الحوار المتمدن - موبايل



الخوصصة النقابية

أحمد القنديلي

2018 / 2 / 12
الحركة العمالية والنقابية


في سياق الرأسمالية المتوحشة التي نعبر عنها بإمبريالية العولمة، والتي يشهدها عالمنا المعاصر، تطرح تحديات كبرى على شعوب المركز كما على شعوب المحيط، وعلى الحركة العمالية بالتحديد في هذين المجالين على مختلف المستويات. ففي دول المركز، وفي الولايات المتحدة وأوروبا تخصيصا " تم تفكيك دولة الرفاه. . وأصبحت العودة إلى التايلورية المنفلتة القائمة على تقليص الأجور من أجل كسب سباق المنافسة فرضية لا يمكن الاستخفاف بواقعيتها"(1).
وفي دول المحيط تنامت خوصصة الاقتصاد التابع للدولة لصالح الشركات العابرة للقارات ولصالح الشركات المحلية؛ الشيء الذي جعل العمال معرضين للتسريح الذي شرعنته مدونات رجعية جديدة تتأسس على منطق ليونة اقتصاد السوق، وهشاشة العمل وحرية الرأسمال. وهذا ما جعل الدول المنفذة لمثل هذه المدونات فاقدة لسيادتها ولقيمتها الاعتبارية أمام نفسها، وأمام شعوبها. أما الدول التي ما فتئت تتوفر على الموارد الطاقية والمعدنية، أو على المواقع الإستراتيجية، أو التي كانت تنتمي إلى معسكر الاشتراكية المطبقة فقد تم التدخل فيها إما بهدف تفكيكها، أو بهدف احتوائها.
وهذا معناه أن إمبريالية العولمة لعبت إسترتيجية مزدوجة بهدف إعادة استعمار العالم بطريقة جديدة وبأقل خسارة ممكنة، إما عن طريق التحكم في اقتصاديات شعوب المحيط من الداخل بعد خوصصته، وإما عن طريق تفكيك الدول المحيطية اعتمادا على مقومات الهوية الثقافية أو الدينية أو العرقية، وإما عن طريق الاحتواء على طريق إعادة الرأسمالية بصورتها المتوحشة.
أمام هذا الوضع اللامتكافئ وجدت الحركات العمالية والنقابات العمالية التقدمية نفسها في بلدان المحيط أمام تحديات جديدة لا قبل لها بها. لقد بات مفروضا على الحركات العمالية أن تعيد النظر في تصورها لذاتها كي تكرس الدور الطبيعي المنوط بها، والذي يتمثل في ضرورة التعبئة الشاملة لممارسة النضال الشرس ضد الرأسمالية التابعة المتوحشة بصورة مضاعفة بالقياس إلى مثيلتها في دول المركز. وذلك حتى تتمكن من تحرير ذاتها من استغلال الرأسمال تحريرا شاملا تستطيع به تحرير شعوبها من الاستغلال والاستبداد والتبعية. غير أن الوعي بهذا الدور يبقى بدون جدوى ما لم تنهض به قوى اليسار التي باتت مطالبة بالإنصات إلى بعضها البعض بعيدا عن كل حلقية أو قصر نظر أو وثوقية عمياء. إن الفكر الليبيرالي الذي نناهضه يعلمنا فلسفة الاختلاف على الرغم من أنه في العمق لا يقبل بالمواطنة الكاملة ما دام يدين بمقولة انقسام المجتمع طبقيا، فما بالنا بالفكر الماركسي الذي لا يؤمن بالاختلاف فحسب، بل بالتناقض باعتباره مولد الحقيقة ، وخصوصا حين تنبثق هذه الحقيقة من الواقع المادي الذي لا يرتفع بالفكر ما لم تنكشف حقيقته المادية التي قد لا تبدو للعيان في حينها. ذلك " لأن البنيان الفوقي لا يتحدد فقط بالبنيان السفلي، بل يتحدد أيضا بنفسه الذي يغتني ويتطور خلال عملية الصراع الطبقي." (2)
وإذا كانت الحركات العمالية تمارس نضالها اليومي في إطار النقابات من أجل تحسين أوضاعها الاقتصادية والاجتماعية، فإن هذه النقابات - الديموقراطية فعلا، التقدمية فعلا، الجماهيرية فعلا، المستقلة فعلا، والوحدوية فعلا التي تعنينا في هذا السياق - مطالبة بإعادة النظر في تصورها لذاتها ولدورها لكي تتمكن من مواجهة تحديات العولمة التي أشرنا إليها سلفا. إنها مطالبة بإعادة النظر جذريا في مفهوم التنظيم الذي ينبغي أن يقود إلى النضال الذي يجب أن يواكبه التضامن. إن إقامة الجدل الخلاق بين التنظيم والنضال والتضامن يجعل كل معركة عمالية، مهما كانت صغيرة ومعزولة في المكان، ذات مضمون هجومي رغم الطابع الدفاعي الذي يمكن أن تأخذه أو يفرض عليها. إن أكبر المعارك النقابية قابلة للإنهيار ما لم تتسلح تنظيميا ، وما لم تجد سندا من مجموع القطاعات المحيطة بها، بما يعزز قوتها ويرفع معنوياتها ويحمي ظهرها ويسمع صوتها.
