الحوار المتمدن - موبايل



كاظم عبد الله العبودي: صوت شعري غَرِدْ لغة جواهرية النسج.. وصور عراقية الوهج

شكيب كاظم

2018 / 1 / 15
الادب والفن


يوم قرأت اولى قصائده المنشورة على صفحات (الف ياء) ملحق جريدة (الزمان) اليومي الثقافي خلت نفسي كأنني اشم عطر قصائد الجواهري الكبير، او كأنني اتفيأ ظلال مصطفى جمال الدين او لعلني اقرأ شعرا لمحمد حسين آل ياسين ولربتما هذا قريض عبد الرزاق عبد الواحد يطل علي و...و...، لغة واسلوبا وثراء باذخا في الصور والاخيلة حتى اذا حصلت على مجموعته الشعرية الاولى الموسومة بـ(اكراما لعيون ليلى) الصادرة عام 2009 عن مؤسسة مصر/ مرتضى للكتاب العراقي وبدأت اقرأ قصائد هذه المجموعة تأكدت في نفسي تلك الخوالج واللواعج التي جاشت فيها وانا اقرأ قصائده الاولى تلك.
اني وانا اقرأ قصائد ديوانه الاول هذا الذي احتوى على شعره المُقال على مدى اكثر من عشر سنوات 1996-2008 والذي توزع على مناح مختلفة من الحياة ففيه شكوى من تصاريف الدهر وغدر الزمان يوم وقع في تيه الغربة بعيدا عن الاهل والخلان والاصحاب وفيه توق الى الام الحضن الرؤوم الذي ما استطعنا كبح جماح شوقنا اليه على الرغم من تمادي العمر والازمان بنا كأننا مازلنا، اطفالا نحن اليه فكيف الحال وقد نأت بيننا المسافات وكيف السبيل الى هذا الحضن الدافئ والمحيا الذي ينضج طيبة وحنانا، وقد شط المزار وبعدت الاماكن بيننا وبين الوصول اليه اقفاص وموانع؟ فضلا على مناجاة للحليلة الخليلة.. الزوجة.. قرينة الروح والجسد.. انه يتذكر وطنه الواقع غربا منه ويناجي امه..
على كل نسمة صيف تهب من الغرب/ تحمل انفاس من ماتَنَسَّم قلبي سواها/ فيطفح حزن... ولا كل حزن/ فيا حزن قلبي/ بصمت الليالي التي خلَّفَتْ رعشة في الضلوع/ تذكرني بصوت امي لما يكاد اسى وحشة الليل/ يغتال في مقلتيها الدموع/ واذ تطحن الحزن والصبر والدمع والاغنيات وبعض الشعير/ تذكرني صوت امي ليالي الشتاء الطويل الطويل/ صغيرا يهدهدني..مثلما الناي في موحشات القرى والضفاف/ جريحا يضمدني.. مثلما كفها حين يحنو فيلمس حد الشغاف/ فيا وجه امي ويا صوت امي ويا حضن امي/ متى استطيع اليك الرحيل..ص17.
اكثر من قصيدة، خص الشاعر كاظم عبد الله العبودي، بها الام التي يرى ان من يرضع ثديها يجد ان جذره امتد في الارض وامتد حتى تسامى الى سدرة المنتهى، واصفا اياها بنبع حنان الدنيا، عائدا الى ايام طفولته الاولى لم يتذكر ذلك وانى له ان يتذكر لكنه يتخيل ويتصور نفسه طفلا طالبا من امه.
هزي مهدي ثانية، اني احلم ان يرجع ذلك المهد/ لاعود لحضنك.. مدي لي اني احتاج لتلك اليد/ اشتاق لصدرك، اشتاق لاغلى زند/ كي القي فوقهما بثي ودوار القلق الحائر.. او اختار/ ما بين المشرع من ابر النحل اليوم/ وبين المترع بالامس: كؤوس الشَهْد.
ولكن كيف السبيل وهذه الظلمات الداجيات تلفنا فأنطفأت حتى عين الشمس، تُرى أسينزاح الغيم الجاثم كل سنين القحط بلا امطار، والمأساة مضاعفة فالغيم دليل العطاء والنماء والخير العميم، لكنه، الشاعر كاظم عبد الله العبودي يصفه بالجاثم على رقابنا، فهو لا يمطر غيثا بل يمطر اسى وموتا أمن الحق ان يكون الموت والخسران، رديفا لحياتنا التي عصفت بها الحروب والاهواء والنزوات فاحالتها ركاما؟ ترى متى ينزاح هذا الاسى الى صدر سوانا؟ ولماذا الى صدر سوانا؟ لماذا لا ينزاح نهائيا وتذهب شروره؟
