الحوار المتمدن - موبايل



كراهية الإسلام

ميثم الجنابي

2018 / 1 / 15
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع


للكراهية مظاهر لا تحصى لكنها تشترك في نفسيتها الضيقة وذهنيتها المسطحة. وبغض النظر عن أنها ليست متوحدة من حيث أصولها وغاياتها، إلا أنها توصل إلى نتيجة واحدة، إلا وهي إضعاف الرؤية العقلانية والنقدية وتعزيز الغريزة وبقايا النزعة البهيمية، أو ما كان الفلاسفة المسلمون يطلقون علية عبارة النفس الغضبية.
فالسؤال المتعلق بأسباب ظهور وتوسع وتعميق وتنشيط نفسية وذهنية الكراهية هي الصيغة العاكسة لبقايا الآثار "الطبيعية الأولى"، أي عوالم الغريزة والجسد. فكراهية الأقوام والأمم هي الصيغة الأوسع للكراهية القبلية، كما أن الكراهية القبلية كانت الصيغة الأوسع لبقايا الوحشية، والبقايا الوحشية هي الصيغة "الطبيعية" للبقاء في مواجهة الأخطار أيا كان نوعها. وبالتالي، ليست الكراهية التي تظهر أحيانا بما في ذلك عند "الأمم الراقية" سوى أحد المؤشرات الدقيقة على فاعلية البقايا الاثنية والعرقية في "الروح"، وبقايا الطبيعة الأولى أو الغريزة في الجسد.
ونقف الآن أمام احد مظاهر الكراهية الدينية الكبرى، التي تحول الإسلام والمسلمين إلى مادتها ووسيلتها وهدفها أيضا. بمعنى أن الظاهرة الحديثة عن "كراهية الإسلام" تبلغ ذروتها بحيث تشمل الدين والمعتقد والأتباع والتاريخ والثقافة والمستقبل أيضا. إضافة إلى تمركزها الأكبر في "الغرب" الاوروامريكي أكثر من سواها. مع أن الإسلام يتركز في الجغرافيا الثقافية المتوسطة بين العوالم الثقافية الدينية الأخرى. فهو الوحيد الذي يحتك بصورة مباشرة بالعوالم النصرانية والبوذية والهندوسية. الأمر الذي يفسر بصورة جزئية العداء "المشترك" تجاهه من قبل العوالم الأخرى، انطلاقا من أن المجاورة هي الحدود المتحركة للخلاف والعداء والصراع. إلا أن كراهية الإسلام القديمة والمعاصرة في اغلبها هي من "امتياز" الوعي والثقافة الأوربية (والأمريكية بوصفها امتدادا للأولى).
وعموما يمكننا القول، بأنه ليست هناك من تجربة ثقافية كبرى في التاريخ الإنساني احتوت وصنّعت وأسست لمختلف نماذج "الكراهية" أكثر من الثقافة الأوربية (الغربية). وقد تكون تجاربها المعاصرة الصيغة الأكثر وضوحا ودلالة. إذ فيها جرى تأسيس وتطويع واستعمال اشد الأشكال تطرفا بهذا الصدد مثل النازية والفاشية والتفرقة العنصرية. وفيها برزت وتجسدت وتغلغلت في الوعي الفردي والجمعي كراهية الأمم والأقوام.
والسبب الجوهري القائم وراء هذه التقاليد الأوربية يرتبط بأصلين، الأول وهو أنها قطعت أكثر من غيرها مراحل التطور التاريخي الثقافي، والثاني إن تجاربها النظرية العقائدية الكبرى لم تذلل البؤرة الصلدة للاثنية والعرقية في الوعي الفردي والجمعي.
أما من الناحية التاريخية فقد تحولت الكراهية إلى جزء من "عقيدتها الروحية" بالارتباط مع اعتناق النصرانية. وقد ارتبطت هذه الظاهرة بكيفية انتقال الوعي الأوربي الثقافي إلى ما ادعوه بالمرحلة الدينية السياسية في تطور الأمم. فما قبل النصرانية لم تكن كراهية الأمم والأديان ثقافة أو عقيدة أو أيديولوجيا، كما لم نعثر على أي صيغة فكرية فلسفية لها. بل على العكس، لقد كانت تجارب العقل النظري والعملي الإغريقي والروماني تتعارض معها. مع إن التجربة الإغريقية والرومانية أيضا من حيث الأصل والجوهر لا علاقة لهما بالفكرة الأوربية الحديثة، أو على الأقل ما قبل اعتناق النصرانية.
والتناقض الحاد والمفارقة الجلية بين توسع وتعمق ظاهرة الكراهية للآخرين مع اعتناق النصرانية يقوم في أن المبدأ الجوهري للنصرانية هو المحبة، أي النقيض التام للكراهية. ويكمن سرّ هذا التناقض في جانبين، الأول وهو دخول "العهد القديم" المليء بقيم ومفاهيم الكراهية للآخرين والانغلاق في "الكتاب المقدس" للنصرانية، والثاني إن النصرانية لم تكن نتاج المعاناة الروحية "للغرب الأوربي". فقد كانت النصرانية الأولى مشرقية (أو بصورة أدق جنوبية أو متوسطية) من حيث المنشأ واللغة والفكرة والتقاليد والتأسيس النظري اللاحق (آباء الكنيسة الأوائل وفلاسفة السكولائية الأولى).
