الحوار المتمدن - موبايل



مائة عام على ميلاد جمال عبد الناصر

تميم منصور

2018 / 1 / 14
مواضيع وابحاث سياسية


الحديث عن عبد الناصر بقدر ما فيه سهولة وسيولة ، بقدر ما فيه صعوبة أكثر ، فمن حيث السهولة ، أعماله وانجازاته زاخرة كالبحر ، نستطيع أن نغرف منها قدر ما نشاء ، ولكن الصعوبة بالحديث عنه ، كيف يمكن اختصار هذا البحر من الأعمال وحصرها في عبوة صغيرة وضيقة تتجسد في مقال أو بضع كلمات .
قليلة هي الشعوب التي ينعم عليها القدر ويخلدها التاريخ والزعماء أمثال " جمال عبد الناصر " إن مثل هذه الشعوب تقدس وتخلد وتمجد قادتها العظام ، لأنهم ساهموا في تغيير مجرى حياتها نحو الأفضل ، فالشعب الروسي لا يزال يخلد كبار قادة الماركسية والشيوعية لأنهم ساهموا باقامة روسيا جديدة قوية ، كذلك الشعب الصيني من حقه تقديس " ماوتسي تونغ " لأنه وضع الصين في المسار الصحيح ، كذلك الشعب الهندي وغاندي الذي ساهم بتحرير الهند من الاستعمار البريطاني ، والأمثلة كثيرة .
ان عبد الناصر لا يختلف عن هؤلاء،فقد عرف بشجاعته واتساع افقه وتواضعه ، واقترابه من نبض شعبه ، فهو قائد وزعيم ومفكر في آن واحد ، لم يكن زعيماً أو رئيساً عابراً ، له مواقف ساهمت في تقرير مسار تاريخ المنطقة ، ولا نبالغ اذا قلنا انها غيرت جوانب هامة من التاريخ العالمي في فترة ما ،مثل دوره في اقامة كتلة دول عدم الانحياز وكتلة الدول الآسيوية والافريقية ، ووقوفه الى جانب الدول التي ناضلت من اجل استقلالها ، العربية وغير العربية ، فقد وقف الى جانب الشعب الكوبي والجزائري والانغولي والفلسطيني وغيرها من الشعوب .
الفرق بين الثورة التي قادها عبد الناصر وبقية الانقلابات العسكرية التي وقعت في الاقطار العربية ودولاً كثيرة في آسيا وأفريقيا وامريكا اللاتينية ، هو أن عبد الناصر والى جانبه الضباط الاحرار .
وضعوا نهج واهداف وبرامج اصلاحية واخرى تحررية ، وبدأوا بتحقيقها بالتدريج ، كانت اولى هذه الأهداف وهذه الخطوات التخلص من رموز النظام الملكي الذي هو امتداد لإسرة محمد علي باشا ، وهو رأس الفساد والفوضى السياسية في مصر ، كانت هذه الخطوة مفترق طرق في تاريخ مصر ، حظيت بدعم شعبي واسع ، الخطوة لا تقل أهمية عن عزل رموز النظام ، تحرير مصر من وجود القوات البريطانية ، بعد أن مضى على وجودها في مصر من سنة 1882 لغاية 1956 ، كان الاحتلال البريطاني علة سياسية واجتماعية أعاق تقدم مصر وافقدها ارادتها السياسية ، سارع عبد الناصر أيضاً الى تخليص مصر من الامتيازات التي حرمت الشعب المصري من خيرات بلاده ، وسيطرت على الاقتصاد ومنعت تطوره ، لم يتأخر عبد الناصر بتوجيه ضربة حاسمة ساهمت بتحرير الفلاح المصري من استعباد الاقطاع والاقطاعيين .
عبد الناصر يختلف عن بقية الزعماء الذين سبقوه في مصر والذين جاءوا بعده ، انه يختلف عن سعد زغلول رغم عظمة الأخير ودوره التاريخي في ثورة 1919 ، لكن سعد زغلول كان يتطلع الى الفرعونية اكثر من تطلعه للعرب والعروبة ، كما انه تساهل مع الانجليز في المفاوضات التي ادت الى اتفاق سنة 1922 . يختلف عبد الناصر عن القائد والزعيم أحمد عرابي ، الذي قاد ثورة 1882 ، فقد كانت ثورة عرابي ضرورية ومميزة ، لكنه اعتذر للانجليز وللخديوي بعد عودته من المنفى .
