الحوار المتمدن - موبايل



محمد عبده وفكرة التدرج في الإصلاح

ميثم الجنابي

2018 / 2 / 7
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع


لقد حدد مبدأ التدرج في الإصلاح الذي تغلغل في كل مسام الرؤية الإصلاحية لمحمد عبده إلى مقدمة التأسيس المنهجي للأبعاد الاجتماعية في الفكرة الإصلاحية. فالفكرة الإصلاحية عند محمد عبده ليست دينية من حيث الجوهر، بل منظومة متكاملة. من جوهرية الأبعاد الاجتماعية والسياسية والثقافية والقومية فيها. وليس مصادفة أن تكون الأبعاد الاجتماعية فيها بارزة في كل مواقفه بلا استثناء. بل ويمكننا الحديث عن توسع وتعمق لهذه الأبعاد مع كل تطور كمي ونوعي في تأسيس الفكرة الإصلاحية. إذ نعثر على إبرازه قيمة الأبعاد الاجتماعية في القضايا التي تناولها من وجهة نظر مهمة إصلاحها. وإذا أخذنا بنظر الاعتبار انه لم يترك جانبا من جوانب المجتمع والدولة دون الخوض فيه، من هنا يمكن تتبع مسار الأبعاد الاجتماعية في فكرته الإصلاحية. وهو أمر جلي حالما نتصفح مقالاته العديدة تجاه مختلف القضايا. فهو لم يترك لجوانب الاجتماعية حتى في حال مناقشته لإصلاح حال القضاء والقضاة.
فعندما يتناول قضايا القضاء والقضاة، وحجاب القضاة، والدفاتر، وأسلوب التقييد فيها والمتابعة، وكيفية تشكيل المحاكم، والمرافعات، والتوكيل في المخاصمات، وجلسات المحاكم، وحضور الخصوم، والشهادات، والأدلة، وكيفية الحكم، وتنفيذه والحبس والتفتيش والمحامي ودوره وغيرها، فإننا نعثر فيها بصورة واضحة وجلية على أبعاد اجتماعية مهمتها تنظيم وتحرير الفكرة الحقوقية وأجهزة القضاء وأساليب عمله من ثقل التقاليد الاجتماعية البالية، كما هو جلي على سبيل المثال في مقالاته النقدية اللاذعة والعميقة من مسألة حجاب القضاة والشهادات والأدلة ومعارضته لحجاب النساء في جلسات القضاء وغيرها. انه أراد الكشف عما في هذه الظاهر الخربة من إمكانية توسيع مدى الرذيلة والغش والسقوط الأخلاقي.
بعبارة أخرى، انه أراد القول، بأن فكرة القانون والعدالة تفترض تحرير المرء للدفاع عن حقوقه كما هو ومواجهة القانون بمعايير القانون وليس العرف الاجتماعي والتقاليد الميتة. من هنا تقديمه مضمون ما اعتبره جوهر الدين وتقاليد الإسلام الأولى على أنها قضاء على العادات القديمة السيئة. وبالتالي اعتباره محاربة التقاليد السيئة قاعدة دائمة وجوهرية في الفكرة الإسلامية. من هنا نراه يحارب أسلوب وتقاليد الحجاب المتحجرة، عندما أكد على انه لا يوجد في القران نصا صريحا بالحجاب السائد حاليا . وإن الحجاب المغلق فيه انتهاك للحقوق وأسلوب للسرقة والحيلة والغش، أي انه احد مصادر الرذيلة، مثل حضورها في المحاكمات والبيع والشراء والزواج ! كما نراه يحارب كل نماذج وأشكال التقاليد الخربة مثل الصياح وراء الجنائز والمآتم، والقذارة والخرافات ، أي انه يضع في آن وان واحد ومستوى واحد تقاليد "العزاء" المزيف والقذارة المرمية في الأزقة. كما نراه ينتقد استعمال المخدرات بوصفها مناهضة لمتطلبات الجسد والعقل والأخلاق وكثير غيرها.
في حين نراه يخصص مقالات عديدة جدا لقضية المرأة بما في ذلك من خلال تطويع كل الرؤية النقدية والعقلانية والتاريخية والأخلاقية في التفسير من اجل تقديم نموذج إصلاحي إنساني للموقف من المرأة، بوصفها إحدى المرايا الكبرى التي تنعكس فيها حالة التخلف والانحطاط المادي والمعنوي أو بالعكس، أي حالة الرقي والتمدن. وبالتالي لم يكن تركيز محمد عبده عليها سوى الأسلوب الحسي والباطني في الوقت نفسه لنقد إحدى اشد القضايا حساسية بالنسبة للذوق الإسلامي آنذاك.
