم لعملية ألخلق أستنفذ طاقاتها، إنّها تنسحب للسماء تاركة على ألأرض أبنها أو خالقا لإكمال تصنيع ألخليقة.
وشيئا فشيئا يؤخذ مكانها بصور إلهية أخرى... فإله ألعاصفة ما يزال يحافظ على بنية سماوية، ولكنه ليس كائنا خالقا أعلى: إنّه ليس سوى مخصّب للأرض وأحيانا مساعدا للأرض ألأم.
إنّ ألكائن ألأعلى من بنية سماوية لا يحافظ على محلّه ألراجح سوى لدى ألشعوب ألرعوية، وهو يحصل على مركز وحيد في ألديانات ذات ألإتجاه ألتوحيدي (آهورا- مازدا في ألديانة ألزرداشتية) أو في ألديانات ألتوحيدية ( يهوه في ألديانة أليهودية) و ( ألله في ألدين ألإسلامي).

إنّ ظاهرة " بُعد " ألإله ألأعلى سبق لها أن تأكدت على مستويات قديمة من ألثقافة، فلدى ألأستراليين من قبيلة كولين، خلق ألكائن ألأعلى بوندجيل ألعالم وألحيوانات وألأشجار وألإنسان، ولكنه بعد أن وهب أبنه ألسلطة على ألأرض، وأبنته ألسلطة على ألسماء، أنسحب بوندجيل من ألعالم وأقام على ألغيوم "كسيّد": في يده سيف كبير.
وبولوغا ألكائن ألأعلى للأندامنيين أنعزل بعد أن تم له خلق ألعالم وألإنسان ألأول.
إنّ تباعد ألإله يرافقه ألغياب ألشبه ألكامل للعبادة كألتضحية وألصلاة وعمل ألخير، وبألكاد تبقى بعض ألأعراف ألدينية ألتي مازالت تعيش ذكرى ألإله بولوغا : وعلى سبيل ألمثال " ألصمت ألمقدّس" للصيادين ألذين يدخلون ألقرية بعد صيد ناجح.
ويجري ألأمر كذلك لدى أكثرية ألشعوب ألافريقية:
فألإله ألسماوي ألأكبر وألكائن ألأعلى خالق وكلي ألقدرة ولا يلعب دور ذات دلالة له في ألحياة ألدينية للقبيلة، إنّه بعيد جدا أو طيّب جدا لتكون له حاجة للعبادة، وهكذا فإنّ أولورون "مالك ألسماء" عند شعوب أليورباس، بعد أن بدأ خلق ألعالم، أناط عناية إكماله وإدارته بإله أدنى، "أوبتالا" وأنسحب بعدئذ نهائيا عن ألقضايا ألأرضية وألبشرية، وليس له معابد، أو تماثيل ولا كهنة ومع ذلك فيتم ألدعاء أليه وألأستعانة به في أثناء ألكوارث.
إنّ نديامبي ألإله للهريوروس بإنعزاله في ألسماء ترك ألبشرية للآلهة ألأدنى منه.
" لماذا نقدّم إليه ألأضحيات ؟ يصرّح أحد ألمواطنين، ليس لنا ما نخافه منه، لأنّه على عكس أرواح موتانا لا يفعل لنا أي شر".
وألكائن ألأعلى للتومباكاس أكبر جدا من أن يشغل نفسه بألقضايا ألعادية للبشر.
ويقول ألبانتو: " إنّ ألإله بعد أن خلق ألإنسان لم يشغل به نفسه مطلقا ". ويؤكد ألنيقريل : " إنّ ألإله قد أبتعد عنا " وتلّخص شعوب ألفانج في براري أفريقيا ألأستوائية فلسفتها ألدينية في ألنشيد ألآتي:
ألإله نزام في ألأعلى، وألإنسان في ألأدنى
ألإله هو إله، وألإنسان هو إنسان
كل في محله، كل في منزله.

في هذه ألديانات ألبدائية، يبدو ألكائن ألسماوي ألأعلى قد فقد تحيينه ألديني، وأنّه غائب عن ألعبادة، وتظهر لنا ألأسطورة أنّه ينعزل عن ألبشر أكثر فأكثر، إلى أن يصبح إلاها مفارقا، وغالبا ما يعاد تذكّره ويدعى في آخر ألمطاف عندما لا تنفع ألدعوات للأرباب وألربات ألأخرى وألأجداد وألشياطين في دفع إحدى ألكوارث.
وكما يعبّر ألأوراوون: لقد حاولنا كل شيء، ولكنك أنت موجود عندنا لإغاثتنا. ويضحون له بديك أبيض هاتفين:
" أيها ألإله: أنت خالقنا! كن رحيما بنا ".



18
ألغطس في ألمياه في أساطير ألتكوين

" سومبال- بوركان (إسم ألإله) يقف على ألمحيط ألبدئي ويراقب طائرا مائيا ويطلب إليه أن يغوص في ألأعماق، ومن ألطين ألذي ينقله ألطير من ألأعماق يصنع ألأرض".... اسطورة بورياتية للشعوب ألتركية.

إنّ أسطورة ألنشكونية ألمعروفة أكثر بين شعوب آسيا ألوسطى وألشمالية هي أسطورة منتشرة عالميا تقريبا، مع أنّها تحت مظاهر متباينة إلى حد ما. وإنّ قدمها وأنتشارها ألبارز خارج آسيا قد تأكد في ألهند ألآرية وما قبل ألآرية وفي جنوب شرق آسيا وفي أمريكا ألشمالية.
إنّ ألتغييرات ألمتعددة ألتي تلقتها ألأسطورة عبر ألعصور جعلت من هذه ألأسطورة واحدة من أكثر ألمسائل تشويقا بألنسبة لمؤرخ ألاديان.
لكي نبرز ألخصائص ألمميزة للترجمات ألآسيوية ألوسطى للأسطورة وكذلك ألترجمات لأوربا ألشرقية، نبرز بدئيا ما يمكن إفتراضه بأنّه ألأشكال ألأولى للأسطورة، فألمشهد دائما هو ذاته:
ألمياه ألكبرى قبل ألخلق (نلاحظ وجود ألمياه ألأولى قبل ألخلق في ألأساطير ألبابلية وأليهودية وألإسلامية):
"في تلك ألأزمان ألأولى. لم يكن سوى المياه"...... أسطورة بابلية.
"في ألبدء خلق ألله ألسموات وألأرض وكانت ألأرض خربة وخالية وعلى وجه الغمر ظلمة وروح ألله يرّف على وجه المياه"......ألتوراة-سفر ألتكوين-1.
"وهو ألذي خلق ألسموات وألأرض في ستة أيام وكان عرشه على ألماء"......ألقرآن - سورة هود، ألآية-7.).
إنّ ألسيناريو في هذه ألأسطورة ألمتضمنة ألغطس في ألمياه أثناء ألخلق يتضمن مفارقات:
1- ألإله، تحت شكل حيوان يغطس في عمق أللجة بهدف إستخراج قليل من ألطين أو ألطمى ليصنع ألعالم.
2- أو أنّه يرسل حيوانا برمائيا (طائر مائي).
3- أو يُغطِس كائنا (أحيانا خلد ألماء)،ألذي كان يجهل حتى ذلك ألحين ألوجود وألذي يتضح ضده فيما بعد.
وفي ألهندوسية " إله كبير- براجاباتي- براهمان، فيشنو- ممسوخا بشكل خنزير بري، ينزل في اعماق المياه ويرفع ألأرض ( في ألعقيدة ألرائيلية يتم تفجير قاع ألمحيطات بقنابل ذرية من قبل كائنات قادمة من ألفضاء لغرض تكوين أليابسة والقارات ).
وألجدير بألذكر عدم وجود تعارض بين ألحيوانات ألغاطسة والخالق في ألآساطير ما قبل ألآرية وألأساطير في أميركا ألشمالية.
في اسطورة بورياتية للشعوب ألتركية نجد سومبال- بوركان (إسم ألإله) واقفا على ألمحيط ألبدئي ويراقب طائرا مائيا ويطلب إليه أن يغوص في ألأعماق، ومن ألطين ألذي ينقله ألطير من ألأعماق يصنع ألأرض.
وحسب روايات أخرى مختلفة، يصنع بوركان ألإنسان فيما بعد ودائما من ألطين.
وفي أسطورة لدى ألتتار أنّ لبيد (بجع أبيض) يغطس بناء على أمر ألإله ويحمل له قليلا من ألتراب في منقاره، ومن هذا ألتراب صنع ألإله ألارض مسطحة وزلقة، يقوم ألشيطان بعد وصوله بصنع ألمسنقعات.
حسب اساطير تتار ألألطاي، في ألبدء حيث لم يكن يوجد سوى ألماء، سبح ألإله وألإنسان سوية تحت شكل أوزات سوداء فأرسله ألإله ليبحث عن ألطمي ولكن ألإنسان أحتفظ بقليل منه في فمه، وعندما أخذت ألأرض في ألنمو، بدا ألطمي ينتفخ فأضطر لبصقه وبهذا تولدت ألمستنقعات. فقال له ألإله:
لقد أذنبت وسيكون أتباعك أشرار أمّا أتباعي فسيكونون أنقياء، وسيرون ألشمس والنور وسأدعى كوربيستان (= اوهرمازد)، وأنت ستكون إيرليك، وهذه ألأسطورة تروي أيضا خلق ألإنسان، فإيرليك خان يطلب ألمزيد من ألتراب ألذي يستطيع تنظيمه بألعصى، فيضرب ألارض وتظهر ألحيوانات ألضارة، وأخيرا يرسله ألإله تحت ألأرض، إنّ ألعداوة بين إيرليك وألإله لا تشير بألضرورة إلى مفهوم ثنائي (إله وشيطان) وفي نقوش صخرية نلاحظ بأنّ إيرليك هو إله ألموت.
إنّ ألتوليفة في هذه ألأسطورة مع ألأفكار ألإيرانية واضحة، ولكن ألسيناريو للغاطس ألنشكوني قد حوفظ عليها بكاملها تقريبا،إنّ ألتماهي بين ألإنسان وسيد ألجحيم (إيرليك خان) تفسر في ألواقع أنّ ألإنسان ألأول (ألجد ألأسطوري)، كان كذلك ألرجل ألأول وأنّ ألجد ألأسطوري كان أيضا أول ميّت ( وهذه اسطورة مؤكد عليها بشكل واسع في ألعالم).
إنّ ألغطس ألنشكوني قد تأكد لدى ألفنلنديين ألأغريين ولدى ألسلاف ألغربيين وفي أوربا ألشرقية.
تبرز ألاساطير حول خلق ألإنسان ألدور ألمحزن للعدو أو ألضد- فكما في كثير من ألميتولوجيات، يخلق ألله ألإنسان من ألطين وينفخ فيه ألروح (كما في ألأساطير أليهودية وألمسيحية وألإسلامية)، ولكن ألسيناريو في آسيا ألوسطى وألشمالية، يتطلب مشهدا مأساويا:
فبعد أن صنع أجساد ألبشر ألأوائل، ترك ألإله كلبا لحمايتها وصعد للسماء من أجل أن يفتش لها عن روح، وأثناء غيابه يحضر إيرليك (إله ألموت) ويعرض على ألكلب ( ألذي كان عاريا حتى تلك أللحظة) جزة صوف، فيما إذا دعاه يقترب من ألبشر وفعلا يقبل ألكلب ألعرض ويقترب إيرليك من ألبشر ويلوث بلعابه أجسادهم.
ويعتقد ألبوريات أنّه بدون توسيخ شولم (ألضد) أو إيرليك أجساد ألبشر فإنّ ألبشرية لم تكن تعرف ألأمراض والموت ( يمكن مقارنة توسيخ إيرليك أجساد ألبشر بلعابه بحكاية إغواء ألشيطان ألإنسان ليعصي أمر ألخالق بـالأكل من ألشجرة ألمحرمة في ألأسطورة ألتوراتية ، فالنتيجة متشابهة وهي فقدان خاصية ألخلود).
وحسب مجموعة روايات آلتية، فإنّ إيرليك، مستفيدا من غياب ألإله ومضللا ألكلب، أحيا ألأجساد البشرية.
وألمقصود في هذه الحالة ألأخيرة إعفاء أو حل ألاله من وجود ألأمراض وموت ألأنسان وكذلك إعفاءه من شقاوة ألروح ألبشرية وتحميل هذه ألأتهامات على عاتق إله ألموت، وكما يحصل لدى ألمؤمنين بألديانات الأبراهيمية حيث يكون إبليس شماعة لتعليق جميع شرور ألبشر وتبرئة ألله منها.


19
تانجري (ألإله - ألسماء)

" تانجري ألذي رفع والدي ألخان، تانجري ألذي أعطى ألأمبراطورية، هذا ألتانجري أقامني أنا كخان" .... نقوش ألأورخون (نقوش منحوتة على نصب من ألحجر).

إنّ ألعالم بكامله هو بيت ألله، فلماذا إذن تعيين مكان خاص لكي يحج ألناس إليه؟ ....... جنكيزخان أثناء مناقشته ألشهيرة مع إمام بخارى.

من بين كل آلهة ألشعوب ألآلتية ألأكثر أهمية وألمعروف بشكل أفضل هو بألتأكيد (تانجري) عند ألمغول وألكلموكوس، و(تينجري) عند ألبوريات و(تانجيرا) عند ألتاتار و(تينجي) عند ألبلطيق، ولفظ تانجري أي (تانري) كما يلفظه ألأتراك في تركيا ألذي يدل على إله وسماء ينتمي للمفردات أللغوية ألتركية وألمنغولية ألموجودة منذ ماقبل تأريخ آسيا ومعروف منذ أكثر من ألفي سنة،
هذا أللفظ تمّ أستعماله عبر ألقارة ألآسيوية بكاملها من حدود ألصين إلى جنوب روسيا، ومن كامتشاتكا ألى بحر مرمرة، لقد أستخدمه "ألوثنيون" ألآلتيون لتعيين آلهتهم وربهم ألأعلى.
إنّ كلمة تانجري مستعملة لتعبّر عن ألإله، بصفته إلاها سماويا، فقد تأكد لدى ألهوينغ- نو في ألقرن ألثاني ق. م أنّ ألنصوص تظهر وكأنّه "سام" (أوزا) و"أبيض وأسود" (كوك) و"خالد" (مونجكا) و"متمتع بألقوة" (كيوك).
لقد دون في واحد من من ألنقوش ألباليوتوركية للأورخون (القرن ألسابع- ألثامن) مايلي:
"عندما صنعت ألسماء ألزرقاء في ألعلى، وألأرض ألمظلمة في ألأسفل تم صنع أبناء ألإنسان (=ألبشرية) بين ألأثنين"،
ويمكن تفسير ألفصل بين ألسماء وألأرض كعمل نشكوني ولكنه لا يوجد سوى إشارات للنشكونية بمعنى ألكلمة، صانعها هو تانجري، غير أنّ تاتار ألأكطاي وألياكوت يشيرون إلى إلههم "كخالق"، وحسب ألبوريات فإنّ ألألهة (تينجري) خلقت ألإنسان، وإنّ ألإنسان عاش سعيدا حتى ألفترة ألتي نشرت فيها ألأرواح ألشريرة ألمرض وألموت على ألأرض.
في ألمعتقدات ألدينية ألشعبية للمونغول أنّ تانجري خلق ألكل (ألنار، أللبن...ألخ) ولكنه لا يتعلق بنشكونية بمعنى ألكلمة.
وعلى كل حال، فإنّ ألنظام ألكوني، وبألتالي تنظيم ألعالم وألمجتمع، ومصير ألبشرية يتعلق جميعه بتانجري، وبألنتيجة فإنّ على كل ملك أن يتلّقى تنصيبه من ألسماء، ويقرأ في نقوش ألأورخون (نقوش منحوتة على نصب من ألحجر):

" تانجري ألذي رفع والدي ألخان، تانجري ألذي أعطى ألأمبراطورية، هذا ألتانجري أقامني أنا كخان (ذات ألمعتقد تأكد في فترة ألمونغول "كان خانا بقوة وسلطة ألسماء ألخالدة"). وعليه فإنّ ألخان هو أبن ألسماء حسب ألنموذج ألصيني.
إنّ ألملك هو مبعوث أو ممثل ألسماء – ألإله، وعبادة تانجري مدعومة في كل عظمتها وفي كل كمالها من قبل ألملك " وعندما تسود ألفوضى، وعندما تتفرق ألقبائل، وعندما لا توجد أمبراطورية ( كما في ايامنا) فإنّ تانجري يصبح إلها مفارقا ويترك مكانه لآلهة سماوية ثانوية أو يتفجر إلى أجزاء (تعدد التانجري).
عندما لا يوجد حاكم بعد، فإنّ ألسماء- ألإله سيتم نسيانه ببطء وتتقوى ألعبادة ألشعبية لتتجه وتأخذ ألمكان ألأول ( يعرف ألمونغول 99 تينجري، وألأكثرية منها، لها أسماء ووظائف محددة).
إنّ ألتحول من إله سماوي وحاكم إلى إله مفارق ظاهرة مؤكدة عالميا، وفي حالة تانجري فإنّ تعدده أو إبداله بآلهة أخرى يبدو أنّه قد تبعه تفجر ألأمبراطورية، غير أنّ هذه ألعملية تحققت في مالا يحصى من ألنصوص ألتاريخية.
ليس للتانجري معابد ومن ألمشكوك فيه أن يكون قد أبرز بشكل تمثال، وفي مناقشة جنكيزخان ألشهيرة مع إمام بخارى قال له:
" إنّ ألعالم بكامله هو بيت ألله، فلماذا إذن تعيين مكان خاص ( على سبيل ألمثال- مكّة ) لكي يحج ألناس إليه ؟".
وكما في أي مكان آخر فأنّ ألإله ألسماوي للآلتيين هو كلي ألقدرة، ويقول ألمونغول عندما يحلفون:
" لتعلم ألسماء..." كان ألرؤساء ألمحاربون يصعدون لقمة ألجبال (صورة مميزة لمركز ألعالم) لكي يصلّون للإله، أو يعتزلون قبل ألغزوات في خيامهم أحيانا لثلاثة أيام، كما فعل جنكيزخان، بينما كان الجيش يدعو ألسماء.
كان تانجري يظهر عدم رضاه بعلامات كونية:
مذنبات، مجاعات، طوفانات. وكانت توجّه إليه ألصلوات (على سبيل ألمثال لدى ألمونغول وألبلطيار ...ألخ) وكان يُضحى إليه بأحصنة وثيران وخراف، وقد تأكدت ألأضحية ألسماوية عالميا، وبخاصة في حالات ألمصائب وألكوارث ألطبيعية، غير أنّ في آسيا ألوسطى وألشمالية، كما في أي مكان آخر، فإنّ تعدد ألتانجري، متبوع بتمثيلها بآلهة أخرى (ألعاصفة، ألخصب ألكوني ...ألخ).
إنّ بيوك أوكان (ألكبير جدا) قد أبدل في ألألتاي بتانجري كيزكان (ألرحيم في ألسماء) وإليه تقدم ألأضحية بحصان.
يميز ألتباعد وألسلبية آلهة سماوية أخرى، وهكذا فإنّ ألبوغا (سماء) (عالم) للطنجوز لا يتلقى عبادة، فهو كلي ألقدرة، ولكنه لايتدخل في الأعمال البشرية، إنّه لا يعاقب حتى ألمذنبين فأورون آيتوجون للياقوت يسكن السماء ألسابعة، ويدير كل شيء ولكنه لا يفعل سوى ألخير أي لا يعاقب أبدا.


20
تجليات كونية... شمس، قمر وأحجار

"من مظاهر ألقداسة ألطبيعية والتجليات ألكونية ألرموز، وألمدلول ألديني للحجارة وألدور ألديني للحيوانات وكذلك العبادات ألشمسية والقمرية".... ميرسيا إلياد.

لكل واحدة من هذه المجموعات تجليات كونية تكشف بنية خاصة لقداسة ألطبيعة، أو بدقة أكثر، تكشف نموذجا لمقدّس معبّر عنه بطريقة خاصة من وجوده في ألكون، ويكفي على سبيل ألمثال تحليل ألقيم ألدينية ألمختلفة ألمعترف بها للحجارة، كي نفهم ما للحجارة من قابلية لإظهاره للناس بصفتها مقدسات:
إنّها تكشف للبشر ألقوة وألصلابة وألأستمرارية.
فألتجلي ألحجري هو تجلي وجودي بإمتياز:
فقبل كل شيء يبقى ألحجر دائما ذاته، لا يتغير أبدا، وهو يؤذي ألإنسان إذا ضرب به لأنّ له قوّة وقابلية لمقاومة ألكسر وصفة ألإطلاقية للكائن.
إنّ ألطريقة ألمميزة لوجود ألحجر ألمدركة بفضل تجربة دينية تكشف للإنسان ماهية وجود ألمطلق خارج ألزمن ( كمثال تقديس ألحجر ألأسود ألموجود في جدار ألكعبة من قبل ألعرب قبل ألإسلام وبعده).
إنّ تثليث ألأم ألكبرى (عشتار أو إله ألقمر) لجزيرة العرب هو ألذي أدى إلى إنقسامها إلى ثلاثة هنّ أللات وألعزى ومناة، أللواتي كن أعلى آلهة ألعرب شأنا، وكان أسمهن يذكر أثناء الطواف حول الكعبة في تهليلة معروفة يقول مطلعها:
" أللات والعزى ومناة ألثالثة ألأخرى، فإنّهن ألغرانيق ألعلى وإنّ شفاعتهن لترتجى " وقد ذكر ألقرآن ألكريم في تعريضه بألمعتقد الجاهلي ألشطر ألأول من هذه التهليلة، وفي رواية أخرى تم نسخ ألشطر ألثاني بحجة تدخل الشيطان في مسار ألوحي ( أعتمد ألكاتب ألأيراني سلمان رشدي على هذه ألرواية في كتابة روايته " ألآيات ألشيطانية " وبسبب نشر هذه الرواية فقد أفتى ألإمام ألخميني بقتله).
لقد عبدت الأم القمرية من خلال رمز الكتلة الحجرية. فالصخر ألذي هو رمز ألأرض هو في الوقت نفسه رمز القمر. وكان لون ألحجر ألذي تعبد فيه عشتار يعكس طورها ألمنير أو طورها المظلم، فألأم الكبرى لجزيرة ألعرب كان لها أكثر من حجر مقدّس، من ذلك الحجر الأسود للآلهة مناة ألذي كانت تعظمه العرب وخصوصا ألأوس والخزرج ولم تزل على ذلك حتى خرج ألرسول من ألمدينة عام ألفتح وبعث عليا فهدم الحجر،
وكان لللات حجر مربع أبيض في الطائف هدمه ألمغيرة بن شعبة.

من مظاهر ألقداسة ألطبيعية ألأخرى ألعبادات ألقمرية، فنتيجة للتقييمات ألدينية للقمر وإدراك ألإنسان للإيقاعات ألقمرية وبفضل ألظواهر ألقمرية، أي "ولادته" و "موته" و"قيامته" شعر ألبشر في آن واحد بطريقة تكوّنهم ألخاص في ألكون وبأملهم بإستمرارية ألحياة أو إعادة ألولادة (عقيدة تناسخ ألأرواح في ألهندوسية وألبوذية، وعقيدة بعث ألأموات يوم ألقيامة في ألدين ألإسلامي).
بفضل ألرمزية ألقمرية توصل ألإنسان ألمتدين لتقريب مجموعات من ألوقائع ألمتباعدة بدون علاقة ظاهرة بينها وأخيرا إدخالها في نسق أو نظام واحد، فبفضل ألرمزية ألقمرية أمكن وضع وقائع متغايرة في علاقة وفي تضامن مثل:
ألولادة، ألمصير، ألموت، ولا يسوغ أن ننسى ما يكشفه ألقمر للإنسان ألمتدين، فليس ألموت متصلا بأللاذوبان في ألحياة فحسب، وإنّما أيضا ليس ألموت نهائيا أو أنّه متبوع دائما بولادة جديدة ( ألبعث وألقيامة).
فألقمر يقيّم دينيا ألمصير ألكوني ويوّفق ألإنسان مع ألموت.
وعلى ألعكس من هذا فألشمس تكشف طريقة أخرى للوجود:
إنّها لا تساهم بألمصير، فهي دوما في حركة، وتبقى لا متغيرة، وشكلها نفسه دوما، فألتجلي الشمسي يترجم ألقيم ألدينية للإستقلالية وألقوة وألسيادة وألذكاء، ولهذا نشهد في بعض ألثقافات عملية تشميس ألكائنات ألعليا.
إنّ عدد كبير من ألميتولوجيات ألبطولية ذو بنية شمسية، فالبطل ألممثل بالشمس يصارع ضد ألظلمات وينزل إلى مملكة ألموت ويخرج ظافرا.
ليست ألظلمات، كما في ألميتولوجيات القمرية واحدة من طرائق تكوّن ألالوهة وإنّما ترمز إلى كل ماليس بإله، إذن إلى الضد بإمتياز. إنّ ألظلمات غير مقيّمة كمظهر ضروري للحياة الكونية، ففي منظور دين شمسي تعارض ألظلمات ألحياة، في ألأشكال وألعقل.
إنّ التجليات ألمنيرة للآلهة الشمسية تصبح في بعض الثقافات العلامة على ألذكاء وقد أنتهى ذلك بتمثيل شمس وعقل لدرجة أنّ أللاهوتيات ألشمسية وألتوفيقية لنهاية العصور القديمة تحولت إلى فلسفة عقلانية:
ألشمس معلنة عقلا للدنيا، وقد وحّد ماكروب في ألشمس كل آلهة العالم اليوناني- ألشرقي، من أبولون وجوبيتر حتى أوزيريس وحوريس وأدونيس ( أنظر ساتورنالات-فصل 1-17-23).
إنّ ألقمر من رموز إله ألخصب ألرافديني عشتار، وإنّ حياة وموت اله الخصب (عشتار وفيما بعد تموز) كانت امورا موحية بأمل غامض وبعيد بإمكانية الخلاص من سيطرة الموت كما تخلَّصَ منها اله الخصب، فكان تعلّق قلوب العباد بهذا ألمخلّص ألحياتي تعبيرا عن النزوع الإنساني الأبدي نحو الخلود. ولم يكن ظهوره في ضمير البشر إلّا مظهرا من مظاهر صراع الظاهرتين الكونيتين في داخل الإنسان وخارجه، صراع الموت والحياة.
إنّ نمو الديانات البعلية ( ديانات الخصب) واكتسابها غلبة شعبية على الديانات الايلية ( ديانات الآلهة السماوية البعيدة ) هو حالة تالية في تطور الدين والاسطورة، وحالة وسط تحتوي على شيء من التوازن بين الحياة والموت.
امّا المرحلة الثالثة فتمثّل عن حق مرحلة انتصار الحياة على الموت في الدين والاسطورة. فما حصل لإله الخصب مرة سيحصل لكل عباده المخلصين ممن سيدخلون في ديانته، ويلتحقون به من دون بقية ألآلهة. قال السيد المسيح:
( من آمن بي وإن مات فسيحيا). فتحولت ديانة الخصب الى ديانة سرية وتحوّل مخلّصها الارضي الحياتي الى مخلّص روحي باسطا سيطرته من عالم الحياة الى عالم الموت ايضا، مقدما لعباده خلاصا لروحهم من سطوة العالم الاسفل.
لقد بلغ الانتصار على الموت قمته في المسيحية التي اعطت الإنسان بعثا كاملا غير منقوص، حيث يعود الجسد سيرته الاولى بكل تفاصيله واجزائه.
لعل أقتران ألمرأة بألقمر له مايبرره في نظر ألإنسان ألقديم، فكلاهما ينتميان إلى ألمبدأ ألسالب في ألطبيعة والكون، ذلك المبدأ الذي أطلق عليه ألفكر ألصيني ألقديم أسم أل "ين" ويقابله أل "يانغ" ألمبدأ ألموجب ألذي ينتمي إليه كل من ألشمس وألذكر.
من تفاعل هاتين ألقوتين ألمتكافئتين تستمر حركة ألعالم ومكوناته، ألتي تتداخل فيها ألقوتان فتتعادلان أحيانا، وتغلب أحدهما أحيانا أخرى، دون أن تلغي ألواحدة نظيرتها، ففي قبة ألسماء يسود أليانغ وفي ألأرض ألين. في ألماء يسود ألين وفي ألنار يسود أليانغ.
في المرأة يسود ألين وفي ألرجل يسود أليانغ، فألين هو ألعتم، ألظل، الرطوبة، ألغموض. واليانغ هو ألنور ألساطع، ألحرارة، ألجفاف، ألقوة، ألإنجاز، ألوضوح.
كما يحكم ألقمر حياة ألمرأة، فإنّ ألرجل يحكم حياته إيقاع ألشمس، وكما كانت ألأديان ألقمرية أمومية فألأديان ألشمسية كانت ومازالت ذكورية.
فالدين أليهودي دين شمسي ذكوري، وألدين ألمسيحي دين قمري أمومي جاء كرد فعل لقسوة ألدين اليهودي ( مريم =ألأم الكبرى=عشتار وألمسيح = تموز) مع تأثيرات ديانة ميثرا ألفارسية ألتي شاعت عبادته في ألعالم أليوناني ألروماني بعد ألميلاد.
لقد كافح الدين ألمسيحي كفاحا مريرا ضد الديانات الرسمية للامبراطورية الرومانية ولكن كفاحه الاقوى والامر كان كفاحا صامتا لا عراك فيه ولا دماء ضد الديانات السرية، ولعل اقوى تلك الديانات التي نازعت المسيحية فترة طويلة من الزمن على الفوز بقلوب الناس كانت ديانة (ميثرا) الشديدة الشبه بالمسيحية والواسعة الانتشار في شتى انحاء الامبراطورية الرومانية.
هذا التشابه الغريب بين الديانتين اذهل المسيحيين انفسهم فاعتبروه من صنع شيطان رجيم. وكان الميثرويون يتهمون المسيحيين باقتفاء اثرهم واقتباس معتقداتهم، والمسيحيون بدورهم يردون الاتهام بمثله.
ولعل اثرا من ذلك العراك الطويل ما زال ماثلا حتى ايامنا هذه وهذه بعض الامثلة:
1- العالم المسيحي يحتفل بميلاد المسيح يوم 25 كانون الاول وهو يوم الانقلاب الشتوي حيث تصل الشمس الى آخر مدى لها في الميلان عن كبد السماء، وحيث يصل النهار آخر اشواطه في القصر ويبدا بعد ذلك بالامتداد على حساب الليل. هذا اليوم بالذات أُعتبر دوما في الديانات الشمسية عيد ميلاد للشمس فيه تتجدد قوتها وتستعيد عزمها لمقارعة قوى الظلام..
لقد اقترنت عبادة ادونيس في سورية واوزوريس في مصر في فترات متأخرة بالشمس. فالسوريون ليلة 25 كانون الاول كانوا يحتفلون بمولد ادونيس فيجتمعون في المعابد ويصرخون عند منتصف الليل: ( لقد انجبت العذراء ابنا والنور ينتشر) والمقصود بالعذراء طبعا هو آلهة الشرق الكبرى عشتار او عستاروت التي يدعوها الساميون بالسيدة السماوية او ملكة السماوات، فالعذراء لقبها والعذرية جوهرها رغم كونها آلهة الحب، لانها معطاء دون ان تنقص.
2- عيد الفصح يعطينا مثلا آخر على تبني المسيحية للمناسبات والاعياد الخاصة بديانات الاسرار. فعيد الفصح هو عيد قيامة المسيح من بين الاموات بعد ما عاناه في يوم الجمعة الحزينة على درب الالام وقد تبنت الكنيسة يوم 25 آذار عيدا للفصح، وبذلك يكون بعث المسيح هو بعث ربيعي، شأنه في ذلك شأن آلهة الخصب القديمة والمخلّصين الاوائل وخصوصا اودونيس وآليس الذي كان يحتفل عُبّاده بقيامته فيما بين يوم 24 و 25 آذار.
وبعيدا عن هذين العيدين الرئيسيين فاننا نجد اعيادا وثنية اخرى قد حُورت وأُسبغت عليها الصفة المسيحية، فعيد الآلهة ديانا قد اصبح عيد صعود السيدة العذراء، وعيد الاموات قد اصبح عيد القديسين.
أمّا الام الكبرى او القوة الاخصابية الكونية المتمثلة بآلهة الحب العذراء فقد حلّت محلها السيدة مريم العذراء التي دُعيت بسيدة السماوات وهو اللقب الرئيسي للآلهة عشتار.
وليس الصليب نفسه كرمز للسيد المسيح بالرمز الجديد في عالم الديانات القديمة، فقد اقترن الصليب بعدد من آلهة الخصب الشرقية القديمة، فهو رمز ألإله (أندارا) أحد اشكال الإله بعل او حدد، والصليب ايضا رمز الآلهة الفينيقية (بارات) آلهة مدينة بيروت، وأحد اشكال آلهة الخصب عشتار او عشتروت.
إنّ شكل الصليب هو الاصطلاح الدال على الخصب في اللغة السومرية.

