الحوار المتمدن - موبايل



محمد عبده ومهمة تأسيس العقل الثقافي

ميثم الجنابي

2018 / 2 / 11
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع


كانت المبادئ الكبرى المتوحدة في الفكرة الإصلاحية لمحمد عبده نتاجا منطقيا لفلسفته الإصلاحية. بمعنى أنها كانت تحتوي في أعماقها على وحدة التأسيس الأولي لما يمكن دعوته بالعقل الثقافي الذاتي، والروح الثقافي القومي، والفكرة السياسية الإسلامية. بمعنى أنها كانت تحتوي من حيث توجهها العام على تأسيس أبعاد ثلاثة كبرى تعمل من اجل توحيد وعي الذات الثقافي المتحرر من نير التقليد، والوعي الثقافي الذاتي (القومي) والوعي السياسي المبني على فكرة العدالة والحق.
غير أن هذا التوحيد الفكري لم يرتق إلى مصاف الرؤية المنهجية النظرية. بل كان اقرب إلى كمية متراكمة من المواقف والأفكار في مجرى تفتح ملامح المبادئ الكبرى للفكرة الإصلاحية الإسلامية عند محمد عبده.
لقد كان التوجه العميق والتلقائي في تأسيس العقل الثقافي الذاتي النتيجة الملازمة لصعود الرؤية النقدية. فالإصلاحية نقدية بالضرورة. والإصلاحية الإسلامية ليست نقدية فحسب، بل وتلقائية من حيث اختمار أفكارها وقيمها ولحد ما منهجية رؤيتها الوثيقة الارتباط بتجارب الأسلاف وقيم الثقافة الغابرة. لكنها ليست تقليدية. وليس مصادفة أن يتحول نقد التقليد إلى إحدى أهم المقدمات المنهجية والنظرية في الفكرة الإصلاحية. غير أن ما يميز الفكرة الإصلاحية الإسلامية لمحمد عبده هو أنها كانت ترتكز دوما على رؤية ثقافية إسلامية عقلانية وواقعية وإنسانية، أي أنها كانت تعتمد أولا وقبل كل شيء على أولية وجوهرية الموقف الثقافي.
فقد رفع محمد عبده فكرة النقد إلى مصاف الفكرة المتسامية. بحيث نراه يقول "الانتقاد نفثة من الروح الإلهي في صدور البشر" . بل واعتبرها مصدر التطور وشحذ المعرفة وتدقيقها. كما أكد على انه بدون النقد لا تتوسع المعارف ولا تتجلى الحقائق ولا يعرف الحق من الباطل . وان عدم الاستماع إلى النقد أو رفضه ومحاربته هو دليل على موت الروح والعقل. وليس مصادفة ألا يترك أية ظاهرة تخل بإمكانية الإصلاح أو عرقلته أو إعاقته دون أن يتطرق إليها بالنقد العميق واللاذع. إلا أن موقفه المنهجي ظل متماسكا حتى النهاية فيما يتعلق بوضعه التقليد والجمود الفكري والعقلي في أساس التخلف والانحطاط.
انطلق محمد عبده بنقده أولا للجمود الديني واستكمله بنقد مختلف مظاهر الجمود بوصفه الوجه الآخر للتقليد. إذ أن كل منهما يحدد ويمد الآخر بقوته المخربة للعقل والضمير. من هنا اعتباره الجمود جناية. فنراه تكلم عما اسماه بجناية الجمود على النظام والاجتماع، وجناية الجمود على الشريعة وأهلها، وجناية الجمود على العقيدة وغير ذلك. ووضع في الجناية الأولى "جناية التفريق وتمزيق نظام الأمة وإيقاعها فيما وقع فيه من سبقها من الاختلاف وتفرق المذاهب والشيع في الدين" . أما في جناية الجمود على الشريعة وأهلها فوجدها في انقلاب المضمون والوظيفة العملية للشرعية. انطلاقا من أنها كانت في الأصل يسيرة وأصبحت الآن عسيرة. بينما ارجع مضمون جناية الجمود على العقيدة في نسيان أو تجاهل ثلاث مبادئ مترابطة ومركبة وهي أن الإيمان يعتمد