وانطلق في تقرير فكرته الإصلاحية بهذا الصدد من المقدمة العامة القائلة، بان حقيقة الإسلام في موقفه من المرأة يقوم على مبدأ الإقرار بحريتها ومساواتها بالرجل. من هنا محاولاته تفسير الأبعاد الفعلية مما يسمى بتعدد الزوجات من وجهة النظر التاريخية بوصفها إصلاحا لما قبلها، وباعتبارها مقدمة الموقف الإسلامي الحقيقي من المرأة كما ينبغي فهمه ضمن سياق الرؤية الإسلامية العامة. وحقيقة الرؤية الإسلامية بهذا الصدد يمكن رؤيتها من خلال الموقف من الزواج، أي من طبيعة العلاقة الشرعية بينهما بوصفها علاقة وجدانية.
بعبارة أخرى، إن حقيقة العلاقة بين الرجل والمرأة بالنسبة لمحمد عبده تقوم على أسس وجدانية وجودية طبيعية. من هنا موقفه المعارض أو الناقد لتصورات وأحكام الفقهاء الجافة عن الزواج التي تعرفه بعبارة "عقد يملك به الرجل بضع المرأة". إذ وجد في هذا الحد فكرة جافة وجزئية ولحد ما غريبة عن حقيقة الفكرة الإسلامية. وذلك لان هذا التعريف يرجع طبيعة وحقيقة العلاقة إلى جعل المرأة مادة لرغبات الرجل الذكورية. بينما أفضل تعريف لها، كما يقول محمد عبده، ما هو موجود في القرآن (من آياته إن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة". ذلك يعني انه أراد إبراز نوعية العلاقة الطبيعية بينهما بوصفها علاقة نابعة من أسس وجودية واحدة مهمتها بناء الرحمة والمودة، أي الحب والاحترام، بوصفها الصيغة المثلى والنموذجية للعلاقة بينهما.
وطبق هذه الرؤية على مواقفه النقدية من فكرة الزواج بالطريقة التقليدية. إذ وجد من الضروري معرفة الرجل بامرأة التي يرغب الزواج بها، انطلاقا من أن الزواج يفترض معرفة. فالمرء لا يشتري خروفا دون أن يراه، فكيف له بالزواج دون رؤية، كما يقول محمد عبده . وطبق موقفه هذا تجاه الطلاق. بمعنى انه تعامل مع قضية الطلاق بمعايير المنفعة والأخلاق والراحة الإنسانية، بوصفه الوجه الآخر أو الحالة الأخرى للموقف من الزواج نفسه.
كما عمق هذه الرؤية من خلال رفعها إلى مستوياتها الاجتماعية والثقافية عندما اعتبر الموقف من المرأة هو نتاج لمستوى تطور الأمم أو انحطاطها. كما انه مؤشر على مستوى تطور الناس العقلي. من هنا ملاحظته، بان الرجال العقلاء يحترمون زوجاتهم ويكتفون بواحدة . ووضع هذه النتيجة في موقفه من تعدد الزوجات بحيث نراه يعتبر تعدد الزوجات مصدر خلل وانتهاك للحقوق والأخلاق. والقبول به من بعض النساء نابع من قصورهن في فهم الحقوق الشخصية، بوصفها متاعا للرجل كما كان الناس يعتبرون أنفسهم متاعا للحكام المستبدين . بعبارة أخرى، انه أراد الكشف عن طبيعة العلاقة السرية والعضوية بين الاستبداد السياسي والاجتماعي، من خلال مقارنة تعدد الزوجات بوصفهن متاعا للرجل تماما كما يتحول البشر والمجتمع إلى متاع للمستبدين.
إننا نقف هنا كما هو الحال بالنسبة لكل مواقفه الإصلاحية أمام تأسيس باطني لمبدأ البناء الذاتي الشامل، أي إن الإصلاح الحقيقي يفترض استناده إلى مبدأ جوهرية البناء الذاتي الشامل، بوصفه الوجه الآخر لنفي التقليد الداخلي والخارجي، العقلي والاجتماعي، الثقافي والمعرفي. الأمر الذي أعطى للفكرة الإصلاحية بعدها الذاتي التلقائي. وقدم الكثير من المقارنات بهذا الصدد. ففي مجرى تناوله تاريخ الرقي والتمدن الأوربي الحديث، فانه كشف عن أن أصول الإصلاح الديني النصراني كانت نتاجا للتأثير الإسلامي الفلسفي والعلمي والثقافي والحياتي، وساء جرى ذلك عبر الحروب الصليبية وبعدها أو من خلال تأثير الحضارة العربية الإسلامية الأندلسية. وقرر هذه الفكرة من خلال الشواهد التاريخية والمعطيات الحسية البسيطة والمباشرة عن عيش الكثير من نخب المجتمع النصراني والناس العاديين بين المسلين فترات زمنية طويلة تأثروا بنمط حياتهم وأفكارهم، أي كل ما شكل الدافع الأساسي لنقد الواقع والخروج من ثقل التقاليد النصرانية المتحجرة. من هنا استنتاجه القائل، بأنه حالما نتأمل النصرانية البروتستانتية، فإننا نرى اغلب آراءها ومبادئها مأخوذة من الإسلام. وأن الاختلاف في العبادات لا غير .