وسنسوق هنا بعض الأمثلة القاسية على الصعيد المغربي، والتي تكشف لنا كيف تقدم الطبقة العاملة تضحيات كبرى، وكيف تحصد الريح في نهاية المطاف:
النموذج الأول: نضالات مفاحم جرادة (1988 ـ1989)
في نهاية تحليل الدارس لهذه النضالات يخلص إلى القول: " وطيلة الشهرين اللذين أعقبا وقف الإضراب تم الاتصال بالشركة ووزارة الطاقة ، وردت الشركة . . . برفض الحوار . . . ولم تبد أي استعداد لتنظيم لقاء مع المسؤولين النقابيين والوفاء بالالتزامات التي قطعتها على نفسها خلال الإضراب. وإذا كانت إدارة المناجم قد خسرت مليار سنتيم ونصف خلال الإضراب، فإن العمال من جهتهم خسروا شهرا كاملا من النضال المستميت وعادوا إلى الأشغال الشاقة دون تحقيق أي جزء يسير من مطالبهم، ثقة في تعهد شفوي عصفت به الريح بعد برهة من صدوره" (3)
النموذج الثاني: نضالات جبل عوام (1993)
في خاتمة دراسته لهذه النضالات استخلص الدارس الخلاصة التالية: " أبانت العزلة التي ميزت كامل فصول معركة جبل عوام طيلة سنتين واقع أزمة الحركة النقابية بالمغرب والمجهودات الجبارة المطروحة على كافة المناضلين الذين يحرصون على مستقبل النضال العمالي بالمغرب من أجل حركة نقابية طبقية. كما أبانت أن أسلوب النضال هو الكفيل بتحقيق المكتسبات، وهو الكفيل بتنمية وعي العمال وثقتهم في تنظيماتهم الذاتية، وفي قدرتهم على دك ذاك الوحش الرأسمالي. " (4)
النموذج الثالث: نضالات السككيين (1995)
فبعد استقصائه لمختلف أطوار هذه النضالات، خلص الدارس إلى القول: " لقد رفضت البيروقراطية النقابية أن تعتمد على كفاح السككيين لتوسيع رقعة النضال . . . ولم تسع الأجهزة النقابية في أية لحظة لتعزيز العمل النضالي وتعميم الإضراب وإنشاء صندوق للتضامن . . . " (5)
وهكذا يتضح أن قيمة أية معركة عمالية لا تكمن في حجم المنخرطين فيها ، ولا في أهمية وحيوية القطاع المضرب، بل في الأداء التنظيمي للنقابيين الكفاحيين ، وفي إدارتهم الديموقراطية لمختلف أطوار الصراع، وفي الفعل التضامني الذي يحيط بالمعركة العمالية سواء من طرف القطاعات الأخرى، أو من طرف القوى السياسية والإطارات الحقوقية المناضلة .
كما أن النقابات المناضلة التي تعنينا في هذا السياق مطالبة لكي تواجه التحديات المحيطة بها داخليا وخارجيا، أن تعيد النظر في أدوارها من خلال الجواب الجدي عن مجموعة من الأسئلة المؤرقة من قبيل:
ـ سؤال التشغيل في ظل التسريحات التي تشرعنها مدونة الشغل الرجعية الجديدة.
ـ سؤال التعويض عن الطرد من أجل الحيلولة دون نقل ملفات العمال من ساحة النضال إلى ساحات المحاكم.
ـ سؤال البطالة الذي يفرض تنظيم المعطلين ليس من أجل ربط معركتهم بتحقيق مطلب الشغل فقط ، بل من أجل ضمان انخراطهم مستقبلا في العمل النقابي باعتباره أساس كينونة العامل في أي قطاع اشتغل به.
ـ سؤال الفئوية الذي عجزت النقابات حتى الآن عن التعاطي معه بمنطق شمولي يحول دون تشكيل إطارات ظرفية لا سقف لها سوى ترميم وضعية هذه الفئة أو تلك.
