الحوار المتمدن - موبايل



تضامنا مع الشيخ نشأت زارع

سامح عسكر

2018 / 2 / 8
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني


في شهر مايو 2016 حدثت فتنة طائفية في قرية الكرم بمحافظة المنيا المصرية، أدت لحرق منازل أقباط وتجريد عجوز مسيحية من ملابسها وسحلها في الشوارع عارية، حدث هذا الفعل بمنطلق طائفي بحت نتيجة لتمدد السلفية والفكر الإقصائي في محافظات مصر، ومثلما حدث في قرية الكرم حدث أيضا في أطفيح منذ شهور والحجة..هؤلاء نصارى كفار مشركين دمائهم وأموالهم حلال..

وفي شهر يونيو 2013 وقبل قيام الثورة على الإخوان بأسابيع تجمع السلفيون وأنصارهم أمام منزل أحد شيوخ الشيعة المصريين في قرية أبو النمرس بمحافظة الجيزة، وما إن تمكنوا من الرجل حتى انهالوا عليه ضربا بالحديد والخشب وكل ما طالته أيديهم من أسلحة خفيفة حتى أجهزوا على الرجل وقتلوه وكل من معه، ولم يكتفوا بذلك بل سحلوا جثته في الشارع بمشهد يعيد (أمجاد) القرون الوسطى وحروبها المذهبية البشعة...!

أدانت الحكومة المصرية الجريمتين وكل قادة الدولة والأحزاب هذا الأفعال البشعة ، ولأول – ولآخر- مرة أرى الإعلام المصري موحدا (تنويريا) يستنكر قتل واضطهاد الناس على الهوية، وهي مفارقة غريبة وحدث لا يتكرر إلا بعد حدوث المصيبة، وكأن فقه الوقاية غائب عن الدولة ومؤسساتها الرسمية والاجتماعية..

في قرية أبو النمرس سحلوا الشيعة بتحريض من إعلام السلفية والإخوان وقتها برنامج خالد عبدالله المعروف.."بمصر الجديدة"..وتغطيات قنوات السلفية جميعهم وقناة 25 الإخوانية جميعها احتفلت بالإنجاز الكبير والنصر المبين على رجل مسالم يمارس شعائره الدينية التي كفلها الدستور المصري والإعلان العالمي لحقوق الإنسان..!..وقد أضاف أحد شهون العيان على شبكة رصد تهمة جديدة وهي (تحضير المتهمين لمظاهرات 30/ 6 المغضوب عليها إخوانيا) ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد بل اتهموا الرجل وغاصوا أكثر في دمائه ولم يحترموا شعور الناس الذين أنفوا هذا الفعل واستنكروه بأن يتحول الدين لأداة قتل بدلا من أن يصبح أداه تعايش وتسامح وتواصل..

كانت حجة السلفيين أن الضحية كان يشتم أبو بكر وعمر، والسؤال: هل شتم فلان أيا كان مركزه ووضعه هو مبرر للقتل والسحل؟..هل مجرد خطأ فلان تزهق روحه ؟..ألم يقل دينكم - الذي تزعمون- أن الإعدام فقط للقتلة والسفاحين وليس للسبابين؟!..كان يكفيكم إقامة الحجة عليه واستنكار فعله الذي لا تقره الأديان..وقتها ستفوزون بقلب وعقل الناس لأنكم رددتم عليه بما يستحق، وليس بقتله وسحله وتشويه جثته حتى صار رمزا عند أتباعه ودليلا على همجية الفكر السلفي..

شئ بشع: لقد جعل الله عاقبة سبه فقط (حسابه في الآخرة) وليس بقتله وسحله، هل الصحابة لديكم أقدس من الله؟.. قال تعالى.." ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم كذلك زينا لكل أمة عملهم ثم إلى ربهم مرجعهم فينبئهم بما كانوا يعملون ".. [الأنعام : 108]..هذا جزاء السب الوحيد في القرآن (عقوبة مؤجلة) ليست دنيوية، تسقط معها كل دعاوى القتل في حق الشاتمين للأنبياء وأي مخلوق بالقياس..

