الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


خلق الإنسان فى الأساطيرالسومرية وغيرها

طلعت رضوان

2018 / 1 / 19
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني


خلق الإنسان فى سومروغيرها
طلعت رضوان
بالرغم من تقديرى واحترامى للمفكرالسورى الكبير(فراس السواح) إلاّ أنه عندما كتب عن أسطورة (خلق الإنسان) ضمن مجموعة الأساطيرالسومرية، اعتبرها ((أول أسطورة خطتها يد الإنسان عن هذا الموضوع، وعلى منوالها جرتْ أساطيرالمنطقة والمناطق المجاورة، التى استمدتْ منها عناصرها الأساسية، خصوصًـا فكرة تكوين الإنسان من طين، وفكرة تكوين الإنسان على صورة الآلهة)) (مغامرة العقل الأولى- دارعلاء الدين- دمشق- الطبعة العاشرة- عام1993- ص45)
إنّ ما كتبه السواح عن أسبقية الأساطيرالسومرية، فى مسألة خلق الإنسان من طين، يتنافى مع ما كتبه (كل) علماء (علم المصريات) عن أنّ الحضارة المصرية سبقتْ كل الحضارات القديمة فيما يتعلق بقصة خلق الإنسان، حيث ابتدع المصريون القدماء (ضمن منظومة الآلهة) الإله (خنوم) الذى يصنع الإنسان على (عجلة الفخار) وأنّ تلك القصة مُـدوّنة فى البرديات التى عثرعليها علماء الآثار، وذلك كما ذكركل من عالم المصريات الأمريكى (جيمس برستد) وعالمة المصريات الفرنسية (نوبلكلور) وغيرهما كثيرون، بل إنّ عالم المصريات الألمانى (أدولف إرمان) ذكرأنّ الأساطيرالمصرية انتقلتْ إلى معظم شعوب المنطقة بما فيها اليونان، حيث عاش فيها كثيرون من فلاسفة وعلماء اليونان. وذكرأنّ تأثيرمصرعلى اليونان وصل لدرجة أنّ الآلهة اليونانية ((تمصّـرتْ)) (ديانة مصرالقديمة- ترجمة د.عبدالمنعم أبوبكر، ود.محمد أنورشكرى- هيئة الكتاب المصرية- عام1997- ص437) وذكرأنّ (خنوم) هوصانع وخالق البشر. وخنوم ((يعمل عمل الفخارى، حيث يجلس إلى (دولابه) ليخلق البشر)) وأنّ (خنوم) تولى رعاية الملكة حتشبسوت أثناء حملها، وكانت القابلة الإلهية (حــِــقتْ) معها فى لحظات الولادة وخروج نموذجين: واحد للطفل والثانى ل (الكا) أى روح الطفل. وجاء فى بعض البرديات على لسان أحد حكماء مصر: ((لقد خلقنى خنوم ممتازًا. إنه يـُـوجه لسانى نحوالخير. إننى لم أدنس فمى بإهانة من أهاننى. إننى استجلبتُ المحبة لنفسى، وصارأعدائى أعوانــًـا لى)) وكان تعليق إرمان ((وهكذا كان لزامًـا على كل شخص أنْ يـُـقابل كل إهانة بالتسامح حتى يكتسب عدوه ويجعل منه صديقــًـا)) (ص10، 54، 64، 185)