فمع اعتناق النصرانية، بوصفها أداة عقائدية وأيديولوجية وسياسية للدولة الرومانية الآخذة في التحلل والسقوط، بدأ الانتقال التاريخي الثقافي من المرحلة الثقافية الدينية إلى المرحلة الدينية السياسية. وهي من بين اعقد المراحل الانتقالية في مجال الوعي الثقافي، وأكثرها ديناميكية في الوقت نفسه، وأشدها سعيا نحو فكرة الواحد والوحدة ونبذ التنوع والاختلاف وكراهيته.
وقد نفذت الديانة النصرانية وأداتها العملية (الكنيسة) هذه المهمة بالقضاء على كل من يخالفها واتهامه بكل الأوصاف المثيرة للكراهية والاشمئزاز. وقد كان هذا التطرف والغلوّ نتاج التجربة المسطحة في تمثل الفكرة النصرانية، التي تحولت إلى مجرد أداة لإخضاع العقل للإيمان، والفلسفة للاهوت، والإنسان للعقائد، والجميع للكنيسة.
لقد لعبت النصرانية دورا تأسيسيا في بناء الذات الأوربية، من خلال تحولها إلى العقيدة الكبرى والجوهرية بالنسبة للعقل والضمير والوعي التاريخي والقيم والأخلاق، باختصار أنها أصبحت الحاوية الكبرى والأداة الواحدة للرؤية والتحليل والمواقف والتقييم. وقد كانت تلك خطوة كبرى إلى الأمام بالنسبة لتوحيد الوعي الثقافي وهمومه المشتركة. غير أن للتاريخ مصادفاته المغرية والمثيرة لحس والعقل والحدس.
فإذا كانت التجربة الأوربية في اعتناق النصرانية لها "منطقها" الخاص، فان هذا المنطق اتخذ صيغته الكلاسيكية بوصفه العامل الجوهري في توجيه الوعي والمسار التاريخي. إذ إننا نقف أمام واقع جلي يقوم في أن التجربة الأوربية النصرانية تغيرت بعد ظهور الإسلام.
فقد شكل الإسلام قوة جديدة موازية ومتحدية وصاعدة بمعايير القوة الجسدية والروحية والفكرة العقائدية. فاليهودية تحولت إلى ديانة ذليلة ومستهجنة. بينما ظهر الإسلام في نفس فضاء العالم الثقافي لليهودية والنصرانية. لكنه بالخلاف عنهما اتصف بفكرة الوحدانية المتجانسة ومساعيه العملية للتوحيد.
وفيما لو تجاوزنا كل حيثيات القرون الأربعة الأولى بعد ظهور الإسلام، من الصراع المتنوع الذي توج باستقرار وثبات "العالم الاسلامي" بما في ذلك على حساب "الأراضي النصرانية"، فإن الحصيلة الكبرى لتراكم نفسية وذهنية العداء والكراهية والانتقام قد برزت بصورة جلية في الدعوة والعمل على إذكاء الحروب الصليبية، بوصفها النموذج الكلاسيكي للحروب الدينية الكبرى. وفي مجراها وبأثرها تبلورت للمرة الأولى اغلب الصيغ النمطية عن الإسلام (دين القوة والإكراه والجسد واللهو والغريزة وما شابه ذلك، أي كل ما يجري اعتباره الآن فضيلة، وإن الإسلام معاد لها!). ذلك يعني إن هذه المفاهيم القيميية النمطية عن الإسلام هي تعبير عن التجربة الأوربية ورؤيتها.
وليس مصادفة أن نرى خروج كل هذه الأحكام القيميية النمطية في الوعي الديني والثقافي والسياسي الأوربي مع كل احتكاك حاد مع "عالم الإسلام". ولا يشذ القرن التاسع عشر والعشرين وبداية الألفية الثالثة من تأثير هذا المخزون الثقافي. ومن الممكن رؤيته على نموذج الوحدة السياسية والثقافية في كراهية الإسلام في الوعي الأوربي الذي لازم صعود الكولونيالية والمركزية الأوربية.
فقد ارتبطت ظاهرة كراهية الإسلام بالكولونيالية التي هيمنت فيها فكرة التضاد المطلق بين الشرق والغرب، ولاحقا بين الغرب والإسلام. غير أن الأمر اختلف حالما أخذت بالظهور والنمو ما ادعوه بالمركزية الإسلامية المعاصرة. الأمر الذي جعل من صراع هذه المركزيات نتيجة محتومة لا يمكن حلها بمشاريع "الحوار" و"التفاهم" وما شابه ذلك، بل بمعايير النمو الذاتي التلقائي، الذي يجعل من المركزية الأوربية وتراثها وتقاليدها حالة جزئية وليست كلية، قارية وليست عالمية. من هنا استثارة الخلاف والصراع.
ذلك يعني، إن الموجة الأخيرة من كراهية الإسلام في الغرب الاوروامريكي هي مظهر من مظاهر النمو والتنافس والاختلاف الطبيعي، بفعل تباين واختلاف التجارب الثقافية، والمصالح الاقتصادية والجيوسياسية. ولن تنتهي هذه الحالة ما لم تنته الفجوة بينهما، وما لم يتكامل العالم الاسلامي بمعايير تجاربه الذاتية. وينطبق هذا في الواقع على كافة المناطق الثقافية التاريخية الكبرى.
***







اخر الافلام

.. العصيدة والشموع تصنع فرحة الليبيين بالمولد النبوي


.. متى نحتاج لتناول الحديد


.. مهرجان الشارقة لريادة الأعمال 2018




.. زائر غريب يثير اهتمام علماء الفلك


.. التصدي لأزمة الغذاء.. أولوية التحالف العربي في اليمن