الحوار المتمدن - موبايل



الخوف عندما يكون سمة للعمل ماذا يحصل ؟

مازن الحسوني

2018 / 1 / 24
مواضيع وابحاث سياسية


عندما كنت صبيا وفي أول حياتي السياسية بداية السبعينات، طلب مني أبي عدم عقد اجتماعات سياسية في البيت بسبب خوفه من تفتيش البيت من قبل رجال السلطة وإيذاء أهل البيت خاصة وأنه يعرف تصرفاتهم نتيجة الماضي عندما كان عمي ملاحقا ومعتقلا سياسيا فيما بعد بالستينات .أي أنه لم يمنعني من العمل السياسي وإنما خوفه كان من هذا التجاوز على العائلة .كنت ولازلت أعتبر موقفه طبيعيا كإنسان مسؤول عن عائلة كبيرة ولابد من حمايتها وفي نفس الوقت لا يمنع رغبتي بالعمل السياسي والذي لا يخفي بداخله ارتياحه لهذا العمل لمعرفته بسلوك البعث سابقا وحاليا (فترة الستينات والسبعينات) وكذلك الحزب الذي أنا أعمل فيه وبالتالي طلبه مني عدم عقد اجتماعات كان بدافع الحرص على العائلة وليس الخوف وهو ما أحترمه جدا.
عندما كنت في كردستان بداية الثمانينات وكنت مع مفرزة كبيرة يقودها الفقيد توما توماس تقدمت قوة عسكرية كبيرة في محاولة لضربنا ودارت نتيجتها معركة طويلة أعني (معركة سينا وشيخ خدر) تكبدت القوة العسكرية خسائر كثيرة وانسحبت بطريقة أشبه بالهروب وجرح لنا رفيق .بعد انسحاب الجيش طلبت من أبو جميل (توما توماس) مع مجموعة رفاق الذهاب الى مكان انسحاب الجيش وغنيمة ما تركوه مذعورين من معدات غير قليلة. أجابني أنه لن يقبل بذهاب أي رفيق حتى وإن كانت هنالك غنائم لأنه لا يريد أن يحصل أي مكروه لأي رفيق، وهو يعني ربما كان هناك بعض الجنود متربصين في مكان ما، عندها لم أقتنع بما قاله وفكرت بأنه ربما الخوف هو السبب. فيما بعد أدركت صحة كلامه من خلال حرصه الدائم على سلامة الرفاق في أمور عديدة وكيف كان يقف كالطود الشامخ أثناء تعرض مقراتنا للقصف المدفعي وهو يتنقل من مكان إلى آخر دون خشية على حياته ليطمئن على أماكن حماية الرفاق من هذا القصف. ولهذا اقتنعت أن ما فعله في تلك المعركة كان بدافع الحرص على الرفاق وليس الخوف.
بعد سقوط الصنم وبدء الحزب بالعمل العلني كان لابد من استثمار هكذا أجواء مناسبة لخلق قوة جذب كبيرة للحزب خاصة بعد غياب طويل عن الساحة العراقية لسنوات طويلة من خلال الطرح الجريء على صعيد إعلام الحزب أو في المقابلات التلفزيونية ولكن الذي جرى هو العكس تماما حيث اتسم الخطاب الإعلامي بعدم الوضوح ومسك الأمور من الوسط وحتى في المواقف من الأحداث المهمة بقيت مواقف الحزب كذلك غير واضحة المعالم وقابلة للتأرجح بين النعم والا (الدستور ،المعاهدة العراقية الأمريكية ،حكومات المحاصصة...إلخ) وبقيت الحال هكذا على طول رغم كل المناشدات من قواعد الحزب للقيادة بتغيير هذا النهج ولكن دون فائدة ترجى.
السؤال لماذا هذا الإصرار على هذه السياسة التي أفضت إلى ابتعاد الناس عن الحزب؟
أصبح الحزب نتيجتها رقما غير محسوس في السياسة العراقية وفي كل مرة تكون التبريرات هي الخوف على سلامة الرفاق ولحمايتهم لتصبح هذه السياسة هي الشكل السائد في كل مواقف الحزب ويتحول الخوف الى سمة ثابتة تميز عمل الحزب.
هذه السمة تلقتها قواعد الحزب التي عادت بأعداد كبيرة بعد السقوط وهي التي كانت تعاني من اضطهاد السلطة سابقا ولديها هاجس الخوف الدائم لتصبح منهجا لسلوكها اليومي في العمل الحزبي.
