الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


حظر الأحزاب الطائفية هو الحل!

علاء اللامي

2018 / 2 / 7
مواضيع وابحاث سياسية


إنْ أي مقارنة بين وضع مجتمعنا العراقي ومجتمع آخر لابد أن يأخذ التركيبة الطائفية والقومية في الحسبان، وعليه يمكن مقارنته بمجتمعات تعددية متنوعة طائفيا كالمجتمع اللبناني الذي يُحكم اليوم بصيغة "مؤتمر الطائف 1989" والمكرس للمحاصصة الطائفية والذي يعيش على قنبلة الحرب الأهلية الموقوتة والتي يمكن أن تنفجر في أي يوم، أو مقارنته بالمجتمع السويسري المنشطر نصفيا تقريبا بين الكاثوليك والبروتستانت، لا أن نقارنه بروسيا الأرثوذوكسية أو الجزائر السنية أو سلطنة عمان الإباضية أو إيطاليا أو فرنسا او إسبانيا الكاثوليكية من حيث الهويات الفرعية.
وبالعودة إلى موضوع قانون الأحزاب العراقي نجد أن المادة الخامسة منه تقول (أولاً: يؤسس الحزب على أساس المواطنة، وبما لا يتعارض مع أحكام الدستور. ثانياً: لا يجوز تأسيس الحزب على أساس العنصرية أو الإرهاب أو التكفير أو التعصب الطائفي أو العرقي أو القومي". وإجرائياً، يشترط القانون العراقي في صيغته قبل التعديل الأخير، تقديم "طلب التأسيس تحريرياً إلى رئيس محكمة القضاء الإداري في بغداد مرفق به قائمة بأسماء عدد لا يقل عن ألفي عضو مؤسس مقيمين في ست محافظات عراقية، على أن لا يقل عدد المؤسسين عن مئة عضو في كل محافظة من هذه المحافظات". وتستثنى الفقرة «ب» من هذا الشرط الأحزاب التي تمثل الأقليات). يمكن اعتبار الاستثناء الخاص بالأقليات القومية في القانون العراقي ترخيصاً مباشرا للسماح بتشكيل وتأسيس أحزاب قومية وطائفية للأقليات في حين يرفض المشرع الجزائري ذلك رفضاً قاطعاً بدليل القراءة الأولى للمادة 42 التي تحظر قيام الأحزاب الدينية والقومية واللغوية والجهوية. ويمكن القول أن هذا الاستثناء لن يكون له أي مبرر أو معنى إذا وجدت وسادت أحزاب سياسية لها وجود على المستوى الوطني ولها تمثيل في جميع المحافظات العراقية وليست خاصة بطائفة واحدة دون سواها.
ونسجل أن منطوق هذه المادة يقول (ثانياً: لا يجوز تأسيس الحزب على أساس العنصرية أو الإرهاب أو التكفير أو التعصب الطائفي أو العرقي أو القومي) فيمكن أن يُفهم منه أنه يحظر الأحزاب التي تقوم على أساس العنصرية أو الإرهاب أو التعصب الطائفي أو العرقي أو القومي. وبما أن وجود حزب يعلن أنه عنصري أو طائفي أو تكفيري مستحيل عمليا، فتكون هذه المادة فارغة من أي محتوى. هذا أولا، وثانيا فإن حظر التعصب الطائفي يعني منطقا السماح بوجود ونشاط الحزب الطائفي غير المتعصب، وهذا اعتراف صريح حتى إنْ كان غير مباشر بشرعية وجود الأحزاب الطائفية "غير المتعصبة" وبما أن الأحزاب الطائفية لا يمكن أن تعلن انها متعصبة ولا طائفية بل إسلامية مسالمة وديموقراطية فهذه المادة فارغة المحتوى أيضا بل هي تصريح قانوني بشرعية قيام وجود الأحزاب الطائفية ولتوضيح هذه الجزئية يمكن أن نضرب مثالا بمادة قانونية مجنونة تقول (يمنع قتل الناس بمسدس أميركي من طراز سين) فهذه المادة ستعني منطقيا أن قتل الناس جائز إذا كان بمسدس أمريكي أو غير أميركي من طراز آخر!
وبالعودة الى المادة الدستورية الجزائرية "42" فهي أكثر حسما وحدَّةً في التعامل مع الأحزاب الاسلامية حيث حظرت تشكيل أي حزب يحتكر أحد ثوابت الأمة ومنها الدين الإسلامي ، وإذا ما اخذنا بنظر الاعتبار حالة انسجام النسيج المجمعي الجزائري طائفيا لأنه مؤلف في غالبيته الساحقة من دين واحد وطائفة واحدة على مذهب واحد غالب هو المذهب السني المالكي ولا تتجاوز الاستثناءات أكثر من 1 إلى 2%، يكون من العادل القول أن المجتمع العراقي المنقسم عموديا وأفقيا طائفيا ودينيا وقوميا أحقُّ وأكثرُ حاجةً الى هذه المادة من المجتمع الجزائري ومع ذلك، فاعتقادي الشخصي هو أن حظر وتحريم نشاط ووجود الأحزاب الإسلامية دون تمييز ودقيق نوعي بينها أمر لا ديموقراطي تماما.
