الحوار المتمدن - موبايل



زكي الارسوزي - الفكرة القومية واللغة العربية

ميثم الجنابي

2018 / 1 / 20
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع


للفكرة القومية، شأن كل الأفكار الكبرى، لحظتها التأسيسية الأولى. وقد شاءت الصدف أن ترتبط بشخصية الارسوزي (1900-1968). الأمر الذي جعل منه فيلسوف الفكرة القومية العربية الأول في العصر الحديث. وليس مصادفة ان تكون فلسفته بهذا الصدد فلسفة شخصية أيضا. فهو الفيلسوف الذائب في الفكرة القومية بوصفه رحيقها الأول. اذ تكاملت في ذاته وإنتاجه الفكري الفلسفي بوصفها رؤية منظومة ونسق يتغلغل في كل أنساق وجوده الشخصي والاجتماعي والوطني والقومي والروحي والسياسي. وقد جرى تأسيس هذه الرؤية وتطويرها وتدقيقها في عدد من المؤلفات الأساسية مثل (العبقرية العربية في لسانها)(1943) و(الأخلاق والفلسفة)(1948)، و(والمدنية والثقافة)(1954) و(الأمة العربية)(1955) و(مشاكلنا القومية)(1955-1958) و(صوت العرب في لواء الاسكندرون)(1961) و(بعث الأمة العربية – اللسان العربي)(1963) و(الجمهورية المثلى) (1964). وغيرها من الكتب، وبالأخص ما يتعلق منها بالفلسفة مثل (رسالة عن النفس)(1953) و(رسالة عن الفلسفة)(1954) و(متى يكون الحكم ديمقراطيا)(1961) وغيرها مما جرى جمعه ونشره في (المؤلفات الكاملة) (أربعة أجزاء) في دمشق عام 1972.
فالطابع الشخصي لفلسفة الارسوزي يبرز أيضا على مثال حياته وموته، أي أن تاريخها النظري يتمثل أيضا تاريخه الشخصي. فقد ولد الارسوزي في بداية القرن العشرين وتوفي بعد الانتكاسة الكبرى الأولى في تاريخه القومي الحديث. بمعنى إننا نعثر في حياته ومماته على تمثل نموذجي لحياة الفكرة العربية من حيث ولادتها وموتها الأول، اي ظهورها وفسادها. وقد كانت تلك الفاجعة الأولى التي سوف تعطي للفقدان قوة الوجدان. بمعنى إن ضياع الأرض الفلسطينية المؤقت قد أدى إلى اكتشافها الروحي الأوسع. ومن ثم نقلها إلى حيز المصدر الدائم في شحن وشحذ الوجدان العربي. مع ما ترتب عليه من اكتشاف أولي لمكر العقل التاريخي العربي وتقوية إقدامه للنهوض الجديد بعد الغيبوبة الطويلة في دهاليز الزمن الضائع.
ولكن قبل أن تعاني الفكرة القومية العربية من هذا المخاض الأول، فإنها قد عانت ولادتها التاريخية الكبرى في شخصية الارسوزي ومعاناة إبداعه الفكري. فقد تمثل الارسوزي التاريخ الواقعي والفعلي بمعايير الوجع الميتافيزيقي للروح الولهان بوهج المعاصرة. وفي هذا يكمن سره الهائج بالبحث في اللغة وعوالمها المافوق تاريخية من اجل بلورة فكرة عن التاريخ. وفي هذا أيضا كانت تكمن المعاناة الروحية العميقة لهذه الفكرة وذبولها الجسدي في دهاليز البحث عن بعث قومي وجد لغوه في اللغة وثرائه في ثرثرته!
فمن الناحية الظاهرية يمكن النظر إلى الولع اللغوي والتأويل المفتعل كما لو انه الجامع الذي يجمع فلسفة الارسوزي. فقد جّسد الارسوزي في آرائه وتحليله ومواقفه ومفارقاته حب اللغة في مختلف مستوياته وأنواعه من إعجاب وغرام وحب وهيام وعشق حد الفسق. لهذا نرى فيها وفيما أجهد نفسه واجتهد للبرهنة عليه مجرد أمور بسيطة ومطروقة يمكن وضعها في عبارات "صوتية" قليلة، هي الأكثر رقة وجمالية مثل قوله "مثل الإنسان كمثل الطائر ينبت ريشه بالهمة"، و"الحياة