الحوار المتمدن - موبايل



عذاب القبر

رزاق عبود

2018 / 1 / 13
اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق


تذكرت الحادثة والحوار الذي جرى بيني وبين من اعتقلني في الشارع بداية سبعينات القرن الماضي، وانا اسمع هجمات، وخطب، وشتائم، وتحريضات الفاسدين، وسياسي الصدفة، والمعممين المزيفين ضد المدنيين، والعلمانيين، وكل اليساريين، والمتظاهرين المطالبين بدولة مدنية، ومحاربة داعش الفساد.
رجل من شرطة الامن اتذكره قويا، ضخما، مفتول العضلات، مكفهر الوجه، ونظرات حادة جدا، يتبادلها بحذر مع مفوض الشرطة الذي معه. ما ان صرنا في سيارة الجيب الموصدة جيدا حتى رفع يده لضربي!
ـ الجبان فقط يضرب شخصا مقيدا، او عاجزا، او وقع تحت رحمته لسبب ما. قلت له بهدوء وتحدي، وانا انظر مباشرة في عينيه!
اعرف جيدا انهم، انهم يستخدمون اساليب الضرب لثلم العزيمة، وكسر الارادة، واهانة المعتقلين، ولممارسة السلطة، والتسييد، واظهار التفوق. حدق بي مضطربا، وكأنه تفاجا بهذا التحدي. ظلت يده مرفوعة في الهواء وعيونه تقدح شررا، وهو ينقل نظراته بيني وبين المفوض الذي بدى مرتبكا هو الاخر.
ـ سأريك عذاب القبر عندما نصل للدائرة! رد بصوت اجش مفحوح كانه افعى تتكلم!
ـ انا لا اهاب عذاب القبر، ولا اؤمن به!
ـ هل تعلم ان اشهار الالحاد جريمة يعاقب عليها القانون؟
ـ انا لم اشهر الحادي. علقت فقط على استفزازك! ثم انكم لا تحتاجون لسبب ما لاعتقال اي شخص ترون فيه خطرا عليكم!
ـ وهل تشكل خطرا علينا؟ من انت لتكون خطرا على الحزب والثورة؟
ـ اسأل نفسك، ومن أمرك بأعتقالي؟
مد يده السمراء الضخمة مشيرا الى رأسي ثم نقر باصابعه القوية، كانها المطرقة على هامتي:
ـ افكارك هي الخطرة! افكارك هي ما يخيفنا!
ـ انها ليست افكاري، انها افكار الملايين في العالم!
ـ العالم لايهمنا، ولا افكاره، لكنها لاتناسبنا. اعتناقك لها يعتبر خيانة وطنية!
ـ انكم تقولون نفس الشئ لكل الاشخاص مهما كانت افكارهم. واكيد قلت ذلك نفسه لاسيادك الحاليين عندما كنت تعتقلهم في ظل نظام اخر!
فقد اعصابه، وهدوئه، واحمر وجهه، ورفع يده مرة اخرى، وعيونه تتطاير شررا محاولا ضربي. فحاولت تحديه مرة اخرى:
ـ تذكر انك قد تتورط في مشكلة عشائرية! قلت مستفزا، واعيا لاي مستوى فكري، واجتماعي ينتمي ذاك الرجل، مستخدما نفس اساليبهم، احاول تقويض امكانياتهم، وهز نفسيتهم، والتاثير على توازنهم، وارباكهم! استخدام اسلحتهم ضدهم!
ـ من اي عشيرة انت، كي تهددني بها؟!
ـ انا انتمي للشعب العراقي، ولكنك تعرف كرجل ريفي اهمية ذلك، وخطورته في نفس الامر!
ـ لأي عشيرة تنتمي انت؟ صرخ متلعثما، وقد تسرب الخوف والتردد الى كيانه!
ثم نظر متسائلا، قلقا، الى المفوض الذي معه وهو من سكان محلتنا، ومعروف بتفاهته، وحقده، وانعزاله. حتى اخوته قاطعوه بعد انتمائه لهذا السلك وتجنيد نفسه لخدمة النظام الجديد بكل وقاحة وخسة!
ـ لا اعرف. قال المفوض بعد صمت قصير، رافعا كتفيه، وهو الاخر بدت عليه الحيرة! انا طلبت اعتقاله لانه ورط اخي الاصغر بافكاره الهدامة، واخي الاكبر رغم انه ضابط في الجيش فانه يدافع عنه ويقول انه افضل صديق لاخونا الاصغر!
ـ اذن انت من خطط لكل هذا، وانت وراء اعتقالي. لم تعترض على صداقتي لاخوك عندما كنت ادفع اجور شايك في المقهى، اوتذكرة السينما. اي شخص في المحلة بمن فيهم اخوتك لم يرافقك يوما ما لكني كنت اعطف عليك فشكرا على رد الجميل، لكن الجميع سيعرف غدا من دبر هذه المكيدة، فماذا ستقول لهم ايها الجاحد!