أمّا ألدين ألإسلامي فهو دين شمسي ذكوري وربيبة لليهودية مع تأثيرات ألدين ألقمري ألأمومي لعرب ألجزيرة العربية ( كمثال رمز ألهلال ألمنصوب في قمة منائر وقباب ألجوامع).
مع أنهيار ألثقافات ألأمومية وصعود الثقافات ألذكرية، غلبت الشمس القمر، وتوطدت ألديانات الشمسية السماوية، وراح آلهة الشمس وآلهة السماء ألسامية يبنون أمجادهم بعد معارك حاسمة مع سيدة العتم وأبنها ألثور.
فقتل مردوخ ألأم تعامة في صورة تنين رهيب، ومثله أندارا في ألهند ألذي أرتفع على أشلاء تنينه أيضا، وزيوس في الغرب ألذي قتل ألتنين طيفون أبن ألأرض، وميترا ألفارسي ألذي شاعت عبادته في ألعالم أليوناني ألروماني بعد ألميلاد والذي قتل ألثور ألسماوي فأحلّ نور ألشمس محل ضوء ألقمر.



21
ألتجربة ألدينية للحياة

"عندئذ صرخوا إلى ألرب وقالوا قد أثمنا لأننا تركنا ألرب وعبدنا ألبعليم وألعشتاروت، فأنقذنا ألآن من أيدي أعدائنا فنعبدك".... ( صموئيل- ألملوك ألأول 1-1012 ).

إنّ "ألتباعد ألإلاهي" يعبّر في ألواقع عن ألمنفعة ألمتزايدة للإنسان نتيجة لإكتشافاته ألدينية ألخاصة وإكتشافاته ألثقافية وألإقتصادية.
إنّ ألإنسان ألبدائي أبتعد عن ألإله ألسماوي بسبب ألإفراط في إهتمامه بتقديسات ألحياة وكذلك بسبب إكتشافه ألخصب ألأرضي وحينما بدأ بألمشاركة بتجارب دينية محسوسة أكثر وجسدية أكثر إضافة لمشاركته في تجارب تهتكية، زاد أبتعاده عن ألإله ألسماوي وألإله ألمفارق.
لقد حوّل إكتشاف ألزراعة جذريا إقتصاد ألإنسان ألبدائي وليس هذا فحسب وإنّما قبل كل شيء بنيته للمقدّس، فتدخل في أللعبة قوى دينية اخرى:
ألجنس، وألخصب، وأسطورة ألمرأة وألأرض وقوى دينية أخرى.
نتيجة لهذا ألتطور أصبحت ألتجربة ألدينية أكثر مادية وأكثر أختلاطا حميميا بألحياة، فألربات ألكبرى – ألأمهات- وألآلهة ألقوية أو جنيات ألخصب أصبحن أكثر ديناميكية وأكثر قبولا لدى ألبشر بديلا للإله ألخالق.
ولكن في حالة ألتعاسة ألقصوى وخاصة في حالة وقوع ألكارثة ألآتية من ألسماء كالجفاف وألعاصفة وألأوبئة كان يتم ألرجوع إلى ألكائن ألأعلى وتقدّم إليه ألتضرعات، وهذه ألحالة غير محصورة بالشعوب ألبدائية، ففي كل مرة كان ألعبرانيون ألقدامى يعيشون عصرا من السلام والرخاء ألإقتصادي، كانوا يبتعدون عن يهوه ويتقربون من من أتباع بعل وعشتار ألذين كانوا يعيشون في جوارهم، وكانت ألكوارث ألتاريخية وحدها تجبرهم للعودة إلى يهوه:
"عندئذ صرخوا إلى ألرب وقالوا قد أثمنا لأننا تركنا ألرب وعبدنا ألبعليم وألعشتاروت، فأنقذنا ألآن من أيدي أعدائنا فنعبدك"......( صموئيل- ألملوك ألأول 1-1012 ).
إنّ ألعبرانيين عادوا إلى يهوه على أثر ألكوارث ألتاريخية وألهلاك ألوشيك ألمحكوم بالتاريخ، وكذلك كان ألبدائيون يذكرون كائناتهم ألعليا في حالات ألكوارث ألكونية.
إنّ عبدة ألآلهة ألتي تمجّد وتوسّع الحياة وألحياة ألكونية (نبات، زراعة، قطعان ألماشية ) وكذلك ألحياة البشرية، أكانوا عبرانيين أم بدائيين قد كان لديهم شعور بأنّ كل هذه ألربات ألكبرى، وكل ألأرباب الزراعية كانت غير قادرة على إنقاذهم وغير قادرة على ضمان ألوجود لهم في ألفترات ألحرجة.
إنّ هذه ألأرباب وألربّات لم تكن تستطيع سوى إعادة إنتاج الحياة وإنمائها، وما هو اكثر من ذلك لم تكن تستطيع ملأ هذه الوظيفة إلّا أثناء فترة طبيعية، فهذه ألآلهة كانت تحكم بإعجاب ألإيقاعات ألكونية وكانت تبدو غير قادرة على إنقاذ ألكون أو ألمجتمع ألبشري في فترة أزمته ( أزمة تاريخية لدى ألعبرانيين ).
إنّ ألآلهة ألمختلفة ألتي حلّت محل ألكائنات السماوية ألعليا جمعت ألقوى ألمحسوسة ألأكثر ألقا مثل قوى ألحياة وخصصت نفسها في ألأنسال وأضاعت ألقدرات ألأكثر براعة ونبلا وروحانية للتي كانت من صفات ألآلهة ألخالقة.
بإكتشاف قداسة ألحياة، أستسلم ألإنسان لإكتشافه ألخاص وأنجرف نحوه:
لقد ترك ألإنسان نفسه للتقديسات الحياتية وأبتعد بنفسه عن ألقداسة ألممنوحة للآلهة ألخالقة ألتي تحولت إلى آلهة مبتعدة أو مفارقة,
نتيجة لهذا ألتحول لا يستطيع ألإنسان منع نفسه من ألتساؤل:
هل كان ألإنسان صائبا في قراره هذا؟.

22
الملاحدة البدائيون

"قال هندي من قبيلة "أبيبون" ما عساه أن يحير عالماً من علماء الميتافيزيقا، إذ قال في لهجة كونفوشية "إن آباءنا وأجدادنا كانت تغنيهم هذه الأرض وحدها، لا يرجون شيئاً سوى أن يُنبت لهم السهل كلأ ويفجر لهم ماء لتَطعمَ جيادُهم وتشرب؛ إنهم لم يشغلوا أنفسهم أبداً بما يجري في السماء، وبمن ذا عسى أن يكون خالق النجوم وحاكمها".

إذا عرفنا الدين بأنه عبادة القوى الكائنة فوق الطبيعة. فلابد لنا منذ البداية أن نلاحظ أن بعض الشعوب- فيما يبدو- ليس لهم ديانة على الإطلاق فبعض قبائل الأقزام في أفريقيا لم يكن لهم عقيدة أو شعائر دينية يقيمونها بحيث يراها المشاهدون؛ ولم يكن لهم طوطم ولا أصنام ولا آلهة؛ وكانوا يدفنون موتاهم بغير احتفال، فإذا ما فرغوا من دفنهم لم يبدُ عليهم ما يدل على إنهم يهتمون لأمرهم بعد ذلك إطلاقاً، بل أعوزتهم حتى الخرافة، ذلك لو أخذنا بأقوال الرحالة فلم نظن بأقوالهم الإسراف الذي يعز على التصديق؛ وأما أقزام "الكامرون" فلم يعترفوا إلا بآلهة الشر وحدها، ولم يحاولوا قط إرضاء هؤلاء الآلهة على أساس أن المحاولة في هذه السبيل عبث لا يجدي؛ وقبيلة "فيذا" في سيلان اعترفت باحتمال وجود الآلهة وخلود الروح، لكنهم لم يجاوزوا ذلك الحد بحيث يؤدون الصلاة أو يقدمون القرابين؛ وسأل أحدهم سائلٌ عن الله فأجاب في حيرة فيلسوف حديث: "أيكون على صخرة أم على تل من تلال النمل الأبيض أم على شجرة؟ إني لم أر قط إلهاً!"؛ وهنود أمريكا الشمالية تصوروا إلها لكنهم لم يعبدوه، وظنوا- كما ظن أبيقور- أنه أبعد من أن يُعنى بأمورهم، وقال هندي من قبيلة "أبيبون" ما عساه أن يحير عالماً من علماء الميتافيزيقا، إذ قال في لهجة كونفوشية "إن آباءنا وأجدادنا كانت تغنيهم هذه الأرض وحدها، لا يرجون شيئاً سوى أن يُنبت لهم السهل كلأ ويفجر لهم ماء لتَطعمَ جيادُهم وتشرب؛ إنهم لم يشغلوا أنفسهم أبداً بما يجري في السماء، وبمن ذا عسى أن يكون خالق النجوم وحاكمها"، ولما كان الإسكيمو يُسألون من ذا صنع السماوات والأرض، كانوا يجيبون دائماً بقولهم "لسنا ندري"، وسئل رجل من "الزولو": "إذا رأيت الشمس تشرق وتغيب، وإذا رأيت الشجر ينمو، فهل تعرف من خالقها ومن حاكمها؟" أجاب في بساطة بقوله "كلا، فنحن نراها، لكننا لا نستطيع أن نعلم أنىّ جاءت، ويظهر أنها جاءت من تلقاء أنفسها". على أن هذه حالات نادرة الوقوع، ولا يزال الاعتقاد القديم بأن الدين ظاهرة تعم البشر جميعاً اعتقاداً سليما؛ وهذه، في رأي الفيلسوف، حقيقة من الحقائق التاريخية والنفسية، فهو لا يكفيه أن يعلم عن الديانات كلها أنها مليئة باللغو الباطل، لأنه معني قبل ذلك بالمشكلة في ذاتها، أعني مشكلة العقيدة الدينية من حيث قِدمَ ظهورها ودوام وجودها، فما أساس هذه التقوى التي لا يمحوها شئ من صدر الإنسان.


23
مصادر الدين

الخوف - الدهشة - الأحلام - النفس – الروحانية
"لا يوقظنَّ أحد نائماً إيقاظاً مفاجئاً عنيفاً؛ لأنه من أصعب الأمور علاجا أن تضل الروح فلا تعرف طريقها إلى جسدها" .... كتاب يوبانشاد.

الخوف- كما قال لوكريشس- أول أمهات الآلهة، وخصوصاً الخوف من الموت، فقد كانت الحياة البدائية محاطة بمئات الأخطار، وقلما جاءتها المنيَّةُ عن طريق الشيخوخة الطبيعية، فقبل أن تدب الشيخوخة في الأجسام بزمن طويل، كانت كثرة الناس تقضي بعامل من عوامل الاعتداء العنيف أو بمرض غريب يفتك بها فتكا، ومن هنا لم يصدق الإنسان البدائي أن الموت ظاهرة طبيعية وعزاه إلى فعل الكائنات الخارقة للطبيعة، ففي أساطير سكان بريطانيا الجديدة الأصليين، جاء الموت نتيجة خطأ أخطأته الآلهة، فقد قال الإله الخير كامبيناتا" إلى أخيه الأحمق"كورفوفا": "اهبط إلى الناس وقل لهم يسلخوا جلودهم حتى يتخلصوا من الموت، ثم أنبئ الثعابين أن موتها منذ اليوم أمر محتوم" فخلط "كورفوفا" بين شطري الرسالة بحيث بلغ سر الخلود للثعابين، وقضاء الموت للإنسان؛ وهكذا ظن كثير من القبائل أن الموت مرجعه إلى تقلص الجلد، وأن الإنسان يخلد لو استطاع أن يبدل بجلده جلداً آخر.
وتعاونت عدة عوامل على خلق العقيدة الدينية، فمنها الخوف من الموت، ومنه كذلك الدهشة لما يسبب الحوادث التي تأتي مصادفة أو الأحداث التي ليس في مقدور الإنسان فهمها، ومنها الأمل في معونة الآلهة والشكر على ما يصيب الإنسان من حظ سعيد، وكان أهم ما تعلقت به دهشتهم وما استوقف أنظارهم بسره العجيب هما الجنس والأحلام، ثم الأثر الغريب الذي تحدثه أجرام السماء في الأرض والإنسان؛ لقد بهت الإنسان البدائي لهذه الأعاجيب التي يراها في نومه، وفزع فزعا شديداً حين شهد في رؤاه أشخاص أولئك الذين يعلم عنهم علم اليقين أنهم فارقوا الحياة؛ لقد دفن موتاه بيديه ليحول دون عودتهم؟ لقد دفن مع الموتى ألوان الطعام وسائر الحاجات حتى لا يعود الميت من جديد فيصبّ عليه لعنته، بل كان أحيانا يترك للميت الدار التي جاءه فيها الموت، وينتقل هو إلى دار أخرى، وفي بعض البلدان كان الإنسان البدائي يُخرج الجثة من الدار خلال ثقب في الحائط، لا من بابها، ثم يدور بها حول الدار ثلاث دورات سريعة، لكي تنسى الروح أين المدخل إلى تلك الدار فلا تعاودها أبدا.
مثل هذه الأحداث التي كانت تصادف الإنسان البدائي في حياته، أقنعته بأن كل كائن حي له نفَس أو حياة دفينة في جوفه، يمكن انفصالها عن الجسد إبان المرض والنوم والموت؛ جاء في كتاب من كتب "يوبانشاد" في الهند القديمة: "لا يوقظنَّ أحد نائماً إيقاظاً مفاجئاً عنيفاً؛ لأنه من أصعب الأمور علاجا أن تضل الروح فلا تعرف طريقها إلى جسدها" وليست الروح بقاصرة على الإنسان وحده، بل إن لكل شئ روحاً، والعالم الخارجي ليس مواتاً ولا خلواً من الإحساس، لكنه كائن حي دافق الحياة. ولو لم يكن الأمر كذلك- هكذا ظن الفلاسفة القدامى- لكان العالم مليئاً بالأحداث التي يستحيل تعليلها، مثل حركة الشمس، أو البرق الذي يصعق الأحياء، أو تهامس الشجر، وهكذا تصور الناس الأشياء والحوادث مشخصة قبل أن يتصوروها جوامد أو مجردة؛ وبعبارة أخرى سبقت الديانة الفلسفة؛ وهذه الروحانية في النظر إلى الأشياء هي ما في الدين من شعر، وما في الشعر من دين؛ وقد نشاهدها في أبسط صورها، في عيني الكلب الدهِشتَين إذ يرقب بهما ورقة حملته الريح أمامه، فربما ظن إزاءها أن لها روحا تحركها من باطنها، وهذا الشعور نفسه هو الذي تصادفه في أعلى درجاته عند الشاعر فيما ينظم من قصيد؛ ففي رأي الإنسان البدائي- وفي رأي الشعراء في كل العصور- أن الجبال والأنهار والصخور والأشجار والنجوم والشمس والقمر والسماء، كلها أشياء مقدسة لأنها العلامات الخارجية المرئية للنفوس الباطنية الخفية؛ وكذلك الحال مع اليونان الأقدمين إذ جعلوا السماء هي الإله "أورانوس"، والقمر هو الإله "سلين"، والأرض هي الإلهة "جى"، والبحر هو الإله "بوزيدن"، وأما الإله "بان" ففي كل أرجاء الغابات في وقت واحد؛ والغابات في رأي الجرمان الأقدمين كانت في أول أمرها عامرة بالجن والشياطين والسحرة والمَرَدة والأقزام وعرائس الجن وإنك لتلمس هذه الكائنات الجنية مبثوثة في موسيقى "فاجنر" وفي مسرحيات "إبسِن"الشعرية؛ والفلاح الساذج في إيرلندة لا يزال يؤمن بوجود الجنيات، ويستحيل أن يُعترف بشاعر أو كاتب مسرحي على أنه من رجال النهضة الأدبية هناك إلا إذا أدخل الجنيات في أدبه، وإن في هذه النظرة الروحانية لحكمةً وجمالاً، فمن الخير الذي يشرح الصدور أن تعامل الأشياء معاملتك للأحياء.
والنفس الحساسة- كما يقول أرهف الكتاب المعاصرين حساسية- ترى كأنما: "الطبيعة أخذت تتبدى في هيئة مجموعات كبرى من كائنات حية مستقل بعضها عن بعض؛ بعضها مرئي وبعضها خفي، لكنها جميعاً من طبيعة العقل، ثم هي جميعاً من طبيعة المادة، وهي كذلك جميعاً تمزج في أنفسها بين العقل والمادة فتكون بذلك سر الوجود العميق... إن العالم ملئ بالآلهة! فمن كل كوكب ومن كل صخرة ينبثق وجود يثيرنا بنوع من الإحساس الذي ندرك به كثرة ما هنالك من قوى شبيهة بقوى الآلهة، فمنها القوي ومنها الضعيف، ومنها الجليل ومنها الضئيل، تتحرك كلها بين السماء والأرض لتحقق غاياتها التي كتمتها في أجوافها سراً".










24
المعبودات الدينية

الشمس - النجوم - الأرض - الجنس - الحيوان - الطوطمية - الانتقال إلى مرحلة الآلهة البشرية - عبادة الأشباح - عبادة الأسلاف
" تكاد لا تجد حيواناً في الطبيعة كلها- من الجُعل (الجعران) المصري إلى الفيل عند الهندوس- لم يكن في بلد ما موضع عبادة باعتباره إلها".

لما كان لكل شيء روح، أو إله خفي، إذن فالمعبودات الدينية لا تقع تحت الحصر، وهي تقع في ستة أقسام: ما هو سماوي، وما هو ارضي، وما هو جنسي، وما هو حيواني، وما هو بشري، يوما هو إلهي؛ وبالطبع لن يتاح لنا قط أن نعلم أي الأشياء في هذا العالم الفسيح كان أول معبود للإنسان؛ وربما كان القمر بين المعبودات الأولى؛ فكما أننا اليوم نتحدث في أغانينا الشعبية عن "الرجل الذي يسكن القمر" كذلك صورت الأساطير الأولى القمر رجلا شجاعا أغوى النساء وسبب لهن الحيض مرة كلما ظهر؛ ولقد كان القمر إلها محببا للنساء، عَبدَنَه لأنه حاميهن بين الآلهة؛ وكذلك اتخذ القمر الشاحبُ مقياسا للزمن، فهو في ظنهم يهيمن على الجو، ويُنزل من السماء المطر والثلج، حتى الضفادع تضرع للقمر بالدعاء لينزل لها المطر.
ولسنا ندري متى حلت الشمس محل القمر سيدة على دولة السماء، عند الديانة البدائية؛ وربما حدث ذلك حين حلت الزراعة محل الصيد، فكان سير الشمس محدداً لفصول البذر وفصول الحصاد، وأدرك الإنسان أن حرارة الشمس هي العلة الرئيسية فيما تدره عليه الأرض من خيرات؛ عندئذ انقلبت الأرض في أعين البدائيين آلهة تخصبها الأشعة الحارة، وعبد الناس الشمس العظيمة لأنها بمثابة الوالد الذي نفخ الحياة في كل شيء حي ومن هذه البداية الساذجة هبطت عبادة الشمس إلى العقائد الوثنية عند الأقدمين ولم يكن كثير من الآلهة فيما بعد سوى تشخيص للشمس وتجسيد لها؛ ألم يَقضِ اليونان على أناكسجوراس بالنفي لأنه استباح لنفسه أن يذهب بالظن مذهبا مؤداه أن الشمس ليست إلها، بل هي كرة من النار تقرب في حجمها من"بلبونيز"؟ وكذلك استبقت العصور الوسطى بقية من عبادة الشمس في الهالات التي كان الناس يصورونها حول رؤوس القديسين، وإمبراطور اليابان في أيامنا هذه معدود عند معظم شعبه بأنه تجسيد لإله الشمس، الحق أنك لا تكاد تجد خرافة من خرافات العصر القديم إلا ولها لون من الحياة القائمة بيننا اليوم؛ إن المدنية صنيعةُ أقلية من الناس أقاموا بناءها في أناة واستمدوا جوهرها من حياة الترف؛ أما سواد الناس وغمارهم فلا يكاد يتغير منهم شئ كلما مرت بهم ألف عام.
وكل نجم شأنه شأن الشمس والقمر، يحتوي إلهاً وهو بذاته إله، ويتحرك بأمر روح كامن في جوفه؛ وهذه الأرواح في ظل المسيحية أصبحت ملائكة تَهدي سواء السبيل، أو إن شئت فقل أصبحت لأفلاك السماء قادةً تسلك بها في مسالكها، حتى "كبلر" لم يبلغ من النظرة العلمية مبلغا يحمله على إنكارها؛ والسماء نفسها كانت إلهاً عظيما، تقام لها العبادة في تبتل لأنها هي التي تنزل الغيث أو تحبسه؛ وكثير من القبائل البدائية يستعمل كلمة "الله" لتعني "السماء" ولفظ الله عند "اللوباري" و "الدنكا" معناها المطر، وكذلك كانت السماء عند المنغوليين هي الإله الأعظم، وكذلك الحال في الصين، وفي الهند الفيدية أيضاً، معنى كلمة الله هو "السماء الوالدة"، والله عند اليونان هو زيوس أو السماء "مرغمة السحاب" وهو "أهورا" عند الفرس، أي السماء الزرقاء.
ولا نزال في أيامنا هذه نضرع إلى "السماء" أن تقينا الشرور، ومعظم الأساطير الأولى تدور حول محور واحد، وهو الخصب الذي نتج عن تزاوج الأرض والسماء.
لأن الأرض هي الأخرى كانت إلها، وكل مظهر رئيسي من مظاهرها كان يقوم على أمره إله؛ فللشجر أرواح كما لبني الإنسان سواء بسواء، وقطعُ الشجرة معناه قتل صريح؛ وكان الهنود في أمريكا الشمالية أحياناً يعزون هزيمتهم وانحلالهم إلى أن البيض قد قطعوا الأشجار التي كانت أرواحها تقي "الحُمرَ" من الأذى؛ وفي جزر "مولقا" كانوا يعتبرون الأشجار أيام الإزهار حوامل أجنة، فلا يجيزون إلى جوارها ارتفاع الصوت أو إشعال النار أو غير ذلك من عوامل الاضطراب حتى لا يفسدوا على الأشجار الحبليات سكونها، وإلا لجاز أن تسقط ثمارها قبل نضجها كما تجهض المرأة إن ألم بها الفزع، وكذلك في "أبوينا" Aboyna لا يؤذن بالأصوات العالية على مقربة من الأرز إذا ما أزهرت سنابله خشية أن يصيبه الإجهاض فينقلب أعواداً من القش العقيم و"الفال" القدماء عبدوا أشجار غابات معينة كانت لديهم مقدسة، وكذلك القساوسة "الدرديون" Druid في إنجلترا مجدوا دِبْقَ أشجار البلوط، الذي لا يزال يوحي إلينا بشعيرة من الشعائر المحببة إلى نفوسنا؛ وأقدم عقيدة دينية في آسيا- مما تستطيع أن تتعقبه إلى أصوله التاريخية- هي تقديس الأشجار وينابيع الماء والأنهار والجبال فكثير من الجبال كان أماكن مقدسة، اتخذتها الآلهة مقراً ترسل منه ما شاءت من صواعق؛ وأما الزلازل فليست سوى آلهة ضجروا أو ضاقوا صدراً فهزوا أكتافهم ويعلل أهل "فيجي" الزلازل بأن إله الأرض يتقلب في نومه؛ وإذا ما زلزلت الأرض عند قبيلة "ساموا" أخذوا يقرضون الأرض بأسنانهم ويبتهلون إلى الإله "مافوِي" Mafuie أن يسكن خشية أن تتمزق الأرض كلها إرباً إرباً؛ والأرض عند الناس في شتى النواحي المعمورة تقريباً هي "الأم الكبرى" فاللغة الإنجليزية التي كثيراً ما تكون بمثابة الرواسب التي تجمعت فيها العقائد البدائية أو اللاشعورية، تشير حتى اليوم بصلة القربى بين المادة والأمومة (مادة معناها Matter والأم معناها Mother) وليس "إشترَ" و"سبيل" و"دميتر" و"سيريز" و"أفروديت" و"فينَس" و"فْرِييا" إلا صوراً متأخرة نسبياً لإلهات الأرض الأوليات اللائى خلعن من خصوبتهن خصوبة على الأرض فأخرجت من جوفها الخيرات؛ وما رواه الناس عن ولادة هؤلاء الإلهات وزواجهن وعن موتهن وعودتهن منتصرات إلى الحياة، إن هو إلا رموز أو تعليل لظهور النبات ثم جفافه، والتجديد الملحوظ الذي يطرأ على حياة النبات حيناً بعد حين؛ وهذه الإلهات تدل بأنوثتهن على أن الإنسان البدائي قد ربط بين الزراعة والمرأة؛ فلما أصبحت الزراعة هي الصورة السائدة في الحياة الإنسانية، كانت إلالهات النبات هي سيدة الإلهات جميعاً؛ ومعظم الأرباب في العصر القديم كان من النساء، ثم حل محلهن الآلهة الذكور، حين ظهرت الأسرة الأبوية فوق الأرض ظافرة.
وكما يرى العقل البدائي فيما يقول من شعر عميق سراً إلهيا في نمو الشجرة، كذلك يرى يداً إلهية في حمل الجنين أو ولادته؛ إن "الهمجي" لا يعرف شيئاً عن البويضة والجرثومة المنوية، لكنه يرى الأعضاء الظاهرة أمام عينيه، التي تشترك معاً في هذه العملية فيؤلهها، فهي كذلك تكمن فيجوفها الأرواح ولا بد من عبادتها، أليست هذه القُوى الخلاقة العجيبة في سرها، أعجب الكائنات جميعاً؟ ففيها تظهر معجزة الخصوبة والنمو أوضح مما تظهر في تربة الأرض نفسها؛ وإذن فلا بد أن تكون اقرب ما تجسد فيه الآلهة قوتها، وتوشك الشعوب البدائية جميعاً أن تعبُدَ الجنس على صورة من الصور أو شعيرة من الشعائر؛ ولم يكن أدناها، بل أعلاها مدنية، هو الذي عبر عن هذه العبادة تعبيراً كاملا؛ وسنرى هذه العبادة في مصر والهند وبابل وآشور واليونان والرومان؛ كان الناس يجلون الوظيفة الجنسية والجانب الجنسي من آلهتهم البدائية إجلالا عظيما لا لأنهم يرون في ذلك شيئاً من الفاحشة بل لأنهم يرتبطون ارتباطاً وجدانياً بالخصوبة في المرأة وفي الأرض؛ ولذلك عبدوا بعض الحيوان كالعجل والثعبان لآن لهما- فيما يظهر- القوة الإلهية في الإنسال، أو قُل إنهما يرمزان لتلك القوة فلا شك أن الثعبان في قصة عدن رمز جنسي يمثل العلاقة الجنسية باعتبارها أساس الشر كله، ويوحي بأن اليقظة الجنسية هي بداية الخير والشر، وربما يشير كذلك إلى علاقة أصبحت مضرب الأمثال بين سذاجة العقل ونعيم الفردوس .
وتكاد لا تجد حيواناً في الطبيعة كلها- من الجُعل (الجعران) المصري إلى الفيل عند الهندوس- لم يكن في بلد ما موضع عبادة باعتباره إلها: فهنود "أوجبوا" Ojibwa أطلقوا اسم "طوطم" على حيوانهم الخاص الذي يعبدونه، وعلى العشيرة التي تعبده، وعلى كل عضو من تلك العشيرة؛ ثم جاء علماء الأجناس البشرية فأخذوا هذه الكلمة وجعلوها اسما على مذهب "الطوطمة" الذي يدل دلالة غامضة على أية عبادة لشيء معين- وعادة يكون الشيء المعبود حيواناً أو نباتاً- تتخذه جماعة ما موضع عبادتها؛ ولقد وجدنا أنواعاً مختلفة من الطواطم في أصقاع من الأرض ليس بينها رابطة ظاهرة، من قبائل الهنود في شمالي أمريكا، إلى أهل أفريقيا وقبيلة "درافيد" Daraviians في الهند، وقبائل استراليا؛ ولقد أعان الطوطم باعتباره شعاراً دينياً. على توحيد القبيلة التي ظن أعضاؤها أنهم مرتبطون معاً برباطه، أو هبطوا جميعاً من سلالته؛ فقبيلة "إراكو" تعتقد أنهم سلالة التزاوج بين النساء وبين الدببة والذئاب والغزلان، وأصبح الطوطم- باعتباره شعاراً أو رمزاً- علامة مفيدة تدل على ما بين البدائيين من قُربى، وتميزهم بعضهم من بعض، ثم أخذ على مر الزمن يتطور في صور عَلمانية فكان منه التمائم والشارات، كهذا الذي تتخذه الأمم من شعارات لها كالأسد أو النسر، أو الأيل الذي تتخذه الجمعيات التي تعمل على الإخاء بين الناس، أو هذه الحيوانات الخرساء التي تصطنعها الأحزاب السياسية عندنا اليوم، لتمثيل رسوخ الفيلة أو صخب البغال؛ وكانت الحمامة والسمكة والحَمل، في رمزية العقيدة المسيحية إبان نشوئها، بقايا القديم في تمجيد الطواطم؛ بل إن الخنزير الوضيع كان يوماً طوطما لليهود السابقين للتاريخ؛ وفي معظم الحالات كان الطوطم محرماً لا يجوز لمسه؛ ويجوز أكله في بعض الظروف، على أن يكون ذلك من قبيل الشعائر الدينية، فهو بذلك يرمز إلى أكل الإنسان لله أكلا تعبديا ، وقبيلة "غالا" في الحبشة تأكل السمكة التي تعبدها في احتفال ديني رصين، ويقول أبناؤها: "إننا نشعر بالروح تتحرك فينا إذ نحن نأكلها"؛ وما كان أشد دهشة المبشرين الأطهار، إذ هم يبشرون بالإنجيل لقبيلة "غالا" أن وجدوا بين هؤلاء السذج شعيرة شديدة الشبه بالقُداس عند المسيحيين.
ويجوز أن قد كان الخوف أساس الطوطمة، كما هو أساس كثير من العبادات، وذلك بأن يكون الإنسان قد عَبَدَ الحيوان لقوته، فلم يَرَ بُدّاً من استرضائه، فلما أن طهر الصيدُ الغابة من وحشها، ومهد الطريق للطمأنينة تتوفر في الحياة الزراعية، قَلّت عبادة الحيوان ولو أنها لم تزُل تمام الزوال؛ وربما استمدت الآلهة البشرية الأولى طبعها من الآلهة الحيوانية البشرية لها بديلا؛ والانتقال من أولئك إلى هؤلاء واضح في القصص المشهورة التي تروى لنا تحول الصورة الإلهية، والتي تراها في"أوفد" الشاعر، وفي كل شاعر من قبيلة من تراهم في لغات الأرض جميعاً، فتصف لنا تلك القصص كيف كانت الآلهة، أو كيف صارت حيوانية الصورة، وبعدئذ ظلت صفات الحيوان لاحقة بالآلهة لا تبرحها، كما تظل رائحة الاصطبل لاحقة بمكانه حتى بعد تحويله قصراً ريفياً منفيا؛ حتى في "هومر" الذي كان قد بلغ من الرقي مبلغاً بعيداً، ترى الإلهة "جلوكوبس أثيني" لها عينا بومة، و "هيري بوبس" لها عينا بقرة؛ والآلهة أو الغيلان في مصر وبابل، بوجوهها الإنسانية وأجسادها الحيوانية تبين مرحلة الانتقال نفسها، وتعترف بالحقيقة عينها، وهي أن كثيراً من الآلهة البشرية كانت يوماً آلهة حيوانية.
ومع ذلك فمعظم الآلهة البشرية قد كانوا- فيما يظهر- عند البداية رجالا من الموتى ضخموا بفعل الخيال؛ فظهور الموتى في الأحلام كان وحده كافياً للتمكين من عبادتهم، لأن العبادة إن لم تكن وليدة الخوف، فهي على الأقل زميلته؛ وخصوصاً من كانوا أقوياء إبان حياتهم، فألقوا الخوف في نفوس الناس؛ هؤلاء يرجح جداً أن يُعبدوا بعد موتهم، ولذلك تجد الكلمة التي معناها "إله" عند كثير من الشعوب البدائية، معناها في الحقيقة "رجل ميت"؛ وحتى اليوم، ترى كلمة "Spirit" في الإنجليزية وكلمة "Geist" في الألمانية معناهما إما روح وإما شبح؛ وكان اليونان يتبركون بموتاهم على نحو ما يتبرك المسيحيون بالقديسين؛ ولقد بلغت العقيدة في استمرار حياة الموتى- وهي عقيدة تولدت في بدايتها من الأحلام- مبلغاً عظيما حتى جعل البدائيون أحياناً يرسلون الرسائل لموتاهم بمعنى الكلمة الحرفي الدقيق؛ ففي قبيلة من القبائل، إذا ما أراد الرئيس أن يبعث بخطاب لميت، أسمعه لعبدٍ ثم قطع رأس العبد ليؤدي الرسالة، فإذا نسى الرئيس شيئاً كان يريد ذكره في الخطاب، أرسل عبداً آخر بنفس الطريقة ليكون "حاشية" للخطاب الأول.
ثم تدرجت عبادة الأشباح حتى أصبحت عبادة للأسلاف؛ فقد بات الناس يخافون موتاهم جميعا ويعملون على استرضائهم خشية أن يُنزلوا لعناتهم على الأحياء فيجلبوا لهم الشقاء؛ وكأنما كانت هذه العبادة للأسلاف مهيأة على نحو يجعلها ملائمة لتدعيم المجتمع من حيث سلطانه ودوامه، وللتمكين من روح المحافظة على القديم والاحتفاظ بالنظام؛ حتى لقد شاعت شيوعاً سريعاً في كل أرجاء المعمورة فازدهرت في مصر واليونان وروما، ولا تزال قائمة ومستولية على النفوس بقوة في اليابان والصين الآن؛ وإن كثيراً من الشعوب ليعبدون أسلافهم دون أن يكون لديهم إله ؛ ولقد عمل هذا الاتجاه على ربط أواصر الأسرة ربطاً وثيقاً؛ على الرغم من كراهة الخلف لهذا النظام وكذلك كان لكثير من المجتمعات البدائية بمثابة إطار خفي ينتظم الأفراد في مجموعة متماسكة؛ وكما أن القهر أنهى إلى أن يكون ضميراً، فكذلك الخوف تطور حتى أصبح حُبّاً؛ فشعائر عبادة الناس لأسلافهم، التي يرجح أنها كانت وليدة الخوف في أول الأمر، قد أثارت في القلوب بعدئذ شعور الرهبة، ثم تطور أخيراً إلى ورع وتقوى؛ وكذلك ترى الاتجاه في الآلهة أن يبدأوا في صورة الغيلان المفترسة ثم ينتهون في صورة الآباء الذين يحبون أبناءهم؛ وهكذا يتحول الصنم المعبود على مر الزمن إلى مثل أعلى منشود، كلما عملت زيادة الاطمئنان والأمن والشعور الخلقي لدى العابدين على الحد من وحشية آلهتهم كما تصوروها أولا، وتحوير ملامحهم تحويراً يلائم الطور الجديد؛ إن البطء في سير المدنية ليتمثل في تأخر المرحلة التي أحس فيها الناس بحب آلهتهم.إن فكرة إله بشري لم تظهر في مراحل التطور الطويلة إلا أخيراً؛ وقد برزت في صورة واضحة بعد اجتيازها لمراحل كثيرة أخرجتها من تصور الإنسان لمحيط خضم أو لحشد كبير من الأرواح والأشباح تحيط بكل شيء وتعمر كل شيء؛ ثم انتقل الإنسان من خوفه وعبادته لأرواح غامضة المعالم مبهمة الحدود، إلى تمجيد القوى السماوية والنباتية والجنسية، ثم إلى خشوعه للحيوان وعبادته للأسلاف، والأرجح أن تكون فكرة الإنسان عن الله بأنه "أب" قد تفرعت عن عبادة الأسلاف، لأن معناها في الأصل هو أن الناس قد هبطوا من الآلهة بأجسامهم، لا بأرواحهم فقط ولذا لا تجد في اللاهوت البدائي حداً فاصلا متميزاً من حيث النوع بين الآلهة والناس؛ فعند اليونان الأقدمين- مثلا- كان الأسلاف آلهة والآلهة أسلافا؛ وتلت ذلك خطوة أخرى في التطور، حين ميَّزَ الناس من بين هؤلاء الأسلاف الخليط رجال ونساء بعينهم، كان لهم امتياز خاص دون سائر الأسلاف، فأسبغوا عليهم لونا أوضح من الربوبية الصريحة؛ وبهذا أصبح أعلام الملوك آلهة حتى قبل موتهم أحياناً؛ لكننا إذا ما بلغنا من التطور هذه المرحلة فقد بلغنا المدنية التي دونّها التاريخ.