أما في قرية الكرم وأطفيح وقبلها وقبلها في الكشح وبني سويف وملوي وعشرات إن لم تكن مئات الحوادث الطائفية التي أصبحت ظاهرة في صعيد مصر..حدثت كل هذه الجرائم بحجة أن هؤلاء يشتمون الله ويقولون أنه (ثالث ثلاثة) وانتشرت الأوصاف القذرة والمهينة في حق الأقباط في أوساط المسلمين ك (عضمة زرقا- أربعة ريشا- صليب الكلب) وإشاعات أخرى كممارسة المسيحيين البغاء في الكنائس وتبادل الزوجات...وغيرها من الإشاعات والأكاذيب التي انتشرت في أوساط المسلمين بفعل الجهل وسيطرة المتطرفين على المجتمع..

ويبدو أن الموضوع في مصر بالغ القدم ففي العصر المملوكي عام 1321 م حدثت فتنة مذهبية أيضا في مصر بين المسلمين والأقباط أدت لحرق كنائس ومساجد كثيرة وتهديد القاهرة بالدمار، وبنفس الحجة، نصارى خونة مشركين..ومسلمين ظَلَمة مستبدين..والأغرب أن هذه الفتنة المقيتة حدثت بعد زيارة الشيخ.."أحمد ابن تيمية الحراني"..مصر ونشره للتطرف والإرهاب السلفي بين المصريين..

لماذا هذه المقدمة؟

لأن الرعاع والهَمَج الذين قتلوا حسن شحاتة واحتفلوا بموته، والذين حرقوا كنائس الأقباط في الصعيد والقاهرة.. هم الآن الذين يريدون محاكمة وسجن الشيخ.."نشأت زارع"..هذا الفقيه السني الأزهري الذي ترأس وفدا من العلماء والأئمة الأزهريين لزيارة العراق الأسبوع الماضي تشجيعا له على حرب الإرهاب ودعما للسلام والتواصل والتعايش، زيارة في ميزان العقل والشرع والسياسة والأخلاق هي نموذج يحتذى به ، وقدوة للأجيال والنشء الجديد المتشبع بجرائم السلفية والإخوان التي زكمت الأنوف، وعلاج لمشاعر الكراهية التي شاعت بفعل الحروب..

زيارة الشيخ نشأت كان يجب تكريمه عليها لا إهانته كما يريد هؤلاء الدواعش المتمكنين من مفاصل الأزهر، والذين نحذر من خطرهم على أمن البلاد والعباد منذ سنوات..

نظروا للشيخ نشأت ورفاقه أنه يريد التواصل مع الشيعة، وكأنها جريمة لا تغتفر، فهم الذين تمكن فيهم الضعف حتى وصموا أي فعل سلام وتعايش مع الشيعة على أنه (مد شيعي) نفس طريقة تفكير الدواعش الذين رأوا كل فعل سياسي يقرب بين المسلمين ويحقن الدماء يصب في مصلحة خصومهم، فكان القرار النهائي منهم بإعلان الحرب المذهبية وقتل فقراء الشيعة في الأسواق والمعابد والمجالس..لا لأنهم مجرمون..بل لأنهم يخالفوهم رؤيتهم الدينية، وياللعجب إنهم نفس العقول التي قتلت مئات المسيحيين في الكنائس بنفس الحجة وهي (الكفر والشرك) وياللعجب أيضا..إنهم نفس العقول التي قتلت 300 صوفي بعد صلاة الجمعة في مجزرة مسجد الروضة بسيناء ..تلك المجزرة المتوحشة التي أعلنت واستغاثت بكل عقل وضمير أنقذوا البشر من أعداء الله والإنسانية.

وهم أيضا نفس العقول التي قتلت الشاب.."عمر باطويل"..في عدن بتهمة الإلحاد، هكذا هم.. كل مخالف عدو، وكل عدو محارب، فإذا اختلفت معهم ولو في شئ صغير أعلنوا الحرب عليك.