ويعود مستذكرا بعد ان فرغ من مناجاة الوطن الغالي، يعود مناجيا.. امه.
يا ام/ ضميني بين ذراعيك/ فنار اليوم بلا دفء دون ذراعيك ولا قلب/ وتعالي/ كل جوارح، كل جوانح، كل ملامح، كل سوانح/ هذي الدنيا/ لن تغني عن رفة رمش يوقد شمعا او يذرف دمعا/ اذ تأتلق في عينيك ليالي الاعياد/ فتعالي... اني اشعر حتى حشرجة الموت/ الى جنبك ارهاصة ميلاد. ص59
لكنه يظل يناجي صورة الام، التي ما اكتفت ايام الغربة والابتعاد، بترك اثارها المؤذية على قلب الشاعر كاظم عبد الله العبودي، ومشاعره فها هي تصاريف الدهر والزمان، تطوي ينبوع الحنان هذا، تأخذه عنه بعيدا بعيدا حيث لا رجعة يمني بها نفسه او فسحة لقاء تزيل عنه بعض اوضار الشوق وتباريح البعاد مناجيا شاكيا...
فمدي من خلال الغيب كفا - لقد شحت بك الدنيا منالا
وردي من جلال الرمس روحا - تطوقني فما اطقت احتمالا
لصدرك ارق الجفنين شوقٌ - فعودي لست مصطبرا فصالا
هبيني ما وهبتك انتِ أوْلى - فما عودتني الا دلالا .... ص197
واذ اعطى للام، جسدا شاخصا او خيالا باقيا في الذاكرة وصورة لا تطمسها السنون اعطاها ما تستحق من مناجاة وابتهالات وشكاوى يرجع الى ليلى، التي هي المعادل الموضوعي لكل المحبوبات والمعشوقات المتربعات على عروش قلوب الرجال، متلهفا، متذكرا حانيا شاكيا، راغبا نائيا، متوجا لهفته، لاغرو ان جعل ديوانه هذا يزهو باسمها واستذكارا لعلاقة ممتدة لا يريد لها ان يخبو أوارها، فقصائده هذه جاءت (اكراما لعيون ليلى) لايريده اكراما لجزء من جسدها، فهو موله بالروح، راغبا بالحنان والوداد، لذا خص عينيها، مطلقا عليهما صيغة الجمع، (عيون) وهل اكثر من العيون افصاحا عن رغبات العشق وتباريح الهوى والجوى؟
هو منصف في خلجاته واناته ونوازعه واذ يعطي للام حصتها من البوح والشوق والتوق فلابد للضفة الاخرى من نبع الحنان وجدوله ان تأخذ حقها وحظها، هي لا تأخذ حقها ونصيبها بل الشاعر العبودي الرقيق الانيق ابى الا ان يعطي صدر الحنان الدافق ما يستحق من شوق ووجد وعشق
اذا يا بن الملَّوح همت حبّا - وناجيت الملاعب والديارا
وعزَّت في فؤادك ان (ليلى) - بها سكنت فقبَّلت الجدارا
فأن الدار عندي مثل ليلى - هوى الاثنين في قلبي تبارى
واذا كان قيس بن الملّوح عاشق ليلى العامرية، قد اعلن في لحظة وَجْد انه وهو يقبل ذا الجدار وذا الجدارا، جدار بيت المعشوقة ليلى، فان ما شغف قلبه ليس الجدار والديار، بل من سكن الديارا، بل ليلى فان الشاعر كاظم عبدالله العبودي عاشق (ليلى) هو الاخر، جاء بعد عشرات مئات السنين ليعلن نهارا جهارا، انه يحب الاثنين، يحبهما كليهما ليلى والديار، فهما متماهيان فها هو، هوى الاثنين، ليلى وديارها يتباريان شوقا ولهفة في قلبي الموجع المضنى من الام البعاد المفروض عليه في غربته النائية تلك، فلقد تحولت فسحة الحياة الى اقفاص واعداد.
هو يكني عن حاله بـ(السير) وهي تورية جميلة، قد لا تصل الا لمن اعطي حظا من العقل والذوق وفك رموز النص وشفراته الموحية، هو..
اسير وحيدا برغم جموع القلوب التي - مثل قلبي- إبتلاها الارق/ تدور بقلبي رحى، ص15
فهو اسير وحيد، ومن جهة اخرى يسير وحيدا
ثم هو – تورية- يكني (ليلى) بـ الليل، او ياتي بـ(ليلى) مرخمة بحرف النداء يا (ليل).. هو يناجي (ليلى) الجالسة على عرش القلب الواجف الواله شوقا والتياعا.