والدليل على أنّ الأساطيرالمصرية انتقلتْ إلى الأساطيرالسومرية، ذكرإرمان ((....وفى النقوش السوريانية يرجوالولد من أوزيرالبركة لوالده)) (المصدرالسابق- ص328) وفى نفس الصفحة صورة لجدارية عليها رسومات تجمع بين الملك المصرى وعلى رأسه تاج الوجه القبلى والوجه البحرى (بعد أنْ وحــّـد مينا الوجهيْن) وحول الملك بعض الوزراء وصورلبعض رموزالآلهة المصرية. وتحت صورة الجدارية كتابة جاء بها: شاهد مقبرة (آخت- آبوالسورية) من منف- عام482ق. م – متحف برلين- تحت رقم7707) وأرجومن القارىء ملاحظة تعبير(آخت) المأخوذ من مصرمثل (آخت- رع) بمعنى (أفق الشمس) وكذلك كلمة (منف) التى هى أشهرعاصمة لمصرفى الحضارة المصرية.
أما فيما يتعلق بقول المفكرالسورى (السواح) أنّ الأسطورة السومرية جاء بها (فكرة خلق الإنسان على صورة الآلهة لأول مرة فى أساطيرشعوب المنطقة وفى الحضارات القديمة. فهذا القول يتجاهل أنّ من بين الانتقادات التى وجهها أعداء الحضارة المصرية لجدودنا المصريين القدماء، أنهم كانوا (يعبدون ملوكهم وصوّروهم على أنهم آلهة) كما أنّ الكثيرمن البرديات والجداريات صوّرتْ الآلهة المصرية فى أشكال إنساني، ومن أمثلة ذلك: محاكمة الإله (ست) فى الدعوى القضائية التى أقامتها إيزيس لاسترداد حق ابنها (حورس) فى عرش مصر، وهى القضية التى رفعتها إيزيس أمام (مجلس الآلهة) وكان تعليق إرمان على هذا الجزء من الأسطورة الأوزيرية: هكذا بدتْ الأسطورة ((كأنها نزاع قانونى. أوقل إنها قضية رفعها أحدهما ضد آخر، بكل ما يتبع ذلك من إجراءات قانونية..والحقيقة يبدوكل شىء فى هذه القضية وقد طــُـبع بطابع الإنسانية المُـتحضرة. كما تبدوالآلهة كأنها بشر...إلخ (ص89، 294)
ومن صور(أنستة الآلهة) ذكرإرمان: أنه عندما عثرتْ إيزيس على جثة زوجها، فإنها ذهبتْ إلى إله الشمس فى هليوبوليس، وكانت له به رعاية خاصة. وقد ساعد هذه المرة، فأرسل سائرالآلهة إلى (أباتون) ليدفنوا جثة الإله بعد أنْ حملها إلى هناك ابنه حورس (فى هيئة تمساح) وقد زاد الآلهة على ذلك بأنْ أصدروا مرسومًـا لحماية مقبرة الإله. والأهم أنّ هذا المرسوم وقــّـع عليه الإله (رع) والإله (شو) وأنّ الذى كتب المرسوم الإله (تحوت) بصفته رمزالكتابة والحكمة (ص422) فهل هناك (أنسنة للآلهة) أكثرمن ذلك؟
وذكرإرمان أنه من بين التماثيل الكثيرة للإلهة إيزيس، التمثال الذى وُجد منه الكثيرمن النماذج ((وفى هذه التماثيل يتجلى الشغف بإبرازالجانب الإنسانى فى إيزيس، فقد كان يـُـستحب تمثيلها مع رضيعها وهى تعطيه ثديها، فى وضع يـُـذكرنا بتماثيل السيدة العذراء وهى تـُـرضع طفلها السيد المسيح (ص434) وهل هناك أنسنة للآلهة أكثرمن البردية التى صوّرفيها الفنان عددًا من الآلهة وهم يـُـطعمون الموتى. ومع ملاحظة أنّ الفنان صمّـم البردية على شكل شجرة فيها الموتى والآلهة تـُـطعمهم. وهذه البردية محفوظة فى متحف برلين- تحت رقم 7291 (ص173) وفى فصل آخركتب عن شجرة الجميزالتى تجلس الآلهة تحتها، وهى شجرة الحياة التى يعيشون عليها، والتى يـُـغذى ثمارها الأبرارأيضًـا. وإلى جانب ذلك فإنّ إلهات السماء تــُـزوّد الميت بالطعام، وأنّ (نوت) إلهة السماء، تقترب من ابنها، وتعطف عليه وتدنى له ثديها لترضعه...إلخ (ص243)