لكن نعيد ونكرر، أن هذه الجرائم لم تكن لتحدث إلا بعد غياب مفهوم الدولة عن العامة، هذا المفهوم الذي يعني الانضباط والتقيد بالقانون والدستور..ورؤية الحكومة وممثليها كقدوة ، كل هذا الآن معدوم..بالتالي أصبح تكرار هذه الجرائم والتهديدات شئ طبيعي في مجتمعات عنيفة كالعرب، فالدولة غير قادرة على ضبط الإيقاع وحصار التعصب الذي طال أيضا مجال كرة القدم وأوقع عشرات الشباب قتلى وجرحى..وبعد 4 سنوات من حكم السيسي الآن لا تجرؤ الدولة على عقد مباريات الكرة بجمهور خوفا من تكرار تلك المآسي، والناظر المدقق يرى أن فشل الدولة في حماية جمهور الكرة هو دليل على فشلهم في حماية أرواح الشعب والجنود من الإرهاب..

أعود للشيخ نشأت زارع، وأحيط القارئ علما أن الشيخ هو صديق تنويري عزيز منذ سنوات ، وقد استشارني قبل الزيارة قلت له.."علاقتنا بالعراق جيدة وزيك الأزهري ولغتك المتسامحة سلاحك"..وأثناء الزيارة تمنى أن أرافقه كصديق وداع للسلام والتعايش..في سلوك شكرته عليه بالطبع ..فالرجل يدرك أنني لست أزهريا فلا صفة لي إذن كمرافق، ولكن من أدبه الجم المعروف عنه عَرَض الأمر عليّ كما عَرَضَهُ على العشرات غيري من الخطباء والأئمة من نفس اتجاهه.

الشيخ نشأت هو ضحية للعزلة والانغلاق الذي ساد عصر السيسي، كان هناك أمل بالانفتاح والتنوير بعد ثورة يونيو لكن خاب أملنا في الرجل، فقد دعم الفتنة الطائفية بقرارات وسياسات تشجع آل سعود على التمادي، فاللوم إذن ليس على العوام أو الشيوخ بقدر ما هو لوم على المثقفين والسلطة، فالمثقف قد اختار الانزواء بعيدا خشية السلطة التي فتكت بكل معارضيها ولم تفرق بين إخواني وليبرالي، أو بين إرهابي ومسالم، أو بين مفكر وجاهل..فالطبيعي أن يؤدي هذا الإقصاء إلى العنصرية والطائفية المتمكنة الآن من مفاصل الدولة والأزهر..والتي عليها يجري التهديد بمحاكمة الشيخ على فعل قد فعله الأنبياء جميعا دون استثناء..وهو الدعوة للعدل والتعايش ومقاومة الظلم..

إذا أردتم محاكمة الشيخ نشأت فحاكموا النبي محمد الذي دعا للصلح بين الأوس والخزرج والمؤاخاه بين المهاجرين والأنصار، أو حاكموا النبي موسى الذي دعا فرعون بالكف عن ظلم الناس وتأليهه لنفسه ، أو حاكموا السيد المسيح الذي دعا لمسامحة كل الخصوم وجعل عدوه الأول هو الكراهية..ولماذا نذهب بعيدا؟..حاكموا لجان الأزهر التي ذهبت للعراق عام 2006 بأمر من شيخ الأزهر وقتها محمد سيد طنطاوي دعما للتعايش ودرءا للفتنة المذهبية..وهي نفس اللجان التي سار على دربها الشيخ نشأت ورفاقه..

إن مهمة زارع ورفاقه هي بناء المستقبل وتربية جيل جديد يفهم معنى الحياه، فبدلا من أن نرى مشاهد قتل جديدة على الهوية نرى إنسان يزرع شجرة ويبني مصنع ومستشفى لعلاج الناس، بدلا من أن نرى قتل الشيعة والمسيحيين والملحدين نرى إحياء أنفس هي أقدس عند الله من أحجار الكعبة..إن مهمة الرجل هي علاج كل آفات عصر مبارك والسادات التي زرعت مشاعر الكراهية وإقصاء الناس على رأيهم الديني..إن مهمته في بناء الناس هي عمليا تساهم في بناء الدولة التي نحلم بها..دولة العدل والأمن والأمان..

أتذكر بعد استشهاد المرحوم فرج فودة سادت عند المتطرفين نفس دعاوى الانتقام من أي علماني كما سادت بالضبط نفس الدعاوى الانتقامية من الشيعة، والفتن الطائفية ضد المسيحيين في مصر والبهائيين زكمت رائحتها الأنوف ووصلت لمنابر المجتمع الدولي، بينما تنظر الحكومات لهذه الأفعال القذرة على أنها شئ عارض لن يتكرر، ويتناسون أن الأجيال الجديدة في مصر نشأت على أفكار حسان وقطب والحويني وكشك وسائر أقطاب التطرف والإرهاب، لقد انتهى الجيل الذي نشأ على أفكار طه حسين ويوسف السباعي ويحيى حقي وأنغام عبدالوهاب وأم كلثوم..أو بالأحرى ينازع حقه في الحياه ويصر على الرحيل معتكفا في محراب العلم والأدب.