تنشئ بنيانها وبدنها بحسب غايتها في الوجود" وأمثالها الكثيرة. بحيث نقف أحيانا أمام صورة مغرية للخيال عن شخصيته الحكواتية الكبيرة وجمهورها الغفير في احد الجوامع الإسلامية الكبرى، فيما لو انه ولد قبل ألف عام. لكنه ولد بعد ألف عام! وبالتالي، فإن ما وراء اللغو والثرثرة الظاهرية كانت تكمن وتتفاعل عوالم اللغة الثرية الهائلة والصاخبة بوصفها عوالم التراث والماضي والأنا المنسية. بعبارة أخرى، لقد أراد الارسوزي ان يضع هذا الثالوث المغمور على نار الوجد المعاصر لكي تلتهب مكوناته "الخالدة" في وجدان الفكرة القومية الحديثة. وهذا بدوره لم يكن معزولا عن مخاض التحرر ومعاناة تأسيس الدولة القومية في عالم الفكر وميدان الحياة السياسية.
فقد عايش الارسوزي صعود الفكرة القومية ورؤية ملامحها المتراكمة، كما عايش بالقدر ذاته انحدار المشروع القومي صوب القطرية المحاصرة، وتعرضه اللاحق للتجزئة الثقافية والتهرؤ السياسي. وفيما بين هذه البداية والنهاية تلألأت رؤيته الفلسفية للفكرة القومية العربية، بوصفها معاناة أولية حقيقية كبرى. بحيث تطابق مضمون هذه المعاناة مع كيفية ونوعية الصيغة الأولية لما يمكن دعوته بفلسفة الأنا الثقافية. الأمر الذي جعل من الارسوزي فيلسوف الأنا القومية الثقافية. ومن ثم احتواء تأسيسه النظري على بوادر الرؤية الأولية لفكرة القومية التلقائية (الروحية). وبالتالي، لم يكن مضمون الرجوع إلى ميتافيزيقيا اللغة المتسامية والخالدة عنده سوى محاولة انتشال الفكرة من السقوط والانحدار صوب تجزئتها إلى حروف منفصلة لا تستقيم مع حقيقة العربية، والركض وراء جمعها في كلمات بلا عبارة! ذلك يعني، إن الاتجاه صوب ملكوت اللغة كان بالنسبة له أسلوب الرجوع إلى الملك العربي المفقود، اي الواقع البائس! لكن مأثرة الارسوزي تقوم في محاولته تحويل البؤس المادي إلى بأس روحي. من هنا أصبح السباحة في عالم الملكوت أسلوب تأمل المعنى والوجوب. مع ما ترتب عليه من توحيد العربية النموذجية في حروفها لكلمات النطق والمنطق الروحي للماضي والحاضر والمستقبل.
من هنا محاولته تأسيس فهمه الجديد لقضية أصل اللغة. اذ نراه يبدأ من تناول القضية - الإشكالية القديمة عما إذا كانت اللغة اصطلاحية (موضوعة من قبل العقل) أو نتاجا للوحي، لكي يؤسس على كيفية حلها فكرته عن القومية العربية. فقد انطلق من المقدمة القائلة، بأن ربط اللغة (العربية) بالغيب تضييق على العقل. كما إن اعتبار اللغة مجموعة من الرموز موضوعة من قبل العقل هو دوران في حلقة مفرغة. وذلك لأن هذا القول يفترض وجود عقل كامل. وكيف يمكن ذلك دون كلام (اللغة)؟ ووجد الارسوزي الحل فيما اسماه "بالصدفة السعيدة" في اكتشاف جذر اللغة (العربية). وعثر عليه فيما اسماه بمنهج اللسان العربي بوصفه جذر "اللغة الكونية". مما حدد بدوره طابعها المتميز وأصالتها التي ينبغي أن تستعيد هيئتها الأولى بوصفها فكرة قومية أصيلة.
***







اخر الافلام

.. سوريا توافق على طلب توصيل مساعدات لمخيم الركبان


.. إيران: عقوبات أمريكا الجديدة قاسية


.. لماذا يلجأ الرجل إلى زوجة ثانية؟ شاركونا الحوار




.. جنان موسى تكشف كل ما تتعرض له المراسلة الحربية في الكواليس |


.. لماذا السعودية هي حليف قوي للولايات المتحدة..ترامب يجيب