فهل تدركين ؟/ وهل تعلمين باي المشاعر صاغ الهوى يا (ليل) / لجيدك هذا الذي تتلألا فيه مصابيح عمري/ ويرقص في صفحتيه النهار/ اراكِ.. وعبر القفار التي ضاع في رملها العمر/ -هل ظل في العمر بقيا؟- / وهذا هو الشفق يا (ليل) عَلَّ الذي عاد/ عاد كما يوم افترقنا/ بدون وداع، وسار القطار ص70.ص71
ويظل الشاعر كاظم عبد الله العبودي، يتشهى، يتشهى وهو في مكانه ذاك يتشهى حضن ليلى الدافئ، وحنوها السابغ، لكن أنى له هذا، فدون ذاك موانع واقفاص، وانات ومواجع، مناجيا...
أتدرين اي الرجوع اشتهيت؟/ تشهيت لو انني/ رجعت على جنح صبر الرجال/ وحلقت صوبك فوق الذرى/ وجزت المسافات/ سافرت حتى اقاصي المحال/ وعدت اليك/ وعدت اليك/ أتدرين اي الدموع اشتهيت؟/ تشهيت دمعا.. يسح ليطفي لظى ما استكان/ ولكنما الدمع لما انهمر/ تذكرت اني ارتحلت بعيدا/ بعيدا لأقصى حدود الزمان/ بلا همسة ودعتني/ ولا شفة قبلتني/ ولا نظرة طوقتني/ بفيض الحنان/ فما اوجع السير قهرا الى اللا مكان/ وما اوجع الرحلِ لما يُشدّ الرحالُ/ الى لا زمان/ وما افجع الحِلّ لما يُحطُّ الرحالُ بلا.. لا امان/ تشهيت عينيك/ شمع الليالي الذي ما انطفا/ تشهيت جفنيك...اذ تسبلين الجفون/ فتدرك عيناي تحتهما ما اختفى/ تشهيت ضوعا على وجنتيك/ اذا استيقظ الورد فجرا غفا. ص18.ص20
لكن برغم اللهفة والجوى والوجد لأعطاف الحليلة الخليلة (ليلى) يطرأ ما يعكر صفوهما، الامر الذي يدفع بشاعرنا الى سوق اعتذارياته، التي تذكرنا باعتذاريات النابغة الذبياني، ولكن لات ساعة مندم، فلقد نما بينهما، سور نفسي وجدار وما عساه ينفع –بعد الذي حصل- طلب صفح واعتذار، فيا انتِ..
بك ابتدي، بك انتهي بك اختم - واخط سفرا في هواك وارسم
لك في جبين الشمس لهفة شاعر - وبكل سطر جمرها يتضرم
فدعي ركابي كي تنيخ ومركبي - يرسو بساحلك الذي لا يقحم
بحنان صدرك اوثقيه اذا هفا - عَوْداً على بدء فاسرك ارحم
اهواك قيسا باسمك الغالي شدا - شعرا لمن يدري ومن لا يعلم ص213.ص215
الشاعر كاظم عبد الله العبودي، ما اعتمد على الموهبة التي حباه الله بها في قول الشعر، بل اردف ذلك بقراءات جيدة في ديوان الشعر العربي، وكتاب الله العظيم القرآن، لزيادة قاموسه الشعري واثرائه، واذا كان غالب الشعراء، لا يقرأون بجدية النقاد والكتاب مثلا، لذا اطلقت المقولة النقدية: الكتابة فضيحة الشاعر، اي لا يحسن الكتابة و لايقدر عليها، لكيله الُمطَفَف منها، فان شاعرنا العبودي، يشف شعره عن قراءات وقراءات، في الاقل في ديوان الشعر العربي، فهذه ابيات قصيدته الرائعة (وما بعثناك الا رحمةً للعالمين) ص95.
تحيلك الى قصائد وابيات لكبار الشعراء العرب، استوحى معانيها الشاعر العبودي وضمنها قصيدته هذه...
وانما الناس اعداء لما جهلوا – كيف استحالوا الى اعداء ما عرفوا
وهو من الامثال السائرة (الناس اعداء ما جهلوا) وقد وجدته في فرائد الادب التي جمعها الاب لويس معلوف اليسوعي الذي صدر بداية القرن العشرين مزينا بها كتابه اللغوي الفريد (المنجد في اللغة والاعلام)...
او قوله:
والظلم طبع الورى فالظالمون اذا - ما شاهدوا الحق اغضوا عنه او صدفوا
فهو يتماهى مع قول ابي الطيب المتنبي:
الظلم من شيم النفوس فان تجد - ذا عفةً فلعلةً لا يظلمُ
او قوله:
فان عين الرضا تضفي على رجل - محاسن الغير ان حسب الهوى تصفُ