اليقين ولا يجوز الأخذ فيه بالظن، وان العقل ينبوع اليقين في الإيمان، والإيمان فيما بعد ذلك من علم الغيب. بعبارة أخرى، أن الجمود الديني أدى إلى نفي حقيقة الدين بالمعنى الإصلاحي. فقد اعتبر محمد عبد العقل هو الحلقة الرابطة والقوة الجوهرية بالنسبة للإيمان الحق وليس قواعد العقائد الميتة. فالإيمان بالنسبة له يقين، والعقل هو مصدر هذا اليقين. وما يقع خارج ذلك فهو من علم الغيب، أي من عوالم لا يحق الحكم بها بصورة جازمة وتحويلها إلى مصدر للأحكام العملية. وعدم الأخذ بذلك يعني المراوحة في مستنقع التخلف والانحطاط المادي والمعنوي وخروجا على حقيقة الإسلام. من هنا فكرة محمد عبده عن أن الدين هو الذي كان "يطلق العقل في سعة. فلما وقف الدين وقعد طلاب اليقين وقف العلم وسكنت ريحه. ولم يكن ذلك دفعة واحدة ولكنه سار سير التدرج".
ووضع هذه الفكرة العامة في أساس نقده "للبدع" والحالة الدينية السائدة والأحكام العلمية والتصوف وغيرها مما يرتبط بهذا القدر أو ذاك بظاهرة الجمود والانحطاط الديني. فهو لم يقصد بالبدع سوى جملة الممارسات والمفاهيم المشوهة التي تتنافى مع تقاليد الإسلام العقلية والعقلانية والنزعة الإنسانية. من هنا نقده لممارسات الشعوذة "الصوفية" بوصفها "كرامات" بينما هي في حقيقتها شعوذة وامتهان للجسد والروح الإنساني . وفي الوقت نفسه نراه يدافع عن روح التصوف، ويبعده عما هو سائد ومنتشر من تخلف وانحطاط الطرق والشعوذة. وفي كلتا الحالتين نقف أمام تبجيل خفي للتصوف يكمن من حيث الجوهر في أعمق أعماق الروح الإصلاحي لمحمده عبده. فقد وقف محمد عبده بالضد من الفكرة الواسعة الانتشار آنذاك والقائلة، بان التصوف هو احد الأسباب الكبرى القائمة وراء انحطاط الإسلام والمسلمين. ورد على ذلك بفكرة يمكن إرجاع مضمونها إلى ابتلاء التصوف في أول الأمر بالفقهاء الجامدين على ظواهر الأحكام، ولاحقا بالجهل به سواء ممن يتبع "ترهاته" ومن يجعل منها حقيقة التصوف. وذلك لان "الصوفية الحقيقيون في طرف، والفقهاء في طرف آخر" كمال يقول محمد عبده. لكن فساد كل منهما أدى أيضا إلى تشابكهما في تصنيع التخلف.
لقد وجد محمد عبده في مختلف مظاهر الانحطاط الديني تعبيرا عن الجمود والتقليد للمذاهب والانغلاق. وليس مصادفة على سبيل المثال أن يدعو إلى فكرة الرجوع إلى القرآن والسنة الصحيحة، أي المصادر الكبرى ولكن من خلال فهمها العقلي والعقلاني والواقعي بمعايير المعاصرة أيضا. فعندما يتناول على سبيل المثال قضية العقائد وأهميتها بالنسبة للأحكام العملية، فإننا نراه يشدد على ما اسماه بفكرة الحكم لله وحده بحيث لا يؤخذ الدين عن غيره. غير أن هذه "الحاكمية الإلهية" لا تعني عنده سوى الاجتهاد العلمي والعملي من اجل "تقوية الإيمان وإصلاح النفس". وإذا أخذنا بنظر الاعتبار أن الإيمان بالنسبة لمحمد عبده وثيق الارتباط بالاجتهاد العقلي، وان إصلاح النفس هي منظومة السلوك الأخلاقي والإرادة العملية الخيرة، من هنا يمكن فهم حقيقة المضمون الفعلي للأحكام العملية. بمعنى أنها تخرج من إطار التقاليد الميتة لأحكام القواعد العقائدية والذهبية والفقهية المتعلقة بمتطلبات الجسد والعبادات الباهتة. من هنا نراه يقول، بان