وأتذكر أيضا كيف أن الإعلام المصري بعد اندلاع الفتنة المذهبية في العراق عام 2006 كان طائفيا يؤيد جماعات القتل السنية على حساب جماعات القتل الشيعية، انحاز مذهبيا للقَتَلة..وفي مجلة روزاليوسف استضافوا أحد أقطاب الفتنة الشيخ اللبناني السلفي.."محمد علي الجوزو"..أحد المحرضين على الفتنة المذهبية بالفتاوى والآراء الداعمة للميلشيات، والذي تبنى إنشاء جماعة سنية مسلحة في لبنان على غرار حزب الله، تخيل هذه روزاليوسف المشهورة بتوجهها العلماني..انحازت طائفيا واختفت العلمانية على صفحاتها بسرعة البرق..لكن الأغرب لي والذي لم أستسيغه أبدا حتى اليوم كيف أن الصحفي المميز.."عبدالله كمال"..هو من يجري هذا الحوار؟!

ما فائدة إجراء حوار صحفي مع طائفيين ودعاة حروب؟..إن النتيجة الحتمية لمثل هذه الحوارات السيئة هو إشاعة الكراهية والتربص، وبدلا من أن نحقن الدماء نسيلها أنهارا كما سالت في معركة نهر الدم الخالدة في التراث، وبدلا من أن نشيع السلام نشيع الحروب حتى تفتك بمجتمعاتنا فردا فردا..وجماعة جماعة.

هذه ضريبة التخلي عن الديمقراطية وإشاعة الاستبداد..فالديمقراطية ليست فقط في السياسة، إنها تُعلّم الناس الحب والتواصل والفهم..إنها أداة مميزة للتنوير لا يعرفها المستبدون المهاويس بكراسي السلطة، أصحاب اللحى والعمائم تضرروا أيضا من الديمقراطية لنزعها عنهم (حق) الكراهية والإقصاء، أصبحت القضية عند المستبدين وأصحاب اللحى هلموا أيها الناس نقتل أي ديمقراطي أراد منازعتنا في أملاكنا ومصالحنا..فهم لم يشبعوا بعد من دماء السوريين والعراقيين واليمنيين، إنما يريدون مصر أن تدفع ثمن حماقتهم، حتى المثقفين سكنت أقلامهم وأشهرت فقط باتجاه الفتنة والدخول في جوقة المطبلين والراقصين على جراح وآلام الناس..

يبقى التأكيد على أن الحل الوحيد للفتنة المذهبية الحالية بين المسلمين هو في (العلمانية) وتنحية الشيوخ تماما عن المشهد، فإذا لم يتحدثوا بخير كما فعل الشيخ نشأت فلا يتحدثون، لأن صمتهم الآن أصبح فضيلة، وكما يُقال في الأمثال المصرية.."نوم الظالم عبادة"..نقول.."صمت الشيوخ الآن هو أعظم عبادة"..!







التعليقات


1 - الدين والديناميت - عنوان كتاب صدر في الستينيات
الرفيق صلعم البرجوازي ( 2018 / 2 / 9 - 10:22 )
توجد شعوب لا نية لديها للتقدم . لكونهم قايمين نايمين لا يشغلهم سوي السخام : الدين
وقال فيسلسوف الشعراء وشاعر الفلاسفة أبو العلاء
اثنان أهل الأرض : دين بلا عقل , أو عقل بللا دين

اخر الافلام

.. مصر تقاضي عددا من عناصر تنظيم الإخوان


.. قالوا| عن تقسيم سوريا والإسلام السياسى


.. آلاف الأقباط والمسلمين يشيعون جثمان شهيد سيناء بـ«الدقهلية»




.. اتفاق تاريخي بين الصين والفاتيكان لتعيين أساقفة


.. وزير الأوقاف يتفقد كلية الدراسات الإسلامية