25
طرائق الدين

السحر - طقوس الزراعة - أعياد الإباحة - أساطير الإله المبعوث - السحر والخرافة - السحر والعلم – الكهنة
" ليس سواد الناس في العصر الحاضر بأرقى من السحر البدائي في تخريفهم".

لما تصور الإنسان البدائي عالما من الأرواح يجهل طبيعتها وغاياتها، فقد عمل على استرضائها واجتلابها في صفه لمعونته ومن هنا كانت إضافته إلى الروحانية التي هي جوهر للديانة البدائية، سحرا هو بمثابة الروح من شعائر العبادة البدائية؛ فقد تصور البولينيزيون خضما حقيقيا مليئا بقوة السحر وأطلقوا عليه اسم "مانا" وكان الساحر في رأيهم إنما يُقطر لهم قطرات ضئيلة من هذا المورد الذي لا ينتهي،
والذي يستمد منه قدرته على السحر؛ وكان ما يسمى "بالسحر التمثيلي" هو أول الطرائق التي كسب بها الإنسان بأداء أشباه الأفعال التي يريد من الآلهة أن يؤدوها له، كأنه بذلك يغريهم بتقليده، فمثلا إذا أراد الناس أن يستنزلوا المطر، صَبَ الساحر ماء على الأرض، والأفضل أن يصبه من أعلى الشجرة؛ ويحكى عن قبيلة الكفير أنها حين تَهددَها الجفافُ، طلبوا إلى مبشر أن يذهب إلى الحقول ويفتح مظلته؛ وفي سومطره، تصنع المرأة العقيم صورة طفل تضعها على حجرها راجية أن يجيئها بعد ذلك الجنين؛ وفي "أرخبيل بابار" تصنع المرأة- إذا ما أرادت لنفسها الأمومة- عروسا من قطن أحمر، وتقوم بحركات إرضاعها، وتقول صيغة سحرية معلومة؛ ثم تبعث إلى القرية بمن يشيع أنها حملت، فيجيء أصدقاؤها لتهنئتها؛ الحق أنه لا يستطيع أن يرفض تحقيق هذا الخيال إلا واقع عنيد؛ وفي قبيلة "دياك" في بورنيو، إذا أراد الساحر أن يخفف آلام امرأة تضع، يقوم هو نفسه بحركات الوضع على سبيل التمثيل، لعله بذلك يوحي بقوة سحره إلى الجنين أن يظهر، وأحيانا يدحرج الساحر حجرا على بطنه ثم يسقطه على الأرض، أملا أن يقلده الجنين المستعصي فتسهل ولادته؛ وفي العصور الوسطى كانوا يسحرون الشخص بأن يغرزوا الدبابيس في تمثال من الشمع يمثل صورته وهنود بيرو يحرقون الناس ممثلين في دُماهم، ويطلقون على هذا اسم إحراق الروح، وليس سواد الناس في العصر الحاضر بأرقى من هذا السحر البدائي في تخريفهم.
كانت طرائق الإيحاء بالتمثيل تُستخدم بصفة خاصة لإخصاب التربة، فأرباب العلم في زولو يشوون الأعضاء التناسلية للرجل إذا مات في عنفوانه، ثم يطحنونها ويسحقونها رماداً يذر فوق الحقول؛ وبعض الشعوب تختار للربيع ملكاً وملكة من بين رجالها ونسائها، وتزوجهما في حفل علني، لعل التربة تصغي إلى الحفل ومغزاه فتسرع إلى أزهار النبات؛ بل إنهم في بعض البلدان يضيفون إلى مثل ذلك الحفل أن يقوم العروسان فعلا بعملية التزاوج علنا، حتى لا يتركوا للطبيعة- على الرغم من أنها ليست سوى طين بارد جامد- عذراً بأنها لم تفهم الواجب الذي طلبَ إليها أداؤه؛ وفي جاوة، يتصل الفلاحون وزوجاتهم اتصالا جنسياً في حقول الأرز ليضمنوا خصوبة إنتاجها ذلك لأن البدائيين لم يفهموا نمو النبات بلغة النتروجين، بل فهموه- بالطبع دون أن يعلموا أن للنبات ذكوراً وإناثاً- على نفس الأساس الذي كانوا يعللون به إثمار المرأة؛ ثم أليس في استعمالنا لكلمات مثل إثمار للطبيعة وللمرأة معاً، ما يذكرنا بعقيدتهم تلك وما تنطوي عليه من شعر؟
وتقام أعياد يختلط فيها الجنسان اختلاطاً بغير ضابط، وهي في معظم الحالات إنما تقام في فصل البذر، بمثابة أمر يوقف القوانين الخلقية حيناً وهي تذكر الناس بما كان في علاقاتهم الجنسية في أيامهم الماضية من حرية نسبية والغاية من هذه الأعياد إخصاب زوجات مَن بهم عقم من الرجال من جهة، وإيحاء للأرض في فصل الربيع بأن تخرج عن تحفظها الذي لازمته أيام الشتاء، لتتقبل ما بذروهُ فيها من بذور، وتهيئ نفسها لإخراج نتاج طيب من القوت، وتقام هذه الأعياد عند عدد كبير من الشعوب الفطرية، وخصوصاً بين أهل كامرون في الكونغو، والكفير، والهوتنتوت، والبانتو، وفي ذلك يقول "هـ. رولي" H. Rowley وهو من رجال الدين في بانتو:
"إن أعياد الحصاد شبيهة في خصائصها بأعياد "باخوس" (عند اليونان)... فأنه يستحيل على إنسان أن يشاهدها دون أن يأخذه الخجل... فهم لا يكتفون في هذه الإباحة الجنسية الكاملة بضمَّ من تنصّر حديثاً، بل لا يكتفون بضمَّ من طالَ أمد تنصره، لكنهم يغرون أي زائر وقفَ ليشاهد حفلهم بالانغماس معهم في إباحتهم؛ عندئذ لا يحول الناس حائل دون الانغماس في الدعارة، وهم لا ينظرون إلى الزنا نظرة فيها أثر من معنى البشاعة، بسبب الظروف التي تحيط بهم حينئذ، بل أنهم لا يسمحون لرجل حضر الاحتفال أن يضاجع زوجته".
وتظهر أعياد كهذه في عصور المدنية التي دونّها التاريخ، فاحتفالات "باخي" عند اليونان، وأشباهها في روما وفي فرنسا إبان العصور الوسطى وفي إنجلترا وسائر الاحتفالات التهريجية التي نشاهدها في عصرنا، كل هذه من قبيل الأعياد الإباحية القديمة.
على أن شعائر الزراعة هذه تتخذ في بعض البلاد هنا وهناك صورة أقل ظرفاً مما ذكرنا- كما هي الحال عند البونيين Pawness وعند هنود جوايا كيل؛ فرجل يضحى به في وقت البذر حتى تخصب الأرض بدمائه- وفيما بعد خفت الصورة بعض الشيء، فاكتفوا بذبح الحيوان قرباناً-؛ حتى إذا ما حلّ موسم الحصاد فسّروه بأنه بعث للرجل الذي مات ضحيةً، فكانوا يخلعون عليه قبل موته وبعده جلال الآلهة؛ ومن هذا الأصل نشأت الأسطورة التي تروى في ألف صورة مختلفة كيف يموت الله في سبيل شعبه، ثم يعود إلى الحياة بعدئذ ظافراً؛ وعمل الشعر على زخرفة السحر حتى حوله ضرباً من اللاهوت، واختلطت الأساطير تروى عن الشمس بشعائر الزراعة اختلاطاً فيه تناسق وانسجام، بحيث أصبحت الأسطورة التي تروى عن موت الإله وعودة ولادته، لا يقتصر مدلولها على موت الشتاء وعودة الحياة إلى الأرض في الربيع بل جاوزت ذلك إلى الانقلابين الآخرين: الصيفي والخريفي، وما يعقب ذلك من قصر النهار وطوله؛ ذلك لان حلول الليل لم يكن إلا جزءاً من هذه المأساة؛ فإله الشمس يموت كل يوم مرة ويولد كل يوم مرة، فكل غروب له بمثابة الاستشهاد على الصليب، وكل شروق هو بعث له ونشور.
والظاهر أن التضحية بالإنسان- التي ذكرنا من شتى صنوفها مثلاً واحداً- قد أخذ بها الإنسان في كل الشعوب تقريباً، فتظهر ها هنا يوماً وهنالك يوماً، فقد وجدنا في جزيرة كارولينا في خليج المكسيك تمثالاً كبيراً معدنياً أجوف لإله مكسيكي قديم، فوجدنا فيه رفات كائنات بشرية، لا شك أنها ماتت بالحرق قرباناً لله، وكلنا يسمع عن "مُلُخْ" الذي كان الفينيقيون والقرطاجنيون، وغيرهما من الشعوب السامية حيناً بعد حين، يقدمون له القرابين من بني الإنسان؛ ولقد شهد عصرنا الحاضر هذه العادة قائمة في روديسيا وربما كان منشأ هذه العادة أكل البدائيين للحوم البشر، فظنوا أن الآلهة تستمرئ من الطعام ما يستمرئون؛ ولما كانت العقيدة الدينية أبطأ تغيراً من سائر العقائد، ثم لمّا كانت الشعائر الدينية أبطأ تغيراً من العقائد نفسها، فقد امتنع الإنسان عن أكله للحم الإنسان، وبقى التقليد قائماً بالنسبة للآلهة؛ ومع ذلك فقد تغيرت حتى هذه الشعائر الدينية بفضل تطور الأخلاق، بحيث طفق الآلهة يقلدون عبادهم في الزيادة من اصطناع الرقّة، واستسلموا للوضع الجديد فقبلوا لحم الحيوان طعاماً بدل لحم الإنسان، فَضُحّى بغزال بدل التضحية بافجينيا (في أساطير اليونان) كما ضُحّى بكبش بدل التضحية بابن إبراهيم؛ ومضى الزمان في تقدمه، فحرمت الآلهة حتى هذا الحيوان، لأن الكهنة آثروا أنفسهم بالطعام الشهي، وأخذوا يأكلون كل ما يمكن أكله من الضحية المقدمة، ثم يهبون الآلهة على مذبح القربان أمعاء الضحية وعظامها.
ولما كان الإنسان الأول يؤمن بأن قوة ما يأكله تنتقل إليه، فقد كان من الطبيعي أن ترد على خاطره فكرة أكل الإله؛ ففي كثير من الحالات كان يأكل لحم الإله البشري ويشرب دمه، ذلك الإله الذي عبده وسمّنه استعداداً للتضحية به؛ لكن الطعام كثرت موارده وضمن الإنسان اطراده، فانتهى ذلك إلى زيادة الرحمة في فؤاده، ولذلك استبدل بالتضحية الإلهية رموزاً على هيئتها، واقتنع بأكلها، ففي المكسيك القديمة، كان يصنع تمثال لله من الغلال والحبوب والخضر، يعجن بدماء صبيان يضحّى بهم لهذه الغاية، ثم يأكلونه على أنه بديل ديني لأكل الله نفسه؛ وأشباه هذه الاحتفالات الدينية وجدناها بكثرة في القبائل البدائية، وكانت العادة أن يطلب إلى الناس أن يصوموا عن الطعام فترة قبل أكل التمثال المقدس، وكان الكاهن ساعتئذ يقول بعض العبارات السحرية ليحول بها التمثال المأكول إلى إله حقيقي.
ولئن بدأ السحر بالخرافة فإنه ينتهي بالعلوم، فألوف من أغرب العقائد جاءت نتيجة للفكرة الروحانية القديمة، ثم نشأ عنها صلوات وطقوس عجيبة؛ فقبيلة "كوكى" Kukis كانت تلهب حماسة أبنائها في القتال بزعمها لهم أن الأعداء القتلى سيكونون لهم عبيداً في الحياة الآخرة؛ ولكنك من ناحية أخرى ترى الرجل من قبيلة "بانتو" Bantu إذا قتل عدواً له، حلق رأس نفسه، وطلى نفسه بروث الماعز، ليمنع روح الميت من العودة إليه والفتك به، وتكاد الشعوب البدائية كلها تجمع على فعل اللعنات وشر "العين الحاسدة" فلم يشك الأستراليون الأصليون في أن اللعنة ينطق بها الساحر القوي، تقضي على حياة اللعين وإن يكن منه على بعد مائة ميل؛ وبدأت العقيدة في السحر في أوائل مراحل التاريخ الإنساني، ولم تَزل عن الإنسان قط زوالا تاما؛ وعبادة الأصنام وغيرها مما يكون له قوة سحرية كالتمائم، أرسخ في القِدَم من السحر نفسه وأثبت منه جذوراً في النفوس؛ ولما كانت التمائم تُحَددُ لها مناطق القوة، بمعنى أن يكون لكل تميمة أثر في ناحية معينة دون غيرها، فإنك ترى بعض الشعوب تُثقِل أنفسها بأحمال منها لكي يكونوا على أهبة الاستعداد لكلما عسى أن تفجأهم به الأيام والأحجية إن هي إلا صورة متأخرة في الظهور، ومَثل من الأمثلة التي تعاصرنا، من الأصنام أو ما إليها من ذوات القوة السحرية، فنصف سكان أوروبا يلبسون المُدليَات والتمائم ليستمدوا بواسطتها وقاية و معونة من وراء الطبيعة؛ إن تاريخ المَدنية ليعلمنا في كل خطوة من خطوات سيره، كم تبلغ قشرةُ الحضارة من الرقة والوهن، وكيف تقوم المدنية على شفا جُرُف هارٍ فوق قمة بركان لا يخمد سعيره، من وحشية بدائية وخرافة وجهل مكبوت، إن المدنية العصرية ليست سوى غطاء وضع وضعاً على قمة العصور الوسطى، ولا تزال تلك العصور ولن تزال باقية.
ولا يسع الفيلسوف إلا أن يَقبَل راضياً هذا الفقر من الإنسان إلى معونة مما فوق الطبيعة تبعث في نفسه الطمأنينة؛ ويجد لنفسه العزاء في علمه بأن الأدب المسرحي والعلوم تنشأ عن السحر، كما ينشأ الشعر عن مذهب الروحانية؛ فقد بين لنا "فريزر" Frazer- في شيء من المبالغة لا نستغربه من مبدع موهوب- أن أمجاد العلم تمتد بجذورها إلى سخافات السحر؛ لأنه كلما أخفق الساحر في سحره استفاد من إخفاقه هذا استكشافاً لقانون من قوانين الطبيعة، يستعين بفعله على مساعدة القوى الطبيعية في إحداث ما يريد أن يحدثه من ظواهر؛ ثم أخذت الوسائل الطبيعية تسود وترجح كفتها شيئاً فشيئاً، ولو أن الساحر كان دائماً يخفي هذه الوسائل الطبيعية ليحتفظ بمكانته عند الناس، ما استطاع إلى إخفائها من سبيل، بأن يعزو الظاهرة التي أحدثها للسحر الذي استمده من القوى الخارقة للطبيعة- وهذا شبيه جداً بأهل هذا العصر حين يعزون الشفاء الطبيعي لوَصفَات وعقاقير سحرية؛ وعلى هذا النحو كان السحر هو الذي أنشأ لنا الطبيب والصيدلي، وعالم المعادن، وعالم الفلك.
لكن الطريق أقصر بين الفلكي والساحر منها في سائر ضروب العلماء؛ ذلك لأنه لما تعددت طقوس الدين وتعقدت، لم يَعد الرجل العادي يقدر على استيعابها جميعاً، والإلمام بها جميعاً ومن هنا نشأت طبقة خاصة أنفقت معظم وقتها في مهام الدين ومحافله؛ وأصبح الكاهن باعتباره ساحراً، بما له من قدرة على الذهول الروحي وتلقي الوحي وتوجيه الدعاء المستجاب، أقر بصلة بإرادة الأرواح أو الآلهة بحيث يستطيع تحويل تلك الإرادة إلى ما فيه نفع الإنسان؛ ولما كان هذا الضرب من العلم والمهارة هو في رأي البدائيين أهم ضروب العلم والمهارة جميعاً، ثم لما تصوروا أن القوى الخارقة للطبيعة لها أثرها في حياة الإنسان عند كل منعطف في الطريق، فقد أصبحت قوة رجال الدين مساوية لقوة الدولة؛ وجعل الكاهن أو القسيس منذ أقدم العصور إلى أحدثها ينافس الجندي المقاتل في سيادة الناس والإمساك بزمامهم، حتى لقد راح الفريقان يتناوبان ذلك، وحسبنا في التمثيل لذلك أن نسوق مصر، ودولة اليهود وأوروبا في العصور الوسطى أمثلة.إن الكاهن لم يخلق الدين خلقاً، لكن أستخدمه لأغراضه فقط، كما يستخدم السياسي ما للإنسان من دوافع فطرية وعادات؛ فلم تنشأ العقيدة الدينية عن تلفيقات أو ألاعيب كهنوتية، إنما نشأت عن فطرة الإنسان بما فيها من تساؤل لا ينقطع وخوف وقلق وأمل وشعور بالعزلة؛ نعم إن الكاهن قد أضر الناس بإبقائه على الخرافة وباحتكاره لضروب معينة من المعرفة، لكنه مع ذلك عمل على حصر الخرافة في نطاق ضيق، وكثيراً ما كان يحمل الناس على إهمال شأنها، وهو الذي لقن الناس بداية التعليم والتهذيب، وكان بمثابة المستودع وأداة التوصيل بالنسبة للتراث الثقافي الإنساني المتزايد؛ وكان عزاء للضعيف في استغلال القوى له استغلالاً ؛ كما أصبح الفعل الفعال الذي أعان الدين على تغذية الفنون، وتدعيم بناء الأخلاق الإنسانية المترنح بدعامة من القوة العليا؛ فلو لم يجد الناس بينهم كاهناً لخلقوه لأنفسهم خلقاً.






26
مهمة الدين الخلقية

الدين والحكومات - المحرمات الجنسية - تأخر الدين - التحول العلماني
"إن الوظيفة الخلقية للدين هي أن يحافظ على القيم القائمة، أكثر مما يخلق قيماً جديدة".

الدين دعامة الأخلاق بوسيلتين أساسيتين هما الأساطير والمحرمات؛ فالأساطير هي التي تخلق العقيدة فيما وراء الطبيعة، ثم يكون من شأن هذه العقيدة أن تضمن بقاء أنواع من السلوك يريد المجتمع (أو يريد الكهنة) بقاءها؛ فما يرجوه الفرد في السماء من ثواب وما يخشاه لديها من عقاب يضطره اضطراراً أن يذعن للقيود التي يفرضها عليه سادته أو جماعته؛ فالإنسان ليس بطبعه مطيعاً رقيقاً طاهراً وليس شيء كالخوف من الآلهة - وذلك بعد القهر الذي خضع له الفرد قديماً فأنشأ في نفسه الضمير - أخضع الإنسان لهذه الفضائل التي لا تتفق وطبيعته إخضاعها مطرداً صامتاً؛ فأنظمة الملكية والزواج تتوقف إلى حد ما على العقوبات الدينية وهي تميل إلى فقدان قوتها في العصور التي يسود فيها الشك الديني؛ بل الحكومة نفسها التي هي أهم أداة اجتماعية اصطنعها الإنسان، وأبعد أداة عن طبيعة الإنسان، كثيرا ما استعانت بالتقوى وبالكاهن، كما فعل أذكياء الهراطقة مثل نابليون وموسوليني اللذين لم يلبثا أن كشفا عن هذه الحقيقة؛ ومن هنا كان ثمة "ميل إلى قيام دولة دينية كلما نشأت الدساتير"؛ فلئن كانت قوة الرئيس البدائي تستمد الزيادة من السحر والعرافة، وكمثال فإن الحكومة الامريكية نفسها تستمد بعض القوة من اعترافها السنوي "بإله المهاجرين".
وأطلق أهل "بولنيزيا" كلمة "تابو" (ومعناها التحريم) على ما يحرمه الدين؛ فلما تقدمت المجتمعات البدائية بعض الشيء، اصطنعت هذه الحُرُمات الدينية مكان القوانين المدنية؛ وكانت صيغة التحريم عادةً سالبة: فبعض الأفعال وبعض الأشياء أعلن عنها أنها "مقدسة" أو "نجسة" وكان اللفظان في الواقع يعنيان نذيراً واحداً، وهو أن تلك الأفعال أو الأشياء لا يجوز لمسها؛ "فتابوت العهد" مثلاً كان محرماً، ويُروى عن "عُزّى" أنه سقط صعقاً عند لمَسِه لمنعِه من السقوط؛ ويؤكد لنا "ديودورس" عن المصريين القدماء أنهم أكلوا بعضهم بعضاً إبان المجاعة، فذلك آثر عندهم من الاعتداء على تحريم أكل الحيوان الذي اتخذته القبيلة طوطماً لها؛ وإنك لتجد في معظم الجماعات البدائية عدداً كبيرا جداً من هذه المحرمات، فكلمات معينة وأسماء معينة ما كان لها قط أن تُنطق، وأيام معينة وفصول معينة كانت من المحرمات بمعنى أن القتل لم يكن يؤذن به خلالها؛ وكل معرفة البدائيين بحقائق الغذاء وبعض جهلها بتلك الحقائق، كان سبيلها إليهم تحريمات معينة أقامها الناس على ألوان الطعام، فهُم لم يلقنوا مبادئ الصحة عن طريق العلم أو عن طريق الطب العَلماني بقدر ما لقنوها عن طريق الدين.
وكانت المرأة أهم ما اتجه إليه التحريم عند البدائيين فآلاف الخرافات نشأت عن المرأة لتجعلها، آناً بعد آن، مُحرمَة اللمس، خطرةً، "نجسة"؛ إن مُنشئ الأساطير في أنحاء العالم لم يكونوا أزواجاً موفقين، لأنهم متفقون جميعاً على أن المرأة أساس الشر كله، فلم يقتصر هذا الرأي على الديانتين اليهودية والمسيحية، بل جاوزهما إلى مئات من الأساطير الوثنية؛ وأدق التحريمات البدائية كان خاصاً بالمرأة إبان حيضها، فكل من لَمسها أو كل ما لمسها في هذه الفترة فَقدَ فضيلته إن كان إنساناً، وضاعت فائدته إن كان غير ذلك؛ فحرمَّ "الماكوزى" Macusi من أهل غيانة البريطانية على نسائهم أن يستحممن إبان حيضهن خشية أن يُسَممن الماء، كما حرموا عليهن الذهاب إلى الغابة في مثل هذه الفترات، حتى لا تعضَّهن الثعابين غراماً بهن؛ حتى الولادة كانت عندهم نجسة، وكان على الأم بعدها أن تطهر نفسها في كثير جداً من الطقوس الدينية؛ والعلاقة الجنسية حرام في معظم القبائل البدائية، ليس فقط إبان فترات الحيض، بل كذلك أثناء الحمل والرضاعة، ولعل هذه التحريمات قد أنشأها النساء أنفسهن بما لهن من إدراك سليم وما يبغين لأنفسهن من وقاية وراحة، لكن الأصول سرعان ما تُنسى، وتنظر المرأة فإذا هي "مشوبة" وإذا هي "نجسة"؛ وانتهى بها الأمر إلى أن توافق الرجل على وجهة نظره، وراحت تشعر بالعار في حيضها، بل في حملها؛ ومن التحريمات وأمثالها نشأ الحياء ونشأ الشعور بالخطيئة، والنظر إلى العلاقة الجنسية على أنها نجاسة، وكذلك نشأ التقشف وعزوبة الرهبان ونشأ إخضاع النساء.
ليس الدين أساس الأخلاق، لكنه عون لها، فقد يمكن تصور الأخلاق بغير دين، وليس الأمر النادر أن تتطور الأخلاق في طريقها إلى التقدم بينما يبقى الدين لا يأبه لها، أو يقاومها مقاومة عنيدة؛ ففي الجماعات الأولى، وفي بعض الجماعات المتأخرة، كانت الأخلاق فيما يظهر على أتم استقلال عن الدين، وفي مثل هذه الحالة لا يُعنى الدين بقواعد السلوك، بل يُعنى بالسحر والطقوس وتقديم القرابين، والرجل الطيب عندئذ هو من يؤدي محافل الدين أداء المطيع، ويمدها بماله في ولاء وإخلاص؛ والدين بصفة عامة لا يَرعى الخير المطلق (إذ ليس هناك خير مطلق)، بل يرعى معايير السلوك التي وطدت نفسها بحكم الظروف الاقتصادية والاجتماعية؛ وهو كالقانون يلتفت إلى الماضي ليستمد منه أحكامه، وهو قمين أن يتخلف في الطريق كلما تغيرت الظروف وتغيرت معها الأخلاق؛ فقد تعلم الإغريق مع الزمن أن يمقتوا مضاجعة المحارم، مع أن أساطيرهم كانت ما تزال تمجد الآلهة الذين يفعلون ذلك، والمسيحيون يصطنعون نظام الزوجة الواحدة بينما إنجيلهم يُحلل تعدد الزوجات؛ وامتنع الرق امتناعاً تاماً بينما المتدينون كانوا يدافعون عن قيامه بشواهد من الإنجيل لا تُنقض؛ وفي يومنا هذا نرى الكنيسة تقاتل قتال الأبطال لتقيم تشريعاً خلقياً قضت عليه الثورة الصناعية قضاء مبرماً لا شك فيه؛ فالعوامل الأرضية هي التي تسود آخر الأمر، والأخلاق توائم بين نفسها وبين المستحدثات الاقتصادية شيئاً فشيئاً، ثم يتحرك الدين كارهاً فيوفق بين نفسه وبين الأخلاق الجديدة ؛ إن الوظيفة الخلقية للدين هي أن يحافظ على القيم القائمة، أكثر مما يخلق قيماً جديدة.
ومن هنا كان من علامات المراحل العليا في كل مدنية أن يحدث التجاذب بين الدين والمجتمع؛ يبدأ الدين بمَدَد من السحر يقدمه للناس في حيرتهم وارتباكهم؛ ثم يصعد إلى قمة مجده بمَدَد من وحدة الأخلاق والعقيدة يقدمها للناس فتجيء هذه الوحدة معُينة أكبر العون للسياسة والفن؛ ثم ينتهي بقتال يفنى فيه فناء المنتحر دفاعاً عن قضية الماضي الخاسرة؛ ذلك لأنه كلما تقدمت المعرفة أو تغيرت تغيراً متصلاً، اصطدمت بالأساطير واللاهوت اللذين يتغيران تغيراً بطيئاً بطئاً لا يُحتمَل؛ وعندئذ يشعر الناس برقابة رجال الدين على الفنون والآداب كأنها أغلال ثقيلة وحائل ذميم، ويتخذ التاريخ الفكري في مثل هذه المرحلة صيغة النزاع بين العلم والدين"؛ والأنظمة التي تبدأ في أيدي رجال الدين، مثل القانون والعقاب، والتربية والأخلاق، والزواج والطلاق، تميل نحو الإفلات من رقابة الدين لتصبح أنظمة دنيوية، حتى ليعدها الدين أحياناً خارجة عليه، والطبقات المستنيرة تطرح وراء ظهورها اللاهوت القديم، ثم- بعد شيء من التردد- تطرح معه التشريع الخلقي؛ عندئذ تصبح الفلسفة والأدب مناهضة لرجال الدين، وترتفع حركة التحرير إلى عبادة العقل عبادة المتفاني، تكبو فيما يشبه الشلل الذي تسببّه خيبةُ الأمل إزاء كل عقيدة وكل فكرة؛ ويتدهور السلوك الإنساني إذا ما سُلِبَ دعائِمَه الدينيةَ، فينقلب ضرباً من الفوضى الأبيقورية؛ بل إن الحياة نفسها، وقد حَرَمتها ما فيها من إيمان يبعث العزاء في النفوس، تصبح عبئاً ثقيلا للفقير الشاعر بفقره، وللغني الذي مَلَّ غناه آن معاً، وفي النهاية ينحدر المجتمع وتنحدر معه عقيدته الدينية نحو السقوط معاً في ميتة واحدة كأنهما الجسد والروح، على أنه سرعان ما تنشأ أسطورة أخرى بين الناس إذ هم ينوؤون تحت هذا العبء الفادح، أسطورة تَصبّ الأمل الإنساني في قالب جديد، وتمد الجهد الإنساني بحماسة جديدة، ثم تبنى مدنية جديدة بعد أن تنقضي قرون في حالة من الفوضى.