لقد أراد محمد عبده القول، بأن الفكرة الإصلاحية النصرانية المتطورة التي أثرت بصور كبيرة على عملية التمدن الأوربي ما هي إلا احد أوجه الإسلام الحقيقي. وضمن هذا السياق طوع كل موسوعيته في التفسير ورؤيته العقلانية واصطلاحيته في المواقف من اجل إبراز حقيقة الإسلام بوصفه دين الإصلاح كما نراها في هذا الكم الهائل من تفسير الآيات . وهو تفسير يختلف و"يشذ" عما كان سائدا، وذلك لنحوه صوب إصلاح الروح والعقل والجسد الفردي والاجتماعي والقومي من خلال مطابقة الفكرة الإصلاحية مع حقيقة الإسلام، أو من خلال جعل الإسلام دين الإصلاح الدائم. من هنا ارتكاز التفسير الذي قدمه لمختلف آيات القرن وسوره على مبادئ ووحدة العقل والعقلانية والروح الأخلاقي والرؤية الواقعية المتسمة بنزوع إصلاحي شامل. الأمر الذي جعل منه تفسيرا أقرب إلى تفسير "روح المعاني"، ولكن من خلال جعل القرآن أسلوبا لفهم حقائق المعاصرة كما هي. بمعنى تحويل الآيات إلى أسلوب منهجي في فهم إشكاليات الواقع التاريخي. والنظر إليها ليس بعيون التمني الباكية على أطلال الماضي، بل بعيون الرؤية النقدية والواقعية العاملة من اجل تغيير الواقع بوصفه جوهر ومضمون الفكرة الإسلامية. ولم يكن هذا بدوره معزولا عن التأثير الخفي لتقاليد الروح الصوفي المتسامي واثر الأفغاني العملي الفعال في جمع هذه المكونات التي تتراءى من خلالها عقلانية الكلام وحنكة الفلاسفة وأدب التصوف الرفيع وأخلاقهم النبيلة.
بعبارة أخرى، إننا نعثر في هذا النوع من التفسير على نقل روح التصوف وأخلاقيتهم المتسامية إلى ميدان الرؤية الواقعية والاجتماعية والسياسية ومستقبل الدولة والأمة. بمعنى تفعيل الروح الأخلاقي والعقلي في مواجهة إشكاليات الحاضر من خلال إبداع صورة عملية لما في اجتهاد الغزالي القديم. ووضع هذه الرؤية في المبدأ القائل، بان "التفسير الذي نطلبه هو فهم الكتاب من حيث هو دين يرشد الناس إلى ما فيه سعادتهم في حياتهم الدنيا وحياتهم الآخرة". ذلك يعني أن المهمة الأولية للتفسير تقوم في أبعاده عن تقاليد الأموات واللاهوت السحري، عبر إرجاعه إلى تيار الحياة وإشكالاتها. ولهذا السبب نراه أيضا يقف بالضد من أساليب التأويل الباطني المتطرف. من هنا رفضه لهذا النوع من التأويل الذي وجد انعكاسه فيما ينسب إلى ابن عربي (كتاب تأويل القرآن) مع انه كتاب القاشاني، كما يقول محمد عبده. ومن هنا أيضا فكرته من أن الجوهري بالنسبة له في التفسير ليس "الأحكام العملية" بل "التهذب ودعوة الأرواح إلى ما فيه سعادتها ورفعها من حضيض الجهالة إلى أوج المعرفة". لهذا نراه يدعو كل شخص (جاهل وعالم) أن يفهم القرآن بقدر طاقته. ووضع في هذا المبدأ أسلوب ما اسماه بتفسير القرآن بحسب المعنى الأولي، وحسب ما جاء في القرآن نفسه وبما يتوافق مع المعنى في الآية. والغرض من ذلك تحرير الرؤية من ثقل التقاليد المذهبية والحفظ الميت واسترجاع تقاليد الأسلاف، أي البقاء ضمن بطون الكتب المليئة بغبار الماضي.
***







اخر الافلام

.. داعش يهاجم أكبر قاعدة للتحالف الدولي في سوريا


.. غارات عراقية تقتل قائد جيش الكواسر بداعش


.. عقوبات أمريكية على جيش ميانمار - ستديو الآن




.. زعماء وسياسيون ومسؤولون أمميون يرثون كوفي عنان


.. شاهد : تمثال عارٍ لترامب بزي مهرج