بأننا حالما نقر ونعتقد بان لا فعل لغير الله، فان ذلك يعني ألا نطلب شيئا إلا منه. وفي الوقت نفسه أن نفهم بان "طلبنا منه يكون بالأخذ بالأسباب التي وضعها وهدانا إليها"، و"في حالة جهلنا أو عجزنا، عندها نلجأ إلى قدرته ونستمد عنايته وحده". مما سبق يتضح بان مقصود الفكرة هنا يعود إلى الرؤية العقلية الصارمة المتعلقة بضرورة الأخذ بالأسباب الطبيعية والسير بها حتى النهاية بوصفها "سنة الله في الوجود". أما العجز عن بلوغ الأسباب أحيانا، فانه مجرد وقفة في مواقف العلم النظري والعملي التي تكشف عن لانهائية المعرفة. وبقدر ما ينطبق ذلك على العلم ينطبق أيضا على العمل. من هنا فكرة استنتاج محمد عبده القائل، بان الأحكام العملية إنما تشرع لتقوية الإيمان وإصلاح النفس.
وطبق محمد عبده هذا الأسلوب النقدي تجاه مختلف المظاهر المخربة للعقل الثقافي الذاتي. بحيث نراه يتتبع أيضا مختلف الإصدارات والأنماط الكتابية. وليس مصادفة على سبيل المثال أن نراه ينتقد ظاهرة انتشار كتب النوادر والخيال والحب "الفاسد" والروايات الشعبية التي يتلذذ بها العوام بينما يديرون آذانهم عن الاستماع وقراءة كتب الأخلاق وعدم الاهتمام به . وهو موقف ينبع من فكرته الإصلاحية القائمة على ضرورة بناء منظومة القيم والمفاهيم والمبادئ الأخلاقية الضرورية لتكامل المجتمع والدولة وتقدمهما وتمدنهما السليم. ولهذا نراه ينتقد ظاهرة ما يسمى بالأدب الوهمي، من تعظيم مزيف وما شابه ذلك . بل نراه ينتقد بحدة مجلة (أبو نظارة) الواسعة الانتشار آنذاك في مصر بسبب دورها السلبي حسب اعتقاده بالنسبة لتأسيس العقل الاجتماعي والأخلاقي، وذلك لاهتمامها المفرط أو بنائها على منهج إثارة النكات والنوادر السخيفة والولع بالسب والشتيمة . وطبق هذا المنهج في نقده للنقد السائد في الجرائد المصرية. وليس مصادفة أن نراه أحيانا يصور بعضهم بعبارات قاسية مثل قوله "يصورون أنفسهم بأنهم دعاة الحق بينما على حقيقتهم هو رسل الفوضى وجرذان النظام" .
وبقدر ما ينطبق ذلك على مواقفه من مختلف مظاهر الحياة الروحي والأدبية والفكرية، ينطبق أيضا على موقفه من التحليل السياسي والتاريخ السياسي لمصر نفسه. لهذا نراه أحيانا ينتقد التسطيح الفكري في النظر إلى سلوك الدول وسياستها تجاه مصر وبالأخص ما يتعلق منه بالموقف من فرنسا وانكلترا حيث يعتقد بان البحث في سياستهما تجاه مصر عن الدسيسة والوقيعة فقط هو جهل بحقيقة هاتين الدولتين! . لكنه في الوقت نفسه نراه يجد فيهما احد الأسباب الكبرى في إعاقة التمدن الحقيقي. والشيء نفسه يمكن قوله عن احد مواقفه من شخصية ودور محمد علي باشا بالنسبة لتاريخ التمدن الحقيقي في مصر الحديثة. إذ نعثر في موقفه هذا عن رؤية نقدية تستند إلى تاريخ مصر ما قبل الغزو الفرنسي، الذي جعل من صعود محمد علي جزء من حالة القدر. أما محمد علي باشا بالنسبة لمصر فهو "لم يستطع أن يحيي، ولكن استطاع أن يميت". إذ استعمل أسلوب الاستعانة بقوة على أخرى من اجل تصفية كل معارضة. وقضى على الشجاعة والفردية. بحيث لم يبق في البلاد رأسا يعرف نفسه حتى خلعه من بدنه . يرفع الاسافل ويعليهم في البلاد (على عقدة ما فيه). قتل كل نفس قوية. وقضى على الأمراء