ـ سؤال الخوصصة النقابية، هذه الخوصصة التي تعدم الفعل النقابي المناضل. إن العدوين الأكبرين اللذين يواجهان الحركة العمالية اليوم هما البيروقراطية والتشتت النقابي. إنهما يقفان " سدا منيعا أمام نمو الوعي الطبقي لدى العمال بسبب طغيان الاقتصادوية والشقاق وسط النقابات". (6) ففي الوقت الذي كان من المفروض أن تعي الحركة النقابية المناضلة أهمية الوحدة النضالية كمقدمة للوحدة النقابية لمواجهة التعقيدات التي أفرزتها إمبريالية العولمة، نلاحظ على الصعيد المغربي تزايد وتيرة الانقسام النقابي بصورة أصبح معها المرء لا يرى أي أفق إيجابي لنضال الحركة العمالية. وإذا كان من السهل اعتبار البيروقراطية العامل الرئيسي في الانقسام النقابين فإن النزعة الحزبية الضيقة الأفق تبقى العامل الأخطر ليس في تقسيم النقابات، بل في خوصصتها، وجعل كل نقابة مخوصصة تتناغم مع الموقف الحزبي في هذه اللحظة الانتخابية أو تلك. ذلك لأن كل الأحزاب السياسية التي أنشأت نقابات ملحقة بها افتقدت كل أساس إيديولوجي من شأنه أن يبلور مشروعها السياسي المستقل في هذا الاتجاه أو ذاك سواء كان هذا المشروع ليبيراليا أو اشتراكيا ديموقراطيا أو ديموقراطيا اجتماعيا أو اشتراكيا.
وهذا معناه أن هذه الأحزاب فقدت مفهومها ودورها الطبيعي، وتحولت إلى شركات توظف الرأسمال البشري في مقاولاتها الانتخابية، من جهة من أجل تأثيث المشهد السياسي بمسحة ديموقراطية، ومن جهة من أجل تعبيد الطريق أمام متنفذيها كي يمارسوا الفساد بمختلف أشكاله من قبيل الارتشاء والإرشاء والتهرب الضريبي والاستفادة من الريع. . .
وعلى هذا الأساس نعتبر تجريم العمل في هذه النقابات المخوصصة شعارا ضروريا للمرحلة من أجل جعل الحركة العمالية تعيد بناء ذاتها، ومن أجل أن تملك من الوعي ما يؤهلها لبوصلة مشروعها التاريخي انطلاقا من الوعي بمصلحتها وبحلفائها.
انطلاقا من 1960 بدأت " تظهر بوادر انحراف قيادة الاتحاد المغربي للشغل عن المسار التقدمي للنضال السياسي " (7) وهذا ما يتجسد في "سياسة الخبز " التي استفاض الدارسون في تحليلها. غير أن هذا الاختيار الذي ساهمت فيه أطراف مختلفة، هو ما مكن البيروقراطية من التحكم في الحركة العمالية بعد أن حققت مكتسبات هامة، وحفز على الدخول في الخوصصة النقابية. ولقد كان حزب الاستقلال أول حزب سياسي فكر في هذا الأمر حين أنشأ نقابة خاصة به سميت ب " الاتحاد العام للشغالين بالمغرب " سنة 1960. وبالفعل فقد ساندت هذه النقابة الحزب وأمدته منذ ذلك الحين بقوة لا يستهان بها في مختلف الانتخابات النيابية والمحلية. أما عمال هذه النقابة فلم يحققوا أي مطلب من مطالبهم الاقتصادية والاجتماعية خارج التوافقات والتدخلات الشخصية، والأنكى من هذا كله أن هذه النقابة غالبا ما ساهمت في تكسير الإضرابات وفي الاصطفاف إلى جانب الرأسمال ضدا على مصلحة المنتسبين إليها.
وبموازاة تشكل هذه النقابة المخوصصة تم تشكيل نقابات مخوصصة صورية أخرى كثيرة يصعب الحديث عنها لأن لا تاريخ لها (اتحاد نقابات الشغالين الأحرار 1963) ( النقابة الديموقراطية للشغل بالمغرب1973) (الاتحاد العمالي المغربي 1963 ) الاتحاد المغربي للحركة 1976 ) ( الاتحاد الوطني لنقابات الشغالين الأحرار 1977 ) ( الاتحاد الوطني للشغل 1973) . . . والأمثلة كثيرة.
وفي سنة 1978، وفي سياق ما يصطلح عليه الشهيد عمر بن جلون بالجمود الذي استمرت البيروقراطية تفرضه على العمال داخل الاتحاد المغربي للشغل اضطر عدد من المناضلين داخل هذه النقابة إلى التفكير في إطار جديد كان هو الكونفدرالية الديموقراطية للشغل. وعلى الرغم من أن عمر بن جلون كان يتجنب في تحليلاته الطرح الخاطئ للمشكل والذي يتمثل في خلق نقابة جديدة، وهو الطرح الخاطئ الذي " يغفل أسباب المشكل وعلاقته بنضال التقدميين، كما يغفل التطور الكيفي الذي وقع في صفوف الطبقة العاملة" (8)، على الرغم من هذا اضطر عدد كبير من المناضلين من داخل الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية ومن خارجه إلى الخروج بمركزية نقابية جديدة . وقبيل التأسيس ولحظته وبعده تجاذب موقفان مسار الكونفدرالية الديموقراطية للشغل:
ـ أما الموقف الأول فكان يسعى جاهدا إلى خوصصة النقابة. وعلى الرغم من هيمنته البيروقراطية منذ التأسيس، فإنه لم يتمكن من تحقيق هدف الخوصصة . لقد ظلت القواعد التقدمية المتنوعة المشارب الإيديواوجية والسياسية تحول دون تحقيق هذا المسعى: تنجح هنا وتفشل هناك، ولكن صوتها لم يخفت أبدا؛ الشيء الذي يفسر استمرار الجذوة النضالية للكونفدرالية وتماسك قواعدها غير أنه ينبغي ألا ننسى هنا أن هذا الصراع المرير أهدر وقتا ثمينا كان من الممكن استغلاله في التأطير والتنظيم والتكوين...
غير أن موقف الخوصصة النقابية هذا تمكن من التعبير عن نفسه في سياق لاحق (أبريل 2003) حين أنشأ الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية نقابة أخرى سماها " الفيدرالية الديموقراطية للشغل". وجدير بالذكر هنا أن القيادة المتنفذة للإتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية كانت قد حسمت أمرها والتحقت بالمشروع المخزني في إطار ما سمي بالتناوب التوافقي ضاربة بعرض الحائط كل التراث النضالي للحزب، ومجمل الأفكار التي نحتها والتي ينتمي بعضها إلى الاشتراكية الديموقراطية، وبعضها الآخر إلى الديموقراطية الاجتماعية.
ـ أما الموقف الثاني فقد عانى من الجمود البيروقراطي داخل الاتحاد المغربي للشغل، وسعى جاهدا إلى بناء المركزية النقابية الجديدة على أساس الربط الجدلي بين النقابي والسياسي . غير أن السياسي وإن تمكن من شحن الكونفدرالية بطاقة نضالية لافتة، فقد استمر ضبابيا لا يفتح الطريق أمام الوعي الطبقي للطبقة العاملة، أحيانا يتناغم مع الطروحات الديموقراطية في الساحة السياسية، وأحيانا يكتفي بالتناغم مع هذه الأطروحة الحزبية أو تلك بحسب ميزان القوى داخل النقابة. ولعل هذا ما يمنح البيروقراطية داخل ك .د. ش مظهرا آخر يتجاوز المظهر الاقتصادوي داخل إ م ش، وبنذر بأفدح المعضلات.
حين تشكلت الفدرالية الديموقراطية للشغل كنقابة مخوصصة حصل ارتباك لافت داخل النقابة الأم . ذلك لأن الأمر تعلق في العمق بانقسام عمودي كان بإمكانه أن يعصف بكل شيء. غير أن ما مكن الكونفدرالية الديموقراطية للشغل من الاستمرار هو قدرة القوى اليسارية الداعمة لها على تحصينها اعتمادا على المبدأ الأصلي الذي تأسست عليه، والذي يتمثل في مناهضة " سياسة الخبز " ، وفي الربط بين السياسي والنقابي. أما الفدرالية الديموقراطية للشغل، فإنها وإن تمكنت جزئيا من بناء ذاتها اعتمادا على قطاعات البورجوازية الصغرى، فإنها برهنت منذ البدء على أنها تتجه نحو الباب المسدود ما دامت قد استنسخت تجربة حزب الاستقلال السابقة في ظروف مغايرة تماما. لقد ارتكب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية خطأ قاتلا على المستوى النقابي حين فكر ـ وهو يمارس حضوره في الحكومة ـ في إنتاج نقابة مخوصصة لم تقدم له قيمة مضافة، بل أفقدته قيمته الاعتبارية أمام ذاته، وأمام صناديق الاقتراع.
صحيح أن الخلفية هنا تتجاوز مجرد إنشاء إطار نقابي جديد بمنطق حزبي يسعى إلى تسوير الحزب بمجموعة من الإطارات الاجتماعية التي تضمن قوته المفتقدة. لقد كان الأمر يتعلق في العمق برغبة جامحة في خلط أوراق العمل النقابي ، وكبح النضال المطلبي للطبقة العاملة المغربية سواء اتخذ هذا النضال شكلا خبزيا، أو تجاوزه إلى شكل آخر ذي معنى يجعل للخبز نكهة خاصة.
ومن النقابات التي لا تاريخ لها والتي استمرت بدون تاريخ منذ تأسيسها سنة1973، الاتحاد الوطني للشغل. لقد استمر هذا الإطار على الورق لا يظهر إلا في فاتح ماي من كل عام ليس على الأرض، بل في الإعلام الرسمي ، وذلك إلى حدود أواسط التسعينات من القرن الماضي حين اهتدى حزب العدالة والتنمية إلى ضرورة اعتماد نقابة خاصة به أي نقابة مخوصصة لممارسة الحضور على المستوى النقابي بعيدا عن الانخراط في أية نقابة قد لا يهيمن فيها إلا بعد عقود.