تلقفت الأحزاب الإسلامية الحاكمة وميلشياتها هذه القضية لتعمل على التضييق على الحزب في أماكن عمله الحزبي وحتى وصلت للاعتقالات أو القتل (الشهيد أبو فرات، الشهيد سعدون، الشهيد كامل شياع وغيرهم) ووصلت بنا الحال إلى معرفة الجناة أحيانا ولم نفعل لهم شيئا سوى الاكتفاء بتقديم معلومات أو شكوى للقضاء وهو الذي نعلم جميعا لا يفعل شيئا لأنه في يد هذه القوى والمليشيات ولم نتابع التحقيقات أو نفضح هذه القوى التي تقف وراء قتل رفاقنا بعد امتلاكنا معلومات مؤكدة حول الجهات المسؤولة عن الاغتيالات، السكرتير السابق وفي مؤتمر صحفي صرح بأنه سلم الداخلية معلومات كاملة عن الأشخاص الذين اغتالوا كامل شياع ولكن الحزب لم يفعل شيئا بعد سنوات من الانتظار وبدورها الداخلية تركت الأمر .
-ورقة أخرى لازالت تلعب بها هذه الأحزاب هي قضية موقف الحزب من الدين وفي كل مرة يلوحون بعصا الشيوعية هي كفر وإلحاد وما نفعله نحن إزاء هذه التهمة هو الانزواء أكثر نحو الخلف بدل مواجهة مطلقي هذه التهمة وتعريتهم من خلال الكثير من الحقائق التي بين أيدينا، مثلا من سرق مليارات هذا البلد هل هو هذا الكافر الشيوعي مثلما تقولون أو المتدين والمعمم وأحزاب الإسلام بشقيها الشيعي والسني.
من غش في الانتخابات وزور الشهادات ودعم المليشيات وووووو،هل هو الشيوعي الكافر مثلما تقولون أم المتدين والمعمم، هل لدى أي من الأحزاب الإسلامية دكتور يذهب لعلاج المرضى في أماكن سكناهم ودون مقابل، المتدين أم الشيوعي ؟
هذه الأمثلة وغيرها الكثير كافية للجم أفواه من يحاول التأثير على قوة الحزب بين الناس والتصدي بكل قوة وجرأة، ولكن ما نفعله نحن هو الخوف من التهمة والانزواء بل نحن نعتبر الآن أن أحد الأسباب الرئيسية في تحالفنا مع تيار ديني طائفي (الصدريين) رفع هذه التهمة عنا ومحاولة الوصول إلى الناس من خلال عباءة التيار الصدري والاحتماء بظلهم وبهذا أعطينا لهذه القوى نقطة ضعف تستطيع استثمارها واللعب بها متى شاءت.
*أخلص إلى القول إن الخوف السائد بعمل الحزب منذ السقوط والذي أدى إلى ضعف دورنا السياسي هو سياسة ممنهجة لدى من يتحكم بالقرار الحزبي ولا يخلو الأمر من سمات شخصية لقادة هذه المرحلة الذين يغلفون خوفهم من مواجهة الصراع مع أعداء الحزب بطريقة لا تتسم بالشجاعة مثلما كان قادة اخرون (توما توماس وغيره).
كلامي هذا ليس بالجديد على أسماع الكثيرين وقد تناوله الكثيرون غيري في أماكن متعددة داخل الحزب وخارجه ولكن هذا الحال لا يجب أن يستمر ومن كان سببا في استمرار هذا الانحسار الشعبي للحزب وإصراره على بقاء نفس النهج لا يجب أن يبقى يتحمل نفس الدور بالمسؤولية لأن نهج الخوف الذي أتسم به عمل الحزب طيلة السنوات الماضية رغم تغليفه بغطاء الخشية على سلامة الرفاق كان نهجا مدمرا لروح التحدي والشجاعة التي أتسم بها عملنا طيلة عقود. كلامي لا يعني التهور والتطرف وإنما دراسة كل موقف بتأن واتخاذ القرار الشجاع.
كنا ولازلنا نخبر أي صديق عند انتمائه للحزب بأن طريقنا غير معبد بالورود، ولكن هذا لا يعني بأننا نرغب بدخول السجون والمنافي والقتل وغيرها من الضرائب التي دفعناها نتيجة مواقفنا الجريئة، لكننا لا يجب أن نبقى ذوي مواقف غير حاسمة وواضحة المعالم في أية قضية تهم بلدنا خاصة وأن الوعي السائد في المجتمع يريد الحسم في الرأي وليس أنصاف الآراء.
*ويبقى السؤال الأهم من سيحسم تغيير هذا النهج من الخوف الذي يتسم به موقف الحزب وقيادته؟







اخر الافلام

.. تطور خدمات جديدة تسمح بتقاسم السيارات بين الأفراد


.. ما هي أهمية إرفاق رسالة تعريفية مع سيرتك الذاتية؟


.. وزارة الداخلية السعودية تطور نظاما لمحاربة الجريمة




.. هاري وميغان ينتظران طفلا في الربيع


.. ضابط السي اي ايه يكشف عن كبش الفداء في اختفاء خاشقجي!