فلماذا تجاهل المفكرالسورى الكبيرهذه الحقيقة؟ خاصة أنه قرأ الكثيرمن الكتب عن الحضارة المصرية، كما ذكرفى المصادرالتى اعتمد عليها عندما تعرّض لمصرالقديمة، وخاصة- من زاوية ثانية- أنه ذكرأنّ الأسطورة السومرية، جاء بها عكس الأسطورة المصرية، فإذا كانت الآلهة فى مصرهى التى تـُـطعم الإنسان، فإنّ الإنسان فى الأسطورة السومرية هوالذى يـُـطعم الآلهة. ووفق نص السواح ((...فالإنسان خـُـلق عبدًا للآلهة..ويقدم لها طعامها وشرابها)) ثم نقل بعض الفقرات من نص الأسطورة:
الإلهة (نمو) توجـّـهتْ للجيل الأول من الآلهة وقالت لابنها (إنكى):
أى ابنى.. انهض من مضجعك..
اصنع أمرًا حكيمًـا..
اجعل للآلهة خدمًـا..يصنعون لهم معاشهم..
تأمل (إنكى) فى الأمر..ودعا الصـُـنــّـاع الإلهيين وقال لأمه:
إنّ الكائنات التى ارتأيتِ خلقها..ستظهرللوجود..
ولسوف نـُـعلق عليها صورة الآلهة..
امزجى حفة طين..من فوق مياه الأعماق..
وسيقوم الصناع الإلهيون المهرة بتكييف الطين وعجنه..
ثم كوّنى أنت له أعضاءه..
وكتب السواح أنه بعد السطرالأخير((تشوه اللوح الفخارى)) ولكن المهم فى هذه الأسطورة هوأنّ الآلهة تطلب وجود (خدم) لها..وهؤلاء الخدم عليهم (تدبير) كل وسائل معيشة الآلهة، بما فى ذلك توفيرالطعام والشراب، وذلك عكس العلاقة بين الآلهة والبشرفى مصر. كما أنّ النص السومرى جاء به ((الإنسان خـُـلق عبدًا للآلهة)) أى تكريس صريح لمنظوة العبودية، بينما العلاقة فى الحضارة المصرية علاقة (أبوة) حيث نقرأ فى (كل) النصوص أنّ لغة التخاطب بين الإله الأكبروالإله الأصغرأوبين الحكيم (كاتب البردية) والإله هى: أبى وابنى. حتى أخناتون الذى ابتدع كارثة (التوحيد) وتسبب فى العداء للتعددية عندما انتقل (التوحيد) إلى الديانة العبرية. رغم كل ذلك فإنّ أخناتون عندما كان يخاطب إلهه (آتون) كان يقول له يا أبى. أى أنّ الحضارة المصرية لم تعرف العبودية، بين الإنسان والآلهة، كما جاء فى الأساطيرالسومرية والبابلية، وانتقلتْ إلى الديانة العبرية. وذكرإرمان أنّ من أشهردعوات قدماء المصريين للآلهة دعاء شبيه تمامًـا بما يقوله المسيحيون ((أبانا الذى فى السموات)) و((السلام لك يامريم)) (ص288) كما كان يقال لآمون وإيزيس.
ووصل الأمرلدرجة أنّ الأمهات والآباء كانوا يـُـسمون أولادهم وبناتهم على أسماء الآلهة، ومن الأسماء الشهيرة اسم الإله (بتــّـاح) بينما تجاهل أفراد الشعب المصرى اسم الإله (تاتنن) الذى اخترعه الكهنة (ص102) وكان أخناتون يبدأ صلاته لإلهه (آتون- أفق الشمس) قائلا ((أنا ابنك الذى تسر به..والذى يحمل اسمك..