ـ سيدي كي تسمح له بالتهجم عليك؟! قال شرطي الامن معترضا بنوع من الحيرة والارتباك.
ـ لان كل ما يقوله صحيحا. سأري كل هؤلاء الذين احتقروني وقاطعوني اني املك سلطة الان، وهم لازالوا يتقربون له، ولا يسلمون علي. انا ولائي للسلطة، لرتبتي، واشار الى كتفه، وليس لمحلتي، واصدقائي، ولا حتى لاخوتي. ساتحدث مع اخي الاصغر ان يتخلى عن افكاره، وان لم يفعل سنأتي انا واياك لنعتقله وهناك سيتعلم الدرس!
لحسن الحظ والصدفة كان اخي يعرف احد المتنفذين فاسرع للاتصال به وجاء به مسرعا الى دائرة الامن، وكان الضابط يعد اوراق ترحيلي الى قصر النهاية. لاادري ان كان يفعل ذلك فعلا، ام انه مجرد تهديد اخبرني به. لانه صفعني مباشرة عند اقتيادي اليه، وقدمني الشرطي اليه باشعار: احضرناه (جبناه) سيدي!
ـ للاسف ان يدي مقيدة لعرفت من تضرب وستندم لفعلتك هذه. قلتها، وانا اشعر فعلا بالحنق والغضب، والمرارة لاهانة كرامتي امام الشرطي الذي كان خائفا قبل قليل.
ـ يالله، ارينا شجاعتك الان. قال شرطي الامن ساخرا، متشفيا بعد ان رأى الضابط يصفعني.
لما سمع الشرطي احتجاجي، قال بصوت ونبرة استنكار وتعجب ورغبة تحريض:
ـ طول الطريق وهو يهددنا سيدي، والان يهددك! من هذا؟ من هو ليتحدانا؟!
ـ كلهم هكذا صلفين لكننا سنعلمهم ان نظامنا ليس ضعيفا مثل نظام عارف! قال ذلك دون ان يرفع عينه عن الاوراق، ودون ان ينظر الى احد. لكنه رفع رأسه وتوجه بالحديث الى المفوض:
ـ حاول ان تقنع اخيك بالشهادة ضده، وسلملي على اخيك الاكبر وشكرا على خدمتك. اطمأن، بعد الان لن يعود الى ممارسة خداع الشباب بافكاره!
ـ انا لا اخدعهم، انهم يختاروها بانفسهم، انهم يقارنون بين افكارنا، وافكاركم، بين اخلاقنا واخلاقكم، بين سلوكنا وسلوككم، وسنري من ينتصر في النهاية. قلت ذلك بنبرة تحدي وقناعة كاملة.
ـ في حال بقائك حيا. وسنرى ان كنت ستقول نفس الكلام لابي حرب قاصدا ناظم گزار! قال ذلك وهو يرمقني شزرا وعلى شفتيه ابتسامة باهتة ليس لها معنى!
لقد انقذني ذلك السوري المتنفذ من التسفير الى بغداد. كانوا في البداية يخشون الحزبيين فعلا، وتم الافراج عني، واصطحبني الرجل معه، وسلمني الى اخي الذي كان ينتظرني يسيارته وهو يشكر السوري، ويرمقني بنظرات غاضبة:
ـ جعلتني اتوسل بهؤلاء المخانيث من اجلك. انا الان مدين له بخدمة ولا ادري ما الذي سيطلبه!
ـ حديثه مع نقيب الامن يشير الى انه رجل مبادئ، وانه ساعدني عن قناعة بان هذه الاساليب البوليسية لا تنفع!
كاد اخي ان يصدم السيارة، وهو ينفجر صارخا:
ـ عن اي مبادئ تتحدث؟ هؤلاء وحوش، هؤلاء سفلة! هل نسيت ما فعلوا بنا عام 1963 انتم ستبقون سذج ابدا؟
ـ نحن لسنا سذج، نحن نؤمن بافكارنا ومبادئنا، ونتوقع من الاخرين فعل نفس الشئ!
ـ نعم اذا كانوا بشرا، اذا كانوا اصحاب مبادئ حقا، أما هؤلاء فقد جاؤا ليقضوا عليكم، علينا، على الوطن.
ما اشبه اليوم بالبارحة!
رزاق عبود
ملاحظة:
سمعت ان المفوض قتل في حروب اسياده. اخيه الضابط الطيار سقطت طائرته في "حادث" غامض. اما الشرطي المتنمر، فاتذكر انه ركض ورائي وهو يراني اتجه مع السوري الى سيارة اخي. قال منحنيا ليحدثني بصوت خافت خنوع: سامحني عمي تره انه عبد المامور!







اخر الافلام

.. البرلمان الأوروبي ينتقد مصر حقوقيا ويشجب التعاون الأمني معها


.. الحصاد-الشيوخ الأميركي يدينه بالإجماع.. تضييق الخناق على بن


.. من واشنطن-مستقبل العلاقات الأميركية السعودية بعد قرارات مجلس




.. -السترات الصفراء- في إسرائيل تتظاهر ضد نتنياهو في تل أبيب


.. تحقيقات مولر.. ترامب في قفص الاتهام مجددا