وجعل من عائلته اميرة واحدة. بل وجعل البلاد المصرية إقطاعا واحده له ولأهله. ثم ادخل النموذج الغربي وسيادة الغربي ودونية المصري. أما الإصلاحات التي قام بها فمن اجل إحكام السيطرة. فهو لم يصلح اللغة ولا التربية ولا القانون ولا أعار اهتماما لأهل البلد ودورهم في الحياة. حاشيته من الارنائوط والشراكسة والأرمن. همهم خدمة السلطة. بلا ضمير ولا شريعة. كما انه لم يهتم بالمدرسة. من هنا انعدام أثرها. كما انه لا قيمة للترجمات التي قام بها. إضافة لذلك انه لم ينشأ صناعة لأنه لا اثر لها. وكذلك الحال بالنسبة للعلوم. والاقتصاد كان مجرد سخرة. قوة الجيش، لم تكن مصرية. من هنا اندثارها. فعندما دخل الفرنسيون كانت هناك مواجهة وقتال، وعندما دخل الانجليز فإنها كانت نهبا سريعا. أما "الدفاع عن الدين" فقد كان صراعا ضد الوهابية. بمعنى انه كان هجوما على الدين لا للدين. وذلك لأنها كانت مهمة سياسية لخدمة السلطان التركي العثماني. بحيث جعله كل ذلك يختتم فكرته عن آثار ودور وشخصية محمد علي باشا بالنسبة لتاريخ مصر الحديث بعبارة تقول "كان محمد علي لمصر قاهرا ولحياتها معدما" . ولم تخل هذه النظرة من حماسة محمد عبده السياسية في مجرى معارضته آنذاك للخديوي عباس حلمي. غير أنها كانت تحتوي ضمن سياق رؤيته النقدية على ملامح قوية فيما يتعلق بتأسيس العقل الثقافي الذاتي. فمن الناحية السياسية المجردة قد تختلف اختلافا كبيرا عما في تقييم أستاذه الأفغاني الذي وجد في شخصية محمد علي باشا حالة نادرة بالنسبة للتاريخ الإسلامي الحديث، إلا أن التقييم الثقافي لها في مواقف محمد عبده ينطوي على أبعاد رزينة وعميقة، أو على الأقل أنها تحتوي على رؤية نقدية عقلية وعقلانية يمكن ملاحظة آثارها في حياة وتاريخ مصر بعد مرور أكثر من قرنين من الزمن.
غير أن الصيغة المثلى والمستوى الأرقى لتأسيس العقل الثقافي الذاتي في إصلاحية محمد عبده تبرز في جدله الفكري والنقدي في الدفاع عن تاريخ الثقافة الإسلامية والإسلام، كما نراها على سبيل المثال في سلسلة المقالات التي كتبها في الرد على هانوتو وفرح انطون. فقد ترك محمد عبده جانبا الهذيان السياسي لهانوتو القائل بضرورة "تلقيح" المسلمين بحب السلطة الفرنسية والخضوع والولاء التام لها، وفي حالة الجمع بين الاثنين طاب الجوار، وإلا فإن فرنسا لها الحق في القضاء عليهم وإزالتهم من وجه البسيطة! واعتبر ما يقوله هانوتو بهذا الصدد جزء من رؤية سياسية تاريخية لو لم يتعرض للإسلام وعقائده. إذ وجد في حصيلة آراء ومواقف هانوتو تعبيرا نموذجيا عن الرؤية التقليدية الفجة للاستعمار الفرنسي آنذاك، مهمتها إثارة العداء بين البشر. إضافة إلى ما فيها من أحكام وآراء تتنافى مع الادعاء بالمدنية والتسامح.
فقد كانت الفكرة الجوهرية للرؤية الثقافية عند هانوتو تقوم على معارضة الآرية بالسامية، وان الآرية هي مصدر التقدم على عكس السامية. وأن المسيحية تتمثل تقاليد الآرية عبر إنزالها الإله إلى التجسيد ومن ثم إلى الله الأب وعبره إلى الابن عبر روح القدس. مع ما في ذلك من تقريب للإله من الإنسان والسمو به. أما السامية فإنها تفصل بين الله والإنسان. وكذلك إذا كانت الجبرية من صفات الديانة السامية، فان من صفات الآرية على العكس، أي إقرارها بالنزعة القدرية.