27
الموت والحياة والخلود

" إنّ انكار الموت الذي نحسبه من تقاليد هذه الحضارة ليس سوى شيء نشأ مع الشعوب البدائية الاولى".... سيجموند فرويد.

لم يكن الانسان البدائي، وهو يرمق جثة عدوه المطروحة في الجوار، يرهق ذهنه بالتفكير في لغز الموت والحياة، لكنه كان يزهو بما حقق من إنتصار. ولم يكن يثيره لغز الموت، ولكنه كان يرفض تقبّل موت العزيز، وتتضارب ازاءه مشاعره، فهو من جهة يحبه ويعتبره جزءا من نفسه، ومن جهة اخرى كان انسانا مغايرا ليس جزءا منه وهو ما يكرهه فيه.
وهذا التقارب في المشاعر هو الذي كان يطلق طاقة البحث فيه، وهو نفسه الذي اولد علم النفس، فالإنسان لم يعد في إستطاعته ان يستبعد الموت من تفكيره لإنه ذاق اساه في موت احبائه، لكنه مع ذلك لم يستسلم تماما امامه، ورفض ان يعترف به بشكل كامل، لانه كان مايزال يتصور انه هو نفسه مقدر عليه الموت، ولذلك فقد تحايل على فكرة الموت واقنع نفسه بموقف متوسط، فقد تقبّل الموت كحقيقة، واقر بحقيقة موته هو نفسه، لكنه رفض ان يعترف بأن الموت نهاية الحياة.
مع انه ما كان ينبغي ان ينتهي إلى هذه النهاية، لان عدم الإقرار بانه نهاية الحياة معناه انه ليس نهاية حياة لعدوه مثلما هو هو ليس نهاية الحياة له هو نفسه.
وعلى اي حال فقد تصوّر ان الميت تخرج من جسده اشباح، واختلط الاسى على الفقيد العزيز بالراحة لموته بإعتبار ان الفقيد لم يكن بتمامه امتدادا له، فقد ظل به جزء يستعصي عليه دمجه فيه، جزء مغاير له اجنبي عنه، وهذا الجزء الغريب عليه هو الذي شرح صدره لموته، وملأه ذلك إحساسا بالذنب، وجعله الإحساس بالذنب يتصور روح الميت التي غادرت جسده روحا شريرة، وتخيلها عفريتا مرعبا.
ولم يكن يعتقد في اول الامر ان الميت تخرج منه روح واحدة، ولم يكن امامه ازاء ما يلمسه من تغييرات قد استحدثها الموت إلا ان يؤمن ان الإنسان جسد وروح، وقدمت له مخيلته تفسيرا لكل ما يحدث.
ولانه يذكر المتوفي وسيظل يذكره ، صارت الذكرى الابدية اساس تصوره لانماط الحياة الاخرى بعد الموت، فتخيلها حياة ابدية تتجاوز الموت، ولكنه لم يجهد ذهنه في اول الامر فيما يحتمل ان تكون عليه هذه الحياة، وظل يحفظ لها في نفسه تقديرا خاصا، ثم جاءت الاديان المختلفة من بعد لتصور هذه الحياة الاخرى في صورة اكثر إغراء، وقارنتها بالحياة الدنيا، ووصفتها بانها الاصدق، وان الحياة الدنيا حياة زائفة مآلها الفناء.
وكان طبيعيا لنظرة ترد هذه الحياة الى عالم اسبق عليها ان تتصور الحياة تعود الى الاجسام بعد الموت، وان الاجسام تقوم يوم القيامة، وغاية هذه النظرة ان تفقد الموت معناه كنهاية للحياة.
ومن ثم نرى ان انكار الموت الذي نحسبه من تقاليد هذه الحضارة ليس سوى شيء نشأ مع الشعوب البدائية الاولى.
هناك تطوّر متسلسل في عقائد ما بعد ألموت ونظرة ألإنسان إلى ألعالم ألعلوي وألعالم ألأسفل، وهنالك تشابه ملحوظ بين الحضارات ألرافدينية ألثلاث في هذا المجال، فألرافدينيون لم يؤمنوا بوجود ألثواب والعقاب في ألعالم ألأسفل فهناك يتساوى ألصالح والطالح ولكن مع وجود بعض ألفروقات في ألموقع والمعاملة حسب موقع ألميّت في ألحياة فألملوك مثلا لهم أماكن خاصة في ألجحيم ألرافديني، ولكنّ ألجميع في ألعالم ألأسفل يكونون في حالة شبحية.
لا يوجد في عقائد ما بعد الموت ألرافديني ثنائية ألجنّة وألجحيم، ولا ثنائية ألثواب وألعقاب، في ألاساطير ألرافدينية نلاحظ بأنّ إله ألخصب ( أنانا أو عشتار) أو أبنها ( تمّوز أو ديموزي) يؤسر أو يُختطف من قبل آلهة ألعالم ألأسفل ويبقى هنالك لفترة معينّة ثمّ يصعد ألى ألأعلى، هذا ألتناوب له علاقة بألمواسم ألزراعية من خريف وصيف وربيع وخريف، فألإنسان ألرافديني كان همّه ألأول طعامه ألأساسي ألقمح ودورة حياته فبعد موسم ألحصاد كانت تقام ألمآتم ألتي ترمز ألى جفاف ألأرض وموت الهة ألخصب ونزولها الى ألعالم ألأسفل، أمّا في موسع ألربيع فكانت ألأحتفالات تتسم بطابع ألسعادة وألفرح لقيام آلهة ألخصب من ألموت وتحرره من ألعالم الأسفل.
عقائد ما بعد الموت والعالم الاخر في التوراة هي امتداد لعقائد السومريين والبابليين. فعالم الموتى هو عالم سفلي تذهب اليه ارواح الموتى جميعا دون تمييز.فنجد فيه القديسين والناس العاديين معا. وليست عملية الموت الّا مرحلة تقود الفرد من حالة الى اخرى من احوال الوجود، عن طريق مفارقة الروح للجسد.
انّ الارواح تكون متساوية في مصيرها كما هو الامر في ثقافة وادي الرافدين: فلا بعث هناك ولا حساب ولا ثواب ولا عقاب، بل وجود ثقيل راكد، واستمرار لا فرح فيه ولا نشوة.
عقائد ما بعد الموت الزرداشتية احدثت انقلابا فكريا في المعتقدات الدينية ونلاحظ تأثيراته في الديانات الابراهيمية (اليهودية والمسيحية والاسلام)، فلأول مرة يتعرّف الفكر الانساني على مبدأ الثواب والعقاب في ألآخرة ويطفو إلى ألسطح ثنائية ألجنّة وألجحيم.
في مسيرة المسيحية الاولى في القرون الثلاث بعد الميلاد، حيث ارتبطت بكونها فرقة يهودية جديدة، تخبّط الفكر اللاهوتي قبل ان يتوصل لقرار حاسم في البعث وخلود الروح وشمولية الثواب والعقاب، فكانت فكرة خلود الروح تقتصر على المؤمنين الذين اتّحدوا بالمسيح فأعطيت لهم به الحياة، شأنها في ذلك شأن ديانات الاسرار التي كانت شائعة في الامبراطورية الرومانية في تلك الآونة كالاورفية وغيرها، حيث كان الالتصاق بمخلّص هو (ديونيسيوس أوغيره) شرط للخلاص وللحياة الجديدة.
وأخيرا فإنّ عقائد ما بعد الموت في الدين الاسلامي وصلت إلى مرحلة ألنضج بتأثير العقائد الزرداشتية و التاثيرات المسيحية فظهرت العقائد بصورة أوضح وبتفاصيل مضافة عجيبة عليها، كعقيدة عذاب ألقبر ومرحلة البرزخ، وكذلك عقيدة الثواب الذي ينتظر المؤمنين الصالحين في الجنّة والعقاب الذي ينتظر الكفار الطالحين في الجحيم.
إن دين ألإنسان بدأ بعبادة ألأنثى (ألأم ألكبرى) في ألعصر ألبيالوتي( قبل ميلاد المسيح بعشرة آلاف سنة) فكانت هي رمز ألخصب وألعطاء وألذي أرتبط في خيال الإنسان ألقديم بعطاء ألأرض بعد أكتشاف ألإنسان الزراعة وإنشائه ألقرى ألزراعية، ولكن بعد أنشائه ألمدن ألحضرية وألدولة وحكم ألمجتمعات ألحضرية من قبل ألملوك قام ألذكور بإنقلاب على ألأديان ألأمومية، فظهرت إلى ألوجود الآلهة ألذكور وألأديان ألذكورية كأليهودية وربيبتها ألإسلام.



28
ألموت

"إنّ كل نتاج الفكر البشري من ادب وفن ودين ناشيء عن هذا اللغز المحيّر ..... لغز الموت، فالانسان منذ الخليقة بحث عن وسيلة للخلود، ولكن هيهات، فالّذين سيتذكرونه هم انفسهم فانون. إنّ الطبيعة صامتة صمتا ابديا ولا تُبالي بنا، وهذا الصمت واللامبالاة اللانهائية هو الّذي يُفزعنا ويجعل اغانينا حزينة، وبسبب جحود وصمت هذا الكون لجأ الانسان الى المعابد والكنائس والمساجد منذ القدم، لأنّ الانسان لا يحتمل العيش منسيا يذكره منسيون مثله، وبسبب هذا الصمت والسكون السرمدي نلوذ بالفن ونبحث عن اللّه والحق والعدل والجمال.
إنّ الإنسان في الحياة كالمدعو إلى وليمة دسمة ولكنّ الطعام الّذي يتناوله في هذه الوليمة كلّه مسموم، ومع هذا يأكله ويستمر في الاكل حتّى النهاية".... مصطفى محمود.

ألموت هو ألحقيقة ألتي حيّرت عقل ألإنسان، فنهاية كل شيء موت...ألآلهة، ألأجرام ألسماوية، ألكواكب ألسيارة، ألنباتات ، ألحيوانات ،ألبشر جميعها مآلها ألفناء.
ألشيخوخة وألأمراض ألتي تصيب ألكائنات ألحية وألكوارث ألطبيعية كالفيضانات والزلازل وأنفجارات ألبراكين وإصطدام ألنيازك بألأرض من جملة أدوات ألموت. في ألتراث ألإسلامي لا يقبض ألله أرواح ألبشر بعبارته ألسحرية (كن فيكون) وإنّما يكلّف ملك ألموت (عزرائيل) للقيام بهذه ألمهمّة، وهنا يحق لنا أن نتسائل:
هل يحتاج ألله ألغني عن ألعالمين وألقدير إلى مساعد للقيام بهذه ألمهمّة؟ أم هي من بنت أفكارنا وتصوراتنا وأوهامنا.
ألموت لغز لم يتمكن ألإنسان من فك طلاسمه لحد ألآن ووقف ألعقل ألإنساني أمامه حائرا.
لماذا ألموت قدر جميع ألكائنات؟
ماذا سيحدث لو أختفى ألموت؟
أسئلة تتبعها أجوبة وكل جواب يؤدي إلى أسئلة أخرى.
والتساؤل ألأهم هو :
هل يُمكن أن يعود ألإنسان إلى ألحياة مرة أخرى ؟
قد يتمكن ألإنسان من قهر ألموت في ألمستقبل بإستخدام تقنية ألإستنساخ ونقل ألذاكرة إلى ألنسخة ألجديدة؟
ولكن لا أعتقد بوجود طريقة أخرى لذلك.
نصف جيناتنا التي تنشيء أجسامنا وأدمغتنا قد تنتقل إلى أولادنا وربعها تنتقل إلى أحفادنا وبإستمرار هذه العملية تنتقل جميع جيناتنا وتتوزع في أجساد أخرى وقسم من هذه الجينات تطرأعليها طفرة وتكون مغايرة للأصل، لذا ألسؤال هو :
ما هو إحتمال تجمع جيناتنا البالغة عددها أكثر من 25000 جينة مرة أخرى لتكوين أجسادنا؟
لنفترض حدوث هذا، كيف يمكن أن يرجع وعينا ألينا مرة أخرى؟
لرجوع نفس الوعي إلى نسختنا الجديدة هنالك طريقتان، الأولى هي نقل ذاكرتنا المحفوظة بطريقة ما إلى دماغنا، والثانية هي أن نعيش منذ طفولتنا في نفس ظروف معيشتنا السابقة مكانيا وزمانيا مع نفس الوالدين والأقرباء والأصدقاء وهذا محال.
حسب معتقدات ألأديان ألأبراهيمية فإنّ ألرب أو ألله فرض ألموت على ألبشرية نتيجة خطيئة آدم، فبعد أكله من ألشجرة ألمحرمة نزع ألإله من آدم خاصية ألخلود وكتب عليه ألموت بعد فترة، وسواء أقصرت هذه ألفترة أو طالت فألنتيجة الحتمية لن تتغير.
حسب معظم ألمعتقدات ألدينية ألإنسان يتكون من مادة (جسد) وروح فعندما يموت ألإنسان ينفصل ألروح عن ألجسد ولكن ألروح يبقى خالدا لأنّه نفخة من روح ألخالق، وسيتم محاسبة ألأنسان في التراث ألإسلامي يوم القيامة أو يوم ألدينونة بعد إندماج ألروح مرة أخرى مع ألجسد.
بلغ الانتصار على الموت قمته في المسيحية التي اعطت الإنسان بعثا كاملا غير منقوص، حيث يعود الجسد سيرته الاولى بكل تفاصيله واجزائه.
في مسيرة المسيحية الاولى في القرون الثلاث بعد الميلاد، حيث ارتبطت بكونها فرقة يهودية جديدة، تخبّط الفكر اللاهوتي قبل ان يتوصل لقرار حاسم في البعث وخلود الروح وشمولية الثواب والعقاب، فكانت فكرة خلود الروح تقتصر على المؤمنين الذين اتّحدوا بالمسيح فأعطيت لهم به الحياة، شأنها في ذلك شأن ديانات الاسرار التي كانت شائعة في الامبراطورية الرومانية في تلك الآونة كالاورفية وغيرها، حيث كان الالتصاق بمخلّص هو (ديونيسيوس أوغيره) شرط للخلاص وللحياة الجديدة.
في الدين اليهودي عالم الموتى هو عالم سفلي تذهب اليه ارواح الموتى جميعا دون تمييز.فنجد فيه القديسين والناس العاديين معا. وليست عملية الموت الّا مرحلة تقود الفرد من حالة الى اخرى من احوال الوجود، عن طريق مفارقة الروح للجسد، فالارواح تكون متساوية في مصيرها كما هو الامر في ثقافة وادي الرافدين فلا بعث هناك ولا حساب ولا ثواب ولا عقاب، بل وجود ثقيل راكد، واستمرار لا فرح فيه ولا نشوة.
تختلف معتقدات ألهندوسية وألبوذية عن ألأديان ألأبراهيمية في مصير ألروح بعد موت الإنسان، فهم يؤمنون بعقيدة تناسخ الارواح فروح الانسان الميّت يعود الى الارض ويدخل في جسم أنسان آخر وتتكرر هذه العملية عدّة مرات (عقيدة ألكارما).
الإيمان بحقيقة التناسخ أو تقمّص الروح في أجساد متتالية، له في الهند قوّة وشمول بحيث يعتنقه كلّ هندوسي على أنّه بديهية أو فرض لا بدّ من التسليم بصحته، ولا يكاد يكلّف نفسه عناء التدليل عليه، فتعاقب الأجيال هناك تعاقباً سريعاً متلاحقاً بسبب قُصر الأعمار وكثرة النسل، يوحي إلى الإنسان إيحاء لا يستطيع أنْ يفر منه، بأنّ القوة الحيوية تنتقل من جسد إلى جسد أو بأنّ الروح تحل بدناً بعد بدن، إذا عبّرنا عن الأمر بعبارة لاهوتيه، ولقد طافت الفكرة برأس بوذا مع مرُّ الهواء في أنفاسه، فهذا الهواء الّذي يدخل شهيقاً ويخرج زفيراً هو الحقيقة الواحدة الّتي لم يشك فيها قط على ما يبدو، إنّه سلّم تسليماً بعجلة التناسخ في دورانها وبقانون "كارما" وتفكيره كلّه إنّما يدور حول سبيل الفرار من هذه العجلة الدوارة، كيف يُمكِن للإنسان أنْ يحقق لنفسه النرفانا في هذه الحياة الدنيا، والفناء التام في الحياة الآخرة.
امّا طبقة الشودرا او طبقة الخدم وهم طائفة من بعض شعوب جنوب اسيا فإنَّهم يؤمنون أيضا بعقيدة تناسخ الارواح، وحسب عقيدتهم فإنَّ الارواح لها دورة حياتية تتناسخ فيها وتنتقل من جسد الى اخر يُحدده عمل الروح في الجسد الّذي حَلَّت بهِ، فالخيِّر لا يرتقي، امّا الشرير فانّه ينتقل الى جسد في نفس المستوى إلى انْ يصل الى مرحلة الخلود حيث يتّحد مع ذاته وفي هذه المرحلة يُعطى فرصة تلو الاخرى لكي يتعرّف على ربّه في اكثر من دورة حياة.
إنَّ الشودرا لا يؤمنون بالبعث لذلك لا اهمية لفعل الخير والشر لديهم طالما قام بالواجب المشروط عليه وهو الزواج والانجاب.
إنّ ألإيمان بخلود ألروح بعد ألموت نشأ في عقل ألإنسان من رغبته في ألخلود ومن إحساسه بعدم وجود العدالة في عالمنا، فالذين يعتقدون بيوم ألقيامة يأملون أن تتحقق ألعدالة في حياة اخرى يقتص ألخالق فيها من الظالم ويتمتع المحروم في حياة ألدنيا بمتع لا حصر لها في ألآخرة.
إنَّ المخلوقات من بشر وحيوان ونبات حين تموت تتحلل أجسامها في التراب او الماء الى العناصر المكوِّنَة للطبيعة من فسفور ونايتروجين وكربون وأوكسجين وهيدروجين الى اخر العناصر المكونِة لجسم الاحياء، إنَّ هذه العناصر تعود بشكل او اخر فتكوِّن اجسادا اخرى للبشر والحيوانات والنباتات فكل هذه المخلوقات تقتات بعضها على البعض وهذه العملية تشكّل دورة الحياة في الارض.
في سفر الجامعة من ألتوراة نجد بأنّ القوى العمياء هي المسيطرة على شيئول (ألعالم ألسفلي) ويحدّثنا عن ضرورة تزوّد الانسان بما يستطيع من هذه الحياة لأنّ بعدها يأتي ألنسيان، فنقرأ في الاصحاح التاسع كلمات تشبه الى حد بعيد كلمات فتاة الحانة الى جلجامش:
(اذهب كُل خبزك بفرح وأشرب خمرك بقلب طيّب.. لتكن ثيابك في كلّ حين بيضاء.. ألتذ عيشا مع المرأة ألتي أحببتها.. لان ذلك نصيبك في الحياة وفي تعبك الذي تتعبه تحت الشمس. كلّ ما تجده يدك لتفعله فأفعله بقوّتك لأنّه ليس من عمل ولا اختراع ولا حكمة في الهاوية التي انت ذاهب اليها).


29
المقدس والمدنس - تقديس المكان

" إنّ المكان غير متجانس، بالنسبة للإنسان المتدين، إنّه يمثل إنقطاعات وإنكسارات : يوجد أجزاء من المكان مختلفة نوعيا عن بعضها" .... ميرسيا إلياد.

" لا تقترب من هنا، قال الرب إلى موسى، أخلع نعليك من رجليك، لأنّ المكان ألذي توجد فيه هو أرض مقدسة " ( خروج 5:3). فيوجد إذن حيّز مقدس، وبالتالي "قوي" ذي مدلول، ويوجد أمكنة اخرى غير مكرسة وبالتالي بدون بنية وبدون قوام، وبعبارة اخرى : عديمة الشكل وأكثر من هذا أيضا : إنّ إنعدام التجانس المكاني هذا بالنسبة للإنسان المتدين يُترجَم بتجربة تعارض بين المكان المقدس، الذي هو حقيقي وحده، والموجود حقيقة، وكل الباقي من الامكنة هي إمتداد بلا شكل محدد ويحيط بالمكان المقدس.
المعبد والكنيست والكنيسة والجامع هي اماكن تشكل فتحة صوب الأعلى وتضمن التواصل مع عالم الآلهة، فعندما رأى يعقوب في الحلم في فزان السلم الذي يلامس السماء وعليه كانت الملائكة تصعد وتهبط سمع الرب وهو في القمة يقول :
" أنا الرب إله إبراهيم أبيك وإله إسحاق .. فأستيقظ يعقوب من نومه وقال إن الرب لفي هذا الموضع وأنا لم أعلم فخاف وقال ما أهون هذا الوضع ما هذا إلا بيت الله هذا باب السماء ثم بكر يعقوب في الغداة وأخذ الحجر الذي وضعه تحت رأسه وأقامه نصبا وصب على رأسه دهنا. وسمى ذلك الموضع بيت إيل وكان إسم المدينة أولا لوز " ( تكوين 28-12-19).
إن الرمزية المحتواة في العبارة " باب السماء " غنية ومعقدة : فالتجلي في حلم يعقوب كرس مكانا مفتوحا صوب الأعلى، أي متصلا مع السماء. وهنالك أمثلة أخرى، فالكعبة المقدسة بالنسبة للمسلمين هو أول بيت بني للإتصال بالله، وبعبارة أخرى لعبادة ألله.
حسب التراث الإسلامي أُسرِي بالنبي محمد من مكة إلى القدس التي كانت منطلق العروج إلى السماء من المكان الذي توجد فيه اليوم قبة الصخرة بالقرب من المسجد الأقصى والتي تُعتبر من الأماكن المقدسة في الإسلام. ، فالمعراج هو صعود الإنسان من عالم المادة إلى عالم السماء والروح.
يندر أن يتساءل أحد لماذا وصف ذلك الشيء بالحلال والمقدس وذلك الشيء بالحرام والمدنس ؟
ولماذا أُعتبِر هذا المكان وهذا الجبل وذلك الحجر مقدسا في حين دُمِغ غيره أو دُمِغت ظاهرة طبيعية بكونها مجردة من القداسة؟
يدلنا التاريخ القديم ان العرب كغيرهم من الشعوب بل ربما اكثر من غيرهم قد ادخلوا صفة القداسة على كثير من الأشياء ونزعوها عن الكثير .. ويذكر في هذا الصدد ان عمر بن الخطاب قطع الشجرة التي حدثت تحتها بيعة الرضوان في غزوة الحديبية ، مخافة ان يعبدها العرب وأنّه لم يتقبل عادة تقبيل الحجر الأسود نفسيا وقال قولته المشهورة : " إنِّي لأَعْلَمُ أَنَّك حَجَرٌ , لا تَضُرُّ وَلا تَنْفَعُ , وَلَوْلا أَنِّي رَأَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يُقَبِّلُكَ مَا قَبَّلْتُكَ ".
وتسرد كتب التاريخ ايضا كيف أقام العرب مقامات ومزارات لإحتفالاتهم وأضفوا عليها صفات التقديس وأحاطوها بالكثير من الأساطير والخرافات،كما أضفى العرب على أماكنهم المقدسة صفة وجودها في مركز الدنيا، وأسبغوا على بعض الحجارة صفة سماوية أو أدعوا بإنّها جاءت من عالم آخر كمجيء الحجر الأسود من الجنة.
الفكر العربي كغيره من فكر شعوب أخرى أضفى صفة القداسة على التكون القدسي للعالم والكون والإنسان وركن على محاور قدسية متعددة تتجاور مع أشياء غيرها منزوعة عنها صفة القداسة، وقد خاض الفقه الإسلامي كثيرا في هذا الميدان وخاصة فيما بحثه في دائرتي الحلال والحرام ألذي أصبح الإنسان محاطا ضمن دائرتيهما تبعا لموروثات تتحكم في وجوده من المهد إلى اللحد.
ما زلنا في كل يوم نسمع ونرى على ساحة الثقافة والإعلام والتربية تجاور عالمين مفتوحين أمام الإنسان المسلم بدءاً من البيت والمدرسة ونطاق العمل وحتى الموت، وهذان العالمان هما عالم التاريخ واللا تاريخ. العالم الدنيوي والمقدس، وعالم الحلال والحرام، ونرى الإنسان مقسما بين هذه الثنائية المتحكمة وقلما يستطيع الخيار فيها بشكل قاطع نظرا للتحكم القاهر في سلوكه وفكره بحيث أستمرأها وأصبح يعيش إزدواجية رهيبة تنعكس في سلوكه وفي بنيته الثقافية وتكوينه الإجتماعي والسياسي، وقد يصل الأمر إلى حالة محزنة ترى الإنسان فيها وكأنه طبقات يمارس في بعضها الحلال وبعضها الحرام ويمارس شعائر القداسة دون أن تمنعه عن إقتراف الدناسة.
ومما لاريب فيه أنّ ما يُشاهد من هذه الأحوال البائسة وما يُلاحظ من خلل وفساد في كيان هذا المجتمع وأفراده على مستويات كثيرة، ينهل كله من معين الأنماط الثقافية والتقديسات المكانية والزمانية وعكسها التي كثيرا ما ساهمت في تفاقم الأدواء الإجتماعية التي لم يجرؤ أحد على إستعمال المبضع الحاد في إستئصال عللها.
من المقامات المقدسة التي أقامها العرب قبل الإسلام الكعبة التي أعتبرها العرب أول مكان خُصِص لعبادة الله.
أسطورة آدم وبناء الكعبة :
في السيرة النبوية لأبن إسحاق نجد عدة أحاديث أسطورية حول بناء الكعبة منها :
" ثنا أحمد قال : حدثني أبي قال : ثنا جرير بن عبدالحميد عن منصور عن مجاهد عن عبدالله بن عمرو قال : خُلق البيت قبل الأرض بألفي عام، ثم دحيت الأرض منه ".
" ثنا يونس عن سعيد بن ميسرة البكري قال : حدثني أنس بن مالك أن رسول الله (ص) قال : كان موضع البيت في زمن آدم شبرا أو أكثر، فكانت الملائكة تحج إليه قبل آدم، ثم حج آدم فأستقبلته الملائكة، فقالوا، يا آدم من أين جئت؟ قال حججت البيت، قالوا، قد حجته الملائكة قبلك ".
" ثنا أحمد: ثنا يونس عن ثابت بن دينار عن عطاء قال : أُهبِطَ آدم بالهند، فقال : يا رب ما لي لا أسمع صوت الملائكة كما كنت أسمعها في الجنة؟ فقال له : بخطيئتك يا آدم، فأنطلقْ فابنِ لي بيتا فتطوف به كما رأيتهم يتطوفون، فأنطلقَ حتى أتى مكة فبنى البيت، فكان موضع قدمي آدم قرى وأنهارا وعمارة، وما بين خطاه مفاوز، فحج آدم البيت من الهند أربعين سنة ".
نستنتج من هذه الاساطير ما يلي :
أولا : أنّ الله خلق البيت قبل الأرض بألفي عام ولا نعلم مكان البيت قبل خلق الأرض، وبما أنّ خلق الأرض حسب القرآن كان قبل خلق السموات، نستنتج أنّه لم يوجد مكان سابق للبيت لأنّ السماء أثناء خلق الأرض كانت دخانا:
" قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ(9) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ(10) ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (11) فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ(12) " سورة فصلت .
ثانيا : نستنج من الحديث الثاني أنّ قطعة ألأرض التي خصصها الله في زمن آدم لبناء البيت كانت مساحتها شبرا واحدا أو أكثر ولم يكن هناك بناء على هذه القطعة ، فكانت الملائكة تحج إليه قبل آدم، ثم حج آدم فأستقبلته الملائكة.
ثالثا : بنى آدم البيت، فكان موضع قدمي آدم قرى وأنهارا وعمارة، وما بين خطاه مفاوز، أي لم يكن هناك حاجة لضرب جبريل بجناحه لإستخراج ماء زمزم ليروي إسماعيل عطشه لوجود الأنهار في مكة بعد أن ترك النبي إبراهيم زوجته هاجر وأبنه إسماعيل في وادي غير ذي زرع حسب ألأسطورة الإسلامية :
"رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ"..... الآية (37) من سورة إبراهيم.
إضافة لتقديس الكعبة التي بناها ألنبي إبراهيم وأبنه إسماعيل حسب الأسطورة الإسلامية، يقدس المسلمون الحجر الأسود الموضوع في أحد أركان الكعبة " وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ " ..... الآية (127) من سورة البقرة.
يذكر أبن إسحاق في السيرة النبوية حول اسطورة الحجر الاسود ما يلي :
" ثنا أحمد : ثنا يونس عن الأسباط بن نصر الهمداني عن إسماعيل بن عبد الرحمن السدي قال : خرج آدم من الجنة معه حجر في يده وورق في الكف الأخرى، فبث الورق في الهند فمنه ما ترون من الطيب، وأما الحجر فكان ياقوتة بيضاء يُستضاء بها، فلما بنى إبراهيم البيت فبلغ موضع الحجر قال لإسماعيل:
أئتني بحجر من الجبل، فقال : غير هذا، فرده مرارا لا يرضى بما يأتيه، فذهب مرة، وجاءه جبريل بالحجر من الهند الذي أخرج به آدم من الجنة فوضعه، فلما جاءه إسماعيل قال : من جاء بهذا؟ قال : من هو أنشط منك ".
" ثنا أحمد : ثنا يونس عن سعيد بن ميسرة عن أنس بن مالك أنّ رسول الله (ص) قال : كان الحجر من ياقوت الجنة فمسحه المشركون فأسود من مسحهم إياه ".
" وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحجر : والله ليبعثنه الله يوم القيامة له عينان يبصر بهما ولسان ينطق به يشهد على من استلمه بحق ".
رواه الترمذي وقال حديث حسن وابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما قال الشيخ الألباني صحيح (صحيح الترغيب والترهيب وكذا أيضا في صحيح الجامع ).
إضافة للكعبة هنالك أضرحة عديدة يسبغ عليها المسلمون صفة القدسية كضريح النبي محمد وضريح علي بن أبي طالب وأضرحة أولاده وأحفاده وكذلك أضرحة الشيوخ والأولياء وبعض صحابة النبي محمد.
لا يقتصر تقديس الأماكن والأضرحة على المسلمين فللمسيحيين واليهود والبوذيين والهندوس أماكنهم المقدسة.
ختاما نقول أنّ مفهوما المقدس والمدنس هما من إختراع الإنسان عبر ثقافاته وتطوره الحضاري، وعندما نتبين معالم الحدود لكثير من الأمور التي تفرض وجودها تحت عنوان مقدس نجد أنّ أصلها تنبع من ميثولوجيا (أساطير) أبتكرها الإنسان عبر تاريخه الطويل، وجعلها قيدا على فكره وحريته كما جعلها أداة قمع وقهر وإستغلال.