وبقدر ما تمكن هذا الحزب بسرعة من احتضان فئات عريضة من الجماهير وتسخيرها في الانتخابات تحت يافطة إسلام انتخابي، بقدر ما تمكنت نقابته هي الأخرى من ممارسة حضورها في بعض قطاعات البورجوازية الصغرى. لقد حرصت هذه النقابة منذ البدء تحديد أفقها الذي يختزل العمل النقابي للشغيلة في " شق مطلبي مادي يركز على المطالب المادية كالزيادة في الأجور . . وشق معنوي يتعلق بتأمين الحق في العمل النقابي . ."(9) وهذا ما جعل هذه النقابة رديفا اجتماعيا للخطاب الحزبي، فما يعجز الحزبي عن قوله اجتماعيا واقتصاديا، يقوله النقابي بلغة نقابة مطلبية؛ الشيء الذي يعني أن النقابة مخوصصة بامتياز، لكنها عوض أن تنتج خطابا نقابيا حقيقيا تنتج خطابا متهافتا يعبر عن أزمة الحزبي المزمنة فيما يتصل بالقضايا الاقتصادية والاجتماعية التي لا يملك لها جوابا مقنعا، ليس فيما يتعلق بالطبقة العاملة فحسب، بل فيما يتصل بالمشروع السياسي العام.
ولعل هذا ما يمكن للمتتبع اكتشافه إذا ما تمعن في المبادئ التي تتأسس عليها هذه النقابة ( الأصالة، الالتزام، المسؤولية، الشورى والديموقراطية، الاستقلالية، الجماهيرية ) وقرأها قراءة نقدية. فلا وجود في مجمل هذه المبادئ لروح تتصل بالنقابة والعمل النقابي.
غير أن المتأمل لبيانات ومطالب هذه النقابة يلاحظ دونما عناء صياغتها الدقيقة والواضحة، ويرجع السبب بكل بساطة إلى أن أطر وهيئات هذه النقابة لا ينحتون المطالب بجهد فكري من خلال الممارسة النقابية والجهد اليومي وسط الشغيلة، بل يكتفون بإعادة صياغتها من خلال معاينة البيانات والمطالب التي تصدر عن المحيط النقابي.
لقد حاولنا استقراء ثلاثة نماذج من النقابات المخوصصة بالمغرب الحديث والمعاصر ـ الاتحاد العام للشغالين بالمغرب ، الفدرالية الديموقراطية للشغل ، الاتحاد الوطني للشغل ـ . ولقد لاحظنا كيف أن كل نموذج يسعى ما أمكنه إلى تشتيت الطبقة العاملة وتمزيق ملفها المطلبي وطمس وعيها الطبقي. والحقيقة أن هذه النماذج نجحت إلى حد كبير في تحقيق أهدافها. غير أن التجارب التاريخية تعلمنا أن الطبقة العاملة مبدعة الجدل المادي تتعلم في الظروف القاسية أكثر مما تتعلم في الظروف العادية ، وهي في جميع الأحوال ليست مسؤولة عن وضعها. . . هناك تجارب أخرى من النقابات المخوصصة التي يحبل بها المشهد النقابي بالمغرب المعاصر، والتي لم يتسع لنا الوقت لدراستها ـ المنظمة الديموقراطية للشغل ، الهيئة الوطنية للتعليم الإعدادي ، النقابة المستقلة للتعليم الابتدائي . . . ــ إن هذه النماذج وغيرها تكشف جراحات أخرى حين يفكر فيها المرء يشعر بالدوار. "إن كل جرح تافه، وحتى كل خدشة يصاب بها كل إنسان في حياته عشرات المرات من شأنه أن يتحول إلى مرض فادح الخطر، وأن يتحول حتما في بعض الأحيان إلى مرض فتاك إذا شرع الجرح يتقيح، وإذا أصيب الدم بالتسمم. هكذا يحدث في جميع النزاعات أيا كانت، حتى الشخصية منها، وهكذا يحدث في السياسة أيضا." (10)
خاتمة
إن الخطاب الكنائي المضمر في تحليلنا يتوجه إلى قواعد وقيادات المركزيتين النقابيتين الفاعلتين فعلا في الساحة النقابية المغربية: الاتحاد المغربي للشغل، والكونفدرالية الديموقراطية للشغل. فإذا كان ثمة من شعار مركزي ينبغي الاشتغال عليه في المرحلة الراهنة بالقوة اللازمة من قبل القواعد فهو شعار الوحدة النضالية في أفق الوحدة النقابية. وإذا كان ثمة من عمل شجاع وجسور ، يتجاوز تركة الماضي، يمكن أن تقوم به قيادات هاتين المركزيتين النقابيتين فهو الدفع في هذا الاتجاه من خلال الانفتاح الديموقراطي على القواعد، وتجاوز الانغلاق البيروقراطي الذي لا يفضي إلا إلى الكوارث التي تعبر عنها الخوصصة النقابية في مشهدنا النقابي الراهن.