وللمحتجين على قولي هذا من غلاة العلمانيين القشريين أقول: تذكروا أن الأحزاب الديموقراطية المسيحية (وهي من اسمها ذات خلفيات واستلهامات دينية) حكمت وتحكم حتى اليوم أعرق البلدان الديموقراطية ومنها إيطاليا وألمانيا وغيرهما، وقد يقال إنها ليست دينية متعصبة كالأحزاب الإسلامية عندنا فأقول وهل وضعتم لها دستورا وقانون احزاب كتلك التي ألمانيا وإيطاليا ورفضت أو تمردت على تلك القوانين؟
أعتقد أن المجتمعات التعددية والمتنوعة كمجتمعنا العراقي بحاجة ماسة تجعل هذه القضية قضية حياة أو موت إلى مادة دستورية تحظر حظرا تاما الأحزاب الطائفية أيا كانت ولكنها تسمح في الوقت نفسه بوجود الأحزاب الديموقراطية الاسلامية أو التي تستلهم التراث الإسلامي كخلفيات ثقافية لها، ويمكن تنظيم ذلك بقانون أحزاب يضع عينيه على خصوصيات المجتمع العراق فلا يسمح بنشاط حزب سياسي يسمي نفسه إسلامي وهو مكون تنظيميا وبنسبة تفوق التسعين بالمائة من طائفة واحدة بل يشترط أن تكون النسب التقريبية للطوائف في العراق موجودة فيه فيمكن أن ينص قانون الأحزاب الجديد على شرط يضمن عدم طغيان نسبة الأعضاء من طائفة واحدة و تجاوزها نسبة النصف 50% من السكان أو أنه ينبغي للحزب أن يعكس تركيبة المجتمع العراقي "الطائفية وبشكل تقريبي في قوامه التنظيمي وقيادته. ومن ناحية برنامج هذه الأحزاب الإسلامية أو غير الإسلامية ينبغي أن ينص على احترامه والتزامه بالدفاع عن النظام الديموقراطي والدستور وحياد الدولة وعدم تدخلها في الشؤون الداخلية التنظيمية واللاهوتية في المؤسسات الدينية ووجوب خضوع المؤسسات الدينية لمؤسسات الدولة فيما يتعلق بالضرائب وقانون الدولة العام. وفي الجزائر أيضا وغيرها من الدول كالمغرب وتونس لا تسمي الأحزاب بأسماء إسلامية رغم عدم وجود نص دستوري يوجب هذا الحظر ولكنه كما يبدو مفهوما وبشكل غير مباشر من المادة "42".
وعلى أية حال فأنا لا أرى ضيرا في أن يسمي حزب عراقي نفسه حزبا إسلاميا إذا لم يكن مؤلفا في أغلبيته الساحقة من أعضاء وقادة من طائفة واحدة ومن جهة جغرافية واحدة وليس له برنامج ذو سمات وأهداف دينية سياسية كإقامة دولة دينية اسمها الخلافة الراشدة أو ولاية الفقيه. بهذا فقط يمكن أن نقدم نواةَ حلٍّ لهذه القضية شديدة الأهمية والخطورة في مجتمعنا.
غير أن المشكلة التي ستواجه هذا المقترح بفرض نسبة طائفية تنظيمية على الأحزاب السياسية هي أنه اقتراح ذو مضمون طائفي يحاول التصدي لمشكلة الطائفية كما أشار الصديق الكاتب صائب خليل في تعليق له على ذلك، وهو على صواب الى حد بعيد ولكن ترك الأمور كماهي الآن في هذا الصدد لن يوصلنا إلى حل حقيقي وأعتقد أن استلهام المادة الجزائرية يمكن ان يكون بطريقة أخرى غير النسبية الطائفية وذلك بأن يشترط على كل حزب عراقي أن يكون له تمثيل تنظيمي وقيادي في جميع المحافظات العراقية باستثناء المحافظات ذات الغالبية السكانية الكردية في الإقليم.
ومما يبعث على التفاؤل، هو أن بعض الأحزاب الإسلامية الطائفية المشاركة في العملية السياسية الحالية، بادرت من تلقاء نفسها الى تغييرات برنامجية داخلية تسير بهذا الاتجاه والأفق وأعلنت انها أصبحت أحزابا "مدنية". وبغض النظر عن صدقية وعمق ومبدئية هذه المحاولات وهي محاولات تنطوي على قدر كبير من الشكوك قطعا ولكن هذا الواقع هو بحد ذاته يثير شيئا من الأمل في هذا الاتجاه.
وإذا توخينا الصراحة فأحزاب النظام مستعدة لفعل أي شيء إذا طلبت دولة قوية ومؤسسة تشريعية نافذة يحترمها الشعب أي شيء حتى لا تخسر وجودها وامتيازاتها! ولكن هل يمكن أن توجد الدولة القوية والمؤسسة التشريعية المحترمة بوجود أحزاب طائفية سائدة؟
*كاتب عراقي








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. قميص -بركان- .. جدل بين المغاربة والجزائريين


.. مراد منتظمي يقدم الفن العربي الحديث في أهم متاحف باريس • فرا




.. وزير الخارجية الأردني: يجب منع الجيش الإسرائيلي من شن هجوم ع


.. أ ف ب: إيران تقلص وجودها العسكري في سوريا بعد الضربات الإسرا




.. توقعات بأن يدفع بلينكن خلال زيارته للرياض بمسار التطبيع السع