30
لماذا نقد ألأديان ألإبراهيمية

"يجب تقييم الأديان كمرحلة مرّت بها ألحضارة الانسانية بإيجابياتها وسلبياتها، وألأديان بنت بيئتها وحقبتها ولا يتوجب إضفاء ألقداسة عليها وعلى رموزها ومحاولة تطبيق تشريعاتها ألّتي لا تتلائم مع تطوّر ألعقل الانساني وألحضارة ألانسانية".

لماذا نقد ألأديان ألإبراهيمية ( أليهودية وألمسيحية وألإسلام )؟
سؤال يطرحه ألمؤمنون بألأديان وكذلك منتسبوا ألأديان بألوراثة، وردود أفعالهم متفاوتة بين ألتطرّف وألعتاب.
ألمعاتِب يتسائل: كيف تجيزون لأنفسكم أيُّها ألعلمانيون جرح مشاعر ألدينيين وأعدادهم تُقدَّر بألمليارات؟
ألأعتراض على هذا ألسؤال يكون بسؤالين، ألسؤال ألأوّل هل جميع هذه ألمليارات مِن ألبشر ( حسب ألأحصائيات هنالك 1.57 مليار مسلم وملياران مسيحي و14 مليون يهودي من إجمالي سكّان ألعالم ألبالغ عددهم 6.8 مليار نسمة ) كلّهم مقتنعون بأنّ ألله حقّا أوحى بدين إلى إنسان؟ ألجواب ألمنطقي كلّا فبين هؤلاء مليارات من أللادينيين وألعلمانيين وألملحدين وألبوذيين وألهندوس وألربوبيين وألوثنيين.
ألسؤال ألثاني: هل كثرة عدد ألدينيين تعني أنهم على حق؟ ألجواب كلّا أيضا، ولنضرب مثلا من ألتاريخ على ذلك، ألمسيحيون كأفراد متدينين وكمعتقد للكنيسة كانوا يؤمنون بأنَّ ألشمس تدور حول ألأرض وأنَّ ألأرض ثابتة وهو مركز ألكون، ولكنَّ ألعلماء نيكولاس كوبرنيكوس ومن ثم العالم جوردانو برونو والعالم جاليلو جاليلي أثبتوا ألعكس أي أنَّ ألأرض هو ألّذي يدور حول ألشمس وأنَّ في ألكون مليارات من ألنجوم والكواكب، وألأرض ليست إلّا كذرة رمل في هذه ألصحراء ألشاسعة، وبعبارة أخرى فإنَّ كثرة ألمؤمنين بعقيدة أوفكر مُعيّن لا تعني بألضرورة أنَّ هذه ألعقيدة أوهذا ألفكر يعكس ألحقيقة.
بعد إعلان ألعالم جوردانو برونو تأييده لنظرية كوبرنيكوس في مجال علم الفلك ، وأنّ الأرض مجرد كوكب يدور حول الشمس تم حرقه حيا بقرار من الكنيسة الكاثولوكية، وكذلك إعتبرت أفكار جاليليو المؤيدة لنظريات العالم كوبرنيكوس بأنها بدعة وفي البداية وحكمت عليه بالسجن مدى الحياة، ولكن في وقت لاحق سمحت له أن يعيش في منزله في توسكانا تحت الإقامة الجبرية.
بدأ ألمتنوّرون ورجال ألعلم منذ ذلك أليوم إلى يومنا هذا كفاحا مريرا ضد ألدين وخرافاتها وكانت نتيجة هذا ألصراع ألطويل أنتصار ألفكر ألعلمي على ألمعتقدات ألدينية بخرافاتها وأساطيرها وأباليسها وشياطينها وجِنِّها وألّتي كانت حجر عثرة في طريق ألتقدّم ألعلمي وألحضاري، فكانت ثمرة هذا ألإنتصار هذا ألتقدّم ألعلمي وألحضاري ألمتسارع للدول وألشعوب ألّتي تخلَّصت من سيطرة ألكهنة وألكاردينالات وألبابوات.
ما أحوج ألعالم ألإسلامي إلى ثورة تنويرية وعَلمانية مماثلة للتخلّص مِن سيطرة شيوخ ألدين وآياته ومن تدخلهم في ألسياسة وفي كلِّ صغيرة وكبيرة من شؤون ألحكم وألدنيا.
إنَّ هؤلاء وعاظ للسلاطين ويأولون ألآيات وألأحاديث بما يتلائم مع مصالحهم ومصالح ألحكّام ألفاسدين وما يحدث في ألعراق مثل صارخ على ذلك، فأموال ألزكاة وألخمس لا رقيب على أوجه صرفها وقصور رجال ألدين والحكام ألفاسدين ألمتّكئين على فتاوي رجال ألدين ملأت أرض ألوطن وأراضي ألدول ألغربية.
إنَّ رجال ألدين ألقابعين في سراديب ألنجف وشيوخ أهل ألسنّة وألجماعة أصبحوا ظهيرا للحكّام ألفاسدين ألّذين يحمون كلّ مرتشي وسارق من بطانتهم لخيرات ألشعب ألعراقي ألّذي يفتقر إلى أبسط ألخدمات من ماء صافي وكهرباء، وألبطالة بين ألشباب سجّلت أرقاما قياسية في ألوطن ألمنكوب بهؤلاء ألحكام ألفاسدين ورجال ألدين ألّذين يؤازرونهم في ألحق وألباطل.
ألمؤمن ألغير ألمتطرِف يواجه ألعَلماني ألّذي ينتقد ألأديان بكم هائل من مقالات ألإعجاز ألعلمي لآيات ألقرآن وهي محاولات للي ذراع ألآيات وتأويلها حسب ألمكتشفات ألعلمية، وأتحدّى جميع هؤلاء ألمتعالمين أنْ يخترعوا أختراعا جديدا أو يكتشفوا حقيقة علمية جديدة بنبش ألآيات ألقرآنية.
أمّا ألمتطرفون ألإسلاميون وألمنتمون إلى ألمذهب ألوهابي وكذلك ألمؤمنون بمذهب ولاية ألفقيه فيحللون دماء ألمنتقدين للدين كما فعل ألخميني بإصداره فتوى بقتل ألكاتب سلمان رشدي وكما قتلوا ألكاتب ألمصري فرج فودة بناء على فتوى للدكتور عمر عبد الرحمن مفتي الجماعة الإسلامية بقتل المرتد.
توران دورسون (1934 – 1990 ) Turan Dursun باحث وكاتب إسلامي تركي ومفتي سابق لتركيا. انتقدت أعماله بشدة الإسلام ومؤسسيه.
عمل كباحث في الأديان قبل أن يتحول للإلحاد أثناء دراسته لتاريخ الأديان التوحيدية. كتب دورسون عددًا من الكتب الدينية التي تضمنت تفسيرا لنصوص إسلامية، منتقدًا تلك النصوص مما عرّضه للتهديد من قبل الأصوليين.
أُغتيلَ دورسون في 4 سبتمبر 1990، خارج منزله في اسطنبول، بعد هذا الحادث، بيعت عشرات آلاف النسخ من كتبه في تركيا.
قال دورسون:
” إذا كان هناك إله، فهو حتما ليس إله محمد، أشخاص كثيرون جداً لا يمكنهم عيش طفولتهم بشكل صحيح بسببه ( محمد )، أشخاص كثيرون جداً يعانون من كوارثه.
وقائمة ضحايا ألتطرف ألإسلمي تطول.
هنالك حقيقة تغيب عن عقول ألمسلمين وهي أنَّ ألمبدأ ألوهابي هو ألّذي يُمثّل ألأسلام ألحقيقي لأنّهم يُطبّقون تشريعات قتل ألمخالف ألواردة في آية ألسيف ( فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ )..سورة ألتوبة، ألآية 5 ، فهذه ألآية نَسَخَتْ ألعديد من ألآيات ألقرآنية، فبعد أنْ اصبح ساعد المؤمنين قويا، نزلت آية السيف الّتي نَسخَت جميع ألآيات ألّتي نَزلتْ قبلها وألّتي كانت تأمر ألمسلمين بدعوة النّاس الى ألاسلام باللين والحكمة اي باتباع اسلوب الاقناع ، ففي بداية ألدعوة ألأسلامية وعندما كان المسلمون قلّة وضعفاء في مكّة نزلت آيات عديدة تأمر ألمسلمين بدعوة النّاس الى الايمان بالدين الجديد باللين والموعظة الحسنة ( ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ) سورة ألنحل ،ألآية 125.
إنَّ ألمملكة ألعربية ألسعودية بحكامها ألمتخلفين سرطان جسم ألعالم ألإسلامي وهي تستخدم دولارات ألبترول لنشر ألفكر ألسلفي ألإرهابي في ألعالم، وألسرطان ألآخر هو ألجمهورية ألإسلامية ألإيرانية ألّتي تحاول تصدير ثورتها ألمتخلفة إلى بلدان وشعوب ألمنطقة.
إنّ ألأديان لا بُمكن أنْ تصمد أمام أية دراسة متعمقة في نصوصها ألمتناقضة فيما بينها وأمام المكتشفات ألعلمية ولكنّ ألمشكلة هي في عقولنا وفي لا شعورنا الّذي ترسّخت فيه هذه ألعقائد منذ ألطفولة عن طريق ألتلقين والإيحاء، فالمتديّن كألمنوَم مغناطيسيا لا يستطيع ألفكاك من أسر معتقداته بسهولة ولا سبيل للتخلّص مِن أسر هذه ألمعتقدات إلّا بإلغاء دروس ألدين من مناهج ألدراسة وتشريع دستور عَلماني يفصل ألدين عن ألدولة.
إنَّ أفضل طريقة للوصول إلى أليقين هو ألشك وطرح ألأسئلة ومحاولة ألتوصّل إلى إجابات عقلية ومنطقية للأشكالات وألتناقضات ألموجودة في ألأديان.
بعد هذه ألمقدمّة لنحاول ألإجابة على ألسؤال: لماذا نقد ألأديان ألإبراهيمية؟
عندما يُريد ألإنسان بناء مشروع حديث ومفيد على أنقاض خرائب يتوجب عليه هدم وإزالة هذه ألخرائب أولا وهذا بالضبط ما يحاول ألعَلمانيون فعله لأنَّ ألخرائب ستكون حجر عثرة أمام ألبناء ألجديد. العلمانيون او المتنورون يحاولون بناء دولة حديثة على أسسس علمية، الدولة ألمنشودة ترتكز على مبدأ أساسي هو فصل ألدين عن ألدولة، وهذا ألمبدأ سيحقق لمنتسبي جميع ألطوائف والاديان حرية ممارسة عباداتهم وطقوسهم ألدينية، فألعَلمانية هي أفضل الحلول لضمان الحرية للجميع بألإضافة إلى تطبيق ألديموقراطية ونظام تعدد ألأحزاب ألسياسية وفصل ألسلطات ألقضائية وألتشريعية وألتنفيذية وجعل ألقوّات ألمسلحة من جيش وشرطة وقوات ألأمن خاليا من ألتحزّبات ألسياسية وألمليشيات ألتابعة للأحزاب ألسياسية وخاصة لبلد كالعراق ألّذي يضم العديد من الاديان والطوائف والقوميات.
ختاما نقول يجب تقييم الأديان كمرحلة مرّت بها ألحضارة الانسانية بإيجابياتها وسلبياتها، وألأديان بنت بيئتها وحقبتها ولا يتوجب إضفاء ألقداسة عليها وعلى رموزها ومحاولة تطبيق تشريعاتها ألّتي لا تتلائم مع تطوّر ألعقل الانساني وألحضارة ألانسانية، فليؤمن كلّ مَن يشاء بدينه ويمارس طقوسه بحرية ولكن لايُجبر ألآخرين بالقوّة على إتّباع عقيدته ولا يبخس حقوق الآخرين ولا ينظر إليهم بنظرة دونية فألكل سواسية أمام ألقانون ولا فضل لمسلم على مسيحي أو يهودي ولا فضل لسنّي على شيعي ولا بروتستانتي على كاثوليكي أو أرثودوكسي وألعكس صحيح، فليكن أولوياتنا ألإنسانية وألمواطنة، وكفى ما عانيناه من ألتعصّب ألديني وألقومي ألعنصري.
لقد آن الأوان بل تأخر كثيرا للحاق بركب ألحضارة والعلم ولنبدأ بترسيخ ألمباديء ألإنسانية وألمواطنة في عقول أطفالنا وفي أُسرنا وفي مدارسنا وفي جامعاتنا ومحلات عملنا ولنبدأ بأنفسنا.
يقول ألفيلسوف ألصيني كونفشيوس (( إنَّ العالم في حرب لأنَّ الدول الّتي يتألف منها فاسدة الحكم؛ والسبب في فساد حكمها أنَّ الشرائع الوضعية ( وأنا أضيف ألتشريعات ألدينية ) مهما كثرت لا تستطيع أنْ تحل محل النظام الاجتماعي الطبيعي الّذي تُهيئه الأسرة. والأسرة مختلة عاجزة عن تهيئة هذا النظام الاجتماعي الطبيعي، لأنَّ الناس ينسون أنَّهم لا يستطيعون تنظيم أسرهم من غير أنْ يُقوّموا نفوسهم وهم يعجزون عن أنْ يقوموا أنفسهم لأنهم لَمْ يُطهِّروا قلوبهم أي أنَّهم لَمْ يُطهِّروا نفوسهم مِنْ الشهوات الفاسدة الدنيئة؛ وقلوبهم غير طاهرة لأنَّهم غير مخلصين في تفكيرهم، لا يقدّرون الحقائق قدرها ويُخفون طبائعهم بدل أنْ يكشفوا عنها؛ وهم لا يخلصون في تفكيرهم لأنَّ أهواءهم تُشوّه الحقائق وتُحدد لهم النتائج بدل أنْ يعملوا على توسيع معارفهم إلى أقصى حد مستطاع ببحث طبائع الأشياء بحثاً منزّهاً عن الأهواء. فليسع الناس إلى المعارف المنزّهة عن الهوى يُخلِصوا في تفكيرهم، وعندما يُخلِصون في تفكيرهم تتطهر قلوبهم من الشهوات الفاسدة؛ وعندما تتطهر قلوبهم على هذه الصورة تصلح نفوسهم؛ وعندما تصلح نفوسهم تصلح مِنْ نفسها أحوال أُسَرِهم؛ وليس الّذي تُصلَح به هذه الأُسَر هي المواعظ الّتي تحثُّ على الفضيلة أو العقاب الشديد الرادع، بل الّذي يُصلِحها هو ما للقدوة الحسنة مِنْ قوّة صامتة؛ وعندما تُنظَّم شئون الأُسرَة عن طريق المعرفة والإخلاص والقدوة الصالحة، يتهيأ للبلاد مِنْ تلقاء نفسه نظام اجتماعي يتيسَّر معه قيام حُكم صالح.
وعندما تُحافظ الدولة على الهدوء في أرضها والعدالة في جميع أرجائها يسود السلام العالَم بأجمعه ويسعد جميع من فيه ))
هذه أقوال حكيمة لفيلسوف قضى حياته يتأمّل ويدرس طبائع ألإنسان ويدعو إلى إصلاح ألأخلاق وألمجتمع بإصلاح لبنتها ألفرد ثمَّ ألاسرة وهي قواعد ذهبية لمن يروم ألإصلاح بعيدا عن تشريعات ألأديان ألّتي لَمْ نحصد منها غير ألإختلاف وألصراع ألدموي عبر تاريخ ألإنسانية.
فلنعمل من أجل تطبيق هذه ألمباديء ألذهبية، ومن أجل إصلاح حكوماتنا ألفاسدة لنتظاهر ونعتصم ونحتج ونعلن ألعصيان المدني ونطالب بألإصلاح ألجذري للمجتمع ونطالب بحقوقنا ألّتي تغتصبها زمرة من ألسياسيين باعوا ضمائرهم فأرتشوا وسرقوا موارد هذا ألوطن ألمنكوب، فالشعب ألعراقي ألصابر يتلظّى من قسوة ألطبيعة وألمحتّل وألحكّام فلا خدمات ولا بُنى تحتية والبطالة والجهل والمرض يفتك بالمواطنين بلا تفريق بين طفل وشاب وشيخ ورجل وأمرأة ولا بين مسلم أومسيحي أويهودي أو أيزيدي ولا بين شيعي أو سنّي أو كاثولوكي أو أرثودكسي أو بروتستانتي ولا بين متديّن أو علماني.



31
هل ألأديان عالمية؟

" إنّ لكلّ دين إيجابيته وسلبياته، وإذا اعتبرنا هذه الاديان مرحلّة تاريخية مرّت بها الانسانية بإيجابياتها وسلبياتها ولم نحاول إضفاء القدسية على هذه الاديان ومؤسسيها، ولم نحاول اجبار الآخرين على اعتناقها فسَنُجنِّب الانسانية الحروب والويلات وسنعيش بسلام مع اخواننا في الانسانية".

في كتابه مهزلة العقل البشري يذكر الدكتور علي الوردي مايلي:
(كنت ذات يوم في مجلس ضمّ جماعة من رجال ألدين. وقد أجمع هؤلاء الرجال أثناء ألحديث على أنّ سكان ألأرض كلهم ملزمون بأن يبحثوا عن ألدين ألصحيح فإذا وجدوه أعتنقوه حالا.
فكل إنسان في نظر هؤلاء مجبور أن يترك أعماله ويذهب سائحا في ألأرض ليبحث عن دين ألحق.
قلت لهم: لماذا لم تسيحوا أنتم في ألأرض للسعي وراء الحق؟
قالوا وهم مندهشون لهذا ألسؤال ألسخيف:
إننا لا نحتاج إلى ألسعي وراء الحق لأنّ الحق عندنا.
إنّهم يتخيلون أنّهم وحدهم أصحاب الحق من دون الناس.
ونسوا أنّ كل ذي دين يؤمن بدينه كما يؤمنون هم بدينهم فأينما توجهت في أنحاء الأرض وجدت ألناس فرحين بعقائدهم مطمئنين إليها.
ويريدون من الأمم الأخرى أن تاتي إليهم لتأخذ منهم دين ألحق الذي لا حق سواه).
ألتساؤل ألذي يطرح نفسه هو:
هل ألأديان عالمية؟ وبعبارة أخرى هل يصلح دين معين لكل البشر وفي كل ألأزمان؟
واحدة من الشكوك ألتي راودتني في مرحلة ألشباب وعندما كنت مؤمنا بالدين ألأسلامي هي:
إذا كان محمد يدّعي بأنّ ألدين الذي أوحي إليه يخاطب جميع البشر على الكرة الأرضية، كيف سيؤمن به سكان ألأسكيمو وسكان مجاهل ألأمازون؟
لم أكن أتصوّر أنَّ ألله يُعذّب ألنّاس الذين لم يدخلوا في ألإسلام، لأنه ليس مِن ألعدالة أنْ يدخل ألجنّة إنسان ولِد في ألمملكة ألعربية ألسعودية وتربّى على مباديْ ألدين ألإسلامي منذ نعومة أظفاره، ويعاقب إنسان ولِد في ألأسكيمو أو في مجاهل غابات ألأمازون وألّذي لَمْ يسمع طوال حياته عن شيء إسمه ألقرآن أو ألإسلام أو محمّد، صحيح أنّ ألقرآن يذكر بأنَّ ألله لا يُعذّب حتى يبعث رسولا ، ولكن ما ذنب ملايين مِن ألبشر مِن ألهنود ألحمر والصينيين وألقبائل ألبدائية في مجاهل أفريقيا وألامازون وأستراليا في حاضر ألأيام وماضيها ومستقبلها ألذين لم يُسلموا قبل دعوة محمد وبعده، ألا يتناقض هذا مع ألعدالة ألإلاهية؟ وما مصير هؤلاء ألذين لم يسمعوا عن وجود نبي إسمه محمد ولم يؤمنوا به لهذا السبب أو مصير ألناس الذين عاشوا وماتوا قيل بعثة محمد؟ هل سيدخلهم ألله إلى ألجنة أم مصيرهم إلى جهنم وبئس المصير أم سينتظرون في ألأعراف حتى يتخذ ألله قراره بشأنهم يوم الحساب؟
شاركت في ألثمانينات أثناء حكم ألرئيس صدّام حسين في لجنة شكّلتها وزارة ألثقافة وألاعلام ألعراقية للتحضير لمسابقة نصب تذكاري يُخلّد شهداء معارك الخليج ألأولى ( ألقادسية ألثانية ) وهي المعارك التي دارت بين العراق وإيران والتي دامت لثمان سنوات، وكان معي في أللجنة مثقفون عراقيون وأديب لبناني معروف ودار نقاش بيننا حول سبب كون جميع ألأنبياء مِن ألشرق ألأوسط، فذكر أحد ألحاضرين بأنَّ سبب أختيار ألله للأنبياء مِن ألشرق ألاوسط حصرا لكون هذه ألمنطقة منبع ألحضارات في تلك ألحقبة مِن ألزمن.
قلتُ له معترضا ولكن في نفس تلك ألفترة ألزمنية مِن تاريخ ألإنسانية كانت هناك حضارات في أمريكا ألجنوبية كحضارة ألأزتك وحضارة ألمايا؟
فسكت ألأخ ولم ينبس ببنت شفة، إنَّ ألسبب ألمنطقي هو أنَّ جميع ألأديان ألأرضية وألسماوية هو من تأليف ألبشر وقد أقتبس أللاحقون مِن ألسابقين مع أجراء بعض التعديلات ألّتي تناسب ألمجتمع ألّذي ظهر فيه ألدين ألجديد زمانيا ومكانيا.
وأول ألأديان الإبراهمية التي نشأت في الشرق الأوسط كان الدين اليهودي، وهي ألعنها، وأسطورة النبي إبراهيم هي ألعن هذه الأساطير لأنّ جميع الأساطير التي تبعتها كالمسيحية والإسلام نتجت من هذه البذرة الملعونة.
الايمان يُعطي الانسان الجاهل او الغير الواعي الطمأنينة وراحة البال ويعطيه وهما بوجود حياة أخرى بعد ألموت سيتمتع في تلك ألحياة بما حرّم منه في الحياة الدنيا ووهما بأنّ ألخالق سيقتص هناك ممن ظلمه وأساء إليه في ألدنيا كما أنّ الإيمان يعطيه متانة للوقوف منتصبا أمام عاديات الزمن،إضافة إلى انّ شريحة الجهلاء لا يمكن انْ تستقيم حالها بدون الايمان بوجود الثواب والعقاب في حياة اخرى بعد الموت.
ولكنّ الايمان بالأديان له سلبيات عديدة فهو سبب رئيسي للحروب وويلاتها،حروب بين الاديان المختلفة كحروب الفتح الاسلامي والحروب الصليبية والحروب بين اليهود والمسلمين في فلسطين والحروب الداخلية بين المذاهب المختلفة للدين الواحد كالحروب بين البروتستانت والكاثوليك في الماضي وبين الشيعة والسنّة في ألماضي والحاضر وفي العراق بالذات وقد تقع حرب المذاهب بين الدول السنيّة والشيعية.
ولا ننسى العمليات الانتحارية الّتي يقوم بها المتطرفون الاسلاميون والّتي حصدت وتحصد وستحصد المئات من الارواح البريئة للاطفال والنساء والرجال اضافة الى الخسائر الماديّة، وكذلك المجازر الّتي نفذها المتطرفون الاسلاميون في الجزائر.
كانت الاديان سببا في ترسيخ الرق والسبي باشكالها واحتقار المرأة وهدر الاموال الطائلة والوقت في الطقوس الدينية كالصلاة وبناء الجوامع والكنائس والمعابد والاضرحة والحج والعمرة، فلو صُرِفت هذه الاموال لتخفيف معاناة الانسان، فكم يتيم سترجع البسمة الى شفاهه وكم مريض سينسى آلامه وكم من العجزة سيجد مأوى يرتاح فيها من غدر الزمن والاحبّة والقائمة تطول، فحسب المنطق والاديان فإنَّ الله موجود في كلّ مكان ( اقرب اليكم من حبل الوريد.... الآية القرآنية ) و (أينما تُولّوا وجوهكم فثمّة وجه الله.... الآية القرانية )، فالمؤمِن يستطيع انْ يتعبّد الله في ايِّ مكان مِن كرتنا الارضية، فما الحاجة الى هذا البذخ في بناء دور العبادة؟
بعد دراسة العقائد الانسانية المختلفة ومِن ضمنها، التوراة والانجيل والقرآن توصّلت الى قناعة مفادها أنَّ جميع هذه العقائد والاديان هي من تأليف مؤسسيها وهي تناسب الاقوام الّتي ظهرت بينهم زمانيا ومكانيا.
إنّ لكلّ دين إيجابيته وسلبياته، وإذا اعتبرنا هذه الاديان مرحلّة تاريخية مرّت بها الانسانية بإيجابياتها وسلبياتها ولم نحاول إضفاء القدسية على هذه الاديان ومؤسسيها، ولم نحاول اجبار الآخرين على اعتناقها فسَنُجنِّب الانسانية الحروب والويلات وسنعيش بسلام مع اخواننا في الانسانية.
لقد اثبتت التجارب الإنسانية أنَّ العَلمانية وفصل الدين عن الدولة هي احسن الخيارات امام الانسان للعيش بسلام في عالمنا، لذا فمن الافضل للانسانية أنْ يكون كلُّ إنسان حُرّاً في إختيار عقيدته ولا يحاول فرضها على ألآخرين بألقوّة أو بألإرغام، فإذا آمَنْتَ بحَجَرٍ فلا تَضرِب به الآخرين.



32
بدايات ألأخروية في ألدين أليهودي

" إنّ محنة ألنفي هي أضحية، بفضلها مُحيت ذنوب إسرائيل".... أشعيا ألثاني.