يختلف عبد الناصر عن الزعيم مصطفى كامل الذي دعا للاصلاح ، لكنه طالب ببقاء مصر ضمن الدولة العثمانية ونظامها الفاسد ، عبد الناصر لم يطالب الاصلاح الداخلي لخدمة الشعب المصري ، بل عمل على ايقاظ الشعور القومي والوطني داخل مصر وشعبها ، أرغم الشعب المصري على الارتباط والعودة الى انتمائه القومي العربي .
قبل ثورة يوليو المجيدة لم يعرف غالبية المصريين ماهية الخطر الصهيوني على فلسطين ، كانت هناك صحف مصرية تدافع عن الصهيونية ولا تشكك باخطارها ، ولا تعتبرها حركة استعمارية عنصرية ، وقد حصلت هذه الصحف على تمويل من الحركة الصهيونية ن ومن رموز للصهيونية في مصر ، كانت المؤامرة على عبد الناصر وفكره الثوري الوطني كبيرة ،من قبل اعدائه داخل مصر ومن خارجها ، كالرجعية العربية والصهيونية والامبريالية . كما ساهم بهذه المؤامرة الاخوان المسلمين في مصر وخارجها ، وجدت هذه القوى بالسادات والاداة القادرة على وضع حواجز واسوار بين الفكر التقدمي الناصري وبين الشعب المصري ، قاموا بتجنيد اقلام العديد من المرتزقة لتشويه صورة عبد الناصر في عيون الشعب المصري والغرب والعالم ، اتهم بالفساد ، واغرقت مصر بمقالات في الصحف الصفراء وتطاولت على عبد الناصر ، وقد طال هذا التطاول عبد الناصر في العديد من الكتب اصدرها أدباء السخرة أمثال أنيس منصور وتوفيق الحكيم وعلي أمين وحسين فوزي ، جميعهم نادوا بالتطبيع مع اسرائيل وتحولوا الى اعداء لثورة يوليو ، كان السادات الغطاء السياسي لهذا التحول والتفكير لانجازات عبد الناصر .
بعد رحيل عبد الناصر اختفت انجازاته المحلية والعربية والعالمية من مناهج التعليم المصرية ، فنشأت اجيالاً غريبة عن الفكر وانجازات الثورة ، ولا تعرف عبد الناصر ، استمرت هذه السياسة زمن السادات ومن تم زمن المخلوع مبارك ، ولا تزال حتى اليوم ، غابت كلمة الاستعمار والصهيونية عن افواه الكثير من الاعلاميين المصريين ، وعن الكثير من اقلام العديد من الكتاب والادباء من اعوان السادات والمرتدين عن فكر الثورة .
كل من زار تركيا لا بد الا وشاهد تقدير الشعب التركي للزعيم اتاتورك فالنصب التذكارية التي تجسد وجوده منتشرة في كل مكان ، مناهج التعليم التركية توليه كل الاهمية والتقدير ، واذا قارنا بينه وبين عبد الناصر ، وهناك تشابه كبير بينهما في الاعمال والانجازات ، رغم ان عبد الناصر كان دائماً مهدداً من قبل القوى الامبريالية ، في حين فان تركيا كانت حليفة للدول الغربية ، فلم يقف احداً في وجه مشاريعها التنموية ، الفرق بين الشعبين المصري والتركي ، الشعب المصري سريع النسيان ، لأنه محكوم لقوى ظلامية يقودها الاخوان المسلمين ، وأيضاً الذين حكموا مصر بعده عانوا وما زالوا يعانون من عقدة التبعية والارتماء في الأحضان الامريكية التي هي ذاتها حاولت اغتيال عبد الناصر وعملت المستحيل كي يركع أمامها ، فوجدت في الزعماء الذين أتو بعد عبد الناصر الفرص السانحة للانتقام من مصر ومن تاريخ عبد الناصر .







اخر الافلام

.. الجيش اليمني وقوات المقاومة، يتقدمان في صعدة والحديدة


.. عقوبات أميركية على 22 شركة ومصرفا تمول ميليشيات الباسيج


.. العراق...خلاف على الوزارات السيادية




.. الدوحة وسيط دائم إلى جانب الحركات المتطرفة


.. واشنطن والرياض.. شريكان في مكافحة الإرهاب