أنت يا آتون العائش على الدوام)) (برستد فى كتابه: فجرالضمير- ص311) وفى البردية التى عثرعليها العالم (جولنيشف) والمحفوظة فى متحف ليننجراد، نبوءة حكيم مصرى اسمه (نفر- روهو) ألقاها فى حضورالملك (سنفرو) قال فيها ((الآسيويون دخلوا مصر. ومصرتتألم..والأرض نقصت..ولكنك ستقود مصرإلى التحررمن الأجانب..وسيفرح أهل زمانك..يا ابن الإنسان)) وفى الهامش أنّ المقصود بابن الإنسان هوملك مصر(ابن الإله) وكما حازالملك (سنفرو) هذه التسمية حازعليها أيضًـا الملك (أمننحات) وأنّ هذا الاسم هوما أطلق على المسيح بعد آلاف السنين (216، 218)
000
وفى أسطورة سومرية أخرى ورد بها فيما يتعلق بخلق الإنسان:
كالبشر.. عندما خــُـلقوا أول مرة..
لم يعرف الأنوكى أكل الخبز..
ولم يعرفوا لبس الثياب..
وذكرالسواح أنّ عناصرهذه الأسطورة انتقلتْ إلى الأساطيرالبابلية، وفيها أيضًـا يتم خلق الإنسان من الطين. وكذلك فى سـِـفرالتكوين العبرى، فإنّ إله اليهود (يهوه) خلق الإنسان من الطين، وجعله على شاكلته، كما فى النص السومرى. ولكن الإله غضب من الإنسان فخاطبه قائلا ((إنك سمعت قول امرأتك..وأكلتَ من الشجرة التى أوصيتك قائلا لاتأكل منها كل أيام حياتك..بعرق وجهك تأكل خبزًا حتى تعود إلى الأرض..لأنك من تراب وإلى التراب تعود)) وفى الأساطيرالإغريقية فإنّ (بروميثيوس) خلق الإنسان من تراب وماء. وبعد أنّ استوى ذلك الإنسان ووقف على قدميه، نفختْ الإلهة (أثينا) فيه الروح، ثم راح بروميثيوس يزود الإنسان بالوسائل التى تساعده على البقاء والاستمرارفى الحياة، فسرق له النارالإلهية من السماء، ضد مشيئة كبيرالآلهة (زيوس) فنال بذلك غضبه وعقابه.
كما أنّ فكرة خلق الإنسان من طين وردتْ فى أساطيرالشعوب السابقة على سومر، مثل أسطورة أفريقية تقول: إنّ الإله الخالق أخذ حفنة من طين شكلها على هيئة إنسان، ثم تركها فى بركة مليئة بماء البحرمدة سبعة أيام، وفى اليوم الثامن رفعها فكانت ((بشرًا سويـًـا))
واختتم السواح هذا الفصل قائلا: ...ورغم كثرة أساطيرخلق الإنسان من طين، فإنّ العلم الحديث لم يقدم أية نظرية تثبت علاقة الإنسان بتراب الأرض. ولكنه يقول إنّ العناصرالمكونة لجسم الإنسان هى نفس العناصرالموجودة فى التراب (ص48)
وكما صوّرتْ الأساطيرخلق الإنسان من تراب كذلك ورد فى التوراة (سـِـفرالتكوين) وفى القرآن (سورة الرحمن/13، 14)
***










التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. إيهود باراك: إرسال نتنياهو فريق تفاوض لمجرد الاستماع سيفشل ص


.. التهديد بالنووي.. إيران تلوح بمراجعة فتوى خامنئي وإسرائيل تح




.. مباشر من المسجد النبوى.. اللهم حقق امانينا في هذه الساعة


.. عادل نعمان:الأسئلة الدينية بالعصر الحالي محرجة وثاقبة ويجب ا




.. كل يوم - الكاتب عادل نعمان: مش عاوزين إجابة تليفزيونية على س