إنّ ألفصول 40-55 من كتاب أشعيا، تشكّل مؤلفا على حدة ومعروف تحت إسم (أشعيا ألثاني) وهذا ألنص حُرٍرَ في ألسنوات ألاخيرة من ألنفي البابلي، من قبل كاتب مجهول.
وهذه ألفصول تتناقض بقوّة مع نبؤات أخرى، بتفاؤلها وأيضا بتفسيرها ألجريء للتاريخ ألمعاصر، فألملك ألكبير قورش أداة ليهوه ألذي يُهيء لخراب بابل، وإنّ أولئك ألذين أعتقدوا بعظمة ألآلهة ألبابلية سرعان ما يختلط ألأمر عليهم لأنّ هذه ألآلهة مجرد أصنام غير ذات حول وعاجزة، ويهوه وحده هو ألإله:
"هكذا قال ألرب ملك إسرائيل وفاديه رب ألجنود، أنا ألأول وأنا ألآخر ولا إله غيري" (44-6 وكذلك 45-8-22)، "إنني إله لا مثيل له، إله لا شبه له" (46:9).
والجمل السابقة تتعلق بتأكيد أكثر جذرية لوحدانية نموذجية، نظرا لأنّ وجود لآلهة أخرى قد نُفيَ.
فألخليقة كما هو ألتاريخ أيضا، هو إذن كألنفي وألتحرير وكلها من عمل يهوه، إنّ تحرير ألمنفيين قد تمّ تفسيره بخروج جديد ( الخروج الأول هو الخروج من مصر بقيادة النبي موسى)، ولكنه يتعلق هذه ألمرة بعودة ظافرة، وألخروج ألجديد لن يكون سريعا:
" إنّكم لا بعجلة تخرجون ولا كمن يهرب تسيرون بل أمامكم يسير ألرب والذي جمعكم هو إله إسرائيل" (52:12).
وبعض ألشعوب ألأخرى سيلتزمون بألأفتداء ألذي يتم ألوعد به:
"توجهوا إليّ، فأخلصوا يا جميع أقاصي ألارض فإنّي أنا ألله وليس آخر" (45:22). ومع ذلك فإنّ إسرائيل سيتمتع دوما بوضعه ألمتميّز، وهو أنّه ألشعب ألسائد.
إنّ سقوط أورشليم، وإنهيار مملكة جودا وألنفي، كانت جميعها ألأحكام ألإلهية ألمعلنة من قبل كبار ألأنبياء، وألآن أكتمل ألعقاب، ويهوه جدد ألحلف، وفي هذه ألمرة سيكون ألحلف أبديا (55:3)، وألأفتداء لا رجعة فيه (45: 17 : 5 :6 ) لأنّه " في سورة غضب حجبت وجهي عنك لحظة، وبرأفة أبدية، أرحمك قال فاديك ألرب" (54 :8 ).
إنّ ألأسرى ألمنفيين، وقد حُرِروا من قبل الرب يهوه سيرجعون إلى صهيون (51-11).
إنّ كاتب أشعيا ألثاني يعتبر هو أوّل نبي أخروي يهودي، فهو يعلن في ألواقع عن فجر عهد جديد، إنّ نبؤة أشعيا ألثانية تمثّل تدشين عصر جديد كتأريخ مأساوي، متضمنا سلسلة من ألأعمال ألمعجزة ألمحددة من قبل ألرب:
1- خراب بابل من قبل يهوه بواسطة أداته قورش أو بواسطة إسرائيل.
2- فداء إسرائيل، أي تحرير ألمنفيين وأجتياز ألصحراء وألوصول للقدس وتجميع كل أولئك الذين كانوا مشتتين في العالم ورجوع يهوه لصهيون.
3- تحوّل ألبلاد بواسطة أعادة ألبناء وتعدد ألجماعات وتكاثرها لا بل وحتى حصول تغيرات على بإسلوب فردوسي.
4- إهتداء ألأمم بيهوه ورفضها لآلهتها.
أنّ هذا ألسيناريو ألأخروي سيعاد أخذه وتطويره من قبل ألأنبياء ألمتأخرين، ولكن أحدا منهم لم ينجح في مساواة ألقدرة ألرؤية وألعمق ألروحاني لأشعيا ألثاني.
ثمة أربعة قصائد مسماة أغاني ألخادم تعبّر بطريقة أصولية ومأساوية عن آلام ألشعب أليهودي ومن ألمرجّح أنّ خادما ليهوه ( أبيهيدياهيفه) يشخّص ألنخبة أليهودية ألمنفية، وإنّ آلامه أعتبرت كتكفير عن ذنوب ألشعب برمته، فقد تقبّل هذا ألخادم ليهوه كل ألمصائب:
"لقد أدرت ظهري لأولئك ألذين ضربوني.. ولم أبعد وجهي عن ألإهانات وألبصاق" (50-6).
إنّ محنة ألنفي حسب أشعيا ألثاني هي أضحية، بفضلها مُحيت ذنوب إسرائيل.
إنّ ألعهد ألجديد وألتفسير ألمسيحي رأيا في (ألخادم ليهوه) ألمقدمة لمجيء المسيح وقد شجّع عدد من ألمشاهد هذا ألتفسير لأنّ:
"يهوه أسقط على نفسه جرائمنا كلنا"، و"كخروف يقاد إلى ألسلخ"، و"لا يفتح فمه من أجل ذنوبنا"، و" لقد ضرب حتى ألموت" (53: 61-8).
وأكثر من هذا أيضا:
سيجعل يهوه من (خادمه) نور ألأمم، ومن أجل أن يدرك سلامي (أقطار ألأرض).. (49: 6).
إنّ هذه ألنصوص تصنّف من بين قمم ألفكر ألديني ألعبري، فإعلان ألسلام ألشامل عبر محن (خادم يهوه) تبشّر بالمسيحية.

نلاحظ مما سبق أعلاه ما يلي :
1- أنّ يهوه أستخدم ألملك ألكبير قورش كأداة لعقاب ألبابليين أعداء ألشعب أليهودي على عكس تصرفات يهوه في ألأجزاء ألأولى من ألتوراة، حيث أنّ يهوه كان يعاقب شعب إسرائيل مباشرة عندما كانوا يذنبون.
هنالك أسلوبان مختلفان للثواب وألعقاب في اليهودية وألإسلام، ألأسلوب ألمباشر كأنْ يٌنزِل ألله صاعقة مِنْ ألسماء على ألعاصي أوألمُذنِب فيُحرقه بعد أقترافه ألمعصية في ألحياة ألدنيا وكما حدث لبعض أليهود عندما عصوا أو خالفوا موسى وربَّه (( يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَىٰ أَكْبَرَ مِنْ ذَٰلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَنْ ذَٰلِكَ وَآتَيْنَا مُوسَىٰ سُلْطَانًا مُبِينًا )) سورة ألنساء، ألآية 153، وقد عاقب ألله أيضا بعض ألأقوام ألبائدة بصورة مباشرة كقوم فرعون (( فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ ))...سورة ألأعراف، ألآية 133، وقوم عاد وثمود (( فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ ))...سورة فُصِّلت، ألآية 13، وقوم نوح (( وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ ))...سورة ألعنكبوت، ألآية 14، فلمْ يُمهِل ألله هؤلاء حتّى يوم ألقيامة.
كما نلاحظ أنَّ ألله لَمْ يَستخدِم هذه ألأساليب ألمباشرة للعقاب في حقبة ألدعوة ألأسلامية بألرغم مِنْ طَلبْ ألمُشركين مِنْ ألله أنْ يُمطِرَ عليهم حجارة مِنْ ألسَّماء لكي يُصدّقوا بأنَّ محمّدا نبيُّ يوحى إليهِ (( وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَٰذَا إِنْ هَٰذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ * وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَٰذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ * )) سورة ألأنفال، ألآية 31- 33.
وكمثال على ألثواب ألمُباشِر فنلاحظ أنَّ ألربَّ كافأ أليهود لإطاعتهم موسى بألمنِّ وألسلوى وأنقذهم مِنْ فرعون وجنوده بشق أليَمِّ بواسطة عصا موسى ألسحرية.
أمّا ألاسلوب ألغير ألمباشر للثواب وألعقاب في ألأديان ألأبراهيمية فهو ألوعد بألجنّة كثواب وبالجحيم كعقاب. إنَّ ألثواب في ألدين ألأسلامي يكون مؤجلّا إلى يوم ألقيامة ويتحقق بإدخال ألمؤمنين إلى جنّات عدْنٍ تجري مِنْ تحتها ألأنهار خالدين فيها أبدا، وهنالك مُغريات أُخرى في ألجنّة كأنهار ألخمر وأللبَن وألعسل وقصور وظلال وحوريات جميلات يستطيع ألمؤمِن مُمارسة ألجنس معهنَّ أنّى يشاء، كما يوعَد ألمؤمِن بألخدمة مِنْ قِبل غلمان ذو حُسن وجمال فائق (( وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا ))...سورة ألإنسان، ألآية 19.
2- ظهور نغمة جديدة أواشارة لعالمية ألدين أليهودي (إهتداء ألأمم بيهوه ورفضها لآلهتها) على عكس ألتوكيدات ألسابقة في ألتوراة ( شعب ألله ألمختار).
3- بأعتقادي أنّ قصائد ألمسماة أغاني ألخادم قد أثّر في أفكار ألمسيح أو كتبة ألأناجيل ((إنّ ألعهد ألجديد وألتفسير ألمسيحي رأيا في (ألخادم ليهوه) ألمقدمة للمسيح وقد شجّع عدد من ألمشاهد هذا ألتفسير لأنّ "يهوه أسقط على نفسه جرائمنا كلنا"، و"كخروف يقاد إلى ألسلخ"، و"لا يفتح فمه من أجل ذنوبنا"، و" لقد ضرب حتى ألموت" (53: 61-8). أكثر من هذا أيضا:
سيجعل يهوه من (خادمه) نور ألأمم، ومن أجل أن يدرك سلامي (أقطار ألأرض).. (49: 6).
إنّ هذه ألنصوص تصنّف من بين قمم ألفكر ألديني ألعبري، فإعلان ألسلام ألشامل عبر محن (خادم يهوه) تبشّر بالمسيحية )).


33
ألأسينيون في قمران

" حسب نظرية ألأسينيين، إنّ ألعالم هو حقل لمعركة بين روحين خلقهما ألرب منذ ألبدء"

أثناء ألحرب، في بداية صيف 68 م ، هاجمت فصيلة عسكرية تابعة لفاسباسيان دير قمران ودمرته، وهذا الدير كان قائما في وسط ألصحراء على ضفاف ألبحر ألميت. ومن ألمحتمل، أنّ ألمدافعين عنه قد ذَبِحوا، ولكنهم وهم على شفير ألكارثة كان لديهم ألوقت لإخفاء عدد معتبر من ألكتابات في آنية كبيرة من ألفخار.
وقد جدد أكتشاف هذه ألجرار في عام 1947 و 1951 معرفتنا بحركات تنبؤية يهودية وبأصول مسيحية. وفي ألواقع، أنّ ألباحثين قد شابهوا في ألحماسة ألرهبانية للبحر ألميت ألمذهب ألغامض للأسينيين ألمعروف حتى ذلك ألحين فقط بألمعلومات ألشحيحة ألتي جاء بها فلافيوس جوزيف وفيلون وبلين لي جون.
إنّ ألتناقض بين مجموعتي ألوثائق - محفوظات قمران - وشهادة ألمؤلفين ألتقليديين (المقصود مؤلفي الأناجيل الرسمية)، تفسر من جهة بألإعلام غير ألكافي للمؤلفين ألتقليديين ومن جهة أخرى تفسر ألتعقيد لهذا ألمذهب ألرؤوي، إنّ جماعة قمران لا تمثل ألأسينية في مجملها، ويظهر مؤكدا أنّه كان يوجد بؤر أدنويات أسينية في مقاطعات أخرى من فلسطين.
من بين ألمخطوطات ألتي حلت ألغازها وكتبت حتى ألآن يوجد، إلى جانب شروح بعض أسفار العهد ألقديم رسائل أصلية واكثرها اهمية هي "لفيفة حرب أبناء ألنور ضد أبناء ألظلمات". و"رسالة ألأنتظام" و "مزامير ألشكر" و "ألتقرير حول حبقوق".

بالأستعانة بهذه الوثائق ألجديدة، يمكن إعادة تكوين تاريخ ألمذهب في خطوطه ألعريضة. فقد كان ألحكماء ألهاسيديم ألمتصفين بألحمية ألدينية الذين كان لهم دور في حرب ألمكابيين هم أسلاف هذه الجماعة.
إنّ مؤسس جماعة قمران ألمسمى من قبل تلامذته "معلم ألعدالة" كان كاهنا صدوقيا، منتميا إذن للطبقة ألكهنوتية ألشرعية وأصوليا متطرفا. وعندما تم إعلان سمعان (134- 142 ق.م) "أميرا وكبيرا للكهنة للابد" وتحولت مهمة الكهانة الكبرى بما لا رجعة فيه من ألصدوقيين إلى ألهسمونيين، ترك "معلم ألعدالة" أورشليم مع جماعة من المؤمنين وألتجأ إلى صحراء يهودا، ومن ألمحتمل، أنّ " الكاهن ألشرير" ألملعون في النصوص القمرانية سيكون سمعان، فقد كان مضطهِداً "لمعلم العدالة" في منفاه وتوجه لمهاجمة قمران، ثم اغتيل من قبل حاكم جرس yericho ( مكابيين 16:11).
إنّ ظروف موت "معلم ألعدالة" غير معلومة، وقد قدسه تلامذته والمؤمنون به كرسول للرب. وكموسى تماما جعل الحلف القديم ممكنا، وقد جدد هذا الحلف "معلم العدالة"، وبتاسيسه للجماعة الأخروية لقمران أصبح مقدمة للعهد المسيحاني.
ومنذ إشهار ألنصوص ألأولى، لاحظ ألإخصائيون مشابهات ذات دلالة بين ألمفاهيم وألممارسات ألأسينية وألمفاهيم وألممارسات المسيحية البدائية.
وبفضل هذه ألوثائق ألجديدة يعرف ألآن ألوسط ألتاريخي وألروحي لمذهب رؤوي يهودي، فألموازيات ألأسينية توضح بعض ألمظاهر لنبؤة يسوع ولعدد من العبارات ألشائع إستعمالها من قبل مؤلفي ألعهد الجديد، ولكنه يوجد ايضا فوارق ليست قليلة ألأهمية.
إنّ جماعة قمران كانت رهبانية متشددة، وإنّ ألمسيحيين ألأوائل عاشوا في ألعالم، وشكلوا جماعة إرسالية، وقد كان المذهبان رؤويان ومسيحانيان كذلك فألأسينيون كالمسيحيين تماما، أعتبروا أنفسهم كشعب العهد الجديد ومسيحيين، ولكنهم أنتظروا نبيا أخرويا (ألذي كان في العهد الجديد قد سبق مجيئه في شخص يوحنا ألمعمدان):
ألمسيح ألكاهن ألذي يقدسهم وألمسيح ألملكي ألذي سيقود إسرائيل في ألحرب ضد المشركين، حرب قرر ألإله نفسه ألنصر فيها.
إنّ "لفيفة حرب أبناء ألنور ضد ابناء ألظلمات" تشكل في الواقع، مخطط معركة لهذا ألإنقلاب ألأخروي.
إنّ تعبئة لمدة ست سنوات سيتبعها تسع وعشرون سنة من ألحرب. وإن جيش أبناء ألنور سيكون مشكلا من ثمانية وعشرين ألف مقاتل مشاة وستين الف فارس، معززين بعدد ضخم من الملائكة. وكان ألمسيحيون ايضا يأملون بمجيء ثان ظافر للمسيح، كقاض، وفادي للعالم، ولكنهم بإتباع تعليمات المسيح، لم يشاركوا بايديولوجيا الحرب ألمقدسة.
بألنسبة للأسينيين كما هو بالنسبة للمسيحيين، سيظهر ألمسيح في نهاية ألأزمنة وسيحصل على عرش أبدي، وفي المذهبين ألمسيحانيين تتواجد ألأركان ألكهنوتية ألملكية وألنبؤية متحدة. ومع ذلك، فإنّ مفهوم مسيح سابق ألوجود، في أدب قمران (آدم ألثاني، أبن ألإنسان) لم يتأكد وأكثر من هذا أنّ المسيح لم يصبح بعد ألفادي ألسماوي، وألصورتان ألمسيحيتان لم تتوحدا كما في الدراسة المسيحية للكنيسة البدائية.
إنّ معلم العدالة بصفته شخصية أخروية قد افتتح ألعصر ألجديد، لقد وصفه تلامذته برتبة مسيحانية:
رتبة معلم يكشف المعنى الحقيقي ألباطني للكتابات المقدسة، وألذي أضافة إلى ذلك موهوب بقدرات نبؤية. ويُفهم من بعض ألنصوص، أنّ ألمعلم سيقوم بنهاية ألأيام، ولكن البروفيسور بر. كروس ألخبير في هذا ألشأن يقول:
"إذا كان ألأسينيون أنتظروا عودة معلمهم كمسيح كهنوتي، فإنهم عّبروا عن أملهم بطريقة غير مباشرة إلى حد كبير، ألأمر الذي يتناقض مع التأكيد ألذي طور معه ألعهد الجديد هذه الفكرة.
إنّ ألتنظيم والمنظومات ألشعائرية للمذهبين ألرؤيين تبرز جميعها مشابهات مدهشة.
في قمران كان العماد المساري ألذي يضم ألتلميذ الجديد في ألجماعة، متبوعا بتطهيرات شعائرية سنوية، وتماما مثل "كسر ألخبز" بالنسبة للمسيحيين، فإنّ وجهتهم كانت مفهومة من قبل ألأسينيين كمقدمة لمأدبة مسيحانية،
كان اعضاء جماعة قمران يمتنعون عن ألزواج لأنّهم كانوا يعتبرون أنفسهم جميعا جنودا في الحرب المقدسة، ولم يكن ذلك يتعلق بتنسك حقيقي، وإنّما بتنسك مؤقت مفروض لقرب ألآخرة.
بعد خراب قمران وتشتت ألاسينيين اعاد بعض الناجين، على ألأرجح، جمع ألبؤر المسيحية في فلسطين، وعلى كل حال، فإنّ ألتقاليد ألرؤوية وألباطنية للأسينيين أُعتُمِدت في مسيحية القرنين الاولين، وشجعت بعض الأتجاهات ألغنوصية (العرفانية).
حسب نظرية ألأسينيين، إنّ ألعالم هو حقل لمعركة بين روحين خلقهما ألرب منذ ألبدء:
روح ألحقيقة ( ألمسماة أيضا بأمير ألنور وملاك الحقيقة) وروح ألشر أو ألفساد، وهذا ألأخير ليس شيئا سوى بيليال " أمير ألظلمات" أو الشيطان. وتجري الحرب بين هذين ألروحين وجيوشهما ألروحية وكذلك بين ألبشر وفي قلب كل "أبن للنور" ( ألنظام ألجديد 4: 23-26 ) ويُعتبَر ألسيناريو ألأخروي ألأسيني قريب من بعض ألنصوص أليوحنية.
ويذكر موجز ألنظام (3:17 -23 ) أنّ أبناء ألعدالة رغم كونهم تحت قيادة أمير ألنور، يقعون أحيانا في ألخطأ، مدفوعين بملاك ألظلمات، وعلى مايبدو، فإنّ أول رسالة ليوحنا تتكلم عن "أبناء ألله" و "أبناء ألشيطان" وتحرض ألمؤمنين أن لا يضلوا بألشيطان (31:7:10) ولكن في حين أنّ ألأسينيين هم في أنتظار ألحرب ألأخروية، ففي ألأدب أليوحني، رغم واقعة ألصراع، فإنّ ألأزمة تم تجاوزها، لأنّ يسوع ألمسيح أنتصر على ألشر.
إنّ نصوص قمران تسمح لنا بفهم مصدر ألفارقليط: فحسب علم ألهيئة فهو متضامن مع شخصية من ألبلاط ألسماوي ليهوه بخاصة ألملاك أو ألمبعوث ألألهي. غير أنّ ألتأثيرات ألإيرانية (ألزرداشتية)، وفي ألمقام ألأول منها ألثنائية ألدينية وألملائكية، حولت ألملاكين من بلاط يهوه كتجسيد للمبدأين المتعارضين: خير/ شر، أو حقيقة/ كذب، أو نور/ ظلمة.
إنّ ألأسينيين، كذلك مؤلف ألمجموعة أليوحنية، تقاسما هذا اللاهوت وهذه ألأخروية ألفلسفيتين ألتوفيقيتين ألمتأثرتين بقوة بألثنائية ألإيرانية.
بألرغم من ألمشابهات ألعديدة فإنّ ألأسينية وألمسيحية تمدان جذورهما في ألنبؤة للعهد ألقديم.
لقد كان ألأسينيون يسندون ويدعمون ألأنفصالية ألأكليروسية، ولكن ألمسيحيون كانوا يجتهدون على ألعكس منهم لضم كل الطبقات ألأجتماعية، كما أنّ ألأسينيين كانوا يستثنون من مأدبتهم ألمسيحانية كل أولئك ألذين كانوا غير نظيفين والمشوهين طبيعيا أو روحيا.
أما بالنسبة للمسيحيين فإنّ واحدة من الملكوت كانت بحق ألشفاء للمعاقين ( العميان ألذين يرون، والخرسان ألذين يتكلمون ....إلى آخره..) وكذلك قيامة ألأموات.
واخيرا فإنّ قيامة يسوع وهبة ألروح ألقدس والحرية ألروحية ألتي تتابعت لإنتظام ألشريعة، تشكل ألحدث المركزي الذي يميز هاتين ألجماعتين ألمسيحانيتين.










34
يهودي غامض - يسوع ألناصري

“حان ألوقت وأقترب ملكوت ألله... فتوبوا وآمنوا بألبشارة"
في سنة 32 أو 33 ميلادية كان شاب فاريسي يدعى شاول ألذي كان متميزا بألحماس في أضطهاده للمسيحيين في طريقه من أورشليم إلى دمشق، وفجأة جلله نور آت من ألسماء وقد سطع حوله، فسقط على ألأرض، وسمع صوتا يقول له:
شاول، شاول. لماذا تضطهدني؟
فقال: من أنت يارب؟
قال: أنا يسوع ألذي أنت تضطهده، قم وأدخل ألمدينة فسيقال لك ما يجب عليك أن تفعل.
رفقاء شاول وقفوا مبهوتين يسمعون ألصوت ولا يرون أحدا.
نهض شاول عن ألأرض وهو لا يبصر شيئا بالرغم من أنّ عينيه كانتا منفتحتين.
أصدقاء شاول أقتادوه ودخلوا به دمشق، ولبث ثلاثة أيام مكفوف ألبصر لا يأكل ولا يشرب.
كان في دمشق تلميذ يدعى (حنينا) ناداه ألرب أثناء ألرؤيا قائلا:
يا حنينا.
قال حنينا: لبيك يارب.
قال الرب:إذهب إلى شاول.
مضى حنينا إلى شاول ودخل بيته ووضع يديه على شاول وقال:
ياأخي شاول، إنّ ألرب أرسلني وهو يسوع ألذي تراءى لك في ألطريق ألتي قدمت منه، لقد أرسلني لتبصر وتمتليء من ألروح ألقدس.
فتساقط عندئذ من عينيه ألقشور، فابصر وقام فأعتمد ثم تناول طعاما فعادت إليه قواه .... (أعمال ألرسل 9، 3-5، 19-19- 12: 4-21 و 29: 12-20). إنّ كاتب ألأعمال يروي أيضا مرتين أللقاء مع ألمسيح ألمبعوث على طريق دمشق.