الهوامش:
(1) سمير أمين : نقد روح العصر، ترجمة د. فهمية شرف الدين، دار الفارابي ، شركة المطبوعات اللبنانية ، لبنان سنة 2003 ، ص: 74
(2) غرامشي نقلا عن كتاب "الماركسية والدين " فيصل دراج، سلسلة دليل المناضل، دار ابن خادون، ط 1، سنة1978 ص: 38
(3) جريدة الطريق ع: 52 سنة 1990
(4) جريدة النهج الديموقراطي ع 2 سنة 1995
(5) نفس المرجع
(6) الشيوعي نشرة داخلية للنهج الديموقراطي ع: 1 أبريل 2009 ، ص:12.
(7) محمد نجيب بنسبعة : مجلة ابحاث ع:13 ،سنة 1986، ص: 61.
( 8) عمر بن جلون مجلة الجسور ع:4 السنة الأولى ، يناير مارس 1982، ص: 143.
(9) جريدة التجديد 09/09/2003.
(10) لينين: حول الدياليكتيك : دار التقدم ، موسكو ، ص: 82.







اخر الافلام

.. نقيب المهن الرياضية: 26 نقابة فرعية وافقت على تعديل الدستور


.. تأجيل الإضراب الشامل بقطاع غزة إلى يومي الخميس والجمعة


.. نقابة العلاج الطبيعى تستنكر رفض نقيب الأطباء قانون مزاولة ال




.. العلاج الطبيعى تهاجم نقابة الأطباء: تتاجر بالمرضى


.. العاملون في قطاع الصحة يتظاهرون في الجزائر