اما متى سخطت عدّت محاسنه - سوءً وحيل الى اضداده الشرف
فهو قريب من قول الشاعر:
عين الرضا عن كل عيب كليلة - كما ان عين السخط تبدي المساويا
اما قوله:
من الذي قال فيه الله : انت على – خلق عظيم، وجل الناس منحرف
فهو مصاقب لقوله تعالى: (وانك لعلى خلق عظيم) 4:ك: 68 القلم
وما قاله الشاعر:
اما تحيتنا فهي السلام اذا - ما غيرنا كَِلفوا بالحرب او وجفوا
فهم مأخوذ من قوله تعالى : وتحيتهم فيها سلام 10:ك 10 يونس
وهذا بيت من قصيدته الرائعة (امير الشعراء) ص118 جاء قوله
اتيت الجزيرة اطوي الفلا - وارتاد ساحلها ذاهلا
فالبيت قريب من قصيدة عصماء قالها ابو الطيب المتنبي، يرثي بها اخت سيف الدولة الحمداني، وقد توفيت بـ (ميّا فارقين) و ورد خبرها الى الكوفة
يا اخت خير اخ يا بنت خير ابٍ - كناية بهما عن اشرف النسب
طوى الجزيرة حتى جاءني خبر - فَزعت فيه بآمالي الى الكذب
حتى اذا لم يدع صدقهُ املاً - شَرِقت بالدمع حتى كاد يشرق بي
وهناك قصيدة رائعة يناجي بها دجلة الخير اسماها (يا بنت دجلة) ص137
اهداها الى روح الشاعر الكبير محمد مهدي الجواهري( رحمه الله) والى استاذه الشاعر الكريم عبد الرزاق عبد الواحد(اطال الله عمره)، نظمها على منوال قصيدة الجواهري الخالد والخالدة ومطلعها:
حييت سفحك عن بعد فحييني - يا دجلة الخير يا ام البساتين
فالعبودي يحيي الجواهري قائلاً:
سيلَُ حدا بي الى اعتاب قائلها - يا (دجلة الخير) بل ما زال يحدوني
انا وانت وفينا من جوارحها - نزف الجراح وأنات المطاعين
تزاحم الشعر دفقاً في الشرايين - فقلت: رفقا يكاد الموج يطويني
ارى قوافيه طوفاناً بلغن به - سعفَ النخيل واطراف العراجين
وبودي ان انهي طوافي في هذا الكتاب الشعري الجميل (اكراما لعيون ليلى) للشاعر الرقيق كاظم عبد الله العبودي، الذي اردفه بديوان اخر اسماه (رؤى.. غادة.. كانت زهراء) صدر هو الاخر عن مؤسسة مصر/ مرتضى للكتاب العراقي سنة 2009، ان اقف عن هذه القطعة الشعرية الصوفية الحائرة المتساءلة عن كنه الوجود، لا الشاكة الجاحدة، المنكرة..
راحلا كنت... يطوف البرد في جنبي حتى الهجير/ ويطوف الركب بي كل الفيافي/ ويدور القلب في التيه طوال العمر. لا ادري على ماذا طوافي/ راجفاً في وهدة القيظ. وعيناي تمطى فيهما السؤال،/ (جئت..لا ادري..الى اين المصير؟)/ من تلال الذات نحو الغور يحدو بي شوقُ، فاسير/ انما يبدو لي الدرب محال/ ويعود الاخر المغروس في قلبي شغافا/ وباعماقي دوار/ هاتفاً مذ كان لي نبض هوى ما بين صُلبِ وترائب:-/ - ما الذي تقصد بالشوق؟/ لمن؟... هل لك من تشتاق. او يشتاق؟ درب الشوق شوك وشراك وعثار.. ص180.ص181
ومنذ عقود اطلق ايليا ابو ماضي (ت -1955) سؤاله الحائر
جئت لا اعلم من اين لكني اتيت
ولقد ابصرت امامي طريقا فمشيت
وسأبقى سائراً إن شئت هذا او ابيت
كيف جئت كيف ابصرت طريقي
لست أدري
وكيف لنا ان نشاء وان نأبى وكل شيء في امام مبين وقدر مقدور لا مهرب منه ولا مندوحة؟.أ وراهأأأأأأأاا







اخر الافلام

.. الكاتب والناقد السوري عادل الفريجات: لسنا في عصر الشعر


.. إنطلاق مهرجان الجونة السينمائي بدورته الثانية بحضور المئات م


.. هذا الصباح- فنان أردني يبدع في صنع آلة الناي




.. إنطلاق مهرجان الجونة السينمائي بدورته الثانية بحضور المئات م


.. «ملخص الجونة السينمائي»..أزياء الفنانات كلمة السر..شاهد أبرز