هذا ما جرى بعد عامين أو ثلاثة من الصلب. ( يجهل ألتاريخ ألدقيق لموت يسوع: فيمكن أن يكون قد حصل في 30 أو 33 ميلادية. وبألنتيجة، فإنّ إهتداء بولس يمكن تحديده على ألأكثر في 32 ميلادية أو فيما بعد في 36 ميلادية).
إنّ ألإيمان بألمسيح ألمبعوث يشكّل ألعنصر ألأساسي في ألمسيحية وبخاصة مسيحية ألقديس بولس ( في الرسالة ألأولى للكورنثيين "15-1-2" يذكر بولس قائمة كل أولئك ألذين يظهر ألمسيح لهم مبعوثا ). وهذه ألواقعة ذات أهمية قصوى، لأنّ رسائل بولس تشكّل ألوثائق ألأولى ألتي تروي تاريخ ألجماعة ألمسيحية.
وعليه فإنّ ألرسائل جميعها مشحونة بحماسة منقطعة النظير: تأكيد ألبعث، إذن ألخلاص بألمسيح.
من ألأهمية إبراز واقعة أخرى:
ألزمن ألقصير – بضع سنوات- الذي يفصل ألتجربة ألوجدية لبولس عن ألحدث الذي كشف إرشاد ألمسيح، ففي سنة 15 من إمارة تيبير (في 28-29 ق.م)، بدأ ناسك ( يوحنا ألمعمدان ) يجوب أقليم ألأردن معلنا تعميدا للتوبة ومن أجل حط ألذنوب ( لوقا 3:1 ) وقد وصفه ألمؤرخ فلافيوس جوزيف برجل شريف كان يحض أليهود لممارسة ألفضيلة وألعدالة وألرحمة.
وبألفعل كان نبيا حقيقيا ضد ألتراتبيات ألسياسية وألدينية أليهودية.
إنّ يوحنا ألمعمدان ألرئيس لمذهب ألفي، أعلن قرب قيام المملكة ولكن دون أن يدّعي بأنّه "مسيح"، وكان لدعوته نجاح بارز، وكان يسوع ألذي ينحدر من ألناصرية في ألجليل من بين ألألوف من ألأشخاص ألذين سارعوا من كل فلسطين ليتلقوا ألتعميدعلى يديه.
وحسب التقليد ألمسيحي، فإنّ يوحنا المعمدان عرف بأنّ يسوع ألناصري هو ألمسيح، ونحن نجهل ألسبب ألذي من أجله عمّد ألمسيح، إلّا أنّه من ألمؤكد أنّ ألتعميد كشف له ألكرامة ألمسيحانية، وفي ألأناجيل يُذكَر بأنّ سر هذا ألكشف قد تُرجِم بصورة روح ألله ألنازلة كألحمامة والصوت ألآتي من ألسماوات وألقائل:
"هذا هو أبني الحبيب ألذي عنه رضيت" ( متى 3:16 ومرقص 1:11 ولوقا 3:22 ).
وينسحب يسوع إلى ألصحراء حالا بعد ألتعميد، وألأناجيل تؤكد أنّه "أقتيد للصحراء بألروح" لكي يُجرَّب من قبل ألشيطان ( مرقص 11:12 ومتى 4:1-10 ولوقا 4:1-3 ).
إنّ الصفة ألأسطورية لهذه ألتجارب واضحة، ولكن رمزيتها تكشف ألبنية ألمميزة للأخروية المسيحية. ومورفولوجيا (تشكّليا) فإنّ ألسيناريو مشكّل من سلسلة من ألأمتحانات ألمسارية (ألتنسيبية) مشابهة لتجارب غوتاما بوذا، فيسوع يصوم أربعين يوما واربعين ليلة وألشيطان يجربه.
طلب ألشيطان اليه بدئيا معجزات : "مر أن تتحول هذه الحجارة إلى خبز" ويقوده إلى قمة معبد أورشليم ويقول له: " إذا كنت أبنا للرب، ألق بنفسك إلى ألاسفل" ثم يقدم له السلطة ألمطلقة: "كل ممالك ألعالم مع أمجادها" وبعبارة اخرى، يقدم له الشيطان ألقوة لإبادة ألإمبراطورية ألرومانية "( ألإنتصار ألعسكري لليهود ألمعلن من قبل ألرائين ) شريطة أن يركع يسوع امامه.
وبالتأكيد أنّ سيناريو ألإغراءات قد أدخل فيما بعد في ألتقاليد الخرافية ألمجموعة في ألأناجيل بعد سقوط ألعصيان ألمسلح لسنة 66-70 ميلادية أي بعد خراب ألمعبد من قبل ألرومان، ولكن في ألأفق ألرمزي ألذي تطورت فيه ألكنيسة، فالإغراءات مثلت مسبقا معجزات يسوع ( لأنّه بعد قليل من الزمن سيغيّر يسوع ألماء إلى خمر وسيكثر ألخبز ) كما مثلت ألإغراءات إنتصار المسيحية ( فألأمبراطورية ألرومانية لم تخرّب بعصيان مسلح ولكنّها أنتهت لتصبح مسيحية ).
وتماما كيوحنا ألمعمدان مارس يسوع التعميد خلال بعض ألوقت وعلى ألأرجح بنجاح أكثر من يوحنا ولكنه بعد أن عرف أنّ ألنبي يوحنا ألمعمدان قد أوقف من قبل هيرودوت ترك جودا إلى بلدته ألأصلية.
ويفسر ألمؤرخ فلفيوس جوزيف تصرّف هيرودوت بالخوف: لقد خاف هيرودوت من تاثير يوحنا ألمعمدان على ألجماهير وتدبير عصيان، ومهما كان من أمر فإنّ حبس المعمدان فجّر نبؤة يسوع، فمنذ وصوله إلى ألجليل، أعلن يسوع ألإنجيل، أي الخبر الطيب "حان ألوقت وأقترب ملكوت ألله... فتوبوا وآمنوا بألبشارة" ( البشارة التي أتى بها يسوع من عند الرب لخلاص الناس ((هكذا يعرّفها شراح ألأناجيل)).
إنّ ألرسالة تعبّر عن ألأمل ألأخروي ألذي، مع قليل من ألإستثناءات، كان قد ساد ألتدين أليهودي منذ أكثر من قرن. وحسب ألأنبياء، وحسب يوحنا المعمدان، تنبأ المسيح بقرب تحول ألعالم: وهذا هو ألجوهري في تنبؤه.
أخذ يسوع بألتبشير وألتعليم محاطا بتلامذته في ألكنس وفي ألهواء ألطلق متوجها بألأخص إلى ألمتواضعين وإلى ألفقراء، وكان يستعمل ألوسائل ألإرشادية ألتقليدية مستندا إلى التاريخ ألمقدس وإلى ألشخصيات ألتوراتية ألأكثر شعبية ممتاحا من مستودع لا تعيه ألذاكرة من الصور وألرموز، ومستعملا بخاصة أللغة ألمصورة بألأمثال.
كالعديد من ألرجال "ألإلهيين" ألآخرين للعالم ألهللنستي، كان يسوع طبيبا وصانع معجزات، شاف من كل الأمراض ومساعدا ومواسيا من به مس من الشيطان، وقد أصبح مشتبها فيه بالسحر على اثر بعض ألمعجزات، وتلك جريمة كان يعاقب عليها بألموت.
" كان يطرد شيطانا أخرس، فلما خرج ألشيطان تكلم ألأخرس فأعجب ألجموع، على أنّ أناسا منهم قالوا: إنّه بيعل زبول سيد ألشياطين يطرد ألشياطين، وطلب منه آخرون آية من السماء ليحرجوه، فالشهرة بالراقي وصانع ألمعجزات لم تنس من قبل اليهود، وهنالك تقليد من القرن ألأول أو ألثاني يشير إلى يشو ألذي طبق ألسحر وضلل إسرائيل.
ولم تتاخر نبؤة يسوع عن إثارة قلق ألجماعتين ذات التاثير السياسي وألديني، ألفريسيين والصدوقيين. كانت الجماعة ألأولى غاضبة للحريات ألتي أتخذها ألناصري تجاه ألتوراة، أمّا بألنسبة للصدوقيين، فكانوا قلقين تجنبا للإضطرابات ألقابلة للإنفجار على أثر كل دعاية مسيحانية.
وفي الواقع أنّ مملكة ألرب ألمبشر بها من قبل يسوع كانت تعيد إلى ألذاكرة، بألنسبة إلى بعضهم، ألتعصب ألديني وألتصلب ألسياسي للزلوطيين، فهؤلاء كانوا قد رفضوا ألأعتراف بسلطة ألرومان لأنّه بألنسبة إليهم "أنّ ألإله وحده كان ألحاكم والسيد".
لقد كان على ألأقل واحد من أثني عشر من ألحواريين وهو سمعان الغيور أحد ألزيلوط القدامى ( مرقص 3: 15). وقرر لوقا أنّ أحد ألتلامذة قال بعد ألصلب:
"وكنا نرجو أنّه هو – سمعان الغيور- ألذي سيفتدي إسرائيل".
إنّ واحدا من ألمشاهد ألأكثر أستعراضية وألأكثر غموضا وألمروية في ألأناجيل توضح سوء ألتفاهم بشأن مملكة معلنة من قبل يسوع، فبعد أن وعظ يسوع شطرا من اليوم، علم أنّ أل 5000 شخص ألذين أتبعوه على شطآن بحيرة طبرية قد فقدوا الطعام، عندئذ أجلسهم وزاد بأعجوبة بعض ألأرغفة من الخبز وبعض ألسمك فاكلوا جميعهم ( يوحنا: 6: 11 )، ويتعلق هذا بطقس قديم جدا، تعيد ترجمته إلى ألأذهان تأكيد وإحياء ألتضامن الصوفي للجماعة، وفي هذه الحالة فإنّ ألوجبة ألمشتركة يمكن لها أن تدل على ألإستباق ألرمزي للأخروية، ولأنّ لوقا ( 9: 11 ) يؤكد أنّ يسوع أتى ليتكلم لهم عن مملكة ألرب.
غير أنّ ألجمهور ألمذهول بهذه المعجزة الجديدة لم يفهم دلالتها العميقة ورأى في يسوع "ألنبي ألملك" ألمُنتظَر بحماس ألذي سيحرر إسرائيل " وعلم يسوع أنّهم يهمون بإختطافه ليقيموه ملكا، فانصرف وعاد وحده إلى الجبل ( يوحنا 6: 15 ) عندئذ فرّق الجماعة، وانسحب مع تلامذته في زورق وأجتاز بحيرة طبرية.
إنّ سوء ألتفاهم يمكن له أن يفسر بعصيان مُجهَض. وفي كل حال، فإنّ يسوع قد تُرِك من قِبَل الجمهور، وحسب يوحنا ( 6: 66 - 67 ) أنّ ألأثني عشر وحدهم بقوا مخلصين له، وإنّ يسوع قرر ألأحتفال معهم بعيد ألفصح في 30 أو 33 ميلادية في أورشليم.
لقد أُثير نقاش طويل – ومازال يُثار – حول الهدف لهذه ألمهمة. فمن ألمحتمل، أنّ يسوع أراد إعلان رسالته في وسط ديني لإسرائيل بهدف إقحام جواب حاسم في معنى أو آخر. وعندما كان بالقرب من أورشليم فإنّ ألناس " تصوروا أنّ عرش ألرب سيظهر في ذات أللحظة " (لوقا 19: 11 ) لقد دخل يسوع إلى المدينة كملك مسيحاني ( مرقص 11: 9-10 ).
طرد ألبائعين وألشارين من ألهيكل ووعظ الشعب (11: 15 ). وفي ألصباح دخل مجددا إلى ألمعبد وأخذ يروي لهم مَثَل ألكرامين القتلة الذين بعد أنْ قتلوا ألخدم ألمُرسلين من قبل معلمهم قتلوا أبن صاحب الكرم، وتساءل : فماذا يفعل رب الكرم؟ وأستنتج يسوع، إنّه يأتي ويُهلِك ألكرامين ويعطي ألكرم لآخرين( مرقص 12: 9 ).
وبألنسبة للكهنة وألكتبة فإنّ دلالة ألمثل كانت واضحة:
ألأنبياء قد أُضطِهدوا وآخر مُرسَل ( يوحنا المعمدان ) ، أوشك أن يُقتَل. وحسب يسوع أنّ إسرائيل كانت تمثل دوما كرمة الرب، ولكن سلطتها الدينية كانت مُدانة، وأنّ إسرائيل ألجديدة سيكون لها رؤساء آخرون، وأكثر من ذلك فإنّ يسوع كان قد جعلهم يُدرِكون أنّه هو الوريث للكرمة، (ألأبن الحبيب) للمعلم- وهذا إعلان مسيحاني يمكن له أنْ يُثير ألإنتقامات ألدموية للمالك، وعليه، وكما يقول الحبر الاكبر قيافا: " أنتم لا تدركون شيئا، ولا تفطنون أنّه خير لكم أن يموت رجل واحد من ألشعب ولا تهلك ألأمة باسرها " ( يوحنا 11: 5 ). لقد توجب التدخل بسرعة دون تنبيه أنصار يسوع والتوقف يجب أن يحصل خلال ألليل بسرية.
في فجر الفصح دشن يسوع آخر وجبة مع تلامذته، وهذه الوليمة الكاملة للأصدقاء، ستصبح ألشعيرة ألمركزية للمسيحية:
سر ألقربان المقدس.
" بعد التسبيحات ذهبوا إلى جبل الزيتون" (متي 26: 30 ) ومن هذه ألليلة المؤثرة حفظ التقليد ذكرى حدثين لازما ضمائر المسيحيين، فقد خاطب يسوع بطرس قائلا: " الحق أقول لك: في هذه ألليلة قبل أن يصيح الديك، تنكرني ثلاث مرات" (متي 26:34 ) ومرقص (14: 26- 31 ). وعليه فإنّ يسوع كان يرى في بطرس تلميذه ألأكثر ثباتا، ذلك الذي يجب أن يدعم الجماعة من المؤمنين.
وبالتاكيد إنّ إنكار بطرس لم يفعل سوى التاكيد على سرعة عطب البشرية، ومع ذلك فإنّ مثل هذا ألتصرف لم يُلغِ أبدا ألجدارة وألفضائل أللدنية لبطرس وإنّ دلالة هذا ألحدث المعقد واضحة:
في بنية ألخلاص لا تحسب أبدا ألفضائل البشرية وكذلك ألآثام، وألذي يهم، هو التوبة وعدم إضاعة ألأمل.
إنّ جزءا كبيرا من تاريخ ألمسيحية سيكون من الصعب تبريره دون سابقة بطرس: فإنكاره وتوبته ( متي 26: 74 ) اصبحتا بنوع ما ألنموذج ألمثالي بالنسبة لكل حياة مسيحية.
وليس أقل مثالية هو المشهد التالي الذي يجري في ضيعة يقال لها جتشمانية:
يصحب يسوع معه بطرس وتلميذين آخرين وقال لهم: " نفسي حزينة حتى الموت. أمكثوا هنا وأسهروا معي ". (متي 26: 38 ) ثم أبتعد قليلا وسقط على وجهه يصلي ويقول: " ياأبت إن أمكن ألأمر، فلتبتعد عني هذه ألكأس، ولكن لا كما انا اشاء، بل كما أنت تشاء" (26: 39 ).
ولكنه عندما رجع، وجد تلامذته على وشك أن يناموا فقال لبطرس:
" اهكذا لم تقووا على السهر معي ساعة واحدة: اسهروا وصلوا لئلا تقعوا في التجربة. ألروح مندفع وأما الجسد فضعيف " (26: 40 ) وامرهم يسوع مجددا بالسهر والصلاة، ولكن عبثا، فبعد رجوعه "وجدهم مجددا على أهبة النوم، لأنّ اعينهم كانت مثقلة" (26: 41. ومرقص 14: 32-42 ولوقا 22: 40-46 )، وعليه، فمعلوم منذ مغامرة جلجامش أنّ ألإنتصار على النعاس، وألبقاء متيقظا، يشكل ألتجربة المسارية (ألتنسيبية) ألأكثر قسوة، لأنها ترمي لتحويل الشرط ألمادي، وترمي لإنتصار "الخلود"، فحسب ألأسطورة الرافدينية، فإنّ أوتنابشتيم يساأل جلجامش: " بالنسبة لك، من هو من ألآلهة سيضمك لجماعته لكي تحصل على الحياة التي تبحث عنها"؟
إن تتمة خطاب أوتنابشتم كانت غير متوقعة:
"أذهب، وحاول أن لا تنام خلال ستة ايام وسبع ليال"
بالتأكيد إنّ ذلك يتعلق بأكبر تجربة مسارة ( لتلقين السر)، فألأنتصار على النوم والبقاء في حالة يقظة يعادل تحولا عن الشرط البشري.
إنّ أوتنابشتيم كان عارفا أنّ الآلهة لن تمنحه ألخلود فأقترح على جلجامش ألأنتصار على ألآلهة بواسطة مسارة (مقاومة ألنوم وألبقاء متيقظا ).

وفي جتشمانية، بدت "اليقظة المسارية"- مع أنّها كانت محددة ببضع ساعات- إنّها فوق الطاقات البشرية. وهذه ألخيبة ستصبح ايضا، نموذجا مثاليا بالنسبة لأكثر ألمسيحيين.

بعد وقت قصير أٌوقِف يسوع من قبل حرس ألكاهن ألأكبر ألمدعم على ألأرجح بجنود رومان. ومن ألصعب ألتحديد بدقة نتيجة ألأحداث، وألأناجيل تقرر حكمين منفصلين، لأنّه قد سُئِل يسوع من قبل كبير ألكهنة:
" أأنت ألمسيح، أبن ألمبارك؟ " فقال يسوع:
" أنا هو. وسوف ترون أبن ألإنسان جالسا عن يمين القدير وآتيا في غمام " (مرقص 14: 61-62 .متي 26: 57-69، لوقا 22: 64-66 :17).
لقد كان عقاب ألتجديف حينذاك ألرجم، ولكنه من غير ألمتيقن أنّه في عهد ألسنهودريين كان لكبير ألكهنة ألحق بتطبيق ألعقوبة ألرئيسية. وعلى كل حال، فإنّ يسوع قد حوكم بعدئذ من قبل بونس بيلاطس حاكم يهودية متهما بألتمرد وسئل يسوع :
" أأنت ملك أليهود؟ ثم أدين بألموت بطريقة ألصلب، وهي عقوبة رومانية نموذجية، وكذلك كان مواجها بسخرية ( مرتديا معطفا أرجوانيا وتاجا من ألشوك) وحياه ألجنود:
" سلاما، ملك أليهود ". وقد صلب يسوع بين لصين مع هذه ألعبارة- LESTES = خليع – وكان يُشير عادة إلى ألمتمردين " وهكذا فأنّ نص ألتنفيذ ليسوع كان بوضوح قمع ألتمرد أليهودي ضد ألحكومة ألرومانية وأنصارهم في يهودا، فكل إعلان عن مجيء مملكة الرب تقتضي في أعين سلطات أورشليم إحياء مملكة يهودية.
وألجدير بألذكر بأنّ كلوسير يذكر أنّ ألتقليد ألربيني يقرر أنّ يسوع قد حوكم من قبل ألسلطات أليهودية وأدين بأن يشنق صباح ألفصح.
نتيجة القرار بعقوبة ألمسيح تشتت ألمؤمنون، وبعد زمن قصير من ألتوقيف أنكره تلميذه ألمفضل بطرس، ثلاث مرات.
من ألمؤكد أنّ نبوءة يسوع، وربما حتى إسمه، كان من ألممكن أن يطمسها ألنسيان، ماعدا مشهد متفرد وغير مفهوم خارج ألدين:
قيامة ألمُعذَب، فألسنة ألمنقولة من قبل بولس وبألأناجيل تضفي أهمية حاسمة لقبر فارغ ولعدد من ظهورات يسوع ألمنبعث حيا.
ومهما كانت طبيعة هذه ألتجارب، فإنها تشكل ألمصدر وألأساس للمسيحية، فألإيمان بيسوع ألمسيح ألمبعوث حولت قبضة من ألهاربين ألمثبطي الهمة إلى جماعة من ألناس ألمصممين وألواثقين بأنهم لن يُغلَبوا.
ويمكن ألقول تقريبا أنّ ألأحبار عرفوا، هم أيضا ألتجربة ألمسارية للقنوط وألموت ألروحي قبل أنْ يولدوا لحياة جديدة وأن يصبحوا ألمبعوثين ألأول للإنجيل.

في هذا ألبحث تطرقنا إلى رأي أحد مؤرخي ألأديان حول حياة ودعوة وموت يسوع الناصري ( ألمسيح ) ولتكملة هذا ألبحث نتطرق إلى رأي ألدين ألإسلامي وبعبارة أخرى رأي ألنبي محمد في ألمسيح وكما ورد في ألقرآن:
فحسب ألقرآن فإنّ مريم ألعذراء حملت بعيسى وذلك بعد أن نفخ ألروح (جبريل) في جيبها وأن عيسى ليس أبن ألله وليس ثالث ثلاثة وأنّما خلقه ألله كما خلق آدم.
وكذلك يرى محمد بانّ عيسى لم يصلب وإنّما تهيأ للناس ذلك.
في سورة مريم ألآيات 16-35 وردَت قصّة ولادة عيسى أبن مريم في آيات مسجوعة ومِن أروع ما قرأتُ مِن ألسجع : (( وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا (16) فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا (17) قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَٰنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا (18) قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا (19) قَالَتْ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا (20) قَالَ كَذَٰلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا (21) فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا (22) فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَىٰ جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَٰذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا (23) فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا (24) وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا (25) فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَٰنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا (26) فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا (27) يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (28) فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (29) قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (30) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (31) وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا (32) وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (33) ذَٰلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ (34) مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَىٰ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (35) )).
إنَّ هذه ألآيات واضحة وتعكس عقيدة ألإسلام في ولادة عيسى أبن مريم، وتخالِف هذه ألعقيدة ألعقيدة ألمسيحية فألقرآن يقول إنَّ عيسى أبن مريم ليس أبن ألله وإنّما هو عبده ونبيُّه وأنَّ خلق عيسى كمثل خلق آدم ولكنْ بأسلوب مُختلف (( إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ))... سورة آل عمران، ألآية 59، فآدم خُلق مِن غير أب وأم ولكنّ عيسى خُلق بنفخ ألروح في جيب درع مريم بواسطة ألملَك جبريل (( وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ )) سورة ألتحريم، ألآية 12 وألآية (( وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ ))... سورة ألأنبياء، ألآية 91.
في تفسير الجلالين للآية 91 من سورة ألأنبياء ورد مايلي: ( وَاُذْكُر فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ "اَلَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجهَا" حَفِظَتْهُ مِنْ أَنْ يُنَال "فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحنَا" أَيْ جِبْرِيل حَيْثُ نَفَخَ فِي جَيْب دِرْعهَا فَحَمَلَتْ بِعِيسَى "وَجَعَلْنَاهَا وَابْنهَا آيَة لِلْعَالَمِينَ" الْإِنْس وَالْجِنّ وَالْمَلَائِكَة حَيْثُ وَلَدَتْهُ مِنْ غَيْر فَحْل )...أنتهى.
حسب بعض ألأحاديث ألمنقولة عن ألنبّي محمّد يعتقد بعض ألمسلمين أنَّ ألمسيح سيعود ألى ألأرض قبل يوم ألقيامة وينشر ألعدل في أرجاء ألمعمورة ويحارب ألدجّال ألأعور ألّذي يمتلك قدرات خارقة يستخدمها لإفساد عقول ألبشر ويحاول إبعادهم عن ألإيمان بألله. كما يعتقد بعض ألطوائف مِن ألمسلمين أستنادا على أحاديث مرويّة عن ألنبيّ محمّد أيضا أنَّ ألمهدي ألمنتظر ( ألأمام ألثاني عشر ) وهو احد احفاد الامام علي بن ابي طالب ،سيرجع الى ألأرض قبل قيام ألساعة لنفس ألمُهمَّة.
اخيرا نتطرق إلى أحد ألعقائد ألغريبة حول حياة ودعوة المسيح:
عقيدة ألدين الرائيلي:
في الفصل الرابع من كتاب الرائيليين (الرسالة) وتحت عنوان جدوى المسيح يتناول رائيل ولادة وحياة المسيح وتحت العناوين ألتالية:
الحمل – التدريب – الانسانيات المتوازية – معجزات علمية – استحقاق الميراث.
يقول رائيل في كتابه ألرسالة حول ولادة عيسى بن مريم ما يلي:
" كان على المسيح ان ينشر في جميع انحاء العالم حقيقة الكتابات المقدّسة لتكون دليلا للانسانية كلها عندما يُظهر العلم الحقيقة لكل الناس.
فقرر الخالقون ان يجعلوا امرأة تلد طفلا وان يكون اباه احد الخالقين لكي يرث الطفل بعض القدرات التخاطرية التي تنقص الانسان.
[(...) أنّها حبلى من الروح القدس.] (متي 2-2).
طبعا خطيب المرأة المختارة التي هي مريم لم يستوعب ما حصل:
[ظهر له ملاك الرب] (متي 1-18).
احد الخالقين جاء ليشرح له انّ مريم تنتظر طفلا وأنّ اباه هو ألله.
جاء كل الانبياء الذين هم على صلة بالخالقين لرؤية الولد الربّاني وكان احد الصحون الطائرة للخالقين يرشدهم في طريقهم:
[ رأينا نجمه في المشرق فجئنا لنسجد له] (متي 2-2)
[ وإذا النجم الذي رأوه في المشرق يتقدمهم حتّى بلغ المكان الذي فيه الطفل فوقف فوقه] (متي 2-9).
وكان الخالقون يحمون هذا الصبي:
[(...) ظهر ملاك الرب ليوسف في الحلم وقال له: قم خذ الطفل وأمّه واهرب الى مصر واقم فيها، حتّى اقول لك متى تعود، لأنّ هيرودس سيبحث عن الطفل ليقتله] (متي 2-13).
وكان الملك لا يود ان يظهر هذا (الطفل- الملك) القادم من الشعب الذي تحت سيطرته والذي بشّر بظهوره (الانبياء). وعند موت هيرودس طلب الخالقون من يوسف ان يعود الى اسرائيل:
[ ولمّا مات هيرودس ظهر ملاك الرب ليوسف في الحلم، وهو في مصر وقال له:
قم خذ الطفل وامّه وارجع الى ارض اسرائيل. لانّ الذين ارادوا ان يقتلوه ماتوا] (متي 2-20،19).
حول تدريب المسيح وتعرّفه على اباه يذكر رائيل مايلي:
عندما بلغ سن الرشد اخذ الخالقون المسيح إلى كوكب الخالقين للجنس البشري بطريقة الإستنساخ من اجل الكشف عن هويته، وليقدموا له اباه، ومن اجل الكشف له عن مهمته، ولتدريبه على عدة تقنيات علمية.
[(...) وانفتحت السماوات له، ورأى روح الله يهبط كأنّه حمامة وينزل عليه. وقال صوت من السماء: هذا هو ابني الحبيب الذي به رضيت. وقاد الروح القدس يسوع الى البرية ليجرّبه ابليس] (متي 3-16،17 و 4-1).
ابليس (ألشيطان) هذا الخالق الذي تكلمنا عنه سابقا والذي هو واثق من انّ الانسان لن يأتي منه شيء حسن ( الشيطان) هذا المرتاب الذي يُساند من طرف المعارضين لحكومتنا في الكوكب البعيد. أخضع ابليس المسيح لعدة اختبارات من اجل ان يرى ما اذا كان ذكاؤه ايجابيا. واذا ما كان يحترم ويحب خالقيه. ولمّا تاكدوا من انهم يمكن ان يضعوا ثقتهم في المسيح تركوه يعود وان يؤدي مهمته.
ومن اجل ان يسانده الجزء الاكبر من قومه جاء ب(معجزات). في الحقيقة كان يطبّق التعليمات العلمية التي لقنها الخالقون له.
[(...) فجاؤوا له بجميع المصابين باوجاع وامراض متنوعة:... فشفاهم] (متي 4-24).
[هنيئا للمساكين في الروح] (متي5-3).
هذه العبارة التي تُرجمت ظلما ب: سعداء هم الفقراء عقليا. امّا المعنى الاصلي كان:(اذا كان للفقراء ذكاء فهم سعداء)، المعنى جد مختلف.
وقال لرسله عليكم ان تنشروا الحقيقة عبر العالم:
في الصلاة التي تُدعى ابانا ذُكرت الحقيقة حرفيا:
[ ليأتي ملكوتك لتكن مشيئتك في الارض كما في السماء] (متي 6-10).
في السماء على كوكب الخالدين تمكن العلماء من الحكم، كما تمكنوا من خلق مخلوقات ذكية، على الارض سيحدث نفس الشيء، وسيحمل المشعل من اجل الاستمرارية.
رُددت هذه الصلاة عدة مرات دون ان يُفهم معناها الحقيقي، والان نشرح بكل وضوح [ في الارض كما في السماء].
من بين ما تلقاه المسيح من تعليم، قدرته على الاقناع بفضل نوع من التنويم المغناطيسي والتخاطر الجماعي:[ ولمّا اتم يسوع هذا الكلام، تعجبت الجموع من تعليمه، لانّه كان يُعلمهم مثل من له سلطان، لا مثل معلمي الشريعة] (متي 7-28،29).
وبقي يشفي المرضى بفضل اعانة الخالقين الذين كانوا يُرسلون اشعة مركّزة عن بُعد [(...) ودنا منه ابرص،(...) فمدّ يسوع يده ولمسه وقال: اريد فاطهر. فطهر من برصه في الحال] (متي 8-3،2).
ونفس الشيء بالنسبة للمشلولين عملية عن بُعد بفضل شعاع مركّز كالليزر لكنه لا يحرق الّا في نقطة معينة داخل الجسم] (...) قم وامشي(...) فقام] (متي 9-7،5).
وبعيدا في سفر متي صرّح يسوع بمهمته [(...) وما جئت لادعو الصالحين بل الخاطئين] (متي 9-13).
لم ياتي الى شعب اسرائيل الذي يعلم بوجود الخالقين، لكن من اجل نشر هذه الحقيقة عبر العالم.
وبعيدا حدثت (معجزات) اخرى تشبه ما سبق، وكلّها ذات اساس طبّي. في ايامنا هذه زرع القلب او عضو من الاعضاء، اشفاء مبرص او اي نوع من الامراض، اخراج من الغيبوبة بفضل تطبيب مميز، كلّ هذه عند شعوب بدائية تنعت بمعجزات، في تلك الفترة كان الانسان مثلهم والخالقون مثل اناس من احدى الدول المتحضرة لكن اكثر تطورا علميا شيئا ما.
وبعيدا نرى اشارة الى الخالقين ومن بينهم يوجد الاب الحقيقي ليسوع: [ من اعترف بي امام الناس، اعترف به امام ابي الذي في السموات] (متي 10-32).
[ امام ابي في السماوات] المعنى هنا واضح لا يتعلق الامر باله غير ملموس وروحي انّه[ في السماوات] طبعا هذا لا يُفهم من طرف مخلوقات يعتقدون انّ النجوم مُعلّقة في قبة زرقاء كجهاز تنوير لطيف والكل يدور حول مركز الكون: الارض.
الآن مع ظهور الرحلات الفضائية والتعرّف على مدى شساعة الكون اصبحت الكتابات واضحة وبطريقة جد مختلفة.
في هذا الفصل من كتاب الرسالة وهو كتاب يطرح عقيدة الرائيليين يطرح كلود فوريلهون (رائيل) فكرا مختلفا عن العقيدة المسيحية والعقيدة الاسلامية حول ولادة عيسى ونبوته، فهو يدّعي بأنّ احد الخالقين ( احد سكّان الكوكب الذين خلقوا الجنس البشري عن طريق الهندسة الوراثية) تزوج مع احدى فتيات المخلوقات الارضية ( مريم بنت عمران في العقيدة المسيحية والعقيدة الاسلامية) وانجبت هذه الفتاة المسيح ، والهدف من هذه العملية ليشرح المسيح حقيقة ما حدث في الكرة الارضية اي خلق الانسان من قبل الكائنات الفضائية، في كتاب الرسالة وتحت عنوان ( الانسانيات المتوازية) يذكر النبي رائيل بان الهدف من خلق الجنس البشري في الارض هو للحفاظ على هذا الجنس البشري من الانقراض في حالة تعرّض كوكب الايلوهيم (الخالقين) لكارثة كونية تُبيد سكانه عن بكرة ابيه لأنّ الكائنات القادمة من كوكب الخالقين هم بشر مثلنا.







35
قراءة آرامية وسريانية للقرآن

" ورد في تفاسير القرآن ان ابن عباس ( حبر الأمة ) سُئل عن الحرفان طه اللتان وردتا في بداية سورة طه هل هما اسم للنبي محمد ، فقال مجيبا : إنها كلمة سريانية".

ألسريانية والحروف المقطعة في ألقرآن:
في كتابي ثورة ألشك كتبت مايلي:
الدارس للقرآن لايستطيع من فهم معظم آياته انْ لَمْ يطّلع على اسباب نزول هذه الآيات وإنْ لم يعرف الناسخ والمنسوخ من القرآن، كما انّ بعض الكلمات المُستخدَمة في القرآن لا علاقة لها باللغة العربية وهي مقتبسة من لغات اخرى وبعض الكلمات غامضة اختلف المُفسّرون في اضفاء المعاني لها فأوّلها كلّ مفسّر حسب قناعته وقسم منهم وقع في حيص بيص. إنّ سبب استعمال بعض الحروف والكلمات الغامضة في بداية بعض السوَر مثل (ق) و (ن) و (كهيعص) و (ألم) هو محاولة لأضفاء الغموض على القرآن وهذا الاسلوب كان يستخدمه الكهّان في عصر محمّد لأضفاء أهميّة على كلامهم او لأجل جلب الانتباه اليه.
أطلعت في الآونة الأخيرة على فيديو في الشبكة العنكبوتية يطرح فيه السيد لؤي شريف رأيا جديدا في تفسير معاني الحروف المقطعة في القرآن، وخلاصته أنّ هذه الحروف لها معاني في اللغة السريانية واليكم التفاصيل:
- (ألم) معناه صمتا فتكون الآية (ألم ذلك ألكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين)،(صمتا ذلك ألكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين). وهذا الاسلوب كان يستخدمه الكهّان في عصر محمّد لأضفاء أهميّة على كلامهم او لأجل جلب الانتباه اليه كما ذكرت في المقدمة. ويذكر ألسيد لؤي بأنّ النبي داوود استخدم هذه الكلمة.
- (ألر) معناه تأمّل، تبّصر، فتكون ألآية ( ألر * تلك آيات ألكتاب)، ( تبّصر * تلك آيات ألكتاب).
- (طه) معناه يا رجل، فتكون ألآية (طه * ما أنزلنا عليك ألقرآن لتشقى)،(يا رجل * ما أنزلنا عليك ألقرآن لتشقى).
- (كهيعص) معناه هكذا يعظ، فتكون ألآية (كهيعص * ذكر رحمة ربك زكريا)، (هكذا يعظ * ذكر رحمة ربك زكريا).