وعندما وضع محمد عبده هذه الآراء على محك المواقف النقدية، فانه حاول أن يكشف عما فيها من فجاجة وتسطيح تصطدم بحقائق التاريخ. منها إن كانت الهند هي مصدر الآرية فان تراثها وتقاليدها تتعارض مع العقل والنزعة الإنسانية. ولعل شيوع وهيمنة نظام الطبقات هو احد الأدلة على ذلك. أما بالنسبة للتاريخ الواقعي، فان أوربا كانت إلى فترة قريبة موطن الهمجية والتخلف. إضافة لذلك أن ربط المدنية الأوربية بالنصرانية والآرية يتعارض مع ما في الإنجيل. والقضية هنا ليست فقط في أن الأناجيل نفسها صناعة "سامية" بل ولان ما في الإنجيل ودعوته إلى الزهد في الدنيا ومحبة الأعداء قبل الأصدقاء وما شابه ذلك يتعارض مع المدنية الأوربية الحديثة. إذ لا علاقة للمدنية الأوربية الحديثة بالإنجيل والآرية. وذلك لأن ما فيها هو تجسيد لسطوة المال، وسلطان القوة، ومدنية الذهب والفضة، والفخفخة والبهرجة، والاختيال والنفاق. أما من الناحية الفعلية المتعلقة بتطور المدنية والحضارة، فإن الإسلام هو الذي زحف على أوربا من خلال تنظيف وتنقية وتطوير علوم القدماء. ذلك يعني أن الإسلام هو الذي كان يحمل رسالة المدنية الإنسانية عبر تمثل وتوسيع ونشر الحصيلة الثقافة للقدماء (ما صنعته فارس ومصر واليونان والرومان). والشيء نفسه يمكن قوله عن قضية الجبر والاختيار.
لقد وجد محمد عبده في آراء هانوتو تسطيحا وجهلا بالفكر الفلسفي والديني. إضافة إلى تعارضها مع الوقائع والحقائق. فالجبر والقدر جزء من صراع الأفكار. وأنها كانت وما تزال بين النصرانيين كما بين فرق الأديان وغير الأديان جميعا. ثم هل رأيت يهوديا متكئا على قفاه لا يعمل؟ بل سمعنا ونعرف سلوك النصارى في الأديرة والرهبنة. والفكر اليوناني أيضا مليء بالإشارة إلى أثر القدر والبخت والاتفاق، أي مملوء بفكرة الجبرية. في حين يوجد في القرآن نحو أربع وستين آية تحث على الكسب. وفيه محاربة للجبر بكل أشكاله. إضافة إلى أن الإسلام يفرق بين اختيار الإنسان في أفعاله واثر القدرة (الإلهية). وان سلوك محمد وحياته كلها نضال وكفاح وتحد وتعبير عن الإرادة العارمة. وتوّج محمد عبده هذه الرؤية النقدية باستنتاج فكري سياسي وثقافي يقول، بأن مبادئ الصناعة والعمل عند جميع الأقوام المرتقية في سلّم الإنسانية واحدة. أنها تختلف بأسباب المعيشة وظروف الحياة والطبيعة والمناخ والتاريخ، وجميعها يأخذ من الآخر ولا فرق هنا بين سامي وآري. ويعكس هذا الاستنتاج رؤيته النقدية العقلانية والإنسانية الفاعلة باتجاه بلورة وتدقيق ما أسميته بالعقل الثقافي الذاتي، كما هو جلي على سبيل المثال، في مجرى نقده الفلسفي للآراء التي وضعها فرح انطون في مقارناته بين الإسلام والنصرانية، أي كل ما حصل على صيغته النهائية في كتابه (الاضطهاد في النصرانية والإسلام) أو (العلم بين النصرانية والإسلام) .
***







اخر الافلام

.. تنامي القلق إزاء التصيد في غوطة دمشق


.. مغارة بني عاد بولاية تلمسان تحفة علمية بمواصفات خيالية


.. تخيل لو التقيت نفسك فماذا ستقول لها؟




.. موجز الواحدة ظهرا 22/2/2018


.. اليمن.. الحرب ضد القاعدة في وادي المسيني