قراءة آرامية وسريانية للقرآن:
مقدمة:
صدر في العام 2000 م كتاب للمستشرق الالماني (كريستوف لوكسنبرغ) يعرض فيه قراءة جديدة للمقاطع الغامضة الواردة في القرآن الكريم بعنوان " قراءة أرامية وسريانية - مساهمة في تفسير لغة القرآن " (دار الكتاب العربي - برلين 2000).
لمّا تعذر على اهل اللسان إيضاح ما غمض في لغة القرآن مع قوله بالنزول بلسان عربي مبين، ذهب المفسرون إلى ان هذا الغموض يعود إلى لغة قريش معللين إعتقادهم بقوله تعالى ( وما أرسلنا من رسول إلّا بلسان قومه ليبين لهم )..... سورة ابراهيم، الآية 4 .
انطلاقا من هذا الإشكال يتمحور البحث الجديد حول واقع اللغة ، وبألأخص لغة الكتابة التي كانت منتشرة في منطقة الشرق العربي في الفترة التي دون فيها القرآن الكريم.
هذه اللغة هي الآرامية ، وقد نعتها الإغريق منذ عصر ما قبل الميلاد بالسريانية نسبة إلى مملكة آشور في بلاد مابين النهرين وسوريا الطبيعية ، وتنتمي اقدم نقوش آرامية اكتشفت حتى الآن إلى القرن التاسع قبل الميلاد.
وقد عُرف الآراميون الذين اعتنقوا النصرانية بالسريان تمييزا عن ابناء امتهم الوثنيين بحيث اضحى لقب الآرامي مرادفا للوثني. والطبري لا يذكر في تفسيره الآرامية بل السريانية.
وما رفع من شأن اللغة السريانية ترجمة الكتاب المقدس ( التوراة والإنجيل ) منذ القرن الثاني الميلادي وربما قبله إلى سريانية الرهى ، وهي اللغة الآرامية المحكية في منطقة الرهى ( وهي اورفا الحالية ) الواقعة في شمال غرب بلاد مابين النهرين ( اورفا مدينة واقعة في جنوب شرق الجمهورية التركية ).
ومع تنصّر الملك أبجر الخامس ، ملك الرهى ، في اواخر القرن الثاني الميلادي وإنتشار النصرانية على يد السريان إنطلاقا من سوريا وبلاد الرافدين ، اصبحت السريانية بفضل ذلك لغة الكتابة ليس في سوريا وبلاد ما بين الرافدين فحسب ، بل تجاوزتها إلى مناطق مجاورة ، منها بلاد فارس وشبه الجزيرة العربية.
وقد ورد في حديث نبوي شريف ان النبي طلب من زيد بن ثابت الذهاب إلى بلاد الشام لتعلم السريانية ، كذلك ورد في تفاسير القرآن ان ابن عباس ( حبر الأمة ) سُئل عن الحرفان طه اللتان وردتا في بداية سورة طه هل هما اسم للنبي محمد ، فقال مجيبا : إنها كلمة سريانية ، مما يبين لنا اهمية اللغة السريانية ( المسيحية ) في العصر الذي نشأ فيه القرآن الكريم وما بعده ، إذ نعلم من تأريخ الادب العربي اللاحق ان للسريان حظا وافرا في تطوير اللغة العربية الكتابية بما انجزوه من ترجمات من السريانية واليونانية إلى العربية في العصر العباسي ، فأضحت اللغة العربية بعد السريانية لغة الآداب والفلسفة والعلوم.
والمعروف ان الآرامية القديمة بدأ تدوينها بحسب النقوش المكتشفة منذ القرن التاسع قبل الميلاد ، وان الملوك الفرس اتخذوها لغة دواوينهم واستعملوا الخط الآرامي لكتابة الفارسية الوسطى ( البهلوية ) كما اتخذها بنو إسرائيل بعد سبيهم إلى بابل لغة لهم فدوّنوا بها جزءا من كتبهم المقدسة منه كتاب النبي دانيال وتراجمها.
وليست السريانية إلّا إمتدادا للآرامية القديمة بطابعها المسيحي بعد الميلاد وباتت اللغة الرسمية إلى جانب العربية في العصر الاموي حتى عهد عبدالملك بن مروان ( 685-705 م ) ، مما يبين الإتصال الوثيق الرابط بين العربية والسريانية حتى عصر ما بعد الفتوحات.
تأسيسا على هذه الخلفية التاريخية المسلم بها ينطلق لوكسنبرغ في بحثه اللغوي من عصر يسبق وضع قواعد اللغة العربية على يد سيبويه ( المتوفي في سنة 795 م ) بحوالي مائة وخمسين عاما معتبرا ان اللسان العربي الذي انزل به القرآن يختلف عن العربية التي وضع اسسها مجموعة من النحويين الاعاجم والعرب.
ويشكك المؤلف بكفاءة هؤلاء النحويين وبالأخص الأعاجم منهم ، الذين يجهلون " اللسان " الذي انزل به القرآن ، مستندا بذلك إلى صاحب " جامع البيان عن تأويل القرآن " ، أبو جعفر محمد بن جرير الطبري ( 839 – 923 م ) الذي ادرك الطابع الخاص المميز للغة القرآن ، إذ ناشد " أهل اللسان الذين لهم علم باللسان الذي نزل به القرآن .... والذين هم اوضحهم برهانا فيما ترجم وبيّن من ذلك ... " ، ان يتفضلوا بتفسير ما تيسر لهم من قبل علمهم ، ومضيفا إلى ذلك : " كائنا من كان ذلك المتأول والمفسّر ".
يشير لوكسنبرغ إلى ان القرآن هو اول كتاب دوّن باللغة العربية لعدم وجود اي اثر تاريخي لمخطوط سابق ما خلا بعض النقوش النبطية القريبة من العربية. وكان الخط العربي في بداياته كنظيره النبطي مجردا من النقاط والحركات. يشهد على ذلك العديد من المخطوطات القرآنية وغيرها المحفوظة في المتاحف شرقا وغربا ، وآخرها تلك التي اكتشفت في اوائل السبعينات تحت سقف جامع صنعاء الكبير.
وهناك إجماع على ان النقاط المميزة لإثنين وعشرين حرفا من حروف الابجدية العربية قد اضيفت إلى النص القرآني في وقت لاحق ، إلّا ان هناك غموضا حول الزمن الذي تم فيه التنقيط. لكن الملاحظ ان الطبري ( القرن التاسع / العاشر ميلادي ) قد اعتمد في تفسيره إجمالا على النص الحالي المنقوط.
يؤكد مؤلف الكتاب (قراءة آرامية وسريانية للقرآن) انه وضع جانبا كل النظريات السابقة الصادرة عن مستشرقين او عرب في محاولاتهم العديدة لتفسير القرآن إنطلاقا من عربية سيبويه وما بعده التي ليست بعربية القرآن ، مستندا فقط إلى علم اللسان الذي يقضي بقراءة النص وفهمه في إطاره الزمني مجردا من المؤثرات اللاحقة.
ولإن المفسرين اعتمدوا على النقل الشفهي اللاحق دون المبالاة باللغة طبقا لإطارها التاريخي ، وقعوا في الخطأ ونتج عن ذلك ما يعرف ب " المقاطع الغامضة " ، وهناك نصوص اخرى في القرآن غير مشكوك في صحة فهمها العربي حتى الآن ، بيّن البحث انه ينبغي إعادة قراءتها على ضوء علم اللغة الموضوعي. وقد سلك لوكسنبرغ في بحثه هذا منهجية تتلخص بخطة تدريجية قوامها خمسة هي:
1) يراجع لوكسنبرغ في خطوة اولى تفسير الطبري تقديرا منه بأن التقليد الإسلامي بما احتفظ بالشرح الصحيح دون ان يأبه به المفسرون داعما ذلك بألأدلة اللغوية. وإلّا فيلجأ في خطوة ثانية إلى موسوعة لسان العرب لإبن منظور ( 1232 – 1311 م ) ربما يعثر فيه على الشرح المناسب ، سيما وأن الطبري لم يرجع في تفسيره إلى اي قاموس عربي وكان معتمدا على النقل الشفهي دون سواه ولو انه استشهد في بعض الحالات بالشعر العربي مع بعده عن لغة القرآن وكثيرا ما يؤدي هذا التحقيق إلى نتيجة إيجابية.

2) فإن لم يكن ذلك ، عمد لوكسنبرغ إلى قراءة الرسم القرآني قراءة سريانية أعطت النص في عدد من الحالات معناه المنطقي.

3) وإن لم يكن ذلك ، باشر لوكسنبرغ في محاولة اولى بتغيير نقط الحروف التي ربما وضعت عن عدم إلمام المحقق العربي بمفهوم نص القرآن في قراءته العربية. وقد ادت هذه الخطوة في حالات غير قليلة إلى نتائج إيجابية.

4) وإن لم يكن ذلك ، شرع الباحث في محاولة ثانية بتغيير نقاط الحروف بهدف إيجاد مصدر لقراءة سريانية ، وقد ادت هذه المحاولة في حالات عديدة إلى قراءة تعيد للنص معناه الحقيقي.

5) وإن فشلت جميع هذه المحاولات وكان التعبير كتابة وقراءة عربيا لاشك فيه وإنما دون ان يعطي معنى مناسبا للنص ، لجأ الباحث حينذاك إلى محاولة قصوى تكمن في ترجمة التعبير العربي إلى السريانية لإقتباس مفهوم هذا التعبير من معاني مرادفه السرياني. وقد بين البحث بأن هذه الخطوة تتجاوز الخطوات الاربع السابقة اهمية ، إذ كثيرا ما يعطي مفهوم التعبير السرياني النص القرآني العربي الغامض معناه المنطقي الجلي.

وفي سياق تطبيقه اللغوي المفصل لهذه المنهجية تطرّق لوكسنبرغ لبعض التعابير وألآيات القرآنية معتمدا في ذلك بإنتظام على المراجع العلمية عربية كانت أم سريانية ، نعرض منها نموذجا مبسطا لكل من الخطوات المذكورة أعلاه:
أ‌) من جملة الآيات غير المشكوك في فهمها إلى يومنا هذا الآية 64 من سورة الإسراء. وموضوع هذه الآية أنّه تعالى طرد إبليس من الجنة لرفضه السجود لآدم ، فإستأذن منه إبليس أن يسمح له عز وجل أن يجرّب الناس إلى يوم الدين ، فأذن له تعالى وأردف بقوله ما يلي :
( وأستفزز من أستطعت منهم بصوتك وأجلب عليهم بخيلك ورجلك وشاركهم في ألأموال وألأولاد وعدهم وما يعدهم ألشيطن إلّا غرورا ).

شرح الطبري هذه الآية بألمفهوم التالي : ( أستفزز ) بعنى أفزع بصوتك ، مع أنّ هذا المفهوم يناقض المفهوم القرآني القائل بأنّ إبليس ( يوسوس في صدور الناس ) ( سورة الناس ،ألآية... 5 ).
ويشير لوكسنبرغ إلى ان لسان العرب يشرح أستفزه بمعنى ختله حتى اوقعه في مهلكة ، وهو المفهوم الصحيح لهذا التعبير المطابق للمفهوم القرآني.
ويشرح الطبري ( وأجلب عليهم بخيلك ورجلك ) بمعنى الهجوم على الناس بجلبة لتخويفهم بالخيالة والمشاة ، وهذا المفهوم يخالف ايضا المعنى القرآني. فيقرأ لوكسنبرغ إعتمادا على اللسان ( أخلب ) عوضا عن ( أجلب ) بمعنى إحتل أو أنصب عليهم.
ولمّا تعسّر الإحتيال على الناس بالهجوم عليهم بجلبة بالخيالة يرى لوكسنبرغ أنّه من الانسب قراءة بحبلك ( بمعنى حبالك أو حيلك ) بدلا من (خيلك ) ودجلك بدلا من ( ورجلك ) ، مما يتوافق وألمنطق القرآني.
أمّا ( وشاركهم بألأموال وألأولاد ) فيعجب أهل التفسير من سماحة تعالى لإبليس بمشاركة الناس بألأموال والاولاد مع علمهم بأنّه عز جلاله هو الذي يرزقهم إياهم ، فيرى الطبري الحل بشرحه هذا المقطع بمعنى مشاركة إبليس الناس بمال الحرام وأولاد الزنى ، بينما يشير لوكسنبرغ إلى ان مصدر (سرك ) بالسريانية مشتق من الشرك وألأشراك بالعربية والمقصود منه مصدر شرك بمعنى أغرى ، مستشهدا لذلك بالحديث النبوي الشريف القائل ( أعوذ بك من شر الشيطان وشركه ) (شركه في الحديث جاء بمعنى فخه).
والمفهوم القرآني ان إبليس يغري الناس بوعده الكاذب إياهم بالمال والبنين وليس بمشاركته إياهم بهم ، ويتضح هذا المفهوم من نهاية الآية : ( وعدهم وما يعدهم الشيطن إلّا غرورا ). ( أنظر كتاب لوكسنبرغ ص 216 – 220 ).
وتعطي هذه ألآية لوحدها خمسة أمثلة نموذجية عن نقاط المنهج رقم 1 و 2 و 3 ألمذكورة أعلاه.
ب) مثالا عن المنهج رقم 2 هناك كلمة بسيطة عجز المفسرون شرقا وغربا عن شرحها حتى الآن وردت في سورة المدّثر الآية 51 وهي (قسورة) ، ومفهومها من نص الآيات 49 – 51:
( ما لهم عن التذكرة معرضين / كأنهم حمر مستنفرة / فرت من قسورة ).
أجمع المفسرون العرب على أن هذه الكلمة حبشية الأصل لبعدها عن العربية وقدّروا بأنه لابد أن المقصود منها ألأسد لفرار الحمر (اي الحمير) منه ، بعد أن تبين لأحد المفسرين بأن ألأسد يقال له بألسريانية (أريا) ، مما يدل على أن بعضهم كان له إلمام بألسريانية. ثم جاء المفسرون الغربيون فبحثوا في أصل هذا التعبير ولم يجدوا له إشتقاقا من ألحبشية ، فاستنتجوا بأن معنى ألأسد أقرب ما يمكن إشتقاقه من اصل قسر العربي الذي يعني أرغم وأجبر ، وأن المعنى الحقيقي لهذا التعبير ما زال غامضا.
إلّا أن الرسم القرآني يشير إلى إسم فاعل سرياني على وزن (فعولا) (بقراءة فاعولا) المشتق من الوزن العربي فعول وفاعول. والكلمة هي في الواقع سريانية ألأصل ويمكن إشتقاقها من أصل قسر وقصر كما تثبته لنا القواميس السريانية ، فنجد هذا التعبير بقلب السين والواو بكتابة ( قوسرا).
و (قوصرا) وهي كتابة سريانية لا تختلف لفظا عن كتابة (قوسره) و (قوصرة) في غيرها من اللهجات الآرامية. ويذكر لسان العرب بأن أهل البصرة يقولون للمرذول إبن قوصرة.
(والأصح قوصرة او قوصرا لفظا والقاصر او الفاشل معنى) ناسبا إلى إبن دريد قوله: لا أحسبه عربيا ولو نطقوا به قديما ، مما يثبت مجددا إختلاط اللغتين العربية والسريانية سابقا.
والرسم القرآني قسورة أصح سريانيا ويلفظ قاسورا ( بلفظ الواو بالإمالة نحو الواو) وليس قسورة بتشكيل مصحف القاهرة. أما المعنى بشهادة المراجع السريانية فهو ( ألحمار الهرم الذي لا يستطيع الحمل) والمراد بالتعبير القرآني أن هناك احتمالين لفرار الحمر المستنفرة:
1) إما الهرب من شيء مرعب كألأسد ، وهذا امر بديهي يبرر الهرب منه.
2) وإما الهرب من شيء غير مفزع. كقولك عن أحد يهرب من خياله ! وهذا هو المقصود في النص القرآني الذي يشبّه إستنفار الهاربين من تذكرة القرآن بألحمير الهاربين ليس من نظيرهم فحسب ، بل ومن دابة هرمة هالكة ليس فيها ما يدفع إلى الهرب. ويقابل هذا التعبير بألعربية ألقاصر ألمثبت للاصل السرياني لفظا ومعنى ( أنظر كتاب لوكسنبرغ ص 45 – 47).

ج‌) يشير لوكسنبرغ إلى أن المفسرين العرب فهموا كلمة قسورة بمعنى الأسد بينما المقصود منه الحمار الهرم بالسريانية ، وقرأوا الرسم القرآني (وأنظر إلى حمارك) (سورة البقرة ، ألآية 259) بمعنى ألحمار عربيا ، بينما المقصود منه سريانيا صفة لبني آدم. وتوضيحا لهذا التعبير نأخذ عن لوكسنبرغ (ص 176 – 183) الآية المذكورة كمثال عن المنهج رقم 2 و 4 (وموضوع الآية أن الله أمات إنسانا لا يؤمن بالقيامة ثم بعثه بعد مائة عام فقال له):
( وأنظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه وأنظر إلى حمارك ولنجعاك آية للناس وأنظر إلى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحما).
قبل الوصول إلى كلمة (حمارك) يتساءل لوكسنبرغ عما عساه تعالى يقصده بالإشارة إلى هذا الإنسان الذي بعثه بعد ممات مائة عام إلى طعامه وشرابه ، مع أنه ليس هناك أي صلة بألطعام أو الشراب.
ولما لم يمكن فهم هذين التعبيرين عربيا بغير مفهوم الأكل وألشرب ، يرى الباحث شرحهما بمفهوم سرياني يوافق النص القرآني. ولما كانت الألف الوسطى مضافة غالبا في المصاحف اللاحقة ، يقرأ لوكسنبرغ سريانيا (طعما) بشرح المراجع السريانية التي تعطي :
1) معنى العقل والفهم ومشيرا إلى التعبير (السرياني الأصل) الشائع في الدارجة القائل (حكي بلا طعمه) بمعنى بلا فهم.
2) معنى الحال والشأن وألامر. ولما كان هذا المعنى مطابقا للتعبير السرياني التابع (شربا) (بغير معنى الشراب العربي) ، يرى لوكسنبرغ بأن هذين اللفظين مرادفان بدليل الفعل التابع لهما بصيغة المفرد المذكر (لم يتسنه) ، وناسبا هذا الفعل ايضا إلى أصله السرياني (إشتني) الذي يعني تغيّر طبقا لشرح ألطبري ، فيكون ألمفهوم:
3) (أنظر إلى حالك وأمرك ، لم يتغيّر).
ويشرح لوكسنبرغ بأنه علينا أن نفهم ألرسم (حمارك) بقراءة سريانية (جمارك) أي كمالك ( ومنها بألعربية كلمة ألجمر أي إكتمال ألنار) ، فيقرأ لوكسنبرغ ألآية كألآتي:
(وأنظر إلى كمالك) ، مما يعطي معنى منطقيا إلى ما سبق بخلاف القراءة التي درجت منذ تنقيط القرآن بمعنى (الحمار) الذي ليس له اي مكان في هذا النص. ودليل ذلك أنّ تعالى يردف قائلا:
(ولنجعلك آية للناس) وليس ( لنجعل حمارك آية للناس). ويشير لوكسنبرغ أخيرا إلى أن قراءة (ننشزها) خاطئة والمفروض قراءتها (ننشرها) داعما هذه القراءة العربية بدليل مرادفها السرياني (فشط) الذي يعني عدا ، نشر وبسط: أصلح وعدل ، فيكون معنى ألآية بقراءتها ألعربية وألسريانية :
(أنظر إلى حالك وأمرك لم يتغيّر وأنظر إلى كمالك ولنجعلك آية للناس أنظر إلى ألعظام كيف نصلحها ثم نكسوها لحما).
د) كمثال آخر عن المنهج رقم 4 نذكر عن كتاب لوكسنبرغ (ص102 – 121) تفسير للآية 24 من سورة مريم:
(فناداها من تحتها ألّا تحزني قد جعل ربّك تحتك سريا).
يشير لوكسنبرغ في بداية شرحه إلى السيوطي (1445 – 1505 م) الذي يذكر عن أبي القاسم في كتابه "لغات ألقرآن" وعن الكرماني في كتابه "العجائب" بأنّ (تحت) كلمة نبطية (وهي لغة الأنباط السريانية أو مزيج من العربية والسريانية) تعني البطن (بمعناها السرياني جنين).
ولم يأبه المستشرقون لهذا الشرح معتبرين بأنّ تحت في اللغات الارامية والعبرية والسريانية والحبشية لا تختلف عن معناها العربي بشيء. ولم يرد في تفسير الطبري اي شك عن معنى تحت ما خلا التساؤل عمّا إذا كان الذي نادى مريم من تحتها جبريل أم عيسى (عليه السلام) ، بينما اختلف أهل التأويل في تفسير سريا ، فأعتبره الطبري جدول ماء ، داعما ذلك بقوله تعالى (فكلي وأشربي) (ألآية 26).
وأيد المفسرون الغربيون هذا المفهوم بالإشارة إلى مقطع من إنجيل منحول منسوب إلى متى ورد فيه بانّ عيسى (عليه السلام) لدى هربه مع أمه مريم إلى مصر طلب من النخلة ، حيث لجأ للإستراحة أثناء عبورهما الصحراء ، أن تفتح جذورها لتخرج ماءا وتروي ظمأ أمه.
وأعتبر المفسرون الغربيون هذه الرواية مطابقة لما ورد في القرآن إثباتا لكلمة سريا بمعنى الجدول. ويرى لوكسنبرغ بأنّ المفسرين شرقا وغربا قد أخفقوا في محاولاتهم لتوضيح هذه ألآية لإعتمادهم على مجرد اللغة العربية اللاحقة من ناحية ولإستشهادهم بنص بعيد عن مفهوم النص القرآني من ناحية اخرى.
وفي شرحه المفصّل لكلمة (تحت) يشير لوكسنبرغ إلى أنّ لا أصل لها في العربية وأنّها مشتقة من الفعل السرياني (نحت) (يلفظ نحث وبمعنى نزل وأنحدر) المشتق منه الفعل العربي نحت المفهوم منه نحت الحجر وغيره لتسويته أو صقله ، وألمراد منه سريانيا تنزيل ما زاد منه ، ومنه النحاتة أي مانزل من كسارة لدى النحت. وقد ورد هذا التعبير بالمعنى المجازي في بيت للشاعرة الخرنق ، أخت الشاعر طرفة (حوالي 538 – 564 ) ، ونصه:
الخالطين نحيتهم بنضارهم / وذوي الغنى منهم بذي الفقر.
يلاحظ لوكسنبرغ بأنّ لسان العرب أخطأ بشرحه معنى النحيت بالدخيل على قوم لعدم فهمه أصل فعل نحت السرياني بمعناه المجازي ، مع أنّ تعبير النضار (أي الاشراف) يوضح المعنى المناقض للنحيت الذي يعني بالسريانية الوضيع الاصل ، القليل الحسب والنسب ، كما يتضح هذا النقيض من خلط ذوي الغنى منهم بذوي الفقر.
وتمهيدا لقراءة الرسم القرآني (تحتها وتحتك) بمعنى البطن (أي الجنين) المنسوب إلى النبطية بحسب السيوطي نقلا عن أبي القاسم والكرماني ، ينفي لوكسنبرغ هذا المفهوم ، إلّا أنّه يرى له علاقة بالمقصود به إذا قرأنا بدلا من (تحتك) نحتك بلفظ نحاتك بمعنى وضعك أو توليدك بألسريانية.
وإثباتا لهذا المعنى يشرح لوكسنبرغ بأنّه علينا أن نفهم حرف (من) ليس بمعنى ظرف المكان العربي (من تحتها) بل بمفهوم ظرف الزمان السرياني (من نحاتها) أي حال وضعها.
ويثبت هذا المعنى السرياني لحرف(من) قولك في الدارجة: (من وصلتي قلتله) أي حال وصولي قلت له.
وتوضيحا لشرحه تعبير النحات بمعنى الوضع أو التوليد ، يلاحظ لوكسنبرغ بأنّ هذا المفهوم لم يرد في المراجع السريانية ، وإنّما ورد مرادف له وهو (نفل) أي هبط وسقط في مرجع آرامي آخر بمعنى الوضع أو التوليد غير الطبيعي أو ألفائق الطبيعة بخلاف الولادة الطبيعية.
ولمّا لم يرد في القرآن سوى ولد ووضع للتعبير عن التوليد أو الولادة الطبيعية ، ينبّه لوكسنبرغ إلى أهمية تعبير النحات الذي لم يرد في القرآن إلّا في هذه ألآية تعبيرا عن ولادة عيسى (عليه السلام) غير الطبيعية أو الفائقة الطبيعة مميزا إياه عن ولادة أي مخلوق آخر ، وألمعنى الحقيقي للنحات هو التنزيل ، وربما كان المراد به تنزيلا من ألعلا.
ويرى لوكسنبرغ في هذا المقطع من سورة مريم وبألاخص في هذا التعبير أصطلاحا لاهوتيا ذا أهمية قصوى بألنسبة إلى تاريخ الاديان.
إستنادا إلى ما سبق يكون مفهوم المقطع المذكور :
( فناداها حال وضعها ألّا تحزني قد جعل ربك وضعك سريا ! ).
لإيضاح معنى (سريا) المختلف عليه ، يباشر لوكسنبرغ بنقض ما حاول المفسرون شرقا وغربا فهمه بمعنى (جدول الماء) ، مشيرا إلى أنّ استناد الغربيين إلى المقطع المذكور من إنجيل منحول منسوب إلى متى لا يأخذ بعين الإعتبار النص القرآني.
فإنّ أمر الطفل عيسى (عليه السلام) النخلة بتفجير الماء لإرواء ظمأ أمه ، بحسب هذا الإنجيل ، فالسبب يعود إلى انقطاع الماء في الصحراء المجاورة.
أمّا في النص القرآني فالوضع يختلف تماما. فهتاف مريم (ياليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا) (ألآية 23) لم يأت عن خوف منها من الموت عطشا ، بل بألأحرى عن يأسها لإتهامها بصورة غير مباشرة بألحمل الحرام كما يتضح ذلك من ألآية 28 : (ياأخت هارون ما كان أبوك أمرأ سوء وما كانت أمك بغيا) ، ولنبذها لهذا السبب من بيت أهلها وفقا للآية 16: (وأذكر في ألكتاب مريم إذ أنتبذت من أهلها مكانا شرقيا).
ويشرح لوكسنبرغ فعل أنتبذت بمعنى طردت من (قبل) أهلها بصيغة المجهول وفقا للنحو السرياني الذي يجيز إستعمال المجهول مع ذكر الفاعل بخلاف النحو العربي الذي وضعت قواعده فيما بعد على يد أعاجم لم يلمّوا بأصول لغة القرآن.
ويشير لوكسنبرغ إلى مقاطع أخرى في القرآن ورد فيها الفعل المجهول مع ذكر الفاعل بواسطة حرف (من) ، منبّها إلى أنّ ألقرآن لا يخضع لقواعد العربية اللاحقة وأنّه على الباحث أن يأخذ بعين الإعتبار قواعد السريانية التي تفتح لنا أبعادا جديدة لفهم لغة القرآن ومعانيه.

ثم يردف لوكسنبرغ في شرحه لما أتهمت به مريم بأنّه لا يعقل أن يكون أول كلام وجهه إليها أبنها حال ولادته للتخفيف عن يأسها عبارة عن (جدول ماء) جعله ربها (تحتها). إنما المنتظر أن يكون في كلامه لها عزاء يناقض إتهامها بألحرام لإزالة هذا العار عنها.
ولما كان نقيض أبن ألحرام ( وفقا للكلام الذي مازال دارجا ) أبن الحلال ، يثبت لوكسنبرغ بالمراجع السريانية بأنّ الرسم القرآني (سريا) يلفظ سريانيا (شريا) من فعل شرا (أي حلّ) وتعني ألحلال. وعليه وجب قراءة ألآية كما يلي :
(( فناداها من نحاتها ألا تحزني قد جعل ربك نحاتك شريا )).
كما وجب فهمها وفقا للعربية ألمعاصرة كالتالي :
((( فناداها حال وضعها ألا تحزني قد جعل ربك وضعك حلالا ))).

ألخلاصة :
لم يٌعرض في ألمقالات ألسابقة إلّا نماذج يسيرة عما غمض في القرآن توضيحا للمنهج الذي أتبعه الباحث في دراسته التي تزيد عن 300 صفحة ، ويقول المؤلف في المقدمة بأنّ هذه الدراسة لا تشكل سوى جزءا من ابحاث واسعة حول لغة القرآن يأمل نشر نتائجها فيما بعد.
وبذكره الأبحاث اللغوية التي نشأت في الغرب منذ منتصف القرن التاسع عشر يشير لوكسنبرغ إلى أنّ هذه الأبحاث أقتصرت على شرح إشتقاق عدد محدود من الألفاظ الغير العربية في القرآن دون تغيير معانيها ، بينما تبيّنت من هذه الدراسة مفاهيم جديدة بعيدة كل البعد عما سبق تفسيره لألفاظ ومقاطع غير يسيرة في نص القرآن.
ومن جملة هذه المفاهيم التي أصبحت جزءا لا يتجزأ من العقائد الإسلامية بخصوص الجنة تفسير لوكسنبرغ الجديد لما أجمع التقليد ألإسلامي على تسميته ب " حوريات ألجنة ". وفي تحليل لغوي معمّق للآيات المنسوبة لها ، يشرح لوكسنبرغ على 40 صفحة (221 - 260) بأنّ أهل التفسير شرقا وغربا قد أخطأوا في فهمهم التعابير القرآنية إعتمادا على عربية ما بعد سيبويه.
ويبيّن لوكسنبرغ لغويا وموضوعيا بأنّ هذه التعابير ترجع إلى نصوص سريانية معروفة بأل " ميامر " ألفها أفرام السرياني (306 - 373 م) في القرن الرابع الميلادي عن ألجنة.
وخلاصة الشرح أنّ لفظة (حور) صفة سريانية (للعنب ألأبيض) وأنّ (عين) صفة إسمية تعبّر عن صفاء وبريق الحجارة الكريمة التي ينعت بها القرآن نصاعة العنب ألأبيض إذ يشبهه (بأللؤلؤ المكنون).
ولما نعت القرآن (الولدان المخلدون) بنفس التعبير ، تبيّن كذلك بأنّ المراد (بالولدان ) وفقا للمرادف السرياني (يلدا) : (ألثمار) ، فتوجّب قراءة (مجلدون) بدلا من (مخلدون) ، أي أنّ ثمار الجنة تؤكل باردة (مجلّدة) بخلاف أهل الجحيم (ألآكلون من شجر من زقوم ... فشربون عليه من ألحميم) (سورة الواقعة ، ألآيات 52 ، 54).
وهناك تحليل لغوي جديد لسورة (ألكوثر) التي تشير من خلال مفهوم تعابيرها السريانية المعربة إلى رسالة بطرس ألأولى ، الإصحاح الخامس ، ألآية 8 - 9 (ص 269 - 276) ( والواردة في مدخل صلاة المساء الأخيرة "Complıes " في الطقس اللاتيني) ، وتحليل جديد آخر لسورة (العلق) (ص 277 - 298) التي يتجلى من آخر تعبير سرياني معرّب ورد فيها (أسجد وأقترب) صلتها الوثيقة برتبة القداس المسيحي ، إذ يدل تعبير (أقترب) سريانيا على ألإشتراك في الذبيحة ألإلهية وتناول (القربان) ، كما يثبت ذلك ما ذكره صاحب (كتاب ألأغاني) عن الشاعر المسيحي عدي بن زيد (المتوفي قرب 500 م) وهند بنت النعمان (المتوفية بعد 602 م) إذ دخلا كنيسة الحيرا يوم خميس ألأسرار " ليتقربا ".
ويستنتج لوكسنبرغ من تحليله اللغوي بأنّ السورتين المذكورتين تشكلان جزءا اساسيا من مجموعة نصوص منتسبة لل " قريان " المسيحي الأصل وألسابق عهدا لما أسمي فيما بعد ب " القرآن " عربيا.
ألخاتمة:
نستنتج من ملخص كتاب لوكسنبرغ أنّ ألقرآن وخاصة ألآيات المكية يحتوي على كلمات سريانية تمّ تفسيرها بغير معناها ألذي كتبت في ألمصحف المتداول حاليا وألمسمى بمصحف عثمان، وكذلك فإنّ إضافة ألتنقيط على ألنصوص ألتى لم تكن منقطة في عهد ألرسول تسبب في إشكالات عديدة في فهم معاني الكلمات.
ألقرآن برأيي مؤلف من إقتباسات من ألأديان العبرانية ألسابقة عليها (أليهودية وألمسيحية) وخاصة من ألكتابات ألمنحولة وألغير القانونية ، كما أنّ ألنبي محمّد أضاف على ألقرآن ألآيات الغير ألمقتبسة من ألمصادر السابقة ويتجلى ذلك في معظم ألآيات ألمدنية.
بعد وفاة النبي محمّد تم كتابة وجمع ألقرآن في مصحف أعتمادا على ألنسخة ألمحتفظة عند حفصة زوجة ألرسول وتم حرق أو إتلاف بقية النسخ كألنسخ الموجودة عند أبن مسعود حسب ألتراث ألإسلامي.
نصوص ألأديان قاطبة (بضمنها أليهودية والمسيحية وألإسلام) تتعرض لتغييرات وإضافات وتراكمات بمرور ألزمن لأسباب سياسية وإجتماعية ، فهذه ألنصوص معرضة للتطور وألتغيير ، فألتطور هي سنة الحياة.
في عصر ألدولة ألعباسية أنقسم المسلمون إلى فريقين حول مسألة: هل ألقرآن مخلوق أم غير مخلوق ، ألمعتزلة تبنوا كون ألقرآن مخلوقا ورفضوا كون ألقرآن مكتوبا في أللوح ألمحفوظ وأولوا ألآيات ألتي وردت حول ذلك ، وأيدهم في رأيهم الخليفة ألعباسي ألمأمون ، أما الاشعرية فتبنوا كون ألقرآن غير مخلوق ونصه مكتوب في أللوح ألمحفوظ ، وأيدهم في ذلك ألخليفة ألعباسي ألمتوكل.
نتيجة لهذه الخلافات سُجن وقٌتل ألعديد من ألمسلمين من كلا الطرفين ألمتنازعين.
ختاما نقول : جميع ألأديان مؤلفات بشرية نشأت مناسبة زمانيا ومكانيا للمجتمعات ألتي ظهرت فيها ولا يمكن تطبيقها في عصرنا ألحالي وألعصور أللاحقة ، ويتوجب نزع ألقداسة عن نصوصها وبذلك نقلل ألخلافات وألنزاعات بين ألبشر.







اخر الافلام

.. يمنيون يهربون إلى -الجنة-


.. قانون الدولة القومية اليهودية يثير استياء وامتعاضا


.. قالوا| عن ثورة يوليو ونظرة الإخوان للوطن




.. نيكاراغوا: الرئيس أورتيغا يتهم الكنيسة بالتآمر ويصف المظاهرا


.. استنكار دولي وعربي لقانون يهودية الدولة